المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كيف نفهم مصطلح الحديث؟ للدكتور حاتم الشريف العوني



محمد بن فائد السعيدي
08-04-28 ||, 12:25 AM
كيف نفهم مصطلح الحديث ؟ للشيخ الدكتور حاتم الشريف

هذا العنوان هو الباب الخامس من كتاب الشيخ العالم الفاضل الدكتور حاتم الشريف العوني" المَنْهَجُ المُقْتَرَحُ
لِفَهْـمِ المُصْطَـلَحِ" دراسة تأريخية تأصيلية لمصطلح الحديث وهي عبارة عن مقدمة تمهيدية لكتابه :
(المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس )

هذا الباب من الكتاب المذكور: هو خلاصة هذا الكتاب، وزبدة البحث، ونتيجة الدراسة لهذا الموضوع.

سأعرضه إن شاء الله هنا على حلقات حتى يقرأه الإخوة ويستفيدون منه.

محمد بن فائد السعيدي
08-04-28 ||, 12:37 AM
كيف نفهم مصطلح الحديث؟
لقد كاد هذا العنوان ( كيف نفهم مصطلح الحديث ؟) يكون عنواناًلهذا البحث كله ، وهو أهل لذلك ، لأنه خاتمة المطاف ، وخلاصة بحثنا ، ونتيجة دراستنا كلها .
وقد سبقت الإجابة عن بعض هذا السؤال، في فصل كلامنا عن المنهج النظري السليم في فهم مصطلح الحديث(1) . ونزيد الأمر هنا إيضاحاً ، ونكمل الجواب ، بما يكفي ـ إن شاء الله تعالى ـ لإيصالنا إلى الغاية المبتغاة والضالة المنشودة ، وهي : فهم مصطلح الحديث !
وسنسير في جوابنا على سؤالنا هذا على خطوات :
الخطوة الأولى : الاستقراء التام لكتب الحديث ومصنفات السنة ، على اختلاف طرائق تصنيفها وأغراضها ، وخاصةً كتب أهل الاصطلاح ( وهم محدثو القرن الثالث فما قبله، وأئمة المحدثين في القرن الرابع )(2) ، أو الكتب التي تعني بنقل كلام أهل الاصطلاح هؤلاء .
ونقوم خلال هذا الاستقراء بجمع الألفاظ التي تتكرر على ألسنة أهل الاصطلاح وفي كتبهم ، للتغبير بها عن حال الراوي أو المروي . مع جمع مسائلهم الجزئية وصورها الفردية ، التي استخدمت تلك الألفاظ في التعبير عن حالها وفي الحكم عليها .
مثلاً : إن قال أحد الأئمة من أهل الاصطلاح عن حديثٍ ما : (( منكر))، قيدت هذا اللفظ ، مع الحديث الذي أطلق به عليه أيضاً .
ثم لهذا الاستقراء وجهان ، لكل واحدٍ منهما دوائر متعددة.
فالوجه الأول : استقراء الألفاظ كلها أو بعضها :
وأوسع دوائر هذا الاستقراء : استقراء جميع مصطلحات وألقاب علم الحديث في عبارات أهل الاصطلاح . وهذه الدائرة لا يستطيع القيام بها فرد ، بل ولا أفراد ، ولا بد للقيام بها من تنظيمٍ يتكون من لجان متعددة الوظائف ، متفرغة لمثل هذا العمل العظيم ، لتقوم به خلال سنوات أو عقود !
فمن يقوم بمثل هذا العمل العلمي الجبار؟!!
وأضيق هذه الدوائر : استقراء مصطلح واحد في استخدامات أهل الاصطلاح . وهذه الدائرة يمكن لبعض ذوي القدرة العلمية والجلد في البحث والتفرغ لذلك ، من القيام بها خلال بعض سنوات في أقل تقدير .
وبين هذه وتلك : دوائر أخرى ، تتسع وتضيق ، بحسب سعة استقراء المصطلحات وضيق استقرائها .
الوجه الثاني : استقراء المصطلحات في استخدامات جميع أهل الاصطلاح أو بعضهم :
وأضيق دوائر هذا الاستقراء : استقراء مصطلح أو مصطلحات إمام واحدٍ من أهل الاصطلاح . ومن ميزة هذا الاستقراء أنه دقيق النتائج ، خاصةً فيما لو كان لذلك الإمام اصطلاحات خاصة به . ومن عيوبه أنه قد لا تتضح فيه الرؤيا ، بسبب قلة المسائل الجزئية التي أطلق عليها ذلك الإمام أحد الألقاب أو الأحكام ، مما يصعب معه الجزم بمعنى تلك الألقاب أو الأحكام .
وأوسع دوائر هذا الاستقراء : استقراء مصطلح أو مصطلحات جميع أهل الاصطلاح . وهي تقوم في الحقيقة على احتواء أضيق الدوائر جميعها ، بجمع مصطلح أو مصطلحات أحد الأئمة من أهل الاصطلاح وحده ، وهكذا غيره ، إلى أن تجمع الألفاظ المعنية بالدراسة في استخدامات جميع أهل الاصطلاح ، مقسمةً على مستخدميها كل واحدٍ منهم وحده . وبعد دراسة ألفاظ كل إمام ، نقوم بالجمع بين النتائج ، لاستخلاص نتيجةٍ واحدة.
وهذه الدائرة في ضخامتها وعظيم ما تحتاجه لتنفيذها ، يمكن أن تتحد في مشروع واحدٍ جليلٍ تاريخي ، مع الدائرة الأولى من الوجه الأول للاستقراء .
وبين هذه الدائرة وتلك : دوائر أخرى ، تتسع وتضيق ، بحسب سعة الاستقراء للأئمة من أهل الاصطلاح في استخداماتهم ، أو ضيقه كذلك .
ويمكن أن تضبط هذه الدائرة الوسطى بضابط ( الطبقة ) ، وإن كانت ( الطبقة ) أيضاً يمكن أن تتسع وتضيق . لكن الانضباط بالطبقة ، مهما كانت ، أسلم في المنهج ، وأدق في النتيجة . إذ من غير المعقول أن أجمع في دراسةٍ واحدةٍ مثلاً بين محمد بن سيرين من التابعين وابن حبان من علماء القرن الرابع ، فما فائدة هذا الجمع حينها؟! وما مدى مصداقية نتائجه ؟!
وأذكر هنا ما يقوم به غالب الدارسين في مرحلتي ( الماجستير) و( الدكتوراه) ، من موازنة أقوال إمامٍ في الجرح والتعديل من أهل الاصطلاح مثل ( شعبة بن الحجاج ) ، بأقوال الحافظ ابن حجر في ( التقريب) مثلاً . فلا أدري ! ولست إخال أدري ! كيف انطلى هذا المنهج ( الذي لا ينطوي على منهج ) على المجالس العلمية والأساتذة الأكادميين في جامعتنا الإسلامية ؟!!
فهل المنهج بين الإمامين واحد؟! وهل مصطلحهما واحد؟! وهل مصادر العلم وموارد المعرفة بين الإمامين وبين المعصرين واحدة أيضاً؟! ثم هل فهمنا ـ قطعاً ـ كل مصطلحات الحافظ؟ حتى نقيس عليها!! ثم هل يصح أن نجعل اجتهاد الحافظ مقياساً في الخطأ والصواب علم شعبة ؟ مع ذلك الفارق الكبير والبون الشاسع بين الرجلين : في العصر ، والاصطلاح ، بل والعلم أيضاً!!!
ولو تنبه القائمون بتلك الدراسات ، إلى ميزة الاصتقراء في دائرة ( الطبقة ) ، لما رضوا عنها بديلاً!!
إذ إن ( المصطلح ) ، غير المترجم عن علم متكامل ، وهو النشىء من خلال التواضع والعارف ، لا بد أن يمر بمراحل ، قبل اكتمال ذلك العلم . وإن كانت هذه المراحل قد يكثر تتابعها وقد يقل ، تطول المرحلة الواحة زمناً وقد تصر ، وقد تنتهي المراحل من زمنٍ متقدمٍ باستقرار الصمطلح ، وقد لا تنتهي إلا مع انتهاء تكامل ذلك العلم كله .
ولما كان أهل الطبقة الواحدة ( وكلما ضاقت كان ذلك أدق ) يعيشون زمناً واحداً ، ومرحلة ً معينة ً متفقةً من مراحل علمهم ؛ ومصطلحه ؛ ولما كان من غير المعقول أن يكون أحمد بن حنبل لا يعرف ابن معين ، ومن غير المتصور أن علي بن المدني لا يفهم تعليل أحمد= لذلك كان لاستقراء مصطلح أهل طبقةٍ واحدة له ميزة عظمى ، في قوة الدراسة التالية لذلك الاستقراء ، وفي دقة نتائج هذه الدراسة بعد ذلك .
وأومأ إلى ذلك إيماءةً لطيفة ، الإمام أبو محمد ابن أبي حاتم ، في كتابه ( الجرح والعديل ) . حيث ذكر روايات مختلفة عن يحيى بن معين في تعديل المبارك بن فضالة وتجريحه ، ثم علق على ذلك بقوله : (( اختلفت الرواية عن يحيى بن معين في مبارك بن فضالة والربيع بن صبيح ، وأولاهما أن يكون مقبولاً منهما محفوظاً عن يحيى ، ما وافق أحمد وسائر نظرائه ))(1)!!
وعلى كل حال ، فإن الاستقراء في دائرة الطبقة له ميزات متعددة كثيرة ، خاصةً إذا ضيقت الطبقة . أما إذا وسعت الطبقة ، فيجب مراعاة الفروق المؤثرة بين افراد هذه الطبقة الواسعة . وربما بلغت مراعاة الفروق إلى فصل كل إمامٍ على حدة ، لبالغ سعة الطبقة ، والقيام بدراسة تشبه الدراسة التي ذكرناها في أوسع دوائر هذا الوجه من وجهي الاستقراء!
هذه هي الخطوة الأولى .
والخطوة الثانية : تفنيد كل لفظٍ على حدة ، فيما لو كان استقرائي لأكثر من لفظ ، أو تفنيد اللفظ الواحد الذي أقوم بدراسته عن بقية الألفاظ غير الداخلة في الدراسة .
بدراسته عن بقية الألفاظ غير الداخلة في الدراسة .
ويجب التنبه في خطوة التفنيد هذه ، إلى ضرورة تنفيذها بدقة متناهية .
فلا أعتبر الألفاظ المختلفة ، ذات المعنى المترادف لغةً ، مجموعة واحدة . فلا أجمع ـ مثلاً ـ مصطلح ( الصحيح) بـ( القوي ) بـ( الثابت) بـ( الجيد) ، حتى يثبت عندي ، بعد نهاية الخطوات في كل واحدٍ منها ، أنها بمعنى واحد .
ولا اقوم بفصل المصطلح المركب ، كل لفظٍ منه مع نظرائه . مثل مصطلح ( حسن صحيح ) ، فلا أفصل فيه لفظ ( حسن) عن ( صحيح )، وأضع كل لفظٍ منهما مع نظرائه المفردين . بل أدرس المصطلح المركب وحده ، باعتباره مجموعة منفصلة
فإذا اشتبه عندي مصلطح مكون من لفظين ، هل هو مركب ؟ أو لا؟ مثل ( حين غريب) أو ( صحيح شاذ) . فيجب علي أولاًُ أن أدرس المصطلحات التي جاءت مفردةً مما تركب منه هذا الإطلاق ، فأدرس ( الحسن) الذي أطلق مفرداً دون تركيب ، وكذا ( الغريب ) . حتى إذا استقر عندي معناهما مفردين ، درست ذلك المصطلح المجموع فيه اللفظان : مثل ( حسن غريب ) ؛ فإذا ظهر أن مدلول كل لفظٍ وحده لم يتغير بهذا التركيب ، علمنا أن هذا المصطلح ليس مركباً ، ويصح حينها فك تركيبه ، ووضع كل لفظةٍ منه مع نظرائها . أما إن ظهر أن مدلول أحدهما أو كليهما تأثر بهذا التركيب ، فحينها نعتبر هذا المصطلح مصطلحاً مركباً ، ولا يصح حينها فك تركيبه ، ولا دراسة كل لفظة منه مع نظرائها المفردات .
ونحو ذلك كثير ، خاصةً في ألفاظ الجرح والتعديل . مثل : ( ثقة صدوق) ، و( صدوق فيه لين ) و( صالح فيه ضعف )، ونحوها كثير .
أما إذا أيقنت إيقاناً تاماً أن المصطلحين ليسا مركبين ، غير معتمدٍ في يقينك على إلفٍ سابق أو نشأةٍ علمية ، فحينها لا بأس بفك ذلك التركيب ، ووضع كل لفظةٍ منه مع نظرائها . وذلك أمثلة ( صحيح مرفوع) ، و( حافظ عابد) .
ولا بد أيضاً في هذه الخطوة من أن تقسم المجموعة الواحدة المكونة من لفظٍ واح إلى مجموعات فرعيه ، هذه المجموعات الفرعية مبنية في تقسيمها على اختلاف اشتقاق اللفظ الواحد ، من أسم ، وفعل ، ومصدر . إذ قد يختلف معنى المصطلح ، لا باختلاف لفظه ، لكن باختلاف اشتقاقه ؛ كما قالوا في ( المنقطع )
و( المقطوع )(1) ، وكما سبق عن الحافظ ابن حجر في ( أرسل ) و( مرسل )(2).
لكن يجب عليك أن لا تدرس تلك المجموعات الفرعية المبنية على اختلاف الاشتقاق دراسةً منفصلةً لكل واحدةٍ منها ، لأن احتمال اختلاف المعنى باختلاف الاشتقاق ليس كبيراً ، ولأن ذلك قد يجعل عدد المسائل الجزئية في كل مجموعة ضئيلاً لا نخرج معه بنتيجة ، ولأن في ذلك تعسيراً بالغاً لا طائل تحته . ويكفي في دراسة هذه المجموعات ، أن تجعل كل اشتقاق تحت نظيره متوالياً ، ثم الاشتقاق الآخر كذلك ؛ وبعد ذلك تدرس المسائل الجزئية ، فإذا ظهر لك أن لمجموعةٍ ما معنى مختلفاً عن غيرها ، فصلته ، وإلا بقي ضمن مجموعته الأساسية .
وأعود أخرى مؤكداً إلى ضرورة الدقة المتناهية في هذه الخطوة : خطوة التفنيد ، لأن الخطأ فيها قد يهدم النتيجة قبل الوصول إليها ، ولأن الخطأ فيها أضر من التقصير في الاستقراء . فقد أصل إلى النتيجة الصحيحة مع نقص الاستقراء ، في حين أنه يبعد أن أصل إلى النتيجة الصحيحة فيما إذا خلطت بين الألفاظ ولم أتقن التفنيد .
والخطوة الثالثة : دراسة المسائل الجزئية في المجموعة الواحدة ، تحت الإطلاق الواحد .
وتتم هذه الدراسة بفحص كل مسألة جزئية فحصاً دقيقاً ، ليمكنني ـ فيما بعد ـ إيجاد رابطٍ واضح بين ذلك الإطلاق وتلك المسألة الجزئية التي أطلق عليها .
فإن كانت المسألة الجزئية حديثاً : درست إسناده دراسةً وافية ، وخرجته تخريجاً كافياً ، وتظرت في أحكام الأئمة الأخرى على الحديث .
وإن كنت المسألة الجزئية جرحاً أو تعديلاً : اجتهدت غاية الاجتهاد في معرفة المرتبة الدقيقة لذلك الراوي من مراتب الجرح والتعديل ، وذلك من خلال دراسةٍ وافية كثيرة التشعبات دقيقة المسالك . وبعد أن أعرف الراجح في ذلك الراوي ، أوازن الراجح فيه بالحكم الذي أصدره ذلك الإمام . وإن أضفت إلى ذلك أحكاماً لأئمة آخرين من طبقة الإمام الذي أدرس مصطلحه ، كان ذلك أثرى وأوثق وآمن ، لكن يجب أن يكونوا أئمةً عينتهم للدراسة كلها ، فلا تختار لكل مسألة أئمة سوى من ذكرتهم في سابقتها .
فلا أنتهي من هذه الخطوة ، إلا وقد أنهيت دراسة المسائل الجزئية كلها ، وحاولت إيجاد أوضح رابطٍ بين : كل مسالة ٍ ، وكل إطلاق وصفت به أو حكم به عليها .
والخطوة الرابعة : إيجاد الرابط العام والصفة الجامعة ( القاسم المشترك) بين المسائل الجزئية كلها ، التي جعلت الأئمة يفون تلك المسائل الجزئية كلها ويخصونها بذلك الإطلاق المعين .
وهذه الخطوة في الحقيقة تكاد تكون آخر الخطوات والثمرة المبتغاة . لذلك فهي حقيقة بالاهتمام كله ، وبذلك الجهد كله ، والتأني البالغ ، والتفكير العميق .
ولا بد في هذه الخطوة من أن تخرج بصفات متعددة ، وربما كانت كثيرة ، تجتمع كلها في المسائل الجزئية كلها أيضاً . وتأكد أنك كلما كثرت الصفات ، ودققت في جمعها والتمييز بينها ، كلما كان ذلك دليلاً على قرب فهمك الفهم الدقيق لذلك ( المصطلح ) .
وتنبه بأن لا تستبعد شيئاً من الصفات ، لظنك الأولي أنه لا علاقة لها بـ( المصطلح ) المراد فهمه . فهذه خطوة أخرى ، لا تتعجلها قبل انتهائك من عملك في خطوتك هذه .
الخطوة الخامسة : ربط ما يمكن ربطه من الصفات الجامعة بالمعنى اللغوي الأصلي لـ( المصطلح ) ، ولو بنوع من المجاز. بل لا بد أن يكون هناك تجوز ما ، بين المعنى اللغوي للمصطلح والصفات الجامعة التي أمكن ربطها به .
وهذه الخطوة يمكن أن تكون آخر الخطوات الحقيقية إذا لم يكن متاحاً لك سواها ، مما يأتي ذكره .
وفي هذه الخطوة يبدأ فرز الصفات الجامعة ، وتنقيتها مما لا علاقة له بالمصطلح المدروس .
وفي هذه الخطوة يظهر ما للمهارة العلمية ، ولقدرة الفكرية ، بل والثقافة الواسعة ، من أثر في فهم المصطلح .
إنها أوان نضج الثمرة ، للعمل المجهد الدؤوب ، وربما كان أوان قطفها أيضاً .
والسير في هذه الخطوة يحتاج إلى بالغ التأني ، ونهاية الدقة ، ورحابة النظرة ، واصطياد الأوقات المناسبة للباحث من ناحية استعداده الجسدي والنفسي والفكري . وحذر كل الحذر ، مما قد يلوح لك من خلال الخطوات السابقة ، من معنى تحسبه هو معنى المصطلح ، فتجعله هدفاً مسبقاً لك في هذه الخطوة .
واعلم أنك قد تخرج بصفاتٍ جامعةٍ لها رابط واحد بالمعنى اللغوي للمصطلح ، في المسائل الجزئية كلها= وعندها يكون المصطلح له معنى واحد وصورةٌ واحدة .
وربما تخرج بأن هناك من المسائل الجزئية مسائل لها صفات جامعة خاصة بها برابطٍ خاص بها كذلك ، يربطها بالمعنى اللغوي للمصطلح المدروس . وأن بقية المسائل الجزئية لذلك المصطلح ، سوى المسائل السابقة ، لها رابط آخر يربطها بالمعنى اللغوي للمصطلح= وعندها يكون للمصطلح معنيان مختلفان ، محتملان في كل مرة يطلق فيها ذلك المصطلح ، ولا يحدد المراد منهما ـ غالباًـ إلا دراسة المسألة الجزئية نفسها .
وربما تعددت المجموعات من المسائل ذانمت نهع هى هرعت خمبملل نتلبهن تب الروابط المختلفة بالمعنى اللغوي ، على الوجه المذكور آنفاً= فيكون المصطلح على ذلك متعدد المعاني ، بعدد تلك الروابط . لكن تأكد في هذه الحالة من صحة تلك الروابط ، بالتأكد من قوة علاقة الصفات الجامعة للمسائل الجزئية بالمعنى اللغوي للمصطلح . وتأكد أيضاً من وجود فروقٍ حقيقية ، لا وهمية ، بين تلك الروابط ، لتبيح لك الفروق أن تدعي اختلاف معاني المصطلح . وأطالب بهذه التأكيدات ، لأن دعوى تعدد معاني المصطلح دعوى صعبة القبول ، إذ ربما آل الأمر بزعم تعدد معانية ، والمبالغة في ذلك ، إلى أن يكون المصطلح مستبهم المعنى ليس ذا فائدة ، عديم النفع ، لن المصطلح ـ بذلك ـ تنازعته معاني مختلفة ، لا دليل ـ إلا بشق الأنفس ـ لمعرفة المقصود منها .
وربما خرجت أيضاً بحالةٍ وسطٍ بين هذه وتلك !
فتجد أن من الصفات الجامعة للمسائل الجزئية كلها ماله رابط واحد بالمعنى اللغوي للمصطلح ؛ وتنفصل صفات جامعة أخرى ببعضٍ من المسائل الجزئية تلك ، بأن يكون لها رابط آخر بالمعنى اللغوي للمصطلح ؛ وتنفصل آخرى بأخرى كذلك ، مع اجتماع الكل بأن لها رابطاً واحداً بالمعنى اللغوي ، يجعلنا لا نستطيع ادعاء اختلاف معاني المصطلح= وحينها يكون للمصطلح معنى عام ومعاني خاصة ، فالمعنى العام يفهم من ذلك المصطلح بداءةً ، أما المعاني الخاصة فلا بد من دلائل تحدد لنا أيها المراد .
وهذه الحالة الوسط ، من خلال دراستي لعلوم الحديث ، أحسبها أكثر الحالات تحققاً في مصطلحها .
إن المعنى اللغوي الأصلي لمصطلحات الحديث ، الذي جعلته في هذه الخطوة قطب الرحى وخط الانطلاق ، حقيق بأن يكون له هذه المكانة في فهم مصطلح الحديث ، حقيق بأن يكون له هذه المكانة في فهم مصطلح الحديث ، بأن نجعله حكماً في فرز الصفات الجامعة ، لنعرف معنى المصطلح بعد ذلك عن طريق تحكيمه . وقد كنا بينا أهمية دراسة المعنى اللغوي للمصطلحات ، وقوة علاقته بها القوة التي جعلت له هذه المكانة في دراسة مصطلح الحديث ، في سابق بحثنا هذا ، فانظرها إن شئت(1)
ومما ذكرته في سابق بحثي هناك ، ومما عرفته من دراستي لمصطلح الحديث ، أستطيع أن اضع قاعدةً عامة ً بهذا الخصوص ، يمكن أن تجعلها مرشداً أولياً لك في فهم المصطلح ، ووسيلةً سريعةً لتبليغك ذلك ، فيما لو لم تستطع أو لم تجد الوقت للقيام بهذه الخطوات كلها . هذه القاعدة تقول : إن اقرب معنى للمصطلح ، من المعاني المذكورة أو المظنونة له ، إلى المعنى اللغوي الأصلي للفظ= هو أصوب تلك المعاني ، أو أقربها للصواب في فهم المصطلح .
المهم أن هذه الخطوة يمكن أن تكون الخطوة الأخيرة قبل صياغة معنى المصطلح ، فيما لو لم يتح لنا القيام بالخطوات التالية.





يتبع إن شاء الله.

د / ربيع أحمد ( طب ).
08-04-28 ||, 11:54 AM
جزاكم الله خيرا ، وبارك الله فيكم بانتظار مزيدكم

محمد بن فائد السعيدي
08-04-29 ||, 08:34 AM
الخطوة السادسة : التلقي التام والقبول المطلق لشرح أهل الاصطلاح لمصطلحهم ، فيما لو وجدنا لهم في شرحه كلاماً . فكلهم أبناء بجدتها ، وآباء عذرها ، يتكلمون عن كلامهم ، وترجمون لسانهم بلسانهم ، فأنى يعترض عليهم ؟! بل أنى ى يسلم لهم؟!!
فكل فهم يخالف فهم أهل الاصطلاح لاصطلاحهم مرفوض تمام الرفض ، لأنه في وجهه السافر : مشاحة في الاصطلاح ، وقد أبيناها جميعاً بحمد الله تعالى !
وكل فهم يخالف فهم أهل الاصطلاح لاصطلاحهم ، فيه من الأخطار ، ويترتب عليه من العواقب الوخيمة ، ما قربنا فيه وبعدنا ، بياناً لخطئه وخطله وخطره ، في شرحنا لـ( فكرة تطوير المصطلحات )(1).
ونحن في خطواتنا السابقة كلها ، الجادة الجاهدة في فهم المصطلح ، إنما نستلهم معنى المصطلح من تطبيقات أهل الاصطلاح ، إنما نستلهم معنى المصطلح من تطبيقات أهل الاصطلاح ومن جاري عملهم في علمهم ، فكيف نفرط بعد ذلك في صريح مقالهم في شرح مصطلحهم ؟!!!
بل حتى في مجال قواعد العلم ، عليك بالمقياس التالي : إن وجدت قاعدةً من قواعد علوم الحديث المنصوص عليها في كتب علومه ، تخالف تطبيقات أهل المصطلح ، وتناقض صريح تصرفاتهم= فاعلم أن تلك القاعدة منسوفة من أساسها ، مقتلعة من أصولها . لن ذاكر تلك القاعدة ، إنما يذكرها على أنها مستنبطة من تطبيق الأئمة ، فإذا وجدنا تطبيق الأئمة يناقضها ، فقد قضي على استنباطه من قاعدة استنباطه!
والكارثة حقاً أن تجد القضية عكوسة ، كالفطرة المنكوسة حيث نسمع ونقرأ لمن ينتقد مثلاً أحاديث في الصحيحين ، لأنها معنعنات بعض مشاهير المدلسين!!! فنقول لهذا المسكين ، أو العالم المخطىء : علام اعتمدت في انتقادك لعنعنة المدلس؟ أوليس على قواعد مبثوثةٍ في كتب علوم الحديث ؟! ثم أو ليست تلك القواعد إنما استنبطت من تطبيقات أئمة الحديث ونقاده في قرونه السوالف ؟! فإذا وجدنا أن تلك القواعد منتقضة ، أو منتقض بعضها ، بمثل صريح تصرف صاحبي الصحيح= فكيف تنتقد بالمنتقد ؟! وتبني على قاعدةٍ منسوفة؟!!
إن هذه الخطوة : خطوة الاعتماد على شرح أهل الاصطلاح لاصطلاحهم ، هي مقياس نجاح أو عدم نجاح الخطوة السابقة ولخطوات السابقة كلها . فإذا ما انتهينا في الخطوة السابقة من تحديد الصفات الجامعة المرتبطة بالمعنى اللغوي للمصطلح ، على ما شرحناه آنفاً ، فنحن في الحقيقة وضعنا ـ أو كدنا أن نضع ـ عناصر تعريف المصطلح . فإذا ما فزنا بعد ذلك بكلامٍ لأهل الاصطلاح في شرح ذلك المصطلح ، نظرنا في كلامهم نظر
مستوعبٍ لمعناه (أولاً) ، ثم وزنا به ما توصلنا إليه من تطبيقاتهم العملية . فإن اتفق استنباطنا من تطبيقاتهم مع شرحهم أنفسهم لمصطلحهم ، كان هذا دليل الفلاح والنجاح . أما إذا لم يتفق استنباطنا من تطبيقاتهم مع شرحهم لمص طلحهم ، فالخطأ قطعاً من استنباطنا ، لا من تطبيقاتهم ، ولا من شرحهم . والواجب حينها تحديد وجوه الاتفاق ووجوه الافتراق بين استنباطنا وشرحهم لمصطلحهم ، لتعيين سبب الخطأ في الاستنباط ، ومحاولة استدراكه وإعادة تصويبه .
هذا هو منهج العمل في هذه الخطوة إن أتيح لنا القيام بها ، لأن أقوال أهل الاصطلاح في شرح مصطلحهم ليست متوفرةً توفراً يغطي جميع مصطلحاتهم ، ولا المتوفر منها قريب التناول دائماً ، فليس من السهل الوقوف عليه . إلا ما حواه كتاب ( معرفة علوم الحديث ) للحاكم فإنه ثروة من هذه الناحية ، وكذا ما نقله الخطيب البغدادي عن أهل الاصطلاح في كتابه ( الكفاية ) . لكن تبقى أقوال أخرى لأهل الاصطلاح في كتابه ( الكفاية ) . لكن تبقى أقوال أخرى لأهل الاصطلاح في غير مظانها ، ومنتشرة في كتب ( العلل ) و( الجرح والتعديل ) ، و( السنن ) ، وغيرها من مصنفات الحديث النبوي .
قد ذكرنا بعضاً من مظان كلام أهل الاصطلاح في شرح مصطلحهم ، عندما أرخنا لعلوم الحديث(1) ، وعندما تكلمنا عن مناهج كتب علوم الحديث(2) أيضاً .
غير أننا لن نستفيد من كلام أهل الاصطلاح الفائدة المطلوبة المتعينة ، إلا إذا أحسنا تفهمه ، حتى نستوعب معناه تماماً . ولن يتم ذلك إلا بعدم الغلو في تفسيره ، وبعدم الجفاء عن فهمه ، فإن الغلو أو الجفاء هما سبب انحراف كثيرٍ من المتأخرين عن فهم مصطلح الحديث ، مع وقوفهم على كلامٍ لأهل الاصطلاح في شرحه(3)!
حيث إن من وجوه الغلو في فهم كلام أهل الاصطلاح : التعامل معه وكأنه نص كتابٍ أو سنةٍ ثابتة ، فيحتج بمفهومه كما يحتج بمنطوقه ، ويقاس عليه! ولست أعني أن الاحتجاج بمفوهم كلامهم أو القياس عليه غلط مطلقاً ، لكنه ـ أيضاً ـ ليس صواباً مطلقاً .
إن عبارات أهل الاصطلاح في شرح مصطلحهم عبارات سهلة غير معقدةٍ ، خرجت على السلفية العربية في يسرها وصفائها ، وخرجت أيضاً وفق احتياج سائلٍ ، أو بناءً على سياقٍ معين ، أو تنبيهاً لأهل عصرهم . ولم يكن يخطر على بالهم أنهم يخاطبوننا ، في فقرنا العلمي ، وبعدنا عن إدراك علمهم ، وتعاور المؤثرات على أساليب تفكيرنا والمعوقات دون فهم كلامهم . فربما عرفوا بمصطلحهم : بضرب مثالٍ له ، أو بذكر أهم صوره ، أو أكثرها وقوعاً وتحققاً ، أو أخطرها في تمييز صحيح السنة من سقيمها . وربما جاء ما يفيد في تعريف المصطلح عرضاً في كلامهم ، بذكر حكمه ، أو بتفريقه عن مصطلح آخر ، أو ببيان تفريعاته وأقسامه . لذلك فإن من وجوه الغلو في تفسير كلام أهل الاصطلاح أيضاً : تسليط معايير علم المنطق عليه ، ومحاسبة شرحهم للمصطلح بصناعة الحدود المنطقية . وكم جار هذا الغو على علم المصطلح ! وكم ظلم عبارات أهل الاصطلاح !! إذ إن اعتبار شرح أهل المصطلح لمصطلحهم جارٍ على أصول المنطقيين ، سوف يجعلنا نفهم ذلك الشرح ذا السهولة والسليقة العربية البعيدة عن التعقيد ، لخوجها من أهل الاصطلاح على ذلك النحو الآنف الذكر= على غير مراد قائليه ، وبما لم يخطر على بالهم !!
ومثال ذلك : فيما لو قال أحد أهل الاصطلاح : (( الشاذ : أن يروي الثقة حديثاً يخالف فيه الناس))(4)، فإننا بشرط (الجمع والمنع) المشترط في صناعة المعرفات المنطقية، سوف أفهم أن هذا هو الشاذ كله، ولا شاذ سواه. مع أن ذلك قد لا يكون خطر على بال قائله من أهل الاصطلاح، وإنما أراد التنبيه على أهم أنواع الشذوذ، أو على أشدها أثراً على قبول الحديث، أو على أكثرها وقوعاً، أو أشدها أثراً على قبول الحديث ، أو وإن جاز وصف غيرها بذلك أيضاً.. أو غير ذلك من احتمالات معنى الشرح غير الجاري على أصول المناطقة .
وليس معنى ذلك أن لا نفهم الكلام على ما يدل عليه ظاهر اللفظ ومنطوقه ، بل نحن نطالب بذلك . فإن ظاهر اللفظ ومنطوقه في العبارة السابقة إنما يقول : عن مخالفة الثقة للناس شذوذ ، ولم يقل إن كل ما سوى هذه الصورة ليس ( شاذاً) ، ولا أن هذا هو الشذوذ وحده . ولا نريد أن نحمل الكلام غير هذا المعنى ، إلا إذا دل دليل خارجي على غيره .

محمد بن فائد السعيدي
08-04-29 ||, 08:40 AM
أما الجفاء عن فهم شرح أهل الاصطلاح لاصطلاحهم ، فله وجوه متعددة ، منها : تسليط فهوم المتأخرين من المحدثين والأصوليين للمصطلح على شرح أهله له !! وعندها يؤول شرح أهل الاصطلاح على غير ظاهره ، ويبتسر نقله وفهمه ، ويفصل عن دلالة سياقه : سباقة ولحاقة ؛ كل ذلك من أجل أن يوافق كلام المتأخرين من المصنفين في علوم الحديث أو غيرهم من الفقهاء والأصوليين . مع أن الواجب عكس ذلك ، والسير على ضد هذا المنهج ، بتأويل كلام غير أهل الاصطلاح ـ ما أمكن ـ ليوافق كلام أهله ، وإلا رفض كلام أولئك الذين عم ليسوا من أهل الاصطلاح لمناقضته كلام أهله !!
ومن وجوه الجفاء في ذلك أيضاً : ( فكرة تطوير المصطلحات ) ، بعدم الرضى عن مدلول المصطلح المشروح بكلام أهله ، لسعة ذلك المدلول ، وتداخله مع مدلول مصطلح آخر . فيقود ذلك الشعور بعدم الرضى إلى المشاحة في الاصطلاح ، السابق بيان أخطارها (1).
وعلى كل حال ، فإن الخطأ في فهم كلام أهل الاصطلاح ، لا بد أن يجتمع في أسبابه غلو وجفاء ، وأحدهما قائد للآخر لا محالة!!
فربما اجتمع عند المتأخرين من التعصب المذهبي ما يقودهم إلى الغلو في فهم كلام إمامهم ن وهذا الغلو يتجه في النهاية نحو الجفاء عنه ليوافق كلامه ما ظنه ذلك المتعصب صواباً من كلام غيره من الأصوليين والمتأثرين بهم من المحدثين .
ومثال ذلك : ميل أتباع الإمام الشافعي إلى نصرة أقواله ، ذلك الميل الذي تحول مع مرور الزمان تعصباً . وضربت مثلاً بالشافعية ، لأن ( اسعد الناس بالحديث الشافعية ) ، وغالب مصنفات علوم الحديث ومصطلحه لأئمةٍ شافعية : من الحاكم ، إلى الخطيب ، على ابن الصلاح ، إلى النووي ، إلى العراقي ، على ابن حجر ، إلى السخاوي ، إلى السيوطي ، وقبلهم وبعدهم ، كل هؤلاء شافعية!
والمثال الواقعي للغلو والجفاء في فهم الشافعية لكلام الإمام الشافعي في مصطلح الحديث : كلامه في مصطلح ( الشاذ) ، السابق ذكره . وتفصيل هذا المثال فيه طول ، أرجو أن تكون فيه فائدة ، ولذلك سأطيل في تفصيله !
قال الإمام الحاكم ( الشافعي المذهب) في ( معرفة علوم الحديث ) : (( هذا النوع منه : معرفة ( الشاذ) من الروايات . وهو غير ( المعلول) ، فإن المعلول ما يوقف على علته : أنه دخل حديث في حديث ، أو وهم فيه راوٍ أو أرسله واحد فوصله واهم . فأما الشاذ ، فإنه حديث يتفرد به ثقة من الثقات ، وليس للحديث اصل متابع لذلك الثقة . سمعت أبا بكر أحمد بن محمد المتكلم الأشقر .. ـ فأسند إلى الشافعي أنه قال : ـ ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يرويه غيره ، هذا ليس بشاذ ، إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثاً يخالف فيه الناس ، هذا الشاذ من الحديث))(1)
ـ ثم ذكر الحاكم بعد ذلك ثلاثة أمثلة للشاذ عنده .
وعبارة الإمام الشافعي هذه جاءت عنه بألفاظٍ أخرى أكثر وضوحاً ، فقال في بعضها : (( ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة حديثاً لم يروه غيره ، إنما الشاذ من الحديث : أن يروي الثقات حديثاً : على نص ؛ ثم يرويه ثقة : خلافاً لروايتهم ز فهذا الذي يقال : شذ عنهم ))(2) .
ثم قال تلميذ الحاكم أبو يعلى الخليلي في ( الإرشاد ) : (( أما ( الشواذ) : فقد قال الشافعي وجماعة من أهل الحجاز : ( الشاذ) عندنا : ما يرويه الثقات على لفظٍ واحدٍ ، ويرويه ثقة خلافه ، زائداً أو ناقصاً . والذي عليه حفاظ الحديث : ( الشاذ ) : ما ليس له إلا إسناد واحد ، يشذ بذلك ك شيخ ثقة كان ، أو غير ثقة ؛ فما كان عن غير ثقة : فمتروك لا يقبل ، وما كان عن ثقة : يتوقف فيه ، ولا يحتج به ))(3)
فواضح من تصرف الخليلي ، أنه اعتبر كلام الإمام الشافعي ومن وافقه من أهل الحجاز مذهباً خاصاً بهم واصطلاحاً لهم ، فلم يعترض على الاصطلاح بشيء.
ولعل الحاكم يكون هذا هو موقفه ، فيكون الخليلي قد ترجم لنا موقف شيخه الحاكم بعبارته الصريحة السابقة الذكر .
وقبل أن أنتقل إلى مواقف المتأخرين من هذه المسألة ، أشرح مذهب الحاكم والخليلي في تفسيرهما للشاذ .
فظاهر أنهما اتفقا أن من شروط ( الشذوذ ) أن يتفرد به راوٍ ، دون أن يكون له متابع .
ثم قد يظن أنهما اختلفا في أمرين اثنين ، هما :
الأول : أن الحاكم ذكر أن المتفرد بالشاذ ثقة ، وأما الخليلي فالشاذ عنده ما تفرد به ثقة أو غير ثقة . وهذا إنما ظنناه اختلافاً بين الحاكم والخليلي(4) بتسليط معايير الحدود المنطقية على كلام الحاكم ، باعتبار أن ما ذكره من شرحه للشاذ تعريفاً جامعاً منعاً . لكن لو عاملناه على غير ذلك ، وأخذنا بمنطوقه دون مفهومه ، لعرفنا أن الحاكم إنما ذكر أدق نوعي الشاذ ، وأشدهما خفاءً ، وأحوجهما إلى البيان .
والدليل القاطع بأن الحاكم لا يعارض في تسمية تفرد غير الثقة بالشاذ ، هو تصرفه وتطبيقه . ففي ( المستدرك ) أخرج حديثاً من طريق إسحاق بن بشر الكاهلي الكوفي ( ت 218هـ)، وهو كذاب (5)، يرويه هذا من طريق جميع بن عمير التيمي الكوفي وهو مختلف فيه (2) ، قال عنه الحافظ في ( التقريب ) : (( صدوق يخطىء ويتشيع ))(3). ثم قال الحاكم عقب هذا الإسناد: ((هذا حديث شاذ، والحمل فيه على جميع بن عمير ، وبعده إسحاق بن بشر ))(4). فتعقبه الذهبي بقوله في ( تلخيص المستدرك ) : (( فلم يورد الموضوع هنا ؟!!))(5) .
فهذا تصرف قاطع على أن الحاكم يسمي تفرد غير الثقة شاذاً ، كما يسميه به الخليلي أيضاً .
وبهذا تعلم جور تسليط معايير الحدود المنطقية على كلام أهل الاصطلاح وشرحهم لمصطلحهم ، لأن كلامهم لم يوزن منهم بتلك المعايير !
الأمر الثاني الذي يظن أن الحاكم والخليلي اختلفا فيه : هو أن الحاكم لا يرى الوصف بالشذوذ مانعاً من تصحيح الحديث ، ويظن أن الخليلي يخالف الحاكم في ذلك ، لأنه ذكر تفرد الشيخ الثقة يتوقف فيه ولا يحتج به .
أما أن الحاكم لا يرى الوصف بالشذوذ مانعاً من وصفه بالصحة ، فذلك قد أخذوه من إطلاق الحاكم على تفرد الثقة بأنه شاذ(6).
وأصرح من ذلك كله في أن الحاكم لا يرى الوصف بالشذوذ مناقضاً تصحيح الحديث والاحتجاج به أيضاً ، هو أنه في كتابه ( المدخل إلى الإكليل ) ، ذكر أقسام الحديث الصحيح المتفق عليه (7) ، فقال في ( القسم الرابع من الصحيح المتفق عليه ) : (( هذه الأحاديث الفراد والغرائب ن التي يرويها الثقات العدول ، تفرد بها ثقة من الثقات ، وليس لها طرق مخرجة في الكتب ...))(8)، ثم ضرب لهذا القسم أمثلة ، منها حديث اتفق على إخراجه الشيخان ، وهو حديث عائشة رضي الله عنها في سحر النبي صلى الله عليه وسلم(8) ، ثم قال الحاكم : (( هذا الحديث مخرج في الصحيح ، وهو شاذ بمرة ))(9).
فالحاكم موافق على أنه صحيح حجة ، لكنه يصفه بالشذوذ باعتبار التفرد فقط .
ولذلك أمثلة متعددة من تصرفات الحاكم!
فمن ذلك قوله عقب حديث في ( المستدرك ) : (( ولعل متوهماً يتوهم أن هذا متن شاذ ، فلينظر في الكتابين ( يعني صحيح البخاري ومسلم ) ، ليجد من المتون الشاذ ، التي ليس لها إلا إسناد واحد ، ما يتعجب منه ، ثم ليقس هذا عليها))(10) .
وقال عن حديث آخر في ( المستدرك ) : (( إسناد صحيح ، رواته عن آخرهم ثقات ، إلا أنه شاذ بمرة ))(11).

وقال عن آخر : (( هذا حديث شاذ صحيح الإسناد ))(1) .
وقال كذلك : (( هذا متن شاذ ، وإن كان كذلك ، فإن إسحاق الدبري صدوق ... ـ ووثق بقية رجال إسناده قبل الدبري ـ ))(2).
وقال الحاكم أيضاً في ( سؤالات السجزي له ) : (( بهز بن حكيم : من ثقات البصريين ، ممن يجمع حديثه. وإنما أسقط من الصحيح : روايته عن أبيه عن جده ، لنها شاذة لا متابع لها في الصحيح ))(3) . ومع ذلك فقد أكثر الحاكم الإخراج في ( المستدرك ) لبهز بن حكيم ، مصححاً لحديثه عن أبيه عن جده(4).
وبذلك لا يبقى عندك شك في أن الشذوذ عند الحاكم ليس وصفاً مناقضاً للصحة ، بل هو عبارة عن وصف الحديث بالتفرد بأصلٍ لا متابع له فيه ، بغض النظر عن قبوله أو رده .
ثم وازن بين كلام الحاكم وتصرفه هذا ، وهو من أهل الاصطلاح ، بما استقر عند المتأخرين من أن الشذوذ قسم من أقسام الضعيف.



يتبع إن شاء الله

محمد بن فائد السعيدي
08-04-29 ||, 08:42 AM
وما أحسن احتراز ابن الصلاح وإشارته الدقيقة إلى ذلك ن عندما قال : (( الشاذ المردود قسمان ..))، فقوله ( المردود ) ، فيه إشارة إلى أن من الشاذ ما هو مقبول غير مردود . وإن كان كلام ابن الصلاح قبل كلامه هذا ، في الموطن نفسه : ( نوع معرفة الشاذ ) ن يوحي إيحاءً يكاد يكون تصريحاً بخلاف ذلك الاحتراز الحسن وبغير تلك الإشارة الدقيقة ‍‍
فانتهينا إذن إلى أن من الشاذ ما هو صحيح محتج به عند الحاكم ، فهل الخليلي يخالفه ؟
إن ظاهر كلام الخليلي في هذا الموطن : أن الحديث الفرد ، سواء كان من رواية ثقة أو غير ثقة ، فهو حديث لا يحتج به . لكن هذا الظاهر لا يتبادر إلى ذهن أحدٍ من له أدنى علمٍ بعلم الحديث ، لن رد الغرائب والأفراد كلها لا يقول به أحد من أهل الحديث . وإذا كان هذا الظاهر على هذه الدرجة من ظهور رده ووضوح بطلانه ، فلا يمكن أن نظن بأحد حفاظ الحديث ونقاده أنه يقول به ‍ وعلى هذا بلا بد من تفسير كلام الخليلي بما لا يخالف البدهيات ، وتأويله بما لا يناقض الإجماع ‍‍ وهذا أباح للخليلي التعبير بمثل هذا التعبير ، وهو الذي رخص له عند نفسه أن لا يعقد عبارته بما البدهي كافٍ فإفهامه والإجماع كفيل بتقييده . وهذا مثال آخر وجديد ، على سهولة عبارات أئمة الحديث ، وخروجها على سليقة العرب : في صفائها ن ووضوحها ، وبعدها عن تطويل العبارة أو تعيدها ، بما العقول السليمة تعقله ، والأفهام الصحيحة تدركه .
ولك أن تعجب بعد ذلك من مواقف بعض المتأخرين من عبارة الخليلي تلك‍ والتي جاء أمثلها قول من فهم كلام الخليلي بناءً على تصريح الخليلي في موطن آخر م ( الإرشاد ) ، بأنه يصحح افراد الحفاظ الثقات . وهذا وإن كان دليلاً صحيحاً على عدم جواز فهم كلام الخليلي السابق على إطلاقه ، من أنه يرد الأفراد ولا يحتج بها مطلقاً= إلا أنه استدلال حاجة لنا فيه ، بعد أن فهمناه بداهةً ، وعلمناه بالإجماع ‍‍
وإذا كان الخليلي لم يشذ عن الإجماع ولم يخالف البدهيات ، في أن أفراد الحفاظ صحيحة محتج بها اتفاقاً ، فما هو معنى قوله عن الشاذ: (( يشذ بذلك : شيخ ثقة كان ، أو غير ثقة ... وما كان عن يتوقف فيه ولا يحتج به ))؟
أجاب عن ذلك ابن رجب الحنبلي في ( شرح علل الترمذي ) ، حيث قال : (( لكن كلام الخليلي في تفرد الشيوخ ، والشيوخ في اصطلاح أهل هذا العلم : عبارة عمن دون الأئمة الحفاظ ، وقد يكون فيهم الثقة وغيره ... وفرق الخليلي بين ما ينفرد به شيخ من الشيوخ الثقات ، وما ينفرد به إمام أو حافظ ؛ فما انفرد به إمام حافظ : قبل واحتج به ، بخلاف ما تفرد به شيخ من الشيوخ ن وحكى ذلك عن حفاظ الحديث)).
إذن فالقسم المردود من أفراد الثقات عند الخليلي : هو الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابراً لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف . وما سوى هذا القسم من أفراد الثقات ، فهو مقبول محتج به ، وهو انفراد من كان يحتمل التفرد بما تفرد به .
وهذا كله في معرفة ما يقبله وما لا يقبله الخليلي من أفراد الثقات ، ويحكيه عن أهل الحديث . لكن مسألتنا ك هل الشاذ عند الخليلي هو هو عند الحاكم ؟
أما حكم انفراد الثقات ، فاتفق عليه الحاكم والخليلي ، كما سبق عنهما . بتقسيمه إلى انفراد من يحتمل ذلك التفرد ن ومن لا يحتمله .
واتفق والحاكم والخليلي على تسمية ما لا يحتمل من التفرد بـ( الشاذ) ، ونص الحاكم على تسمية ما يحتمل من التفرد بـ( الشاذ) أيضاً ن ولم ينص الخليلي على هذا في ذلك الموطن .
فإذا أردنا وزن كلام الخليلي بمعايير المناطقة ، باعتباره أن حده لا بد أن يكون جامعاً مانعاً لصفات ( الشاذ) ، بعدما شرحانه من كلامه= يكون تفرد من يحتمل ذلك التفرد ليس بـ( شاذ) عند الخليلي .
لكن سبق أن تلك المعايير أجنبية عن علوم الحديث ، غريبة على علمائه ، فلا يصح أن يوزن كلامهم بها .
ويكون الخليلي بذلك الشرح للشاذ ، إنما أراد بيان قسمه المردود ، لأنه هو القسم الذي كان وصفه بـ( الشذوذ) سبباً لرده وعدم الاحتجاج به . فهو لذلك ، وبملاحظة منطوق كلامه وحده ، غير مخالفٍ للحاكم ، وليس عندنا ـ إلى الآن ـ ما يدل على أنه موافق له أيضاً . وإن كانت موافقته له هي الأقرب والأصل ، لأن اصطلاحهما اصطلاح علمٍ واحدٍ ، ولأن الحاكم شيخ الخليلي .
غير أني وجدت تطبيقاً عملياً للخليلي ، يدل على أنه موافق لشيخه الحاكم ، على تسيمة تفرد من يحتج بتفرده بـ( الشاذ)‍
حيث قال في ( الإرشاد) عن العلاء بن عبد الرحمن الحرقي : (( وقد أخرج مسلم في ( الصحيح ) : المشاهير من حديثه ، دون هذا(1) والشواذ))(2).
فها هو يطلق على مفاريد العلاء بن عبد الرحمن في ( صحيح مسلم ): أنها شواذ‍
ونخرج من هذا كله ، بأن ( الشاذ) عند الحاكم والخليلي معناه واحد ، وحكمهما على أنواعه واحد ، ورأيهما فيه متطابق تماماً ‍‍
فالشاذ عندما : هو الأصل الذي انفرد بروايته راوٍ واحد . فإن كان المنفرد به يحتمل التفرد بمثله لحفظه وإتقانه وإمامته : لم يقدح ذلك في الاحتجاج بخبره ولم يمنع من تصحيحه ، وإن كان المتفرد به مقبولاً لكنه ليس يحتمل التفرد به : فهو متوقف فيه لا يحتج به ، وإن كان المتفرد به ضعيفاً : كان ذلك الحديث شديد الضعف غير نافعٍ للاعتبار .
وبعد هذا الذي استخلصناه من كلام الحاكم والخليلي في تعريفهما لـ( الشاذ) ، نرجع إلى التذكير بموقفهما من كلام الشافعي عنه .
أما الخليلي فالظاهر أنه اعتبر كلام الإمام الشافعي ومن وافقه من أهل الحجاز مذهباً لهم ، واصطلاحاً خاصاً بهم ، في استعمال مصلطح ( الشاذ) .
ولعل موقف الحاكم من كلام الإمام الشافعي مثل موقف الخليلي منه ، حيث ذكر الحاكم كلام الشافعي عقب تعريفه هو للشاذ، دون إشارة إلى قبول أو رد ، من ظهور اختلاف كلام الشافعي عن كلامه في تعريف الشاذ.
إلا أن موقف الحاكم من كلام الإمام الشافعي يحتمل فيه أيضاً أنه مختلف عن موقف الخيلي ، بأن يكون الحاكم فهم كلام الشافعي فهماً لا يعارض شرحه هو لمصطلح الشاذ . وقد يؤيد ذلك : أن الحاكم أورد كلام الشافعي ( وهو إمامه ) عقب كلامه دون استدراكٍ أو معارضةٍ أو أي تعقيب ، كهيئة المستدل بكلامه المحتج به ‍‍ وهذا ظاهر لمن نظر في سياق كلام الحاكم ، كما ذكرناه سابقاً(3).
فيحتمل أن يكون الحاكم قد فهم من كلام الإمام الشافعي ، أن ( الشاذ) في كلامه لم يرد بالمعنى الاصطلاحي ، وإنما ورد فيه بالمعنى اللغوي . فالشافعي حينها لم يقصد تعريف ( الشاذ) اصطلاحاً ، وإنما أراد بيان أولى أحوال الرواية وصفاً بالشذوذ لغةً‍‍
ولا شك أن الوصف بـ( الشذوذ) لغةً يقتضي الانفراد عن جماعةٍ ، ويوحي أيضاً بذم هذا المنفرد . وهذا المقتضى والموحى به أوضح وأبين في ( مخالفة المقبول لمن هو أولى منه ) من ( انفراد الراوي بأصلٍ لا متابع له عليه ). وإن كان ( انفراد الراوي بأصل لا متابع له عليه ) فيه انفراد عن جماعة الرواة بنقل ذلك الأصل أيضاً ، وفيه إيحاء بذم المنفرد به كذلك ، برد أكثر الشواذ ، إلا ما تفرد به إمام حافظ يحتمل ذلك التفرد . لكن تحقق ذلك المقتضى والمحى به من معنى ( الشاذ) لغةً في الذي ذكره الشافعي أكثر من اصلاح المحدثين فيه ، كما سبق .
وليس في ذلك مشاحة من الإمام الشافعي لاصطلاح المحدثين في ( الشاذ)، لكنه بيان لأحق أحوال الرواية بذلك الوصف لغةً ، وإن كان الاصطلاح عند الشافعي على غير ذلك .
وقد يشير على أن مصطلح ( الشاذ) عند الشافعي كان معروفاً أنه : ( انفراد الراوي باصل لا متابع له عليه )= قوله : (( ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يرويه غيره )). فنفيه لهذا المعنى عن ( الشاذ) يدل على علمه به ، ويشير إلى إطلاق المحدثين له على هذا المعنى ، وأن الشافعي كان يعرف ذلك ، ولعله كان يستخدمه على المعنى نفسه أيضاً‍ لكنه أراد أن يبين أن الانفراد ليس سبباً للراد مطلقاً ، كما يويحي به وصفه بـ( الشذوذ) ، وأن يبين أيضاً أن الشاذ لغةً على الحقيقة ، والأولى بهذا الوصف ، هو ( مخالفة الثقة لمن هو أولى منه ) .
وأنا أعلم أن من تمذهب بإلفه العلمي ، سوف يعبر هذا التفسير لكلام الإمام الشافعي : تمحلاً في الفهم ، وتعسفاً في التفسير . ولو أنه أنصف ، ونظر النظر المجرد عما ألفه ، وتذكر أن أفمام الشافعي من أهل القرن الهجري الثاني ، ومن أهل المراحل المتقدمة لنشأة علوم الحديث ومصلحه ، وأنه كان يخاطب أهل عصره ، بعملهم وفهمهم واصطلاحهم ، وأنه لم يكن يخطر على باله الاحتجاج الملح عندنا لشرح مصطلحاتهم ؛ من تذكر ذلك كله= علم أن تفسيري لكلام الإمام الشافعي ، بأنه أراد بالشذوذ في كلامه المعنى اللغوي له ، ليس فيه تمحل ولا تعسف‍
وأنا لا أجزم بأن هذا هو معنى كلام الإمام الشافعي ، لكني أورد إلى كلامه هذا المعنى ن على أنه احتمال آخر في فهمه . والجزم بمعنى كلامه ، إنما يكون باستقراء مصطلحه التطبيقي ، ومصطلح أهل عصره ، وأهل الحجاز منهم خاصةً لكلمة الخليلي في نسبة تفسير الشافعي للشاذ إلى أهل الحجاز أيضاً .
وما دمنا نتحدث عن كلام أهل الاصطلاح عن ( الشاذ)، والفهوم الجائزة لكالمهم ؛ فهذا الإمام أبو بكر أحمد بن محمد بن هانىء الأثرم ( ت 273هـ) ، لما ذكر ( الشاذ) في كلامه . حمل على أنه يريد به ( مخالفة الراوي لمن هو أولى منه)، مع أن كلامه يدل بظاهره على غير ذلك المعنى‍
قال أبو بكر الأثرم : (( والأحاديث إذا كثرت كانت أثبت من الواحد الشاذ، وقد يهم الحافظ أحياناً))(1).
إن عبارة الأثرم واضحة أنه يتكلم عن ( أحاديث) ، لا عن ( حديث ) خالف فيه راوٍ من هو هو أولى منه . فهو يذكر أن ( الأحاديث) إذا دلت على أصل ، كان ذلك أثبت من الأصل الذي جاء به الواحد الشاذ ، ولم يقل : ( كان ذلك أثبت من المخالف الشاذ) ، إنما قال : ( الواحد) .
فالأثرم ـ بناءً على هذا) ـ يسمي تفرد الراوي بأصلٍ ( شاذا) ، فهو على رأي الحاكم والخليلي ، وليس على ما استظهر من كلام الإمام الشافعي . والغريب بعد ذلك ، كما ذكرنا آنفاً ، أن كلام الأثرم هذا فهم على أنه أراد به ما استظهر من كلام الإمام الشافعي ، بان الشاذ: مخالفة المقبول لمن هو أولى منه(2).
وكلمة أخرى لأحد الأئمة من أهل الاصطلاح ، في تفسير معنى ( الشاذ) :
يقول الحافظ النقاد الإمام صالح (جزرة) بن محمد بن عمرو الأسدي البغدادي (ت294هـ): (( الحديث الشاذ: الحديث المنكر الذي لا يعرف))(1).
ففهم ظاهر هذه العبارة ، يقول : إن الشاذ : هو التفرد المردود . فالتفرد من قوله : (( الذي لا يعرف )) ، والرد من قوله : (( المنكر)) .
وليس معنى ذلك أن هذا وحده هو ( الشاذ) عند صالح جزرة لنه العبارة خرجت منه غير موزونةٍ بما تقتضيه صناعة الحدود المنطقية ، من الجمع والمنع ‍ لكن معنى عبارته ، بما تقتضيه أساليب العرب : أن الشاذ حقاً ، أو الشذوذ المحض لغةً ـ عند صالح جزرة ـ: هو الحديث المنكر الذي لا يعرف . فهو إما أنه أراد الالتفات إلى دلالة المعنى اللغوي لـ( الشاذ)، كما سبق مع الإمام الشافعي . أو أنه أراد التنبيه إلى أخطر أنواع ( الشاذ) ،
وأحقها بالاهتمام .
كما أن هذه العبارة لا يلزم أنها تعني بأن ( الشاذ) هو ( المنكر) ، وأنهما مصطلحان متطابقان المعنى ، خاصة بعد الشرح المذكور آنفاً لعبارته هذه . إذ مقتضى ذلك الشرح : أن ( الشاذ) المردود ، هو الذي يقال له ( منكر)، دون غيره من ( الشذوذ) ، الذي هو تفرد الثقة الحافظ المحتمل لذلك التفرد .
ولعله مما يؤيد هذا الفهم لعلاقة ( الشاذ) بـ( المنكر) من كلام صالح جزرة ، هذا الحوار الذي دار بين أحد سائلي يحيى بن معين ويحيى ، حيث قال ذلك السائل لابن معين : (( ما تقول في الرجل حدث بأحاديث منكرة ، فردها عليه أصحاب الحديث ، إن هو رجع عنها ، وقال : ظننتها ، فأما إذ أنكرتموها ورددتموها علي ، فقد رجعت عنها ؟ فقال يحيى : لا يكون صدوقاً أبداً ، إنما ذلك الرجل يشتبه له الحديث الشاذ والشيء ، فيرجع عنه . فأما الأحاديث المنكرة التي لا تشتبه لأحدٍ فلا ))(2).
ولا أريد الدخول في مسألة علاقة ( الشاذ) بـ( المنكر ) ، فهذا خصم ليس هذا محله! لكن ما ذكرته إشارات لبعض ما يقال ، وأرجو الله أن ييسر لي كل ما يقال مستقبلاً في هذه المسألة . فإذا رجعنا إلى تفسير الشافعي للشاذ، وما ذكرناه فيه، فإن الذي لا محيد لنا من التسليم به حتى الآن ، على أقل تقدير ، أن نقول مثل الخليلي : إن للشاذ اصطلاحين معتبرين ، أحدهما : للشافعي وأهل الحجاز ، والآخرة : لغيرهم من حفاظ الحديث .
وهذا يشبه ( لا كل الشبه ) ما خرج به ابن الصلاح في نوع ( الشاذ) ، حيث قال : (( فخرج من ذلك ، أن الشاذ المردود قسمان ، أحدهما : الحديث الفرد المخالف . والثاني : الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابراً لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف ))(3).
لكن ظهرت المشاحة في الاصطلاح عند ابن الصلاح ، وظهرت بوادر الميل إلى نصرة اقوال إمامه الشافعي ، عندما اعترض على تعريفي الحاكم والخليلي للشاذ : بالأفراد الصحاح (1)!! حتى عبر الحافظ العراقي عن هذا الاعتراض في ( ألفيته ) وشرحها : ( التبصرة والتذكرة ) ، بأنه رد من ابن الصلاح لتعريفي الحاكم والخليلي(2)!!!
ثم ازداد الميل إلى نصرة قول الإمام إلى درجةٍ أبعد ، عند الحافظ ابن حجر ، عندما أدخل في باب الاصطلاح الترجيح بين الاصطلاحات(3) ، مع أنه لا مدخل للترجيح في الاصطلاح ، لأن الترجيح مشاحة فيما لا تحق فيه المشاحة !!
بل جزم الحافظ بمعنى واحد من معاني الشذوذ في ( النزهة ) ، هو المعنى الذي استظهر من كلام إمامه ( وإمام المسلمين مع غيره من أئمة الإسلام ) :
الشافعي (4)!!!
ثم تبعه على هذا الانتصار لقول الإمام : السخاوي(5) ، والسيوطي(6) : الشافعيان !!
وأصبح اصطلاح غير الإمام : (( غير جيد ))(7) !!!
مع أنه قد سبق معنا أن اعتبار ما قله الإمام ( الشافعي ) اصطلاحاً له ، يحتاج إلى مزيد إثبات والاستدلال ، فهو غير مقطوع به أنه اصطلاحه أصلاً!!!
فانظر كيف تعاون الغلو والجفاء في فهم كلام أهل الاصطلاح ، بالتدريج ، إلى البعد عن فهم كلامهم !!!
وهذا ما أردت التمثيل له!
وهو آخر ما أحببت ذكره في هذه الخطوة .

محمد بن فائد السعيدي
08-05-01 ||, 07:44 AM
الخطوة السابعة : الاستنارة بكلام المصنفين في علوم الحديث ، من غير أهل الاصطلاح ، بعامة . وخاصةً أصحاب الطور الأول لكتب علوم الحديث : طور ما قبل كتب ابن الصلاح . ولكتاب ابن الصلاح أيضاً ميزة وفضيلة على كتب الطور الثاني كلها ، لأسبابٍ وعوامل اختص بها ، ذكرناها فيما تقدم من هذا البحث(8).
وطريقة العمل في هذه الخطوة : أنك بعد أن قمت بالخطواط السابقة جميعها ، ربما فاتك شيء من الصفات الجامعة مثلاً بين المسائل الجزئية ، أو ربما خانك علمك في ربط تلك الصفات الجامعة بالمعنى اللغوي للمصطلح ، أو لعل قريحتك في الاستنباط تعثرت ، أو يحتمل أنك أبعدت النجعة في فهم كلام ، أو أغرقت في تفسير عبارة، أو أوقفتك حيرة= فيجيء كلام أهل العلم في تلك المصنفات هادياً لك من الضلال، ودليلاً لك من الحيرة، وقبساً لك في الظلمات، يرشد ويقود وينير، فيسدد لك الخطى، ويوفق فهمك، ويوصلك إلى الغاية المبتغاة والنهاية المرجوة.
فكلام أصحاب هذا الطور خير معين على تحقيق العمل في خطواتنا السابقة كلها، وأفضل مساعد على السير بها إلى فهم مصطلح الحديث. وليس كلامهم معياراً لما توصلنا إليه خلال خطواتنا، ولا دليلاً على صواب نتيجتها من خطئه، ولا يرجع إلى كلامهم في ذلك، إنما يرجع في ذلك إلى كلام أهل الاصطلاح وحدهم دون غيرهم.
مع الحذر خلال تلك الاستعانة والاستنارة من مواطن الزلل ومظان الخطأ في كتبهم، المعروفة من مناهجهم، ومن مذاهبهم العقدية والفقهية، ومن العلوم التي أثرت عليهم في أساليب تفكيرهم وطرائق فهمهم ومعايير نقدهم.
وقد تكلمنا عن ذلك في باب خاص به(1)، واستعرضنا أشهر كتب الحديث ومناهجها في باب آخر(2)، بما ينفع في ذلك إن شاء الله تعالى.
وبذلك نبلغ آخر خطوة بشرية، نخطوها لفهم مصطلح الحديث!
الخطوة الثامنة : وهي صياغة معنى المصطلح، وتعريفه. ولست أقصد بذلك كتابة تعريف على أصول المناطقة وصناعتهم، وإن كان ذلك- في حد ذاته- ليس حتماً!! ولربما خرج التعريف واضحاً قائماً بالمطلوب وهو على غير صناعتهم.
المهم أن لا تقودنا صناعة الحدود المنطقية إلى تغيير مدلول المصطلح، هذا هو الأهم، وما بسببه عانينا خطواتنا السابقة كلها، لما قادت تلك الصناعة بعض من سبقنا إلى تلك المشاحة في الاصطلاح أحياناً!
ومن المهم أيضاً أن لا نعقد العبارة، ونتمحك في انتقاد أخرى، ونعترض على حرف، ونورد احتمالاً بعيداً في فهم تعريف= بناءً على صناعة الحدود المنطقية، فهذا أحد ما فررنا منه!
وطريقة العمل في هذه الخطوة: أنك بعد أن ربطت الصفات الجامعة للمسائل الجزئية بالمعنى اللغوي للمصطلح، ولاحظت علاقتها به، وقست ذلك ووزنته وتوثقت منه بما وجدته من كلام أهل الاصطلاح، ثم استعنت بكلام من بعدهم= فصغ صفة جامعة واحدةً، من هذه المعطيات كلها، في عبارة واضحة دقيقة.
ولا بأس أن تتمم عبارتك بمثال توضيحي، أو صورة ذهنية لذلك المصطلح، تساعد على فهمه، وعلى استيعاب مرادك من وهنا تكون قد بذلت وسعك، وسعيت جهدك، وأعذرت في الطلب وأنجزت ما وعدت .
وهذا غاية ما يستطاع، إلا من الخطوة التالية!
الخطوة التاسعة والأخيرة (وهي الأولى أيضاً!) : طلب العون من الله سبحانه، والتضرع إليه عز وجل في ذلك، وفي إخلاص النية، وتوجيه القصد إليه تعالى وتقدس. فإنه:
إذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده
ولك في سير الصالحين قدوة!
يقول الإمام البخاري: ((ما وضعت في كتاب(الصحيح) حديثاً، إلا اغتسلت قبل ذلك، وصليت ركعتين))(3).
الله أكبر !!! لو كان لأحد أن يعتمد على علمه، وأن يعجب بجهده، وأن تكفيه عبقريته= لكان الإمام البخاري!! ومن يكون إذا لم يكنه؟!!!
فاتعظ يا مسكين!!
ولا أقول(تواضع)، فإنما يتواضع الرفيع، أما من سواه فيعرف قدر نفسه، ورحم الله امرأ عرف قدر نفسه!
فاخشع وتذلل وتضرع، وادع ساجداً وقائماً، ربك الغفور الرحيم، أن يشملك بعفوه، وأن يسبغ عليك نعم توفيقه، ويحوطك عن الخطأ والزلل، ويحميك من الهوى والشيطان. فإن تقبل، فيا فوزك ويا بشراك: فقد فهمت مصطلح الحديث!!!
فإذا ما بلغت هذه الغاية، وأدركت فيها مناك وأملك، فقل: الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ، كما يحب ربنا ويرضى ، ملء السماوات وملء الأرض ولء ما بينهما ، وملء ما شئت من شيءٍ بعد ، أهل الثناء والمجد ، أحق ما يقول العبد ، وكلنا لك عبد ، اللهم لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد .
وصلى الله على محمد عبد الله ورسوله ، وعلى آله ، وأصحابه ، والتابعين لهم إلى يوم الدين ، وسلم تسليماً كثيراً .
والله أعلم .

حامد الحاتمي
08-09-08 ||, 01:59 PM
.. بوكت ..

السرخسي
08-09-21 ||, 08:41 PM
جزاك الله خير .. وجزى الله الشيخ العلامه المحدث الشريف حاتم العوني خيراً على كتبه المفيده .