المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : زين الدين ابن رجب وثناؤه الحافل على الإمام المبجل أحمد بن حنبل



د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-04-28 ||, 01:25 AM
زين الدين ابن رجب
وثناؤه الحافل
على الإمام المبجَّل
أحمد بن حنبل

لابن رجب رحمه الله رسالة بعنوان "الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة"، وقد تدارسنا والحمد لله موضوعها الرئيس على هذا الرابط:
لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد
وقد بقيت جملة من الفوائد قد تجاوزناها نتيجة التزامنا البقاء في موضوع الرسالة الأصلي، ومن ذلك ثناؤه على الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله ورضي عنه.
وأسوقها الآن بتمامها ، ثم أتبعها بكلمة لابن رجب و جهها لمن قبل بنصيحته.
قال ابن رجب رحمه الله وهو يجيب عن بعض الإشكالات الواردة عن قوله الذي تبناه في هذا الرسالة:
"فإن قيل :
فما تقولون في نهي الإمام أحمد وغيره من الأئمة عن تقليدهم وكتابة كلامهم ، وقول الإمام أحمد : لا تكتب كلامي ولا كلام فلان وفلان ، وتعلم كما تعلم كما تعلمنا .
وهذا كثير موجود في كلامهم .
قيل :
لا ريب أن الإمام أحمد- رضي الله عنه- كان ينهى عن آراء الفقهاء والاشتغال بها حفظاً وفهماً وكتابة ودراسة ، وبكتاب آثار الصحابة والتابعين دون كلام من بعدهم ومعرفة صحة ذلك من سقمه والمأخوذ منه والقول الشاذ المطرح منه .
ولا ريب أن هذا مما يتعين الاهتمام به والاشتغال بتعلمه أولاً قبل غيره .
فمن عرف ذلك وبلغ النهاية من معرفته كما أشار إليه الإمام أحمد ، فقد صار علمه قريباً من علم أحمد .
فهذا لا حجر عليه ولا يتوجه الكلام فيه ، إنما الكلام في منع من لم يبلغ هذه الغاية ولا ارتقى إلى هذه النهاية ولا فهم من هذا إلا النزر اليسير ، كما هو حال أهل هذا الزمان . بل هو حال أكثر الناس منذ أزمان ، مع دعوى كثير منهم الوصول إلى الغايات والانتهاء إلى النهايات وأكثرهم لم يرتقوا عن درجة البدايات . وإذا أردت معرفة ذلك وتحقيقه ، فانظر إلى النهايات وأكثرهم لم يرتقوا عن درجة البدايات .
وإذا أردت معرفة ذلك وتحقيقه ، فانظر إلى علم الإمام أحمد - رضي الله عنه – بالكتاب والسنة .
أما علمه بالكتاب :
فإنه – رضي الله عنه – كان شديد العناية بالقرآن وفهمه وعلومه ،
وكان يقول لأصحابه : قد ترك الناس فهم القرآن . على وجه الذم لهم وقد جمع في القرآن من الكتب ، من ذلك كتاب الناسخ والمنسوخ ، والمقدم والمؤخر / وجمع التفسير الكبير ، وهو محتوٍ على كلام الصحابة والتابعين.
واختص عن أقرانه من ذلك بأمور متعددة :
منها: سعة الحفظ وكثرته ، وقد قيل : إنه كان يحفظ ثلاث مائه ألف حديث .
ومنها : معرفة صحيحه من سقيمه : وذلك تارة بمعرفة الثقات من المجروحين ، وإليه كانت نهاية في ذلك .
وهذا وإن شاركه كثير منن الحفاظ في معرفة علل الحديث المرفوعة ، فلم يصل أحد منهم إلى معرفته بعلل الآثار الموقوفة .
ومن تأمل كلامه في ذلك : رأي العجب ، وجزم بأنه قل من وصل إلى فهمه في هذا العلم – رضي الله عنه .
ومنها : معرفة فقه الحديث وفهمه وحلاله وحرامه ومعانيه ، وكان أعلم أقرانه بذلك كما شهد به الأئمة من أقرانه : كإسحاق ، وأبي عبيد ، وغيرهما .
ومن تأمل كلامه في الفقه وفهم مأخذه ومداركه فيه:
علم قوة فهمه واستنباطه . ولدقة كلامه في ذلك ن وربما صعب فهمه على كثير من أئمة أهل التصانيف ممن هو على مذهبه ، فيعدلون عن مآخذه الدقيقة إلى مآخذ أخر ضعيفة يتلقونها عن غير أهل مذهبه ، ويقع بسبب ذلك خلل كثير في فهم كلامه وحمله على غير محامله . ولا يحتاج الطالب لمذهبه إلا إلى إمعان وفهم كلامه .
وقد رؤى من فهمه وعلمه م يقضي منه العجب
وكيف لا ؟
ولم يكن مسألة سبق للصحابة والتابعين ومن بعدهم فيها كلام إلا وقد علمه وأحاط علمه به وفهم مأخذ تلك المسألة وفقهها ، وكذلك كلام عامة فقهاء الأمصار وأئمة البلدان – كما يحيط به معرفته-كمالك ، والأوازاعي ، والثوري ، وغيرهم .
وقد عرض عليه عامة علم هؤلاء الأئمة وفتاويهم ، فأجاب عنها تارة بالموافقة وتارة بالمخالفة:
فإن مهنا بن يحيى الشامي عرض عليه عامة مسائل الأوزاعي وأصحابه، فأجاب عنها.
وجماعة عرضوا عليه مسائل مالك وفتاويه من الموطأ وغيره ، فأجاب عنها . وقد نقل ذلك عنه حنبل وغيره .
وإسحاق بن منصور عرض عليه عامة مسائل الثوري ، فأجاب عنها .
وكان أولاً قد كتب كتب أصحاب أبي حنيفة وفهمها وفهم مآخذهم في الفقه ومداركهم ، وكان قد ناظر الشافعي وجالسه مدة وأخذ عنه .
وشهد له الشافعي – رضي الله عنه – تلك الشهادات العظيمة في الفقه والعلم وأحمد مع هذا شاب لم يتكهل .
ومعلوم أن من فهم علم هذه العلوم كلها برع فيها ، فأسهل شيء عنده معرفة الحوادث والجوانب عنها ، على قياس تلك الأصول المضبوطة والمآخذ المعروفة .
ومن هنا قال عنه أبو ثور : كان أحمد إذا سئل عن مسألة كأن علم الدنيا لوح بين عينيه . أو كما قال .
ولا نعلم سنة صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا وقد أحاط بها علماً
وكان أشد الناس اتباعاً للسنة إذا صحت ولم يعارضها معارض قوي . وإنما ترك الأخذ بما لم يصح ، وبما عارضه معارض قوي جداً .
وكان السلف – رضي الله عنهم – لقرب عهدهم بزمن النبوة وكثرة ممارستهم كلام الصحابة والتابعين ومن بعدهم يعرفون الأحاديث الشاذة التي لم يعمل بها ، ويطرحونها ويكتفون بالعمل بما مضى عليه السلف . ويعرفون من ذلك ما لم يعرفه من بعدهم ، ممن لم تبلغه السنن إلا من كتب الحديث لطول العهد وبعده . إذا فهمت هذا وعلمته : فهذه نصيحة لك أيها الطالب لمذهب هذا الإمام أؤديها إليك خالصة لوجه الله تعالى ؛ فإنه لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه .

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-04-28 ||, 01:35 AM
ثم قال ابن رجب رحمه الله ناصحاً وموجهاً:
إياك ثم إياك :
أن تحدث نفسك أنك قد اطلعت على ما لم يطلع عليه الإمام ، ووصلت من الفهم إلى ما لم يصل إليه هذا الذي ظهر فضل فهمه على من بعده من أولي الإفهام .
ولتكن همتك كلها مجموعة :
على فهم ما أشار إليه من الكتاب والسنة على الوجه الذي سبق شرحه .
ثم بعد ذلك :
ليكن همك في فهم كلام هذا الإمام في جميع مسائل العلم ، لا[سيما] مسائل الإسلام .
أعني : مسائل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم والآخر ، وهو العلم المسمى في اصطلاح كثير من العلماء بعلم السنة . فإن هذا الإمام كان غاية في هذا العلم ، وقد امتحن بسبب مسائل منه وصبر لله على تلك المحنة ، ورضي المسلمون كلهم بقوله الذي قاله ومقامه الذي قامة وشهدوا أنه إمام السنة وأنه لولاه لكفر الناس .
فمن كانت هذه منزلته في علم السنة :
كيف يحتاج إلى تلقي هذا العلم من أحد من العلماء غيره ، لاسيما لمن ينتسب إلى مذهبه .
فليتمسك بكلامه في عامة هذا الباب ، ويعرض عما أحدث من فضول المسائل التي أحدثت .
وليس للمسلمين فيما أحدث حاجة
بل تشغل عن العلم النافع
وتوقع العداوة والبغضاء بين المسلمين
وتوجب كثرة الجدل والخصومات في الدنيا مما هو منهي عنه عند هذا الإمام وغيره من السلف الماضين .
وكذلك علم الإحسان :
وهو علم المراقبة والخشية ، كان هذا الإمام فيه غاية كما كان في علم الإسلام والإيمان آية .
لكن كان الغالب عليه في هذا العلم:
تحقيق الأعمال دون تزويق الأحوال ؛ فلذلك كان لا يطلق إلا المأثور عن السلف دون ما أخذته المتأخرون عن الخلف .
ولقد كان رضي الله عنه:
في جميع علومه مستنداً بالسنة ، لا يرى إطلاق ما لم يطلقه السلف الصالح من الأقوال ولاسيما في علم الإيمان والإحسان .
وأما علم الإسلام : فكان يجيب فيه عن الحوادث الواقعية مما لم يسبق فيها كلام ؛ للحاجة إلى ذلك .
مع نهيه لأصحابه أن يتكلموا في مسائل ليس لهم فيها إمام .
وإنما كان يجيب غالباً عما سبق الكلام فيه ،
وفيما يحتاج ولا بد لوقوع ومعرفة حكمه .
فأما ما يولده الفقهاء من المسائل التي لا تقع أو لا تكاد تقع إلا نادراً ، فكان ينتهي كثير عن الكلام فيها
لأنه قليل الفائدة
ويشتغل عما هو أهم منه مما يحتاج إلى معرفته .
وكان- رضي الله عنه - :
لا يرى كثرة الخصام والجدال ، ولا توسعة لقيل أو لقال في شئٍ من العلوم والمعارف والأحوال . إنما يرى الاكتفاء في ذلك بالنسبة والآثار ، ويحث على فهم معاني ذلك من غير إطالةٍ للقول والإكثار . ولم يترك توسعة الكلام بحمد الله عجزاً ولا جهلاً ، ولكن ورعاً وفضلاً واكتفاء بالسنة فإن فيها كفاية ، واقتداءً بالسلف الصالح من الصحابة والتابعين فبالاقتداء بهم تحصل الهداية .

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-04-28 ||, 01:46 AM
فإن أنت قبلت هذه النصيحة وسلكت الطريقة الصحيحة فلتكن همتك : حفظ ألفاظ الكتاب والسنة
ثم الوقوف على معانيها بما قال سلف الأمة وأئمتها
ثم حفظ ألفاظ الكتاب والسنة
ثم حفظ كلام الصحابة والتابعين وفتاويهم وكلامهم أئمة الأمصار ، ومعرفة كلام الإمام أحمد وضبطه بحروفه ومعانيه والاجتهاد على فهمه ومعرفته . وأنت إذا بلغت من هذه الغاية:
فلا تظن في نفسك أنك بلغت النهاية ، وإنما أنت طالب متعلم من جملة الطلبة المتعلمين .
ولو كنت بعد معرفتك ما عرفت موجودا في زمن الإمام أحمد ، ما كنت حينئذ معدوداً من جملة الطالبين
فإن حدثت نفسك بعد ذلك أنك قد انتهيت أو وصلت إلى وصل إليه السلف فبئس ما رأيت .
وإياك ثم إياك :
أن تترك حفظ هذه العلوم المشار إليها وضبط النصوص والآثار المعول عليها تم تشغيل بكثير الخصام والجدال وكثرة القيل والقال وترجيح بعض الأقوال على بعض الأقوال مما استحسنه عقلك ، ولا تعرف في الحقيقة من القائل لتلك الأقوال
وهل هو من السلف المعتبر بأقوالهم أو من غير أهل الاعتدال .
وإياكم أن تتكلم في كتاب الله أو في حديث رسول الله بغير ما قاله السلف كما أشار إليه إمامك ، فيفوتك العلم النافع وتضيع أيامك .
فإن العلم النافع : إنما هو ما ضبط في الصدور ، وهو عن الرسول أو عن السلف الصالح مأثور .
وليس العلم النافع : أرأيت وأريت ؛ نهى عن ذلك الصحابة ومن بعدهم ممن إذا اقتديت بهم فقد اهتديت .
وكيف يصح لك دعوى الانتساب إلى الإمام ؟
وأنت على مخالفته مصر ومن علومه وأعماله وطريقته تفر .
واعلم وفقك الله :
أنك كلما اشتغلت بتلك الطريقة ، وسلكت السبل الموصلة إلى الله على الحقيقة ، واستعملت الخشية ونفسها المراقبة ، ونظرت في أحوال من سلف من الأئمة بإدمان النظر في أحوالهم بحسن العاقبة ، ازددت بالله وبأمره علماً وازددت لنفسك احتقاراً وهظماً ، وكان لك من نفسك شغل شاغل عن أن تتفرغ لمخالفة المسلمين .
ولا تكن حاكماً على جميع فرق المؤمنين :
كأنك قد أوتيت علماً لم يؤتوه أو صلت إلى مقام لم يصلوه . فرحم الله من أساء الظن بنفسه علماً وعملً وحالاً وأحسن الظن بمن سلف ، وعرف من نفسه نقصاً ومن السلف كمالاً ، ولم يهجم على أئمة الدين ولاسيما مثل الإمام أحمد وخصوصاً إن كان إليه من المنتسبين .
وإن أنت أبيت النصيحة:
وسلكت طريقة الجدال والخصام ، وارتكبت ما نهيت عنه من التشدق والتفيهق وشقشه الكلام
وصار شغلك الرد على أئمة المسلمين والتفتيش عن عيوب أئمة الدين : فإنك لا تزداد لنفسك إلا عجباً ولا لطلب العلو في الأرض إلا حبا ومن الحق إلا بعداً وعن الباطل إلا قرباً ، وحينئذ فتقول : ولم لا أقول وأنا أولى من غيري بالقول والاختبار ، ومن أعلم مني؟
ومن أفقه مني؟
كما ورد في الحديث .
هذا يقوله من هذه الأمة من هو وقود النار .
وأعذنا الله وإياكم من هذه الفضائح ، ووفقنا وإياكم لقبول النصائح بمنه وكرمه إنه أرحم الرحمين وأكرم الأكرمين .

أحمد بن فخري الرفاعي
08-06-27 ||, 10:43 PM
جزاكم الله خيرا أيها الحبيب ، ونفع بكم

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-11-11 ||, 10:51 AM
جزاكم الله خيرا أيها الحبيب ، ونفع بكم
آمين، ولك مثل ما دعوت.

مهند بن حسين المعتبي
10-01-22 ||, 07:43 PM
أحسن الله إليك شيخا الفاضل ..
ولا يخفاك أنّه ثمة تشكيك من بعض الفضلاء المحققين في نسبة هذه الرسالة للإمام ابن رجب .
وتوسَّط بعضهم ؛ فقال : لعلَّه كتبها في أول عمره .
ويظهر جليّاً الغرابة في أسلوبها ؛ مقارنةً بشرح البخاري ، وشرح العلل ، وسائر كتبه .
___

أما في إشادته بإمامنا - إمام أهل السنة - ، فقد قال في " اللطائف" : ( تاللهِ ما في الأمم مثل ابن حنبل ، ارفع صوتك بهذا ولا بأس) !
رحم الله أئمتنا الأجلاء .

أحمد الصوابي
10-02-01 ||, 01:26 AM
جزاكم الله خيرا .