المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نصوص وآثار في الوقف



د.محمود محمود النجيري
11-01-10 ||, 11:02 PM
نصوص وآثار في الوقف



هناك مشكلة أساسية، تواجه الباحث في الوقف وفقهه، وهي ندرة النصوص الشرعية الخاصة به، حيث لم يعرض القرآن الكريم للوقف تحديدًا، وإنما عرض للبر والإحسان والإنفاق والتصدق عمومًا، مثل قوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِما تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾[آل عمران: 92].

وقوله سبحانه: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾[البقرة: 177]. وقوله عزَّ شأنه: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾[التوبة: 34].

وفي السنة، ورد عدد محدود من الأحاديث بشأن الوقف، وإن لم ترد كلمة الوقف تحديدًا، إلا أنه ورد ما يفيد معناها. مثل: الحبس، والصدقة الجارية، وهذه الأحاديث هي:

الحديث الأول:

ما رواه أحمد والشيخان عن أنس ط قال: لما قدم رسول الله > المدينة، وأمر ببناء المسجد قال: يا بني النجار! ثامنوني بحائطكم هذا. فقالوا: والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله تعالى. فأخذه فبناه مسجدًا"[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1).

وعلى هذا، يكون أول وقف مسجد في الإسلام، هو مسجد قباء، ثم يليه مسجد النبي > بالمدينة المنورة. وقد أسس البخاري على هذا الحديث حكمين من أحكام الوقف هما:

1. مشروعية وقف الأرض لبناء المسجد.

2. إذا أوقف جماعة أرضًا مشاعًا فهو جائز[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2).

الحديث الثاني:

ما رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن عن ابن عامر قال: أصاب عمر أرضًا بخيبر، فأتى النبي > يستأمره فيها. فقال: يا رسول الله إني أصبت أرضًا بخيبر، لم أصب مالا قط هو أنفس عندي منه، فما تأمرني به؟ قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها. قال: فتصدق بها عمر، أنه لا يباع أصلها، ولا يبتاع، ولا يورث، ولا يوهب. قال: فتصدق بها عمر في الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل والضيق. لا جناح على من وليها، أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقًا غير متمول فيه".

وفي رواية أخرى لهذا الحديث، ورد فيها الشروط من كلام النبي > حيث قال: "تصدق بأصله لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، ولكن ينفق ثمره"[3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3).

وعند البيهقي مثلها، من قوله >: "تصدق بثمره، وحبس أصله، لا يباع، ولا يورث"[4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4).

والظاهر في الروايتين، أن الشرط من كلام النبي > وإن كان في غيرهما من الروايات من كلام عمر ط.

ويستخرج الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم، عددًا من الأحكام من هذا الحديث قائلا[5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5):

"واسم هذا المال الذي وقفه عمر ثمغ... وفي هذا الحديث، دليل على صحة أصل الوقف، وأنه مخالف لشوائب الجاهلية، وهذا مذهبنا- أي الشافعية- ومذهب الجماهير. ويدل عليه أيضًا إجماع المسلمين على صحة وقف المساجد والسقايات. وفيه أن الوقف لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث. إنما يتبع فيه شرط الواقف، وفيه صحة شروط الواقف، وفيه فضيلة الوقف، وهي الصدقة الجارية... وفيه مشاورة أهل الفضل والصلاح في المور وطرق الخير... وفيه فضيلة صلة الأرحام والوقف عليهم".

ويمكننا أن نوجز ما يستفاد من هذا الحديث من أحكام، مما ذكره النووي وغيره في التالي:

‌أ- مشروعية الوقف، وأنه مندوب إليه مرغب فيه.

‌ب- أنه متى ثبت الوقف، فإن العين لا يجوز أن تباع، ولا أن توهب، ولا أن تورث.

‌ج- أن حقيقة الوقف هي حبس الأصل، والتصدق بالغلة والمنفعة.

‌د- أن مصرف الوقف: الإنفاق على الفقراء، وأبناء السبيل، وفي سبيل الله، وعلى الضيوف.

‌ه- من البر أن يخص الواقف فقراء أقاربه ببعض غلة الوقف.

‌و- ينبغي لمن أراد وقف بعض أملاكه أن يختار أطيبها وأنفسها.

‌ز- يستحب أن يستشير الواقف أهل الخير في شئون وقفه.

‌ح- يصح ولاية الواقف على وقفه، وأن يكون قيمًا عليه، وفي هذا يقول الإمام البخاري[6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6): "إذا وقف شيئًا فلم يدفعه إلى غيره فهو جائز، لأن عمر أوقف، وقال : "لا جناح على من وليه أن يأكل". ولم يخص إن وليه عمر أو غيره". وهذا عكس ما سنرى عن المالكية إذ يشترطون الحيازة للموقوف، وخروجه من تحت يد الواقف، وإلا بطل الوقف عمومًا.

‌ط- لا بأس أن يأكل قيم الوقف منه. وكذلك صديقه بالمعروف، والمراد- كما يقول الإمام الصنعاني: "القدر الذي جرت به العادة، وقيل القدر الذي يرفع الشهوة، وقيل المراد أن يأخذ منه بقدر عمله، والأول أولى"[7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn7).

‌ي- لا يجوز لقيم الوقف، ولا لصديقه الذي يباح له إطعامه من الوقف أن يتخذ من مال الوقف ملكًا، ومعنى هذا- كما يقول الصنعاني: "ألا يمتلك الناظر ولا غيره شيئًا من رقاب الوقف، ولا يأخذ من غلته ما يشتري بدله ملكًا، بل ليس له إلا ما ينفقه"[8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn8).

‌ك- يجوز للواقف أن ينتفع بوقف، إن كان ناظرًا عليه بالأكل منه بالمعروف، وإن لم يكن ناظرًا فله أيضًا أن ينتفع به كما ينتفع غيره، وفي هذا يقول الإمام البخاري- رحمه الله[9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn9): "له- أي الواقف- أن ينتفع به- أي الوقف- كما ينتفع به غيره، وإن لم يشترط". وهناك اختلافات بين المذاهب في هذا الأمر، سترد في موضعها من هذا البحث.

‌ل- يجوز للمرأة أن تلي الوقف، إذ إن عمر جعل الولاية لحفصة على وقفه.

‌م- يجوز أن يأكل الأغنياء من مال الوقف، لأن عمر جعل لابنته حفصة أن تلي وقفه وأن تأكل منه، فالناظر يأكل مما يكفيه غير مدخر، وهو وإن كان يؤدي عملا للوقف إلا أن في عمله نوع حسبة لله تعالى، لا مؤاجرة فيها خالصة، على اختلاف في ذلك بين المذاهب سنراه لاحقًا.

وللناظر أن يهدي أصدقاءه من غلة الوقف، ولا يشترط أن يكونوا فقراء، إلا أنه لا يحق لهم اتخاذ الوقف سببًا لتحصيل ثروة، فلا حق لهم في أكثر من الأكل بالمعروف.

‌ن- يجوز للواقف أن يفوض أمر إنفاق غلة الوقف للناظر حيث أراه الله.

‌س- ينبغي مراعاة شروط الواقف ما دامت لا معصية فيها[10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn10).

الحديث الثالث:

ما رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة أن رسول الله> قال: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث أشياء: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له".

والصدقة الجارية هي المستمرة، ولا يتحقق استمرار الصدقات إلا بالوقف، وقال العلماء: "إن معنى الحديث أن عمل الميت ينقطع بموته، وينقطع تجدد الثواب له غلا في هذه الأشياء الثلاثة لكونه سببًا فيها، وكذلك الصدقة الجارية، وهي الوقف، وفي الحديث دليل لصحة أصل الوقف وعظيم ثوابه[11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn11). وقد تزيد على هذه الثلاثة ما أخرجه ابن ماجه مرفوعًا بلفظ: "إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علمًا نشره، أو ولدًا صالحًا تركه، أو مصحفًا ورثه، أو مسجدًا بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة جارية أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته".

ووردت خصال أخرى تبلغها عشرًا، ونظمها السيوطي قال:


إذا مات ابن آدم ليس يجري عليه من فعال غير عشر


علوم بثها، ودعاء نجــل وغرس النخل، والصدقات تجري
وراثة مصحف، ورباط ثغر وحفر البئر، أو إجراء نهر


وبيت للغريب بناه يأوي إليه أو بناء محل ذكر


الحديث الرابع:

ما رواه النسائي والترمذي وحسنه عن عثمان ط قال: إن النبي > قدم المدينة، وليس بها ماء غير بئر رومة، فقال: من يشتري بئر رومة، فيجعل دلوه منها مع دلاء المسلمين، بخير له منها في الجنة، فاشتريتا من صلب مالي، وجعلتها للمسلمين".

وفي الحديث تشريع وقف الماء والبئر والسقاية، وأن يكون الوقف من أفضل الأشياء وأجودها، وأن يلبي الوقف حاجة ملحة للمسلمين، وتوجيه ولي الأمر أول الفضل إلى أولويات وجو البر والإنفاق، وفي الحديث أيضًا دليل على جواز انتفاع الواقف بوقفه كغيره من المسلمين، وجواز أن يتحدث المنفق عن نفقته إذا كان في ذلك مصلحة، وأن العين الموقوفة تصير للمسلمين، وليس للواقف فيها إلا ما لغيره من الناس.

وقال الشوكاني في شرح هذا الحديث: "فيه دليل على أنه يجوز للواقف أن يجعل لنفسه نصيبًا من الوقف، ويؤيده جعل عمر لمن ولى وقفه أن يأكل منه بالمعروف، وظاهره عدم الفرق بين أن يكون هو الناظر أو غيره"[12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn12).

الحديث الخامس:

ما رواه الشيخان ومالك في الموطأ، عن أنس بن مالك ب أنه كان يقول: "كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالا، وكان أحب أمواله إليه بيرحى، وكانت مستقبلة المسجد. وكان رسول الله > يدخلها، ويشرب من ماء فيها طيب. قال أنس: فلما نزلت هذه الآية: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾[آل عمران: 92]. قام أبو طلحة إلى رسول الله > فقال: إن الله يقول في كتابه: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وإن أحب أموالي إلىّ بيرحى، وإنها صدقة لله، أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث شئت. قال رسول الله > : "بخ ذلك مال رابح! ذلك مال رابح! قد سمعت ما قلت فيها، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين". فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه"[13] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn13).

وفي هذا الحديث عدد من الفوائد منها[14] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn14):

‌أ- استحباب إنفاق المسلم مما يحب.

‌ب- مشاورة أهل العلم والفضل في كيفية الصدقات نشأة ومصرفًا، وفي وجوه الطاعات، وغيرها.

‌ج- الصدقة على الأقارب أفضل من الأجانب إذا كانوا محتاجين، وفي رواية البخاري أن النبي > قال لأبي طلحة: "اجعلها لفقراء قرابتك"[15] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn15).

‌د- أن القرابة يرعى حقها في صلة الأرحام والوقف عليهم، وإن لم يجتمعوا إلا في أب بعيد؛ لأن النبي > أمر أبا طلحة أن يجعل صدقته في الأقربين، فجعلها في أبي بن كعب، وحسان بن ثابت، وإنما يجتمعان معه في الجد السابع.

‌ه- يرى بعض الفقهاء أن في هذا الحديث دليلا للوقف الأهلي، ولا نرى ذلك لأن ما في الحديث هو الوقف أو التصدق على فقراء القرابة، وهذا جائز، وليس فيه ما يكون في الوقف الأهلي أو الذري من الوقف على النفس أو على الأولاد والذرية.

‌و- استدل الإمام البخاري وبهذا الحديث على أن الواقف: "إذا وقف أرضًا ولم يبين الحدود، فهو جائز، وكذلك الصدقة"[16] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn16). واشترط بعض الفقهاء تحديدها من كل جانب على حين اشترط القانون المصري تحديدها وبيان أبعادها تدقيقًا حتى لا يقع النزاع بشأنها. وسنعرض لهذا فيما بعد.

‌ز- يرى بعض الفقهاء أن صدقة أبي طلحة كانت تمليكًا، ولم تكن حبسًا إذ جاء في رواية للبخاري أن حسان بن ثابت ط باع حصته من هذه الصدقة إلى معاوية. فقيل له تبيع صدقة أبي طلحة؟! فقال: ألا أبيع صاعًا من تمر بصاع من دراهم؟". وعلى هذا، فالظاهر أنها صدقة منفذة لا موقوفة، إلا أنه يصح الاستفادة منه في الوصول إلى بعض أحكام الوقف كما فعل الإمام البخاري.

الحديث السادس:

ما في الصحيحين عن النبي > قال: "أما خالد فقد حبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله"[17] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn17).

الحديث السابع:

ما رواه أحمد والبخاري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله >: "من احتبس فرسًا في سبيل الله إيمانًا واحتسابًا، فإن شبعه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة حسنات"[18] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn18).

الحديث الثامن:

ما رواه أبو داود عن ابن عباس ب قال: أراد رسول الله > الحج، فقالت امرأة لزوجها: أحجني مع رسول الله > . فقال: ما عندي ما أحجك عليه. قالت: أحجني على جملك فلان. قال: ذلك حبيس في سبيل الله. فأتى رسول الله > فقال: أما إنك لو أحججتها عليه كان في سبيل الله"[19] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn19).

وفي هذه الأحاديث الثلاثة فوائد منها:

‌أ- إذا تصدق المسلم أو وقف بعض ماله، أو بعض رقيقه، أو بعض دوابه فهو جائز، كما قال البخاري[20] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn20). وهو يستدل لذلك في صحيحه بما ورد في قصة كعب بن مالك أنه قال: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله والى رسوله > .قال: أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك، قال فإني أمسك سهمي الذي بخيبر"[21] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn21).

‌ب- وفي هذه الأحاديث كما هو واضح صحة وقف المنقول من الخيل والإبل والمعدات الحربية- أو كما يقول البخاري: "وقف الدواب والكُراع[22] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn22) والعُروض والصامت[23] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn23)".[24] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn24) ويروي البخاري أثرًا عن الزهري فيمن جعل ألف دينار في سبيل الله ودفعها إلى غلام له تاجر يتجر فيها، وجعل ربحه صدقة للمساكين والأقربين، هل للرجل أن يأكل من ربح ذلك الألف شيئًا، إن لم يكن جعل ربحها صدقة في المساكين. قال الزهري: ليس له أن يأكل منها"[25] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn25). وفي هذا الأثر نرى جواز وقف النقود. وهي مسألة اختلف فيها الفقهاء كما سيأتي.

‌ج- من وقف شيئًا على صنف من الناس وزوجه منهم دخل فيه، فإذا وقف على طلاب العلم وولده منهم دخل فيهم واستحق العطاء أيضًا وهكذا[26] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn26). ومعنى هذا، جواز استفادة الواقف من وقفه عند الحاجة.

‌د- من مصارف الوقف إعانة الحجيج على أداء شعائرهم.

آثار في أوقاف الصحابة:

روى البخاري تعليقًا، أن الزبير بن العوام تصدق بدُوره وقال: "للمردودة من بناته أن تسكن غير مضرة، ولا مضر بها، فإن استغنت بزوج، فليس لها حق"[27] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn27). وأن أنس بن مالك تصدق بدار، فكان إذا قدم نزلها.

وكثرت وقوف الصحابة حتى أن جابر بن عيد الله قال: "لم يكن أحد من أصحاب رسول الله > ذو مقدرة إلا وقف"[28] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn28).وذكر الخصاف في كتابه: "أحكام الأوقاف" عددًا من أوقاف الصحابة على أولادهم، منها وقف أبي بكر ط رباعًا كانت له بمكة، وتركها فلا يعلم أنها ورثت عنه، وكان يمسكها من حضر من ولده، وولد ولده، ونسله، وتصدق عثمان بن عفان بماله الذي بخيبر على ابنه أبان بن عثمان بتلة[29] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn29)، ولا يُشتري أصلها، ولا يوهب، ولا يورث. وحبس زيد بن ثابت داره على ولده، وولده على أعقابهم، لا تباع، ولا توهب، ولا تورث[30] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn30).

وهذه الآثار غير مسلمة، وما ورد عند البخاري منها، ردَّه الشيخ محمد بن عبد الوهاب من وجهين في دلالتها على صحة الوقف الأهلي[31] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn31):

1) أنها مراسيل من كلام الحميدي.

2) أنهم تصدقوا بما كر صدقة عامة على المحتاجين، فكانوا إذا احتاجوا، أو احتاج ذريتهم، اشتركوا مع الناس. وضرب لذلك مثلا بمن يوقف نخلا على المفطرين من الفقراء. ويقول: إن افتقر أحد من ذريتي، فليفطر معهم. ويتساءل الإمام محمد ابن عبد الوهاب: "فأين هذا من وقف الجنف والإثم؟!". ويعني به الوقف الأهلي أو الذري. وهو وقف اختلف فيه العلماء- كما سيأتي.

أما الآثار التي ذكرها الخصاف، وتناقلها الناس من بعده، فجميعها ليس لها إسناد يعتد به، ولا يمكن أن تستنبط الأحكام إلا من نصوص صحيحة الإسناد صريحة الدلالة.


[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref1) أخرجه البخاري، ومسلم
[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref2) صحيح البخاري، ص
[3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref3)
[4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref4)
[5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref5) شرح النووي على صحيح مسلم، المطبعة المصرية ومكتبتها، القاهرة، د.ت، 11/86.
[6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref6) صحيح البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الوقف.
[7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref7) سبل السلام شرح بلوغ المرام: محمد بن إسماعيل الأمير اليمني، صححه وعلق عليه: محمد عبد العزيز الخولي، مكتبة عاطف، القاهرة، 1979م، 3/936.
[8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref8) سبل السلام، المرجع السابق، 3/936.
[9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref9) صحيح البخاري كتاب الشروط باب الشروط في الوقف.
[10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref10) فقه الإسلام شرح بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام للشيخ عبد القادر شيبة الحمد، مطابع الرشيد بالمدينة المنورة، 1402هـ/ 1982م، 6/87-88.
[11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref11) انظر شرح النووي على صحيح مسلم، مرجع سابق، 11/85.
[12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref12) الإمام محمد بن على الشوكاني: نيل الأوطار وشرح منتقي الأخبار من أحاديث سيد الأخيار، تحقيق: عصام الدين الصبابطي، دار الحديث، القاهرة، 1413هـ/ 1993م، 6/31.
[13] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref13) أخرجه
[14] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref14) انظر شرح النووي على صحيح مسلم، مرجع سابق، 7/85- 86.
[15] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref15) البخاري
[16] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref16) صحيح البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الوقف.
[17] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref17)
[18] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref18)
[19] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref19)
[20] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref20) صحيح البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الوقف.
[21] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref21)
[22] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref22) الكراع: اسم يجمع الخيل. (مختار الصحاح).
[23] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref23) الصامت: الذهب والفضة. والناطق: الإبل والغنم. ويقال في المثل: ما له من صامت، ولا ناطق. (مختار الصحاح).
[24] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref24) صحيح البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الوقف.
[25] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref25) صحيح البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الوقف.
[26] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref26) انظر: نيل الأوطار للشوكاني 6/27.
[27] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref27)
[28] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref28) الشرح الكبير على متن المقنع للإمام شمس الدين المقدسي، دار الفكر، بيروت، د.ت، 3/391.
[29] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref29) بتلة: بتل الشيء أبانه من غيره. ومنه قولهم طلقها بتة وبتلة. (انظر مختار الصحاح).
[30] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref30) عن كتاب محاضرات في الوقف: الشيخ محمد أبو زهرة، ط2، دار الفكر العربي، القاهرة، 1972م، ص191.
[31] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref31) إبطال وقف الجنف والإثم: فتوى شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، نشرت ضمن كتاب: "كلمة الحق" للشيخ أحمد شاكر، دار الكتب السلفية، القاهرة، 1407هـ، ص292.