المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نظرية الاجتهاد عند الشاطبي



عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
11-01-17 ||, 12:09 PM
نظرية الاجتهاد عند الشاطبي

إذا كان الشافعي واضع علم الأصول على معنى الأولية في التدوين ، والغزالي مهندس الأصول ، فإن الشاطبي مبدع النظر المقاصدي-الأصولي..
ولقد تكلم قبله في المصالح والمقاصد أناس كثير ، لكن لم ينتظم لأحد منهم الحديث عنها في إطار أصولي مرتب المعالم ، كما اتفق للشاطبي ، وإذا كان تأثر الغزالي بأبي إسحاق واضحا ، فإن تأثر الشاطبي بالغزالي أيضا واضح [راجع فضلا نظرية الاجتهاد عند الغزالي هنا (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)] ، ويكفي من ذلك ما ذكره الريسوني من أن الشاطبي قد ذكر الغزالي حوالي أربعين مرة ، لم يذكره في كل مرة إلا موافقا ، في حين نجده يذكر الرازي ، ولا يذكره إلا رادا عليه ([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1))...


أ- شروط الاجتهاد.

قال الشاطبي رحمه الله :>إنما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين:أحدهما فهم مقاصد الشريعة على كمالها . والثاني : التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها<)[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2)(.
ولقد بنى الشاطبي رحمه الله منهجه في الشروط على نظرين :
أن الاجتهاد إما :
-أن يتعلق بالنص من جهة التركيب اللفظي = الاستنباط .
-وإما أن يتعلق بالمعاني= القياس.
فإن تعلق بالاستنباط ، فإن النظر الإجرائي يقتضي علما بالعربية= مادة النصوص .
وإن تعلق بالمعاني فيلزم العلم بالمقاصد دون العربية ، والدليل على ذلك أن المعاني تكون مجردة ، والعقلاء مشتركون فيها فلا يختص بذلك لسان دون غيره([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3)) ، ولا يحتاج إلى مقتضيات الألفاظ في هذا الاجتهاد إلا في الأصل وهو المقيس عليه ([4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4)).
والحق أن ما جاء به الشاطبي ليس أمرا جديدا ، ذلك أن قول الغزالي >الإحاطة بمدارك الشرع< يومئ إلى اشتراط العلم بالمقاصد ، لأنها لا تعرف ـ كما يقول الغزالي ـ إلا بأدلة تخرج عن الحصر([5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5)).
وإنما الميزة التي امتاز بها الشاطبي على غيره من "المحققين" أنه أحسن التأمل في النصوص التراثية الهائلة ، فاستطاع النفاذ إلى حيث لم يستطعه غيره ، وتأثر الشاطبي بالغزالي آكد من أن يستدل عليه ، بل إنه أحيانا لا يرى إلا رأي الغزالي ، بل إنه حين يذكره لا يذكره إلا موافقا له عكس ذكره للرازي والعز كما سبق ...
أما فيما يتعلق بالشرط الثاني وهو التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها ، فإنه كالخادم للأول فإن "التمكن من ذلك إنما هو بواسطة معارف محتاج إليها في فهم الشريعة أولا"([6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6))، إلا أنه "لا يلزم في غير العربية من العلوم أن يكون المجتهد عالما بها ..فإن المجتهد إذا بنى اجتهاده على التقليد في بعض المقدمات السابقة عليه فذلك لا يضره في كونه مجتهدا في عين مسألته"([7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn7)).
وهذا النظر"التخفيفي" مأخوذ أيضا من نظر الغزالي كما أخذه منه كل من أتى بعد الغزالي .
على أن في أقسام الاجتهاد ما لا يفتقر أصلا إلى العربية أو المقاصد ، وهو اجتهاد تحقيق المناط العام، لأن المقصود منه "العلم بالموضوع على ما هو عليه"([8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn8)) ، وهذا الضرب من الاجتهاد لا انقطاع له مطلقا ([9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn9)).


ب- محال الاجتهاد.

سبق أن ذكرتُ أن الغزالي يرى أن محال الاجتهاد المعتبر هو في المسائل الشرعية ذات الأدلة المظنونة ، وهذا الرأي سيناصره الشاطبي أيضا في >الموافقات< إذ يقول : >محال الاجتهاد المعتبر هي ما ترددت بين طرفين وضح فى كل واحد منهما قصد الشارع فى الإثبات فى أحدهما والنفي فى الآخر؛ فلم تنصرف البتة إلى طرف النفي ولا إلى طرف الإثبات<([10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn10)).
وليس فقط قسم المجتهدات محصور في ما تردد بين طرفين ، بل إنه ما تردد بين طرفين وقوي في إحدى الجهتين ، فإن لم يقو فهو من قسم المشتبهات([11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn11))...


ج- النظر المصلحي في الاجتهاد.

وهذا الباب حكر على أبي إسحاق لا يشاركه فيه أحد ، ولئن كانت الخلوة قدأفاضت على أبي حامد ما أفاضت = فإن هجر الناس لأبي إسحاق واعتزاله قد أفاض على أبي إسحاق ما أفاض...
فبعد أن تحدث عن شروط الاجتهاد ، ومحاله ، والتصويب والتخطئة ، انتقل للحديث على مسائل محورية في باب الاجتهاد"التطبيقي" وهي فرع لشرطه في الاجتهاد >العلم بمقاصد الشريعة< ...
أما الأولى فإنها : النظر في المآل.
فنجده يقرر أن المجتهد >لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، مشروعًا لمصلحة فيه تستجلب، أو لمفسدة تدرأ<([12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn12)).
وأما الثانية : فقاعدة الذرائع.
وحقيقتها"التوسل إلى ماهو مصلحة"([13] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn13))، وهي قاعدة راجعة إلى المآل ومبنية عليه.
وأما الثالثة : فقاعدة الاستصلاح أو الاستحسان.
وفائدتها تتمثل في"أننا لو بقينا مع أصل الدليل العام لأدى إلى رفع ما اقتضاه ذلك الدليل من المصلحة ، فكان الواجب رعي ذلك المآل إلى أقصاه"([14] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn14) ).
وسبيل ذلك ليس إهدار النصوص كما قد يُتوهم ، بل هو على نمط ما ذكره ابن العربي في تفسيره للإستحسان >بأنه إيثار ترك مقتضى الدليل على طريق الاستثاء والترخص، لمعارضة ما يعارض به في بعض مقتضياته<([15] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn15)).
ومن ذلك التخصيص بالمصلحة ، تخصيص العموم بالمعاني ([16] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn16)).


[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref1) - نظرية المقاصد عند الشاطبي :


[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref2) - الموافقات : 4/64.


[3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref3) - السابق : 4/92.


[4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref4) - السابق : 4/92.


[5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref5) - السابق : 176.


[6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref6) - السابق : 4/64.


[7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref7) - السابق : 4/68.


[8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref8) - السابق : 4/94.


[9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref9) - السابق : 4/55.


[10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref10) - السابق : 4/88.


[11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref11) - ينظر السابق.


[12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref12) - السابق : 4/112.


[13] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref13) - السابق : 4/114.


[14] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref14) - السابق : 4/117.


[15] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref15) - السابق : 4/117.


[16] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref16) - السابق .