المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دلالة السياق ومقاصد الشريعة ودورهما في فهم النص ..



محمد إبراهيم عبد العزيز العبادي
08-04-23 ||, 02:24 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد ..
إن القراّن الكريم والسنة النبوية المطهرة قد جاءا ليكونا نبراسًا لحياتنا ، وسراجًا يضيء لنا دربنا في الحياة الدنيا ، ويقودنا إلى رضوان الله تعالى وإلى جنته ..
ومن تتبع الكتاب الكريم والسنة النبوية المطهرة واستقرأهما حق الاستقراء ، وجد أن الشريعة أتت بمقاصد أساسية ركزت عليها ، ورمت إليها ، بل لا يكاد ينفك نص عن خدمة مقصد من هذه المقاصد العظيمة ، ومن هذه المقاصد الهامة :
1 – حفظ الدين ..
2 – حفظ النفوس المعصومة ...
3 – حفظ المال ..
4 – حفظ العرض ..
5 – حفظ العقل ..
6 – حفظ النسل ..
لذلك وجب على من أراد فهم القراّن الكريم والسنة النبوية المطهرة أن يفهمهما في ضوء مقاصد الشريعة الإسلامية ، وإلا ضل فهمه ، و ما استطاع الاستفادة الحقيقية منهما ...
وأيضًا كما يجب الاهتمام بمقاصد الشريعة ، فإنه يجب النظر إلى سياق النص ، وفهمه في ضوء السياق وقصد المتكلم ؛ إذ إن تجريد الكلام عن سياقه قد يغير المعنى تمامًا ..
وسنحاول إن شاء الله تعالى أن نتعرض لهاتين الجزئيتين في هذه الوريقات القليلة رجاء أن يكون فيها بعض النفع لإخواني الأحباء ، والله ولي التوفيق ..

محمد إبراهيم عبد العزيز العبادي
08-04-23 ||, 02:26 PM
أولًا : قصد المتكلم أودلالة السياق ودورها في فهم النص الديني ..
- أهمية فهم مقصد المتكلم في فهم النص
إن فهم مقصد المتكلم الذي يتضح من خلال السياق له دور كبير في فهم النص أيًا كان نوع هذا النص ، فأنت إن كان لك صديق يسمى مثلًا ( مصطفى ) فأرسلت إليه خطابًا وبدأتَه بقولك : ( أخي الحبيب مصطقى ) فإنه سيفهم أن المقصود ( مصطفى ) حتى وإن كتبتها ( مصطقى ) ! وذلك لأنه يفهم مقصد المتكلم ، فسهل عليه فهم النص ، حتى وإن احتوى على خطأ إملائي ..
إذا اتجهنا إلى علم الصرف مثلًا وجدنا أن كثيرًا من المشتقات تشترك في أوزان واحدة كاسم المفعول واسم الزمان والمكان من غير الثلاثي ، فكلمة ( مُجتَمع ) مثلًا يمكن أن تكون اسم مفعول أو اسم مكان أو زمان والذي يحدد ذلك سياق النص ومعرفة مقصد المتكلم ..
وكلمة ( مِذْياع ) مثلًا قد تكون اسم اّلة وقد تكون صيغة مبالغة ، وتحديد ذلك راجع فقط إلى قصد المتكلم ...
وكلمة ( مختار ) قد تكون اسم فاعل وقد تكون اسم مفعول ، و لا مرجح أمامي بينهما إلا معرفة قصد المتكلم ، وقس على ذلك عشرات الأمثلة ..
فإذا اتجهنا إلى النص الشرعي المتمثل في القراّن الكريم والسنة النبوية المطهرة ، وجدنا أن علماءنا رحمهم الله تعالى لم يغفلوا هذا المقصد ، بل نبهوا عليه ، واهتموا به ، وأكدوا على أن فهم الألفاظ وحدها غير كاف في فهم النص الشرعي :
قال الإمام ابن القيم رحمه الله :
(قال الجوهري: الاستنباط كالاستخراج ومعلوم أن ذلك قدر زائد على مجرد فهم اللفظ فإن ذلك ليس طريقة الاستنباط إذ موضوعات الألفاظ لا تنال بالاستنباط وإنما تنال به العلل والمعاني والأشباه والنظائر ومقاصد المتكلم والله سبحانه ذم من سمع ظاهرا مجردا فأذاعه وأفشاه وحمد من استنبط من أولى العلم حقيقته ومعناه.
يوضحه أن الاستنباط استخراج الأمر الذي من شأنه أن يخفي على غير مستنبطه ومنه استنباط الماء من أرض البئر والعين ) ( 1 ) ..
- ويقول الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه :
(فإذا كان الله لرأفته بخلقه أنزل كتابه على سبعة أحرف معرفة منه بأن الحفظ قد يزل: ليحل لهم قراءته وإن اختلف اللفظ فيه ما لم يكن في اختلافهم إحالة معنى-: كان ما سوى كتاب الله أولى أن يجوز فيه اختلاف اللفظ ما لم يحل معناه.
وكل ما لم يكن فيه حكم اختلاف اللفظ فيه لا يحيل معناه .
وقد قال بعض التابعين: لقيت أناسا من أصحاب رسول الله فاجتمعوا في المعنى واختلفوا علي في اللفظ فقلت لبعضهم ذلك فقال: لا بأس ما لم يحيل المعنى. ) ( 2 ) ..
ويقول الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى وهو يتحدث عن سمات لغة العرب التي جاءت بها الشريعة المطهرة :
(أن من شأنها الاستغناء ببعض الألفاظ عما يرادفها أو يقاربها، ولا يعد ذلك اختلافا ولا اضطرابا إذا كان المعنى المقصود على استقامة، والكافي من ذلك نزول القرآن على سبعة أحرف، كلها شافٍ كافٍ، وفي هذا المعنى من الأحاديث وكلام السلف العارفين بالقرآن كثير، وقد استمر أهل القراءات على أن يعملوا بالروايات التي صحت عندهم مما وافق المصحف، وأنهم في ذلك قارئون للقرآن من غير شك ولا إشكال، وإن كان بين القرائتين ما يعده الناظر ببادئ الرأي اختلافا في المعنى؛ لأن معنى الكلام من أوله إلى آخره على استقامة لا تفاوت فيه بحسب مقصود الخطاب، كـ: {مَالِكِ} و "مَلِكِ" [الفاتحة: 4].
{وَمَا يَخْدَعُون َ4 إِلَّا أَنْفُسَهُم} ، [البقرة: 9]. ) ( 3 ) ..
فنجد في النص الأول كيف وضح الجوهري وابن القيم رحمهمها الله تعالى يوضحان أن مجرد فهم الألأفاظ المجردة ليس كافيًا في فهم النص ، بل لا بد من سبر غوره ، كما تسبر أغوار الأرض ، ويؤتى بالمياه ، بل إن الذي يكتفي في فهم النصوص بمجرد اللفظ الظاهر مذموم ...
أما النص الثاني والثالث فقد وضح فيه الشافعي و الشاطبي أن من سمات لغة العرب اختلاف الألفاظ في السياق الواحد ، دون أن يحدث هذا الاختلاف اختلافًا أو اضطرابًا في المعنى ، وهذا يدل على أن فهم السياق ومقصد المتكلم له دور كبير في فهم النص ..

محمد إبراهيم عبد العزيز العبادي
08-04-23 ||, 02:27 PM
- قصد المتكلم ودلالة السياق وتفسير القراّن الكريم
إن المفسر لكتاب الله عز وجل لا يمكنه أن يفسره بمجرد علمه بالألفاظ وحدها ، بل لا بد أن ينظر بدقة وإمعان في السياق القراّني ؛ حتى يعرف قصد المتكلم ..
وقد ذكر الأئمة رحمهم الله تعالى هذه القاعدة ونصوا عليها ، وطبقوها عمليًا في تفسيراتهم ، وقد سماها العلماء ب ( دلالة السياق ) ، و نص بعض العلماء على إجماع العلماء على هذه القاعدة :
- قال الزركشي رحمه الله في البحر المحيط :
(دلالة السياق أنكرها بعضهم, ومن جهل شيئا أنكره، وقال بعضهم: إنها متفق عليها في مجاري كلام الله تعالى) ( 4 ) .
- وقال الزركشي أيضًا :
(قال الشيخ عز الدين في كتاب الإمام": السياق يرشد إلى تبيين المجملات, وترجيح المحتملات, وتقرير الواضحات. وكل ذلك بعرف الاستعمال. فكل صفة وقعت في سياق المدح كانت مدحا, وإن كانت ذما بالوضع. وكل صفة وقعت في سياق الذم كانت ذما وإن كانت مدحا بالوضع, كقوله تعالى: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} [سورة الدخان:44]) .... ( 5 ) .
- وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن من أسباب الخطأ في التفسير النظر إلى الألفاظ وحدها دون النظر إلى قصد المتكلم فقال:
( قوم فسروا القراّن بمجرد ما يسوغ أن يريده بكلامه من كان من الناطقين بلغة العرب من غير نظر إلى المتكلم بالقراّن والمنزل عليه والمخاطب به ) .( 6 ) .
ففي النص الأول نجد الزركشي قد بين أن إنكار دلالة السياق إنما هو من الجهل ! فهذه الدلالة قد نص بعض العلماء على إجماع العلماء عليها ..
وفي النص الثاني نجد أن العز بن عبد السلام يوضح أن السياق يوضح المقصود من النص ، حتى وإن بدا النص في ألفاظه المجردة عن السياق له مقصود اّخر ..
وفي النص الثالث وضح لنا ابن تيمية كيف أن قص النظر على اللفظ وحده سبب للوقوع في الخطأ في التفسير ..

أمثلة على تطبيق العلماء لهذه الدلالة في تفسيراتهم :
1 – رجح الإمام الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره لقوله تعالى : (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ( 7 ) تفسير محمد بن جعفر بن الزبير رحمه الله الذي فسرها بقوله: (قل إن كنتم تحبون الله"، أي: إن كان هذا من قولكم - يعني: في عيسى - حبًّا لله وتعظيمًا له = ،"فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم"، أي: ما مضى من كفركم ="والله غفور رحيم" ) ( 8 ) .
وعلل الإمام الطبري ترجيحه هذا بدلالة السياق ، حيث قال :
(وأولى القولين بتأويل الآية، قولُ محمد بن جعفر بن الزبير. لأنه لم يجر لغير وفد نجرانَ في هذه السورة ولا قبل هذه الآية، ذكرُ قوم ادَّعوا أنهم يحبُّون الله، ولا أنهم يعظمونه، فيكون قوله."إن كنتم تحبون الله فاتبعوني" جوابًا لقولهم، على ما قاله الحسن.
وأمّا ما روى الحسن في ذلك مما قد ذكرناه، فلا خبر به عندنا يصحّ، فيجوز أن يقال إنّ ذلك كذلك، وإن لم يكن في السورة دلالة على أنه كما قال. إلا أن يكون الحسن أرادَ بالقوم الذين ذكر أنهم قالوا ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفدَ نَجران من النصارى، فيكون ذلك من قوله نظير اختيارنا فيه.
فإذْ لم يكن بذلك خبر على ما قلنا، ولا في الآية دليلٌ على ما وصفنا، فأولى الأمور بنا أن نُلحق تأويله بالذي عليه الدّلالة من آي السورة، وذلك هو ما وصفنا. لأن ما قبل هذه الآية من مبتدأ هذه السورة وما بعدها، خبرٌ عنهم، واحتجاجٌ من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ودليل على بُطول قولهم في المسيح. فالواجب أن تكون هي أيضًا مصروفةَ المعنى إلى نحو ما قبلها ومعنى ما بعدها .) ( 9 ) .
2 – رجح الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره لقوله تعالى : (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) ( 10 ) تفسير ابن عباس رضي الله عنهما ومقاتل رحمه الله بأن الاّية من محاورة نوح لقومه وعلل الإمام القرطبي هذا الترجيح بقوله :
(لأنه ليس قبله ولا بعده إلا ذكر نوح وقومه؛ فالخطاب منهم ولهم) ( 11 ) .
فنجد هنا أن ترجيح الإمام القرطبي رحمه الله اعتمد على دلالة السياق وعلى قصد المتكلم ..
3 – رجح الإمام ابن كثير رحمه الله أن المراد بقوله تعالى : (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) ( 12 ) أنه لا يقدر أحد فعل شيء في هذا اليوم إلا الله عز وجل ، ورجح هذا القول على قول من قال إن المراد أنه القادر على إقامة هذا اليوم ، حتى وإن كان المعنى الثاني صحيحًا ، إلا أن السياق يدل على المعنى الأول :
- يقول رحمه الله : (قال الضحاك عن ابن عباس: { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } يقول: لا يملك أحد في ذلك اليوم معه حكما، كملكهم في الدنيا. قال: ويوم الدين يوم الحساب للخلائق، وهو يوم القيامة يدينهم بأعمالهم إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، إلا من عفا عنه. وكذلك قال غيره من الصحابة والتابعين والسلف، وهو ظاهر.
وحكى ابن جرير عن بعضهم أنه ذهب إلى تفسير { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } أنه القادر على إقامته، ثم شرع يضعفه.
والظاهر أنه لا منافاة بين هذا القول وما تقدم ، وأن كلا من القائلين بهذا وبما قبله يعترف بصحة القول الآخر، ولا ينكره، ولكن السياق أدل على المعنى الأول من هذا ) ( 13 ) ..
- والأمثلة على ذلك كثيرة ومن أراد الاستزادة فليراجع الرسالة القيمة العظيمة للدكتور حسين الحربي وفقه الله تعالى وهي بعنوان ( قواعد الترجيح عند المفسرين ) ومنها الترجيح بالسياق من ص121 وما بعدها ..

محمد إبراهيم عبد العزيز العبادي
08-04-23 ||, 02:29 PM
- قصد المتكلم ودلالة السياق وتفسير الحديث الشريف
ما ذكرناه في تفسير القراّن الكريم ينطبق تمامًا على تفسير السنة النبوية المطهرة ، فلا بد لمفسر السنة الذي يروم معرفة الحق في تفسيرها ، أن ينظر بعناية وروية إلى السياق وإلى قصد المتكلم ، وأن لا يكون مبلغ علمه الألفاظ المجردة عن السياق فقط ..
ولقد نبه علماؤنا الأفذاذ رحمهم الله تعالى في شروحهم للأحاديث الشريفة على هذا المقصد ، وإليك بعض الأمثلة العملية في تفسيراتهم رحمهم الله تعالى :
1 – قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى :
(هل يستريب عاقل في أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: "لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان" إنما كان ذلك لأن الغضب يشوش عليه قلبه وذهنه ويمنعه من كمال الفهم ويحول بينه وبين استيفاء النظر ويعمى عليه طريق العلم والقصد فمن قصر النهى على الغضب وحده دون الهم المزعج والخوف المقلق والجوع والظمأ الشديد وشغل القلب المانع من الفهم فقد قل فقهه وفهمه والتعويل في الحكم على قصد المتكلم والألفاظ لم تقصد لنفسها وإنما هي مقصودة للمعاني والتوصل بها إلى معرفة مراد المتكلم ومراده يظهر من عموم لفظه تارة ومن عموم المعنى الذي قصده تارة وقد يكون فهمه من المعنى أقوى وقد يكون من اللفظ أقوى وقد يتقاربان كما إذا قال الدليل لغيره لا تسلك هذا الطريق فإن فيها من يقطع الطريق أو هي معطشة مخوفة علم هو وكل سامع أن قصده أعم من لفظه وأنه أراد نهيه عن كل طريق هذا شأنها فلو خالفه وسلك طريقا أخرى عطب بها حسن لومه ونسب إلى مخالفته ومعصيته ولو قال الطبيب للعليل وعنده لحم ضأن لا تأكل الضأن فإنه يزيد في مادة المرض لفهم كل عاقل منه أن لحم الإبل والبقر كذلك ولو أكل منهما لعد مخالفا والتحاكم في ذلك إلى فطر الناس وعقولهم ولو من عليه غيره بإحسانه فقال والله لا أكلت له لقمة ولا شربت له ماء يريد خلاصه من منته عليه ثم قبل منه الدراهم والذهب والثياب والشاة ونحوها لعده العقلاء واقعا فيما هو أعظم مما حلف عليه ومرتكبا لذروة سنامه ولو لامه عاقل على كلامه لمن لا يليق به محادثته من امرأة أوصي فقال والله لا كلمته ثم رآه خاليا به يواكله ويشاربه ويعاشره ولا يكلمه لعدوه مرتكبا لأشد مما حلف عليه وأعظمه.) ( 14 ) .
فنجد أن ابن القيم رحمه الله فسر قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ ) ( 15 ) بقصد المتكلم لا بمجرد اللفظ ، فمجرد اللفظ هو النهي عن قضاء الغضبان – ووردت روايات أخرى في الجوع والعطش -، أما قصد المتكلم النهي عن قضاء مشوش الذهب سواء كان التشويش نتيجته الغضب أو الهم أو الحزن ونحو ذلك ..
2 – عن جرير رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء ) ( 16 ) .
استدل بعض العلماء رحمهم الله تعالى بهذا الحديث على جواز الإحداث في دين الله تعالى طالما أنه كان حسنًا ، والناظر للحديث – من بعد - قد يوافق على هذا المعنى ، إلا أن الذي يعود إلى السياق ، ويتمعن في النظر فيه يرى أن الأمر على غير ذلك ..
- قال الإمام الشاطبي رحمه الله وهو يرد على من استدل بهذا الحديث على جواز الإحداث في دين الله تعالى :

(قوله صلى الله عليه وسلم من سن سنة حسنة الحديث ليس المراد به الاختراع البتة والا لزم من ذلك التعارض بين الادله القطعية ان زعم مورد السؤال ان ما ذكره من الدليل مقطوع به فإن زعم انه مظنون فما تقدم من الدليل على ذم البدع مقطوع به فيلزم التعارض بين القطعى والظني والاتفاق من المحققين ولكن فيه من وجهين
احدهما انه يقال انه من قبيل المتعارضين اذ تقدم اولا ان ادلة الذم تكرر عمومها في احاديث كثيره من غير تخصيص واذا تعارضت ادلة العموم والتخصيص لم يقبل بعد ذلك التخصيص
والثاني على التنزيل لفقد التعارض فليس المراد بالحديث الاستنان بمعنى الاختراع وإنما المراد به العمل بما ثبت من السنة النبوية وذلك لوجهين احدهما ان السبب الذي جاء لاجله الحديث هو الصدقة المشروعة بدليل ما في الصحيح من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم
في صدر النهار فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار او العباء متقلدي السيوف عامتهم من مضر بل كلهم من مضر فقمص وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم
لما رآهم من الفاقة فدخل ثم خرج فأمر بلالا فأذن واقام فصلى ثم خطب فقال يا ايها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة الآية والآية التي في سورة الحشر اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمره حتى قال ولو بشق تمرة قال فجاءه رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت
قال ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم
يتهلل كأنه مذهبه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
من سن في الاسلام سنة حسنه فله اجرها واجر من عمل بها بعده من غير ان ينقص من أجورهم شيء ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير ان ينقص من اوزارهم شيء
فتأملوا اين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
من سن سنة سيئة تجدوا ذلك فيمن عمل بمقتضى المذكور على ابلغ ما يقدر عليه حتى بتلك الصره فانفتح بسببه باب الصدقه على الوجه الأبلغ فسر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم
حتى قال من سن في الاسلام سنة حسنة الحديث فدل على ان السنة ها هنا مثل ما فعل ذلك الصحابي وهو العمل بما ثبت كونه سنة وان الحديث مطابق لقوله في الحديث الآخر من احيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي الحديث إلى قوله ومن ابتدع بدعة ضلالة فجعل مقابل تلك السنة الابتداع فظهر ان السنة الحسنة ليست بمبتدعة وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم
ومن احيا سنتي فقد احبني ووجه ذلك في الحديث الاول ظاهر لانه صلى الله عليه وسلم
لما مضى على الصدقة اولا ثم جاء ذلك الانصاري بما جاء به فانثال بعده العطاء إلى الكفاية فكأنها كانت سنة ايقظها رضي الله تعالى عنه بفعله
فليس معناه من اخترع سنة وابتدعها ولم تكن ثابتة
ونحو هذا الحديث في رقائق ابن المبارك مما يوضح معناه عن حذيفة رضي الله عنه قال قام سائل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
فسأل فسكت القوم
ثم ان رجلا اعطاه فأعطاه القوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
من استن خيرا فاستن به فله اجره ومثل أجور من تبعه غير منتقص من أجورهم شيئا ومن استن شرا فاستن به فعليه وزره ومثل أوزار من تبعه غير منتقص من أوزارهم فإذا قوله من سن سنة معناه من عمل بسنة لا من اخترع سنة ) ( 17 ) ..
فنجد هنا أن الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى قد بين أن خطأهم في فهم هذا الحديث الشريف راجع إلى تجريد الحديث من سياقه ، فإذا عدنا إلى السياق وجدنا أن معنى ( سن سنة حسنة ) أي أعاد سنة للنبي صلى الله عليه وسلم قد درست وتغافل عنها الناس..

3 – عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ليس من البر الصيام في السفر ) .. ( 18 ) ..
أخذ الظاهرية رحمهم الله تعالى من هذا الحديث حرمة الصوم على المسافر ، والناظر للنص بظاهرية سيتفق معهم في هذا الحكم ، إلا أن الذي يعود إلى سياق الحديث ستتضح له الوجهة الصحيحة ، فإن الحديث بتمامه هو :
(عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه فقال: "ما هذا؟" قالوا: صائم, قال: "ليس من البر الصيام في السفر)
- يقول الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى :
(أخذ من هذا: أنه كراهة الصوم في السفر لمن هو في مثل هذه الحالة ممن يجهده الصوم ويشق عليه أو يؤدي به إلى ترك ما هو أولى من القربات ويكون قوله: "ليس من البر الصيام في السفر", منزلا على مثل الحالة والظاهرية المانعون من الصوم في السفر يقولون: إن اللفظ عام والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ويجب أن تتنبه للفرق بين دلالة السياق والقرائن الدالة على تخصيص العام وعلى مراد المتكلم وبين مجرد ورود العام على السبب لا يقتضي التخصيص به كقوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] بسبب سرقة رداء صفوان وأنه لا يقتضي التخصيص به بالضرورة والإجماع أما السياق والقرائن: فإنها الدالة على مراد المتكلم من كلامه وهي المرشدة إلى بيان المجملات وتعيين المحتملات فاضبط هذه القاعدة فإنها مفيدة في مواضع لا تحصى وانظر في قوله عليه السلام: "ليس من البر الصيام في السفر" مع حكاية هذه الحالة مع أي القبيل هو؟ فنزله عليه.) ( 19 ) ..
فنجد في هذا النص أن ابن دقيق العيد نبه على شيء في غاية الأهمية ، وهو التفريق بين قاعدة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وبين السياق الذي يقتضي التخصيص ، فإن قاعدة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب تنزل على القضايا المتفقة في جوهر القضية ، وإن اختلفت الصور والأشكال ، كأن ينزل حكم ما من أجل فعل أحد من الناس ، فلا يقتصر هذا الحكم على فلان ، بل على كل من أتى بمثل فعله ، أما مع الاختلاف الحقيقي ، وتعليق الحكم على على معينة ، فإن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا ..

محمد إبراهيم عبد العزيز العبادي
08-04-23 ||, 02:32 PM
ثانيًا : مقاصد الشريعة ودورها في فهم النص الديني
إن الشريعة الإسلامية قد أتت كما ذكرنا من قبل بمقاصد عظيمة لها ، بل كل تكاليفها راجعة إلى حفظ هذه المقاصد :
- يقول الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى :
(تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق) ( 20 ) .
فلما كان ذلك كذلك وجب على كل متصدٍ لتفسير النص الديني أن يراعي مقاصد الشريعة المطهرة في أثناء تفسيره ، فقد يؤدي خلو المفسر للنص الديني عن فهم مقاصد الشريعة إلى الخطأ في فهم النص ..
لذلك كانت أصوب الاّراء وأعدلها وأسلمها وأحكمها اّراء الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ، وذلك لأنهم جمعوا مع عدالتهم العلم بمقاصد الشريعة الإسلامية ، فهم قد عايشوا صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم ، بالإضافة إلى معايشتهم لأسباب النزول ، وقوة علمهم بلغة العرب ، وغير ذلك من الأدوات التي أهلتهم لفهم مقاصد الشريعة وإدراكها إدراكًت منقطع النظير :
- يقول شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى :
(قال شيخنا: وقد تأملت من هذا الباب ما شاء الله فرأيت الصحابة أفقه الأمة وأعلمها واعتبر هذا بمسائل الأيمان والنذور والعتق وغير ذلك ومسائل تعليق الطلاق بالشروط فالمنقول فيها عن الصحابة هو أصح الأقوال وعليه يدل الكتاب والسنة والقياس الجلي وكل قول سوى ذلك فمخالف للنصوص مناقض للقياس وكذلك في مسائل غير هذه مثل مسألة ابن الملاعنة ومسألة ميراث المرتد وما شاء الله من المسائل لم أجد أجود الأقوال فيها إلا أقوال الصحابة وإلى ساعتي هذه ما علمت قولا قاله الصحابة ولم يختلفوا فيه إلا كان القياس معه لكن العلم بصحيح القياس وفاسده من أجل العلوم وإنما يعرف ذلك من كان خبيرا بأسرار الشرع ومقاصده وما اشتملت عليه شريعة الإسلام من المحاسن التي تفوق التعداد وما تضمنته من مصالح العباد في المعاش والمعاد وما فيها من الحكمة البالغة والنعمة السابغة والعدل العام والله أعلم ) ( 21 ) .
- وقال رحمه الله أيًَضا في أنواع الرأي المحمود:
(النوع الأول: رأي أفقه الأمة وأبر الأمة قلوبا وأعمقهم وأقلهم تكلفا وأصحهم قصودا وأكملهم فطرة وأتمهم إدراكا وأصفاهم أذهانا الذين شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل فهموا مقاصد الرسول فنسبة آرائهم وعلومهم وقصودهم إلى ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم كنسبتهم إلى صحبته والفرق بينهم وبين من بعدهم في ذلك كالفرق بينهم وبينهم في الفضل فنسبه رأى من بعدهم إلى رأيهم كنسبة قدرهم إلى قدرهم.
قال الشافعي رحمه الله في رسالته البغدادية التي رواها عنه الحسن بن محمد الزعفراني وهذا لفظه: "وقد أثنى الله تبارك وتعالى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن والتوراة والإنجيل وسبق لهم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفضل ما ليس لأحد بعدهم فرحمهم الله وهنأهم بما أتاهم من ذلك ببلوغ أعلى منازل الصديقين والشهداء والصالحين أدوا إلينا سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وشاهدوه والوحي ينزل عليه فعلموا ما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم عاما وخاصا وعزما وإرشادا وعرفوا من سنته ما عرفنا وجهلنا وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به علم واستنبط به وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا ومن أدركنا ممن يرضى أو حكى لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم ليعلموا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه سنة إلى قولهم إن اجتمعوا أو قول بعضهم إن تفرقوا وهكذا نقول ولم نخرج عن أقاويلهم وإن قال أحدهم ولم يخالفه غيره أخذنا بقوله) ... ( 22 ).
لذلك فإن مقاصد الشريعة أحد المرجحات التي يرجح بها الفقيه فهمًا معينًا لكتاب الله جل وعلا ، فكلما كان رأيه أقرب إلى مقاصد الشريعة كان رأيه أقرب إلى الصواب ، والعكس صحيح ..

محمد إبراهيم عبد العزيز العبادي
08-04-23 ||, 02:32 PM
- مقاصد الشريعة وتفسير القراّن الكريم
يجب على المفسر أن يكون عارفًا بمقاصد الشريعة ؛ حتى لا يقع في الشطط والغلط ، ويخطىء في فهم مراد الله تعالى ، فالقراّن – كما قال ابن كثير رحمه الله - يرشد إلى المقاصد الصحيحة والمآخذ العقلية الصريحة ... ( 23 ) .
- وقال العلامة الطاهر بن عاشور رحمه الله :
(فمراد الله من كتابه هو بيان تصاريف ما يرجع إلى حفظ مقاصد الدين) ( 24 )
ولقد راعى أئمتنا المفسرون الأفذاذ رحمهم الله تعالى مقاصد الشريعة أثناء تفسيرهم ، وإليك نماذج عملية من تفسيراتهم :
1 – قال تعالى : (رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ) ( 25 ) ..
ذهب جمع من المفسرين إلى أن معنى الاّية الكريمة أن سليمان عليه السلام قام بضرب أعناق الخيل بعدما شغلته عن صلاة العصر من قول القائل : ( مسح علاوته ) إذا ضرب عنقه ..
وذهب اّخرون إلى أن المراد من الاّية الكريمة أنه قام بمسح أعرافها وعراقيبها حبًا لها وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما ..
والقول الثاني قد رجحه إمام المفسرين الطبري رحمه الله تعالى ، وكان في ترجيحه معتمدًا على مقاصد الشريعة كحفظ المال :
- يقول رحمه الله :
(وهذا القول الذي ذكرناه عن ابن عباس أشبه بتأويل الآية، لأن نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم لم يكن إن شاء الله ليعذب حيوانًا بالعرقبة، ويهلك مالا من ماله بغير سبب، سوى أنه اشتغل عن صلاته بالنطر إليها، ولا ذنب لها باشتغاله بالنظر إليها ) ( 26 ) ..
2 – قال تعالى : (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (74) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) ) .. ( 27 )
اختلف المفسرون هل كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام ناظرًا أو مناظرًا ؟؟
ورجح الإمام ابن كثير رحمه القول الثاني :
- قال رحمه الله :
(والحق أن إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، كان في هذا المقام مناظرا لقومه، مبينا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام، فبين في المقام الأول مع أبيه خطأهم في عبادة الأصنام الأرضية، التي هي على صورة الملائكة السماوية، ليشفعوا لهم إلى الخالق العظيم الذين هم عند أنفسهم أحقر من أن يعبدوه، وإنما يتوسلون إليه بعبادة ملائكته، ليشفعوا لهم عنده في الرزق والنصر، وغير ذلك مما يحتاجون إليه. وبين في هذا المقام خطأهم وضلالهم في عبادة الهياكل، وهي الكواكب السيارة السبعة المتحيرة، وهي: القمر، وعطارد، والزهرة، والشمس، والمريخ، والمشترى، وزحل، وأشدهن إضاءة وأشرقهن عندهم الشمس، ثم القمر، ثم الزهرة. فبين أولا أن هذه الزهرة لا تصلح للإلهية؛ لأنها مسخرة مقدرة بسير معين، لا تزيغ عنه يمينًا ولا شمالا ولا تملك لنفسها تصرفا، بل هي جرم من الأجرام خلقها الله منيرة، لما له في ذلك من الحكم العظيمة، وهي تطلع من المشرق، ثم تسير فيما بينه وبين المغرب حتى تغيب عن الأبصار فيه، ثم تبدو في الليلة القابلة على هذا المنوال. ومثل هذه لا تصلح للإلهية. ثم انتقل إلى القمر. فبين فيه مثل ما بين في النجم.
ثم انتقل إلى الشمس كذلك. فلما انتفت الإلهية عن هذه الأجرام الثلاثة التي هي أنور ما تقع عليه الأبصار، وتحقق ذلك بالدليل القاطع، { قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ } أي: أنا بريء من عبادتهن وموالاتهن، فإن كانت آلهة، فكيدوني بها جميعا ثم لا تنظرون، { إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } أي: إنما أعبد خالق هذه الأشياء ومخترعها ومسخرها ومقدرها ومدبرها، الذي بيده ملكوت كل شيء، وخالق كل شيء وربه ومليكه وإلهه، كما قال تعالى: { إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [الأعراف: 54] وكيف يجوز أن يكون إبراهيم [الخليل] ناظرا في هذا المقام، وهو الذي قال الله في حقه: { وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ } الآيات [الأنبياء: 51، 52]، وقال تعالى: { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لأنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [النحل: 120 -123]، وقال تعالى: { قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [الأنعام: 161].
وقد ثبت في الصحيحين، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كل مولود يولد على الفطرة" وفي صحيح مسلم عن عياض بن حماد؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله: إني خلقت عبادي حنفاء" وقال الله في كتابه العزيز: { فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ } [الروم: 30]، وقال تعالى: { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى } [الأعراف: 172] ومعناه على أحد القولين، كقوله: { فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا } كما سيأتي بيانه.
فإذا كان هذا في حق سائر الخليقة، فكيف يكون إبراهيم الخليل -الذي جعله الله { أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [النحل: 120] ناظرا في هذا المقام ؟! بل هو أولى الناس بالفطرة السليمة، والسجية المستقيمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا شك ولا ريب. ومما يؤيد أنه كان في هذا المقام مناظرًا لقومه فيما كانوا فيه من الشرك لا ناظرا قوله تعالى : { وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنزلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) } ) ( 28 ) ..
فنجد أن ابن كثير هنا قد اعتمد في ترجيحه على مقاصد الشريعة وقواعدها ، فمن مقاصدها حفظ الدين ، ومن حفظه التأدب مع الأنبياء عليه الصلاة والسلام ، ولما كان القول بأن إبراهيم كان ناظرًا فيه ما فيه ! رجح ابن كثير رحمه الله القول الثاني ..
3- قوله تعالى : (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) ( 29 ) ..
ذهب بعض المفسرين إلى أن قدر هنا من القدرة ، وهذا القول مرفوض رفضًا تامًا :
قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى :
(قوله تعالى: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ} قيل: معناه استنزله إبليس ووقع في ظنه إمكان ألا يقدر الله عليه بمعاقبته. وهذا قول مردود مرغوب عنه؛ لأنه كفر ) ( 30 ) .
فإذا ظن العبد أن الله تعالى لا يقدر عليه فهذا كفر والعياذ بالله ، ونسبة الكفر إلى الأنبياء تخالف مقاصد الشريعة مخالفة تامة ..

محمد إبراهيم عبد العزيز العبادي
08-04-23 ||, 02:33 PM
- مقاصد الشريعة وتفسير الحديث الشريف
ما قلناه عن أهمية المقاصد في تفسير القراّن الكريم ينطبق تمامًا على السنة المطهرة ، فلا بد من مراعاة المقاصد في فهم السنة الشريفة ، وتفسيرات علمائنا رضي الله عنهم شاهدة على ذلك ، وإليك بعضها :
1 – عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (لا يجزي ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه ) ( 31 ) .
استدل أهل الظاهر وبعض المتكلمين بهذا الحديث على جواز امتلاك الابن لأبيه ، حيث قالوا إذا صح الشراء فقد صح الملك ، وهذا في الحقيقة جهل منهم بمقاصد الشريعة :
- يقول الإمام القرطبي رحمه الله تعالى :
(وذهب أهل الظاهر وبعض المتكلمين إلى أن الأب لا يعتق على الابن إذا ملكه؛ واحتجوا بقوله عليه السلام: " لا يجزي ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه " . قالوا: فإذا صح الشراء فقد ثبت الملك، ولصاحب الملك التصرف. وهذا جهل منهم بمقاصد الشرع؛ فإن الله تعالى يقول: { وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً } فقد قرن بين عبادته وبين الإحسان للوالدين في الوجوب، وليس من الإحسان أن يبقى والده في ملكه وتحت سلطانه؛ فإذا يجب عليه عتقه إما لأجل الملك عملا بالحديث "فيشتريه فيعتقه"، أو لأجل الإحسان عملا بالآية. ومعنى الحديث عند الجمهور أن الولد لما تسبب إلى عتق أبيه باشترائه نسب الشرع العتق إليه نسبة الإيقاع منه ) ( 32 ) ..
2 - عَنْ أَنَسٌ رضي الله عنه قَالَ : { غَلَا السِّعْرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، غَلَا السِّعْرُ فَسَعِّرْ لَنَا .
فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّزَّاقُ ، إنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى وَلَيْسَ أَحَدٌ يَطْلُبُنِي بِمَظْلِمَةٍ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ } ( 33 ) ..
قد يُستدل بهذا الحديث على حرمة التسعير للإمام مطلقًا مهما كانت الظروف .. ..
لكن راعى العلماء رحمهم الله مقاصد الشريعة في ذلك ، فقالوا إن كان الغلاء بسبب العرض والطلب أي كان غلاء طبيعيًا فليس لولي الأمر التسعير ، أما إن كان سببه الاحتكار والاستغلال فهنا يجب على الحاكم التدخل :
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى :
(لولي الأمر أن يكره الناس على بيع ما عندهم بقيمة المثل عند ضرورة الناس إليه مثل من عنده طعام لا يحتاج إليه والناس في
مخمصة . فإنه يجبر على بيعه للناس بقيمة ) ( 34 ) ..
- وقال رحمه الله أيضًا : -
(ومن هنا يتبين أن السعر منه ما هو ظلم لا يجوز ومنه ما هو عدل جائز فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه، أو منعهم مما أباحه الله لهم : فهو حرام .
وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل، ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ زيادة على عوض المثل : فهو جائز، بل واجب . فأما الأول فمثل ما روى أنس " قال : غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله لو سعرت ؟ فقال : إن الله هو القابض الباسط الرازق المسعر وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال " ، رواه أبو داود والترمذي وصححه . فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم وقد ارتفع السعر إما لقلة الشيء وإما لكثرة الخلق : فهذا إلى الله . فإلزام الخلق أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراه بغير حق . وأما الثاني فمثل أن تنفع أرباب السلع من بيعها مع ضرورة الناس إليها إلا بزيادة على القيمة المعروفة فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل ولا معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل فيجب أن يلتزموا بما ألزمهم الله به . وأبلغ من هذا أن يكون الناس قد التزموا ألا يبيع الطعام أو غيره إلا أناس معروفون لا تباع تلك السلع إلا لهم، ثم يبيعونها هم، فلو باع غيرهم ذلك منع إما ظلمًا لوظيفة تؤخذ من البائع، أو غير ظلم، لما في ذلك من الفساد فههنا يجب التسعير عليهم بحيث لا يبيعون إلا بقيمة المثل ولا يشترون أموال الناس إلا بقيمة المثل بلا تردد في ذلك عند أحد من العلماء ) .. ( 35 ) ..
3 - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم : (لاَ تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ ) ( 36 ) ..
قد يُفهم من هذا الحديث الشريف حرمة سفر المرأة دون محرم مطلقًا ..
لكن علماءنا الذين استعانوا في فهمه بالمقاصد الشرعية رأوا خلاف ذلك :
- قال الإمام البغوي رحمه الله تعالى :
(لم يختلفوا في أنه ليس للمرأة السفر في غير الفرض ( 37 ) إلا مع زوج أو محرم إلا كافرة أسلمت في دار الحرب أو أسيرة تخلصت. وزاد غيره أو امرأة انقطعت من الرفقة فوجدها رجل مأمون فإنه يجوز له أن يصحبها حتى يبلغها الرفقة ) ( 38 ) ..
إذن ففرار المسلمة من دار الكفر إلى دار الإسلام يجوز من غير المحرم ؛ لأن فيه حفظًا للدين ، وحفظها من أهم مقاصد الشريعة ..
وسفر الأسيرة التي هربت أو غيرها ممن تعرضت لضرورة جائز دون محرم لأن فيه حفظًا للنفس والعرض وغيرهما من مقاصد الشريعة الإسلامية ..

محمد إبراهيم عبد العزيز العبادي
08-04-23 ||, 02:34 PM
- خاتمة البحث
رأينا فيما مضى كيف أن علماءنا فهموا النصوص الشرعية في ضوء السياق وفي ضوء المقاصد الشرعية ، ولم يعتمدوا فقط على ظواهر الألفاظ ...
ولقد عرف الفكر الإسلامي على مر مراحله ثلاث مدارس مختلفة :
1 – مدرسة وقفت عند ظواهر النصوص ، ولم تتعرض لمقاصد الشريعة ، ولم تلتفت لسياق النص ، وهي مدرسة الظاهرية ..
2 – مدرسة على العكس من الأولى تمامًا حاربت النصوص ، وتعسفت في التعامل معها باسم المصلحة والمقاصد ، فجاءت اّراؤهم منحرفة تمامًا عن الدين الشريف ..
3 – مدرسة متوسطة معتدلة ، عظمت النصوص ووقرتها ، لكنها فهمتها في ضوء سياقاتها ، وفي ضوء مقاصد الشريعة ، وفي ضوء أفهام الصحابة التي تعد أصوب الأفهام ...
والمدرسة الأخيرة هي المدرسة التي سار عليها أغلب علماء الأمة رحمهم الله تعالى ..
فقد حارب علماؤنا منكري النصوص ، والمتعسفين في التأويل ؛ لذلك وضعوا للتأويل شروطًا صارمة من أهمهما ألا يعطل النصوص الشرعية:
- قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى :
(قال :بعض الأصوليين كل تأويل يرفع النص أو شيئا منه فهو باطل) ( 39 ) .
ولقد تواترت نصوص الأئمة رضوان الله تعالى عليهم على الدعوة إلى اتباع نصوص الكتاب والسنة والعض عليهما بالنواجذ ..
وأيضًا فإن غالب الأئمة رحمهم الله تعالى لم يرضوا بطريقة الظاهرية رحمه الله تعالى ، خاصة وأن طريقتهم قد أوقعتهم في شذوذات عجيبة !
- قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى :
(مما يعلم بطلانه قطعا: ما ذهبت إليه الظاهرية الجامدة: من أن الحكم مخصوص بالبول في الماء حتى لو بال في كوز وصبه في الماء: لم يضر عندهم أو لو بال خارج الماء فجرى البول إلى الماء: لم يضر عندهم أيضا والعلم القطعي حاصل ببطلان قولهم لاستواء الأمرين في الحصول في الماء وأن المقصود: اجتناب ما وقعت فيه النجاسة من الماء وليس هذا من مجال الظنون بل هو مقطوع به ) ( 40 ) .
- وعلق الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى على قول الظاهرية رحمهم الله تعالى بجواز تغطية المحرم الحي لوجهه وعدم جواز تغطية المحرم الميت لوجهه فقال :
(وفيه قول ثالث شاذ: إن كان حياً، فله تغطية وجهه، وإن كان ميتاً، لم يجز تغطيةُ وجهه، قاله ابنُ حزم، وهو اللائق بظاهريته ) ( 41 ) ..
- لذلك اختلف علماء الأصول رحمهم الله تعالى في الاعتداد بخلاف الظاهرية فذهب كثير منههم إلى عدم الاعتداد بخلافهم ، ورجح الإمام أبو عمرو بن الصلاح أنه لا يُعتد بخلافهم فيما شذوا فيه كمسألة التغوط في الماء الراكد ، وقولهم بعدم القياس في الأصناف الربوية ، وغيرها من المسائل الشنيعة – على حد تعبير ابن الصلاح – أما فيما عدا ذلك من المسائل فإنه يعتد بخلافهم .. ( 42 ) ..
أسأل الله عز وجل أن ينفعنا بما علمنا وأن يعلمنا ما ينفعنا ، وأن يجعل ما كتبته في موازين حسناتي ، إنه نعم المولى ونعم النصير وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اّله وصحبه والتابعين ..

محمد إبراهيم عبد العزيز العبادي
08-04-23 ||, 02:35 PM
الإحالات
1 - إعلام الموقعين ج1 ص225 - الناشر : مكتبة الكليات الأزهرية، مصر، القاهرة .
الطبعة : 1388هـ/1968م .
2 – الرسالة ص 274 – 275 - المحقق : الشيخ أحمد شاكر .
الناشر : مكتبه الحلبي، مصر
الطبعة : الأولى، 1358هـ/1940م .
3 – الموافقات ج2 ص318 – 319 – المحقق : الشيخ عبد الله دراز .
الناشر : دار الحديث – القاهرة – مصر .
الطبعة : 1427 – 2006 .
4 – البحر المحيط في أصول الفقه ج4 ص 357 . المحقق : محمد محمد تامر.
الناشر : دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان .
الطبعة : الطبعة الأولى، 1421هـ / 2000م .
5 – المصدر السابق .
6 – مقدمة التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية مع شرح الشيخ محمد بن صالح العثيمين ص84 .
المحقق : إسلام منصور .
الناشر : دار البصيرة – مصر - الإسكندرية .
7 – اّل عمران 31 .
8 – جامع البيان في تأويل القرآن ج6 ص323 .
المحقق : الشيخ أحمد محمد شاكر .
الناشر : مؤسسة الرسالة .
الطبعة : الأولى ، 1420 هـ - 2000 م .
9 – المصدر السابق ص324 .
10 – هود 35 .
11 - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج9 ص29 .
المحقق : هشام سمير البخاري .
الناشر : دار عالم الكتب، الرياض، المملكة العربية السعودية .
الطبعة : 1423هـ/ 2003م .
12 – الفاتحة 4 .
13 - تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج1 ص134 .
المحقق : سامي بن محمد سلامة .
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع .
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م .
14 – إعلام الموقعين ج1 ص217 .
15 – رواه البخاري في صحيحه – كتاب الأحكام – باب هل يقضي القاضي أو يفتي وهو غضبان ؟
16 – رواه مسلم في صحيحه – كتاب الزكاة – باب الحث على الصدقة وأنواعها وأنها حجاب من النار .
17 – الاعتصام للشاطبي ج1 ص123 – 14 .
المحقق : مكتب البحوث والدراسات .
الناشر : دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع – بيروت – لبنان .
الطبعة : الأولى 1423 – 2002 .
18 – رواه النسائي في سننه – كتاب الصيام – باب ما يكره من الصيام في السفر .
19 – إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد ص277 – 278 .
المحقق : مصطفى شيخ مصطفى و مدثر سندس .
الناشر : مؤسسة الرسالة .
الطبعة : الطبعة الأولى 1426 هـ - 2005 م .
20 – الموافقات ج2 ص265 .
21 – إعلام الموقعين ج2 ص57 .
22 – المصدر السابق ج1 ص79 – 80 .
23 – تفسير ابن كثير ج7 ص63 .
24 – تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور ج1 ص37 .
الناشر : مؤسسة التاريخ العربي، بيروت – لبنان .
الطبعة : الأولى، 1420هـ/2000م .
25 – سورة ص 33 .
26 – تفسير الطبري ج21 ص196 .
27 – الأنعام من 74 – 79 .
28 – تفسير ابن كثير ج3 ص292 – 293 .
29 – الأنبياء 87 .
30 – تفسير القرطبي ج11 ص331 .
31 – رواه مسلم في صحيحه – كتاب العتق – باب فضل عتق الوالد .
32 – تفسير القرطبي ج5 ص7 .
33 – رواه الترمذي في سننه – كتاب البيوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم – باب ما جاء في التسعير .
34 – مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية ج28 ص75 – 76 .
المحقق : عبد الرحمن بن محمد بن قاسم .
الناشر : مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية .
الطبعة : 1416هـ/1995م .
35 – المصدر السابق ص76 – 77 .
36 – رواه البخاري في صحيحه – كتاب جزاء الصيد – باب حج النساء ..
37 – أي في حج الفريضة .
38 – فتح الباري ج4 ص76 .
المحقق : الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز والشيخ محب الدين الخطيب .
رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه وذكر أطرافها :الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي .
الناشر : دار الفكر ( مصور عن الطبعة السلفية ) .
39 – المستصفى ج2 ص59 .
المحقق : محمد بن سليمان الأشقر .
الناشر : مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان .
الطبعة : الأولى، 1417هـ/1997م .
40 – إحكام الأحكام ص22 .
41 – زاد المعاد ج2 ص44 .
الناشر : مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان .
الطبعة : الثالثة, 1406هـ/1986م .

محمد إبراهيم عبد العزيز العبادي
08-04-23 ||, 02:36 PM
كتب استفدت منها في بحثي ولم ترد في الإحالات :
1 – التصور اللغوي عند الأصوليين للدكتور السيد أحمد عبد الغفار .
2 – السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها للدكتور يوسف القرضاوي .
3 – قواعد الترجيج عند المفسرين للدكتور حسين الحربي .
4 – مقاصد الشريعة الإسلامية للأستاذ الشيخ محمد الطاهر بن عاشور .

محمد إبراهيم عبد العزيز العبادي
08-04-23 ||, 03:00 PM
الإحالات
1 - إعلام الموقعين ج1 ص225 - الناشر : مكتبة الكليات الأزهرية، مصر، القاهرة .
الطبعة : 1388هـ/1968م .
2 – الرسالة ص 274 – 275 - المحقق : الشيخ أحمد شاكر .
الناشر : مكتبه الحلبي، مصر
الطبعة : الأولى، 1358هـ/1940م .
3 – الموافقات ج2 ص318 – 319 – المحقق : الشيخ عبد الله دراز .
الناشر : دار الحديث – القاهرة – مصر .
الطبعة : 1427 – 2006 .
4 – البحر المحيط في أصول الفقه ج4 ص 357 . المحقق : محمد محمد تامر.
الناشر : دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان .
الطبعة : الطبعة الأولى، 1421هـ / 2000م .
5 – المصدر السابق .
6 – مقدمة التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية مع شرح الشيخ محمد بن صالح العثيمين ص84 .
المحقق : إسلام منصور .
الناشر : دار البصيرة – مصر - الإسكندرية .
7 – اّل عمران 31 .
8 – جامع البيان في تأويل القرآن ج6 ص323 .
المحقق : الشيخ أحمد محمد شاكر .
الناشر : مؤسسة الرسالة .
الطبعة : الأولى ، 1420 هـ - 2000 م .
9 – المصدر السابق ص324 .
10 – هود 35 .
11 - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج9 ص29 .
المحقق : هشام سمير البخاري .
الناشر : دار عالم الكتب، الرياض، المملكة العربية السعودية .
الطبعة : 1423هـ/ 2003م .
12 – الفاتحة 4 .
13 - تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج1 ص134 .
المحقق : سامي بن محمد سلامة .
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع .
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م .
14 – إعلام الموقعين ج1 ص217 .
15 – رواه البخاري في صحيحه – كتاب الأحكام – باب هل يقضي القاضي أو يفتي وهو غضبان ؟
16 – رواه مسلم في صحيحه – كتاب الزكاة – باب الحث على الصدقة وأنواعها وأنها حجاب من النار .
17 – الاعتصام للشاطبي ج1 ص123 – 14 .
المحقق : مكتب البحوث والدراسات .
الناشر : دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع – بيروت – لبنان .
الطبعة : الأولى 1423 – 2002 .
18 – رواه النسائي في سننه – كتاب الصيام – باب ما يكره من الصيام في السفر .
19 – إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد ص277 – 278 .
المحقق : مصطفى شيخ مصطفى و مدثر سندس .
الناشر : مؤسسة الرسالة .
الطبعة : الطبعة الأولى 1426 هـ - 2005 م .
20 – الموافقات ج2 ص265 .
21 – إعلام الموقعين ج2 ص57 .
22 – المصدر السابق ج1 ص79 – 80 .
23 – تفسير ابن كثير ج7 ص63 .
24 – تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور ج1 ص37 .
الناشر : مؤسسة التاريخ العربي، بيروت – لبنان .
الطبعة : الأولى، 1420هـ/2000م .
25 – سورة ص 33 .
26 – تفسير الطبري ج21 ص196 .
27 – الأنعام من 74 – 79 .
28 – تفسير ابن كثير ج3 ص292 – 293 .
29 – الأنبياء 87 .
30 – تفسير القرطبي ج11 ص331 .
31 – رواه مسلم في صحيحه – كتاب العتق – باب فضل عتق الوالد .
32 – تفسير القرطبي ج5 ص7 .
33 – رواه الترمذي في سننه – كتاب البيوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم – باب ما جاء في التسعير .
34 – مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية ج28 ص75 – 76 .
المحقق : عبد الرحمن بن محمد بن قاسم .
الناشر : مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية .
الطبعة : 1416هـ/1995م .
35 – المصدر السابق ص76 – 77 .
36 – رواه البخاري في صحيحه – كتاب جزاء الصيد – باب حج النساء ..
37 – أي في حج الفريضة .
38 – فتح الباري ج4 ص76 .
المحقق : الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز والشيخ محب الدين الخطيب .
رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه وذكر أطرافها :الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي .
الناشر : دار الفكر ( مصور عن الطبعة السلفية ) .
39 – المستصفى ج2 ص59 .
المحقق : محمد بن سليمان الأشقر .
الناشر : مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان .
الطبعة : الأولى، 1417هـ/1997م .
40 – إحكام الأحكام ص22 .
41 – زاد المعاد ج2 ص44 .
الناشر : مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان .
الطبعة : الثالثة, 1406هـ/1986م .

42 – فتاوى ابن الصلاح في التفسير والحديث والأصول والفقه ص69 .
المحقق : د. عبد المعطي أمين قلعجي .
الناشر : دار الوعي – حلب .
الطبعة : الأولى : 1403 – 1983 .

عبدالحميد بن صالح الكراني
08-04-23 ||, 04:57 PM
مرحبا بك أخي العبادي ... وقد أطلت علينا، ومثلك يفتقد ...
جزاك الله خيرا ...
ونفع بك ...

عبدالحميد بن صالح الكراني
08-04-23 ||, 05:02 PM
حبذا اخي محمد -وفقك الله- إرفاق البحث بملف
ولو كتبت نتائج البحث بقسم التقارير فهذا حسن

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-04-23 ||, 08:10 PM
بارك الله فيك أخي محمد فلقد أحسنت اختيار الموضوع، وهذا من جملة توفيق الله لك، نسأل الله عز وجل أن يمن علي وعليك وعلى طلبة العلم من واسع فضله وأن يهب لنا من لدنه علما، آمين.
وأنا شارع الآن في قراءة المقال وسأحاول أن أقتبس بعض الفوائد:


]- ويقول الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه :[/COLOR]
(فإذا كان الله لرأفته بخلقه أنزل كتابه على سبعة أحرف معرفة منه بأن الحفظ قد يزل: ليحل لهم قراءته وإن اختلف اللفظ فيه ما لم يكن في اختلافهم إحالة معنى-: كان ما سوى كتاب الله أولى أن يجوز فيه اختلاف اللفظ ما لم يحل معناه.
وكل ما لم يكن فيه حكم اختلاف اللفظ فيه لا يحيل معناه .
وقد قال بعض التابعين: لقيت أناسا من أصحاب رسول الله فاجتمعوا في المعنى واختلفوا علي في اللفظ فقلت لبعضهم ذلك فقال: لا بأس ما لم يحيل المعنى. ) ( 2 ) ...

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-04-23 ||, 08:27 PM
-

- قال الزركشي رحمه الله في البحر المحيط :
(دلالة السياق أنكرها بعضهم, ومن جهل شيئا أنكره، وقال بعضهم: إنها متفق عليها في مجاري كلام الله تعالى) ( 4 ) .
- وقال الزركشي أيضًا :
(قال الشيخ عز الدين في كتاب الإمام":
السياق يرشد إلى تبيين المجملات, وترجيح المحتملات, وتقرير الواضحات. وكل ذلك بعرف الاستعمال. فكل صفة وقعت في سياق المدح كانت مدحا, وإن كانت ذما بالوضع. وكل صفة وقعت في سياق الذم كانت ذما وإن كانت مدحا بالوضع, كقوله تعالى: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} [سورة الدخان:44]) .... ( 5 ) .
- وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن من أسباب الخطأ في التفسير النظر إلى الألفاظ وحدها دون النظر إلى قصد المتكلم فقال:
( قوم فسروا القراّن بمجرد ما يسوغ أن يريده بكلامه من كان من الناطقين بلغة العرب من غير نظر إلى المتكلم بالقراّن والمنزل عليه والمخاطب به ) .
2 – رجح الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره لقوله تعالى : (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) تفسير ابن عباس رضي الله عنهما ومقاتل رحمه الله بأن الاّية من محاورة نوح لقومه وعلل الإمام القرطبي هذا الترجيح بقوله :
(لأنه ليس قبله ولا بعده إلا ذكر نوح وقومه؛ فالخطاب منهم ولهم)
فنجد هنا أن ترجيح الإمام القرطبي رحمه الله اعتمد على دلالة السياق وعلى قصد المتكلم ..

هذه فوائد جليلة من أئمة كبار على اعتبار دلالة السياق وأثرها في فهم النص
وقد يقع بعض الإشكال في صحة بعض الأمثلة، وهذا لا يؤثر لأن الغرض من ضرب المثال هو التوضيح والبيان ولا يؤثر ما قد يرد عليه من سؤالات وإيرادات ويكفي فيه مجرد الاحتمال ليحقق مَن ضربه غرضه بالتمثيل
وهذا الرابط فيه مزيد بحث:
http://www.mmf-4.com/vb/showthread.php?p=5105#pos t5105

محمد إبراهيم عبد العزيز العبادي
08-04-26 ||, 02:14 PM
جزاكم الله خيرًا أستاذيّ الكريمين وبارك فيكما أخويّ الحبيبين..
وإن شاء الله تعالى يا أستاذ عبد الحميد أجيبكم إلى طلبكم ..
وبارك الله فيكم يا أستاذ فؤاد على هذه المقتطفات التي تساعد في الاستفادة من البحث ..

زهير هاشم ريالات
10-05-13 ||, 11:45 AM
موضوع قيم جزاكم الله خيرا

بوزيان إبن محمد إبن بغداد
11-04-02 ||, 02:23 AM
بارك الله فيك
بحث قيم
بارك الله فيكم
ليتكم تزودوننا بمرفقات البحث للاحتفاظ به
هل يمكن القول
انه من طرق استخراج مقاصد الشريعة النظر في سياق النصوص لو لم يكن لنا ذالك سلف ؟
لأنه ملمح مهم لمن ينادي بالتجديد في علم أصول الفقه

عبد الحكيم بن الأمين بن عبد الرحمن
12-01-24 ||, 06:50 PM
بارك الله فيك أخي الفاضل على هذا الموضوع القيم.

عندي بعض الاشكالات سأضعها فرادى.

الأول :
لذلك وجب على من أراد فهم القراّن الكريم والسنة النبوية المطهرة أن يفهمهما في ضوء مقاصد الشريعة الإسلامية ، وإلا ضل فهمه ، و ما استطاع الاستفادة الحقيقية منهما ...

مقاصد الشريعة يُستدل لها بالنصوص الشرعية و لا يمكن ذلك إلا بفهم هذه النصوص فكيف نفهمها على ضوء المقاصد و المقاصد لم تستنبط بعد ؟ ألا ترى أن هذا دور ؟ لفهم النصوص لابد من المقاصد و لإثبات المقاصد لابد من فهم النصوص ؟

وبارك الله فيكم