المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قاعدة في التقرير والسكوت



د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
10-12-31 ||, 07:17 AM
قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله:




قاعدة في التقرير والسكوت

ذكر في فن الأصول من ذلك: أن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا سئل عن واقعة فسكت عن جوابها، فيدل ذلك على أنه لا حكمَ لله تعالى فيها، فأما إن فُعِلَ فعلٌ عنده أو في عصره، وعلم به قادرا على الإنكار فلم ينكره، فإن كان معتقدا لكافر، كالمصلي إلى الكنيسة فلا أثر للسكوت إجماعا، وإلا دل على الجواز إن لم يسبق تحرير وعلى النسخ إن سبق، لأن في تقريره مع تحريمه ارتكابَ محرم، وأيضاً فيه تأخر البيان عن وقت الحاجة لإبهام الجواز والنسخ، وقد تصدى النظر وراءَ ذلك في صور:

أحدها: أن يخبر صلى الله صلى الله عليه وسلم عن وقوع فعل في الزمن الماضي على وجوه من الوجوه، ويحتاج إلى معرفة حكم من الأحكام، هل هو من لوازم ذلك الفعل؟
فإذا سكت صلى الله عليه وسلم عن بيان كونه لازما، دل على أنه ليس من لوازم ذلك الفعل، وله أمثلة:
المثال الأول: أن يخبر صلى الله عليه وسلم بإتلافٍ يحتاج إلى معرفة تعلق الضمان به أو عدم تعلقه، كإتلاف خمر الذمي مثلاً، فسكوته على وجه من الوجوه يدل على عدم تعلق الضمان.
المثال الثاني: أن يخبر عن وقوع العبادة المؤقتة على وجه من الوجوه، ويحتاج إلى معرفة حكم القضاء بالنسبة إليها، فإذا لم يبينه دل على عدم وجوب القضاء.
المثال الثالث: أن يعلِّق اليمين على ترك فعل، فيقع ذلك الفعل على بعض الوجوه التي يحتاج معها إلى معرفة كونه يوجب الحنث، أم لا، كالإكراه والنسيان، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيان وجوب الكفارة، فيدل على عدم وجوبها.
إلى غير ذلك من الصور، وكلها يجمعها: أنه لو كان ذلك الحكم من لوازم ذلك الفعل للزم بيانه، وحيث لم يبيَّن، دل على أنه ليس من لوازمه.

وثانيها: أن يسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول أو فعل، لا يلزم من سكوته عنه مفسدةٌ في نفس الأمر، لكن قد يكون ظن الفاعل أو القائل يقتضي أن يترتب عليه مفسدة على تقدير امتناعه، فهل يكون هذا السكوت دليلا على الجواز بناء على ظن المتكلم، أو لا، لأنه لا يلزم منه مفسدة في نفس الأمر.
مثاله: طلاقُ الملاعِن زوجته ثلاثا عند فراغ اللعان، وتقريره صلى الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، فإنه إذا وقعت الفرقة باللعان، لم يلزم من إرسال الثلاث حينئذ إرسالها في المنكوحة التي هي محل الخلاف، لانتفاء النكاح في نفس الأمر، لكن المطلِّق إنما أرسل الثلاث بناء على ظنه بقاء النكاح، فبمقتضى ظنه تكون المفسدة واقعة على تقدير امتناع الإرسال.
واعلم أن هذا المثال يتم إذا ظهر للملاعن ومن حضر عقب طلاقه أن الفرقة وقعت باللعان، فأما إذا لم يظهر ذلك فيكون البيان واجبا، دفعا لمفسدة الوقوع في الإرسال لها، أي الثلاث، بناء على بقاء الظن بأنها منكوحة طلقت ثلاثا عنده، فيعمل بذلك هو أو غيره، فإذا لم يبين امتناع عدم الإرسال على تقدير أن لا يتبين للملاعن ومن حضر وقوع الفرقة باللعان، دل على جواز الإرسال إذ لو حرم لبين دفعا لوقوع المفسدة المبنية على ظن بقاء النكاح.
ومثاله أيضاً: استبشاره صلى الله عليه وسلم بإلحاق القائف نسب أسامة بزيد فإن الدين لا يعتبرون إلحاق القائف يعتذرون بأن الإلحاق به مفسدة في صورة الاشتباه، ونسب أسامة لاحق بالفراش وحكم الشرع، فلا تتحقق المفسدة عندهم في نفس الأمر، لكن لما كان الطاعنون في النسب اعتقدوا أن الإلحاق بالقيافة صحيح، اقتضى ذلك منهم مع ثبوت النسب شرعا عدم المفسدة في إلحاق القائف.
وللبحث في هذا المقام موضع غير هذا، وإنما المقصود الآن ضرب المثال...

وثالثها: أن يُخبر عن حكم شرعي بحضرته صلى الله عليه وسلم فيسكت عنه فيدل ذلك على ذلك الحكم، كما لو قيل بحضرته: إن هذا الفعل واجب أو محظور، إلى غير ذلك من الأحكام، وهذا ظاهر.

ورابعها: أن يخبر بحضرته عن أمر ليس بحكم شرعي، يحتمل أن يكون مطابقا ، ويحتمل أن لا يكون، فهل يكون سكوته دليلا على مطابقته؟
مثاله: حلف عمر بحضرته صلى الله عليه وسلم أن ابنَ صياد الدجالُ ولم ينكر عليه ذلك، فهل يدل ذلك على كونه هو أو لا؟ وفي ترجمة بعض أهل الحديث ما يشعر بأنه ذهب إلى ذلك، والأقرب عندي: أنه لا يدل، لأن مأخذ المسألة ومناطها، أعني كون التقدير حجة هو العصمة من التقرير على باطل، وذلك يتوقف على تحقق البطلان، ولا يكفي فيه عدم تحقق الصحة، إلا أن يدعي مدع: أنه يكفي في ذلك وجوب البيان عدم تحقق الصحة، فيحتاج إلى بيان ذلك وهو عاجز عنه.
نعم، التقرير يدل على جواز اليمين على حسب الظن، وأنه لا يتوقف على العلم، لأن عمر حلف على حسب ظنه وأقره عليه([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftn1)).

([1]) شرح الإلمام (1/92/97).

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
10-12-31 ||, 07:20 AM
الإخوة الكرام ليت أحد الإخوة ينشط لتلخيص المبحث من البحر المحيط 4/201-210

أبو عبد الله المصلحي
10-12-31 ||, 09:47 AM
بارك الله فيك أيها البحاثة !
واضيفُ:
أفعال الرسول للاشقر، ج2. فكتابته تنماز بالاسلوب السهل.