المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التصدي لرد كلام أهل البدع بجنس كلامهم....رأي آخر يقدمه لنا ابن رجب الحنبلي



د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-04-28 ||, 02:35 AM
لا تخفى طريقة ابن تيمية رحمه الله في نقضه لجذور أهل البدع والأهواء بأدلتهم ومقاييسهم، وما صنعه رحمه الله من الإفساد الداخلي للدليل الذي ركبه أهل الأهواء وأنهم بذلك قد خالفوا الدليل الشرعي، والدليل العقلي الذي التزموه ومنه الأصول التي اختصت بها كل طائفة.
ولعل هذا هو السر الذي يكشف ثناء ابن تيمية رحمه الله المتكرر على طريقة الدارمي في الرد على الأهواء.
فإنه غرز غرزه.
وقد تبع ابن تيمية رحمه الله على هذه الطريقة تلميذه ابن القيم وجماعة من أهل العلم وطائفة كبيرة من المعاصرين من المشتغلين بتقرير مذهب السلف والرد على أهل الأهواء.
وقد اعتبر هذه الطريقة في الجملة ابن الوزير اليماني.....

لكن يبقى أن علينا أن نعرف:
أن هناك طائفة من العلماء لهم رأي آخر في المسألة، فهم مع اعترافهم بحسن مقصد هؤلاء إلا أنهم لم يرتضوا اعتبار هذه الطريقة
ومن هؤلاء ابن رجب الحنبلي رحمه الله
وقد قال في خاتمة رسالته "الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة" وهو في معرض حديثه
في ذم العلم الذي لا ينفع
وكثرة البحث في فضوله
بما تشغل عن الله
وتقسي القلب عن ذكره
وتوجب لأهلها حب العلو والرئاسة على الخلق،
وما يستتبعه ذلك من من إطالة القول وكثرة تشقيق الكلام
قال ابن رجب بعد ذلك:
"وكذلك:
التصدي لرد كلام أهل البدع بجنس كلامهم ، من الأقيسة الكلامية وأدلة العقول: يكرهه والإمام أحمد أئمة أهل الحديث كيحييى القطان ، وابن مهدي ، وغيرهم .
وإنما يرون الرد عليهم :
بنصوص الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة إن كان موجوداً ، وإلا رأوا السكوت أسلم .
وكان أبن المبارك ، أو غيره من الأئمة يقول :
ليس أهل السنة عندنا من رد على أهل الأهواء ، بل من سكت عنهم .
ذكر هذا كراهية [ لما يشغل] عن العلم الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وعن العمل بمقتضاه ؛ فإن فيه كفاية ، ومن لم يكفيه ذلك فلا كفاه الله !
وكل ما ذكرته هاهنا :
فأنا أعلم أن أهل الجدال والخصومات يناقشون فيه أشد المناقشة ويعترضون عليه اشد الاعتراض . ولكن إذا وضح الحق تعين اتباعه وترك الالتفات إلى من نازع فيه وشغب وخاصم وجادل وألب .
ومن هاهنا يعلم :
أن علم الإمام أحمد ومن سلك سلبيه من الأئمة أعلم علوم الأمة وأجلها وأعلاها ، وأن فيه كفاية لمن هداه الله إلى الحق . ومن لم يجعل الله له نوراً فماله من نور .

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-04-28 ||, 03:07 AM
وكل ما ذكرته هاهنا :
فأنا أعلم أن أهل الجدال والخصومات يناقشون فيه أشد المناقشة ويعترضون عليه اشد الاعتراض . ولكن إذا وضح الحق تعين اتباعه وترك الالتفات إلى من نازع فيه وشغب وخاصم وجادل وألب .

هذه فائدة جليلة من ابن رجب الحنبلي رحمه الله
فليس على أهل الحق إلا أن يبينوا الحق ببرهانه، ثم يدعون أهل الباطل:
في غيهم يعمهون
وفي ريبهم يترددون
يجادلون ويعترضون
يناقشون ويوردون
أما الحق فإن عليه نورا وإشراقا، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور

وقد قال ابن حزم الظاهري رحمه الله كلمةً تكتب بماء الذهب، قال رحمه الله:


لا يقصد في الكلام في البراهين: الألسنة


فليس علينا قصر الألسنة بالحجة إلى الإذعان بالحق
وإنما علينا قسر الأنفس إلى تيقن معرفته فقط.

د / ربيع أحمد ( طب ).
08-04-28 ||, 11:38 AM
بارك الله فيكم أبا فراس ، والرد على أهل البدع بكلامهم قد يأتي بترسيخ شبههم فينبغي التقليل منه إلا إذا دعت الحاجة بأن يكون المخالف المبتدع عنده الرد بنفس كلامه أقوى من الرد بالوحي لجهله وتأويله فهذا لا بأس بأن يناقش بنفس كلامه حتى نرجعه للحق

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-04-28 ||, 06:22 PM
هذه فائدة جليلة من ابن رجب الحنبلي رحمه الله
فليس على أهل الحق إلا أن يبينوا الحق ببرهانه، ثم يدعون أهل الباطل:
في غيهم يعمهون
وفي ريبهم يترددون
يجادلون ويعترضون
يناقشون ويوردون
أما الحق فإن عليه نورا وإشراقا، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور

وقد قال ابن حزم الظاهري رحمه الله كلمةً تكتب بماء الذهب، قال رحمه الله:


لا يقصد في الكلام في البراهين: الألسنة


فليس علينا قصر الألسنة بالحجة إلى الإذعان بالحق


وإنما علينا قسر الأنفس إلى تيقن معرفته فقط.


وقد عبر ابن القيم رحمه الله في " الروح" [ ص 128 ]
عن مثل هؤلاء الذين لا يبالون برد البراهين الصحيحة بأوجه من الاعتراضات والنقاشات بقوله:
"وسبب هذا التصرف السيئ:
أن صاحبه يعتقد قولا ثم يرد كلما دل على خلافه بأي طريق اتفقت له فالأدلة المخالفة لما اعتقده عنده من باب الصائل لا يبالي بأي شيء دفعه."
فرحمه الله وغفر له فقد أجاد في تصوير حال هؤلاء مع الأدلة المخالفة لما اعتقدوه وأنهم يعتبرونها في حكم "الصائل" لا يبالون بأي شيء دفعوها ، أكان ما دفعوا به الدليل حقا أم باطلاً سائغا أم ممنوعا، فالمهم عندهم دفع الصائل فحسب!

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-04-29 ||, 08:00 PM
يقول ابن تيمية رحمه الله في درء تعارض العقل والنقل8/51 :
" فإن القول الباطل الكذب هو من باب ما لا ينقض الوضوء ليس له ضابط وإنما المطلوب وإنما المطلوب معرفة الحق والعمل به وإذا وقع الباطل عرف أنه باطل ودفع وصار هذا كالنهي عن المنكر وجهاد العدو "

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-05-19 ||, 05:15 PM
لا تخفى طريقة ابن تيمية رحمه الله في نقضه لجذور أهل البدع والأهواء بأدلتهم ومقاييسهم، وما صنعه رحمه الله من الإفساد الداخلي للدليل الذي ركبه أهل الأهواء وأنهم بذلك قد خالفوا الدليل الشرعي، والدليل العقلي الذي التزموه ومنه الأصول التي اختصت بها كل طائفة.
ولعل هذا هو السر الذي يكشف ثناء ابن تيمية رحمه الله المتكرر على طريقة الدارمي في الرد على الأهواء.
فإنه غرز غرزه.
وقد تبع ابن تيمية رحمه الله على هذه الطريقة تلميذه ابن القيم وجماعة من أهل العلم وطائفة كبيرة من المعاصرين من المشتغلين بتقرير مذهب السلف والرد على أهل الأهواء.
وقد اعتبر هذه الطريقة في الجملة ابن الوزير اليماني.....

لكن يبقى أن علينا أن نعرف:
أن هناك طائفة من العلماء لهم رأي آخر في المسألة، فهم مع اعترافهم بحسن مقصد هؤلاء إلا أنهم لم يرتضوا اعتبار هذه الطريقة
ومن هؤلاء ابن رجب الحنبلي رحمه الله
وقد قال في خاتمة رسالته "الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة" وهو في معرض حديثه
في ذم العلم الذي لا ينفع
وكثرة البحث في فضوله
بما تشغل عن الله
وتقسي القلب عن ذكره
وتوجب لأهلها حب العلو والرئاسة على الخلق،
وما يستتبعه ذلك من من إطالة القول وكثرة تشقيق الكلام
قال ابن رجب بعد ذلك:
"وكذلك:
التصدي لرد كلام أهل البدع بجنس كلامهم ، من الأقيسة الكلامية وأدلة العقول: يكرهه والإمام أحمد أئمة أهل الحديث كيحييى القطان ، وابن مهدي ، وغيرهم .
وإنما يرون الرد عليهم :
بنصوص الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة إن كان موجوداً ، وإلا رأوا السكوت أسلم .
وكان أبن المبارك ، أو غيره من الأئمة يقول :
ليس أهل السنة عندنا من رد على أهل الأهواء ، بل من سكت عنهم .
ذكر هذا كراهية [ لما يشغل] عن العلم الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وعن العمل بمقتضاه ؛ فإن فيه كفاية ، ومن لم يكفيه ذلك فلا كفاه الله !
وكل ما ذكرته هاهنا :
فأنا أعلم أن أهل الجدال والخصومات يناقشون فيه أشد المناقشة ويعترضون عليه اشد الاعتراض . ولكن إذا وضح الحق تعين اتباعه وترك الالتفات إلى من نازع فيه وشغب وخاصم وجادل وألب .
ومن هاهنا يعلم :
أن علم الإمام أحمد ومن سلك سلبيه من الأئمة أعلم علوم الأمة وأجلها وأعلاها ، وأن فيه كفاية لمن هداه الله إلى الحق . ومن لم يجعل الله له نوراً فماله من نور .

ويزيد موقف ابن رجب رحمه الله في هذه المسألة وضوحاً: رأيه في الكلام في المسائل المحدثة والتي شاعت حتى أقحمت في الكتب المختصة بأصول الدين، يقول رحمه الله :
والزيادة على ما ورد في النزول من ذكر الحركة والانتقال وخلو العرش وعدمه كله بدعة والخوض فيه غير محمود.([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1))

1) فتح الباري: (9/281)

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-05-19 ||, 05:46 PM
وقد يقول قائل من الناس:

إذا كان التصدي لرد كلام أهل البدع بجنسكلامهم ، من الأقيسة الكلامية وأدلة العقول: يكرهه الأئمة


وأن الرد عليهم إنما يكون:

بنصوص الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة إن كان موجوداً ، وإلا كان السكوت أسلم


فهل من مثال تطبيقي:

تبين لنا هذه الطريقة في تناول المسائل المبتدعة وذلك بالاقتصار في الرد عليهم بما تقدم من غير التعرض لشبه أٌقوالهم من الأقيسة الكلامية وأدلة العقول.؟

والجواب:

أننا سنعرض هنا إن شاء الله مثالا عن ابن رجب رحمه الله نفسه صاحب المقالة السابقة، والتي تبين لنا طريقته على جهة التفصيل، كما تبين لنا التزامه بمنهجه الذي اختطه وذكر أنه هو منهج الأئمة من قبله

يقول ابن رجب رحمه الله في كتابه العظيم "فتح الباري في شرح صحيح البخاري":

وقد خرج البخاري في (الدعوات) حديث أبي موسى:
أنهم رفعوا أصواتهم بالتكبير ، فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - : (إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ، إنكم تدعون سميعا قريبا) .
وفي رواية : ((أنه أقرب إليكم من أعناق رواحلكم)) .
ولم يكن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يفهمون من هذه النصوص غير المعنى الصحيح المراد بها ، يستفيدون بذلك معرفة عظمة الله وجلاله ، وإطلاعه على عباده وإحاطته بهم ، وقربه من عابديه ، وإجابته لدعائهم ، فيزدادون به خشية لله وتعظيما وإجلالا ومهابة ومراقبة واستحياء ، ويعبدونه كأنهم يرونه .
ثم حدث بعدهم من قل ورعه ، وساء فهمه وقصده ، وضعفت عظمة الله وهيبته في صدره ، وأراد أن يري الناس امتيازه عليهم بدقة الفهم وقوة النظر ، فزعم أن هذه النصوص تدل على أن الله بذاته في كل مكان ، كما يحكى ذلك عن طوائف من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم ، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا
وهذا شيء ما خطر لمن كان قبلهم من الصحابة - رضي الله عنهم –
وهؤلاء ممن يتبع ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ، وقد حذر النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته منهم في حديث عائشة الصحيح المتفق عليه .
وتعلقوا - أيضا - بما فهموه بفهمهم القاصر مع قصدهم الفاسد بآيات في كتاب الله ، مثل قوله تعالى : { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ } [الحديد:4] وقوله : { مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ } [المجادلة: 7]
فقال من قال من علماء السلف حينئذ : إنما أراد أنه معهم بعلمه
وقصدوا بذلك :
إبطال ما قاله أولئك ، مما لم يكن أحد قبلهم قاله ولا فهمه من القرآن .
وممن قال : أن هذه المعية بالعلم مقاتل بن حيان ، وروي عنه أنه رواه عن عكرمة ، عن ابن عباس .
وقاله الضحاك ، قال : الله فوق عرشه ، وعلمه بكل مكان.
وروي نحوه عن مالك وعبد العزيز الماجشون والثوري واحمد وإسحاق وغيرهم من أئمة السلف .
وروى الإمام أحمد : ثنا عبد الله بن نافع ، قال : قال مالك: الله في السماء ، وعلمه بكل مكان .
وروي هذا المعنى عن علي وابن مسعود - أيضا .
وقال الحسن في قوله تعالى : { إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ } [الإسراء:60] ، قال: علمه بالناس.
وحكى ابن عبد البر وغيره إجماع العلماء من الصحابة والتابعين في تأويل قوله : { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ } [الحديد:4] أن المراد علمه .
وكل هذا قصدوا به رد قول من قال : أنه تعالى بذاته في كل مكان .
وزعم بعض من تحذلق:
أن ما قاله هؤلاء الأئمة خطأ ؛ لأن علم الله صفة لا تفارق ذاته
وهذا سوء ظن منه بأئمة الإسلام؛ فإنهم لم يريدوا ما ظنه بهم
وإنما أرادوا:
أن علم الله متعلق بما في الأمكنة كلها ففيها معلوماته ، لا صفة ذاته ، كما وقعت الإشارة في القرآن إلى ذلك بقوله تعالى : { وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً } [طه:98] وقوله : { رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً } [غافر:7] وقوله : { ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ } [الحديد:4] .
وقال حرب : سألت إسحاق عن قوله : { مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ } [المجادلة:7] ؟ قال : حيث ما كنت هو أقرب إليك من حبل الوريد ، وهو بائن من خلقه .
وروى عمر بن أبي سلمة ، عن أبيه ، أن عمر بن الخطاب مر بقاص ، وقد رفعوا أيديهم ، فقال : ويلكم ! أن ربكم أقرب مما ترفعون ، وهو أقرب إلى أحدكم من حبل الوريد .
وخرجه أبو نعيم ، وعنده : أن المار والقائل بذلك هو ابن عمر .
وخطب عمر بن عبد العزيز ، فذكر في خطبته : أن الله أقرب إلى عباده من حبل الوريد . وكان مجاهد حاضرا يسمع ، فأعجبه حسن كلام عمر .
وهذا كله يدل على أن قرب الله من خلقه شامل لهم ، وقربه من أهل طاعته فيه مزيد خصوصية ، كما أن معيته مع عباده عامة حتى ممن عصاه ؛ قالَ تعالى : { يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ } [النساء:108] ، ومعيته مع أهل طاعته خاصة لهم ، فهوَ سبحانه مع الذين اتقوا ومع الذين هم محسنون . وقال لموسى وهارون : { إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى } [طه:46] وقال موسى : { إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ } [الشعراء:62] وقال في حق محمد وصاحبه: { إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا } [التوبة:40] .
ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر في الغار : {ما ظنك باثنين الله ثالثهم} .
فهذه معية خاصة غير قوله : { مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رَابِعُهُمْ } [المجادلة:7] الآية ، فالمعية العامة تقتضي التحذير من علمه وإطلاعه وقدرته وبطشه وانتقامه .
والمعية الخاصة تقتضي حسن الظن بإجابته ورضاه وحفظه وصيانته ، فكذلك القرب .
وليس هذا القرب كقرب الخلق المعهود منهم ، كما ظنه من ظنه من أهل الضلال ، وإنما هو قرب ليس يشبه قرب المخلوقين ، كما أن الموصوف به { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } [الشورى:11] .
وهكذا القول في أحاديث النزول إلى سماء الدنيا فإنه من نوع قرب الرب من داعيه وسائليه ومستغفريه .
وقد سئل عنه حماد بن زيد فقال : هو في مكانه يقرب من خلقه كما يشاء .
ومراده أن نزوله ليس هو انتقال من مكان إلى مكان كنزول المخلوقين .
وقال حنبل : سألت أبا عبد الله : ينزل الله إلى سماء الدنيا ؟ قالَ : نعم . قلت : نزوله بعلمه أو بماذا ؟ قال : اسكت عن هذا ، مالك ولهذا ؟ أمض الحديث على ما روي بلا كيف ولا حد ، إلا بما جاءت به الآثار ، وجاء به الكتاب ، قال الله : { فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ } [النحل:74] ينزل كيف يشاء ، بعلمه وقدرته وعظمته ، أحاط بكل شيء علما ، لا يبلغ قدره واصف ، ولا ينأى عنه هرب هارب ، عز وجل .
ومراده : أن نزوله تعالى ليس كنزول المخلوقين ، بل هو نزول يليق بقدرته وعظمته وعلمه المحيط بكل شيء ، والمخلوقون لا يحيطون به علما ، وإنما ينتهون إلى ما أخبرهم به عن نفسه ، أو أخبر به عنه رسوله .
فلهذا اتفق السلف الصالح على إمرار هذه النصوص كما جاءت من غير زيادة ولا نقص ، وما أشكل فهمه منها ، وقصر العقل عن إدراكه وكل إلى عالمه .

عبدالله بن محسن الصاعدي
08-05-19 ||, 07:04 PM
بوركت يا أبا فراس ، والمتعين في هذا الزمان وهو نشر الحق بدليله ، ولو التفتنا لك ناعق اهوج لمضى الزمان دون بيان كثير من الحق ، ولذا ترى أهل البدع والضلال يهجون ويزمجرون على كل حامل حق ، وما ذاك إلا لخوفهم من نشر نور الحق الذي به يزاح غباشهم وظلامهم .

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-05-21 ||, 11:55 AM
وهذه نقول أخرى عن ابن رجب رحمه الله ، في تضاعيفها ما يوضح مسلك ابن رجب رحمه الله في هذه المسألة بشكل جلي:

يقول ابن رجب رحمه الله في شرح البخاري:
وقد قابل هؤلاء المتكلمين طوائفُ آخرون :
فتكلموا في تقرير هذه النصوص بأدلة عقلية ، وردوا على النفاة ، ووسعوا القول في ذلك ، وبينوا أن لازم النفي التعطيل المحض .
وأما طريقة أئمة أهل الحديث وسلف الامة :
فهي الكف عن الكلام في ذلك من الطرفين ، وإقرار النصوص وإمرارها كما جاءت ، ونفي الكيفية عنها والتمثيل .

وقد استفاد ابن رجمه الله في تقرير هذه المسألة من كلام الخطابي، يقول ابن رجب رحمه الله:
وقد قال الخطابي في ( الأعلام ) :
ولقد قال بعض أئمة الكلام والفلسفة من شيوخ الصوفية ، الذي يحسن به الظن المتكلمون: إن المتكلمين بالغوا في تنزيه الله عن مشابهة الأجسام ، فوقعوا في تشبيهه بالمعاني ، والمعاني محدثة كالأجسام ، فلم يخرجوا عن تشبيهه بالمخلوقات .
وهذا كله إنما أتى:
من ظن أن تفاصيل معرفة الجائز على الله والمستحيل عليه يؤخذ من أدلة العقول ، ولا يؤخذ مما جاء به الرسول .
وأما أهل العلم والإيمان:
فيعلمون أن ذلك كله متلقى مماجاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأن ما جاء به من ذلك عن ربه فهو الحق الذي لا مزيد عليه ، ولا عدول عنه ، وأنه لا سبيل لتلقي الهدى إلا منه.
وما أشكل فهمه من ذلك:
فإنه يقال فيه ما مدح الله الراسخين من أهل العلم ، أنهم يقولون عند المتشابهات : { آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا } [آل عمران :7] .
وما أمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في متشابه الكتاب ، أنه يرد إلى عالمه ، والله يقول الحق ويهدي السبيل .
ويقول ابن رجب رحمه الله في موضع آخر من نفس الكتاب:
وكلمة السلف وأئمة أهل الحديث متفقة :
على أن آيات الصفات وأحاديثها الصحيحة كلها تمر كما جاءت ، من غير تشبيه ولا تمثيل، ولا تحريف ولا تعطيل .
قال أبو هلال: سأل رجل الحسن عن شيء من صفة الرب عز وجل ، فقال : أمروها بلا مثال .
وقال وكيع : أدركت إسماعيل بن أبي خالد وسفيان ومسعراً يحدثون بهذه الأحاديث ، ولا يفسرون شيئاً .
وقال الأوزاعي : سُئل مكحول والزهري عن تفسير هذه الأحاديث ، فقالا : أمرها على ما جاءت .
وقال الوليد بن مسلم : سألت الأوزاعي ومالكاً وسفيان وليثاً عن هذه الأحاديث التي فيها الصفة والقرآن ،فقالوا : أمروها بلا كيف .
وقال ابن عيينة : ما وصف الله به نفسه فقراءته تفسيره ، ليس لأحد أن يفسره إلا الله عز وجل .
وكلام السلف في مثل هذا كثير جداً .
وقال أشهب : سمعت مالكاً يقول : إياكم وأهل البدع ، فقيل : يا أبا عبد الله : وما البدع؟ قال : أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وعلمه وقدرته ، ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان .
خرّجه أبو عبد الرحمن السُلمي الصوفي في كتاب ( ذم الكلام ) .
وروى - أيضاً - بأسانيده ذم الكلام وأهله : عن مالك ، وأبي حنيفة ، وأبي يوسف ، ومحمد ،وابن مهدي ، وأبي عبيد ، والشافعي ، والمزني ، وابن خزيمة .
وذكر ابن خزيمة النهي عنه:
عن مالك والثوري و الأوزاعي والشافعي وأبي حنيفة وصاحبيه وأحمد وإسحاق وابن المبارك ويحيى بن يحيى ومحمد بن يحيى الذهلي .
وروى -أيضاً - السلمي النهي عن الكلام وذمه:
عن الجنيد وإبراهيم الخواص .
فتبين بذلك :
أن النهي عن الكلام إجماع من جميع أئمة الدين من المتقدمين من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية ، وأنه قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وغيرهم من أئمة المسلمين .
ويقول ابن رجب رحمه الله في بعض كلامه:
ولم ينه علماء السلف الصالح وأئمة الإسلام كالشافعي وأحمد وغيرهما عن الكلام وحذروا عنه ، إلا خوفاً من الوقوع في مثل ذلك ، ولو علم هؤلاء الأئمة أن حمل النصوص على ظاهرها كفر لوجب عليهم تبيين ذلك وتحذير الأمة منه؛ فإن ذلك من تمام نصيحة المسلمين ، فكيف كان ينصحون الأمة فيما يتعلق بالاحكام العملية ويدعون نصيحتمهم فيما يتعلق بأصول الاعتقادات ، هذا من أبطل الباطل .
ويقول أيضاً:
وقد ذكر الأشعري في بعض كتبه أن طريقة المتكلمين في الاستدلال على قدم الصانع وحدوث العالم بالجواهر والأجسام والأعراض محرمة عند علماء المسلمين .
وقد روي ذم ذلك وإنكاره ونسبته إلى الفلاسفة عن أبي حنيفة .
وقال ابن سريج :
توحيد أهل العلم وجماعة المسلمين : الشهادتان.
وتوحيد أهل الباطن من المسلمين : الخوض في الأعراض والأجسام ، وإنما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - بإنكار ذلك .
خرّجه أبو عبد الرحمن السلمي .
وكذلك ذكره الخطابي في رسالته في - الغنية عن الكلام وأهله - .
وهذا يدل على أن ما يؤخذ من كلامه في كثير من كتبه مما يخالف ذلك ويوافق طريقة المتكلمين فقد رجع عنه ، فإن نفي كثير من الصفات إنما هو مبني على ثبوت هذه الطريقة.
قال أبو فراس عفا الله عنه:
هذا يفيد أن ابن رجب رحمه الله وقف على كلام للخطابي في كثير من كتبه نفى فيه بعض الصفات، واعتبر ابن رجب هذا تناقضا لأن نفي الصفات مبني على ثبوت طريقة المتكلمين، والخطابي اشتغل بالرد على هذه الطريقة حتى ألف فيها رسالته "الغنية عن الكلام وأهله"
قلت: وهذا ليس بلازم، فقد يقع نفي الصفات بطرق أخرى من الاشتباه والتقليد أو الظن الخطأ ببعض الوجوه العربية والتي قد يظن بعض الناس أن منها الصفات.
هذا مع أننا نسلِّم بأن المأخذ الحقيقي لنفي الصفات هي هذه الطرق الكلامية كما صرَّح بذلك بعض حذَّاقهم المتأخرين.
ولكن هذا المعني قد يغيب عن بعض أهل العلم ، فيقع منه الخطأ في تأويل بعض الصفات لوجوه أخرى من التأويل، والله أعلم.
ويقول ابن رجب رحمه الله:
قال الخطابي في هذه الرسالة في هذه الطريقة في إثبات الصانع :
إنما هو شيء أخذه المتكلمون عن الفلاسفة .
وإنما سلكت الفلاسفة هذه الطريقة: لأنهم لا يثبتون النبوات ولا يرون لها حقيقة ، فكان أقوى شيء عندهم في الدلالة على إثبات هذه الأمور ما تعلقوا به من الاستدلال بهذه الأشياء ، فأما مثبتوا النبوات ، فقد أغناهم الله عن ذلك ، وكفاهم كلفة المؤنة في ركوب هذه الطريقة المتعرجة التي لا يؤمن العنت على من ركبها ، والإبداع والانقطاع على سالكها .
ثم ذكر:
أن الطريق الصحيحة في ذلك : الاستدلال بالصنعة على صانعها ، كما تضمنه القرآن ، وندب إلى الاستدلال به في مواضع ، وبه تشهد الفطر السليمة المستقيمة .
ثم ذكر:
طريقتهم التي استدلوا بها ، وما فيها من الاضطراب والفساد والتناقض والاختلاف .
ثم قال :
فلا تشغل -رحمك الله- بكلامهم ، ولا تغتر بكثرة مقالاتهم ؛ فأنها سريعة التهافت ، كثيرة التناقض ، وما من كلام تسمعه لفرقة منهم إلا ولخصومهم عليه كلام يوازيه ويفارقه ، فكل بكل معارض ، وبعضهم ببعض مقابل .
قال : وإنما يكون تقدم الواحد منهم وفلجه على خصمه بقدر حظه من الثبات والحذق في صنعة الجدل والكلام ، وأكثر ما يظهر به بعضهم على بعض إنما هو إلزام من طريق الجدل على أصول مؤصلة لهم ، ومناقضات على مقالات حفظوها عليهم [ ... ] تقودها وطردها ، فمن تقاعد عن شيء منها سموه من طريق [ ... ] وه مبطلاً ، وحكموا بالفلج لخصمه عليه ، والجدل لا يقوم به حق [...]به حجة .
وقد يكون الخصمان على مقالتين مختلفتين ، كلاهما باطل ، ويكون الحق في ثالث غيرهما ، فمناقضة أحدهما صاحبة غير مصحح مذهبه ، وإن كان مفسداً به قول خصمه ؛ لأنهما مجتمعان معاً في الخطأ ، مشتركان فيهِ ، كقول الشاعر :
حجج تهافتت كالزجاج تخالها حقاً ، وكلٌ واهن مكسور
ومتى كان الأمر كذلك ، فإن أحد من الفريقين لا يعتمد في مقالته التي نصرها أصلاً صحيحاً ، وإنما هو أوضاع وأراء تتكافأ وتتقابل ، فيكثر المقال ، ويدوم الاختلاف ، ويقل الصواب ، كما قال تعالى : { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً } [النساء :82] ، فأخبر تعالى أن ما كثر فيه الاختلاف فليس من عنده ، وهو من أدل الدليل على أن مذاهب المتكلمين مذاهب فاسدة ؛ لكثرة ما يوجد فيها من الاختلاف المفضي بهم إلى التكفير والتضليل .
وذكر بقية الرسالة ، وهي حسنة متضمنة لفوائد جليلة ، وإنما ذكرنا هذا القدر منها ليتبين به أن القواعد العقلية التي يدعي أهلها أنها قطعيات لا تقبل الاحتمال ، فترد لأجلها -بزعمهم -نصوص الكتاب والسنة ، وتصرف عن مدلولاتها ، إنما هي عند الراسخين شبهات جهليات ، لا تساوي سماعها ، ولا قراءتها ، فضلا عن أن يرد لأجلها ما جاء عن الله ورسوله ، أو يحرف شيء من ذلك عن مواضعه .
وإنما القطعيات ما جاء عن الله ورسوله من الآيات المحكمات البينات ، والنصوص الواضحات ، فترد إليها المتشبهات ، وجميع كتب الله المنزلة متفقة على معنى واحد ، وإن ما فيها محكمات ومتشابهات ، فالراسخون في العلم يؤمنون بذلك كله ، ويردون المتشابهة إلى المحكم ، ويكلون ما أشكل عليهم فهمه إلى عالمه ، والذين في قلوبهم ريع يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ، فيضربون كتاب الله بعضه ببعض ، ويردون المحكم ، ويتمسكون بالمتشابه ابتغاء الفتنة ، ويحرفون المحكم عن مواضعه ، ويعتمدون على شبهات وخيالات لا حقيقة لها ، بل هي من وسواس الشيطان وخيالاته ، يقذفها في القلوب .
فأهل العلم وإلايمان:
يمتثلون في هذه الشبهات ما أمروا به من الاستعاذة بالله ، والانتهاء عما ألقاه الشيطان ، وقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك من علامات الأيمان ، وغيرهم فيصغون إلى تلك الشبهات ، ويعبرون عنها بألفاظ مشتبهات ، لا حرمة لها في نفسها ، وليس لها معنىً يصح، فيجعلون تلك الألفاظ محكمة لا تقبل التأويل ، فيردون كلام الله ورسوله إليها ، ويعرضونه عليها ، ويحرفونه عن مواضعه لأجلها .
هذه طريقة طوائف أهل البدع المحضة من الجهمية والخوارج والروافض والمعتزلة ومن أشبههم ، وقد وقع في شيء من ذلك كثير من المتأخرين المنتسبين إلى السنة من أهل الحديث والفقه والتصوف من أصحابنا وغيرهم في بعض الأشياء دون بعض .
وأما السلف وأئمة أهل الحديث ، فعلى الطريقة الأولى ، وهي الأيمان بجميع ما أثبته الله لنفسه في كتابه ، أو صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه أثبته له ، مع نفي التمثيل والكيفية عنه ، كما قاله ربيعة ومالك وغيرهما من أئمة الهدى في الاستواء، وروي عن أم سلمة أم المؤمنين ، وقال مثل ذلك غيرهم من العلماء في النزول ، وكذلك القول في سائر الصفات ، والله سبحانه وتعالى الموفق .

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-05-21 ||, 12:09 PM
بوركت يا أبا فراس ، والمتعين في هذا الزمان وهو نشر الحق بدليله ، ولو التفتنا لك ناعق اهوج لمضى الزمان دون بيان كثير من الحق ، ولذا ترى أهل البدع والضلال يهجون ويزمجرون على كل حامل حق ، وما ذاك إلا لخوفهم من نشر نور الحق الذي به يزاح غباشهم وظلامهم .

وبارك الله فيك أيضاً أخي الكريم

أحسنت، ولعلك تنبهت للمقصود من هذا المقال بأساسه، وهو أن هذه الطرق التي يستعلمها أهل العلم في قمع الباطل وأهله ليست متعينة على الدوام، بل إن أهل العلم أنفسهم متباينون في طرقهم في رد الأهواء والبدع المضلة، بل إن العالم الواحد قد تكون له أكثر من طريقة في منازلة أهل البدع.
فالإمام أحمد رحمه الله يذكر عنه أنه كان ينهى عن مجادلة أهل الأهواء لكن لما اضطر إلى ذلك في أيام الفتنة انتقل إلى رأي آخر وما ذاك إلا لانتقاله إلى حال أخرى.

المسألة الثانية:
وهي أصل الأولى:
وهي أن العلم منه ما هو أصلي ، ممدوح مطلقا، لا يختلف باختلاف الزمان والمكان والأحوال
ومن ذلك مثلا علم الضرروي من الدين وعلم سورة الفاتحة وسورة الإخلاص، وعلم الصلاة .....
ومنه علم معنى قوله تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه به....}
وقوله صلى الله عليه وسلم: "إن لله تسعا وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة"
-----------
ومن العلم ما يختلف فقد يكون واجبا لشخص دون آخر مثل علم تفاصيل الزكاة فيجب على الغني دون الفقير
ومنه ما يكون مناسبا لحال دون أخرى مثل معرفة أصول بعض أهل الأهواء
فقد يكون مناسبا لمن باشر رد هذه البدع دون من لم يتعرض لهم إما لخفاء البدعة في محله أو زمانه أو لعدم تأهله للرد على أهل الأهواء لسبب ما.

والمقصود أن هذا النوع من العلم لا يجب على كل الناس ، وهذا واضح ، لكن يقع الإشكال من بعض طلبة العلم الذين يقع منهم التعمق في معالجة بعض أصول البدع المندثرة، أو المتراجعة من جهة التأثير والازدحام، ثم ينضاف إلى ذلك الجهل بأصول ظاهره من البدع المعاصرة، والتي هي أشد خطرا من السابقة فضلا عن كونها هي العاملة على الساحة.
وكأقرب مثال لهذا: تجد بعض طلبة العلم يعرف بعض الفروق الدقيقة بين بعض الطوائف القديمة ثم تجده لا يعرف مجرد أسماء طوائف بأسرها فضلا عن معرفة حقيقتها.
ويقع الإشكال أيضا من جهات أخرى، جماعها ظن أن هذا العلم ممدوح لذاته، هذا والله أعلم.

أبو حزم فيصل بن المبارك
08-05-25 ||, 12:33 AM
ماشاء الله
بارك الله فيكم وفي جهودكم

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-06-08 ||, 11:21 PM
يقول ابن رجب رحمه الله في رسالته فضل علم السلف على الخلف:

وأما ما أحدث بعد الصحابة من العلوم التي توسع فيها أهلها وسموها علوما وظنوا أن من لم يكن عالماً بها فهو جاهل أو ضال:
فكلها بدعة وهي من محدثات الأمور المنهي عنها.
فمن ذلك ما أحدثته المعتزلة من الكلام في القدر وضرب الأمثال للَّه.
وقد ورد النهي عن الخوض في القدر
ومنها :
الخوض في سر القدر.
وقد ورد النهي عنه عن علي وغيره من السلف فإن العباد لا يطلعون على حقيقة ذلك.
ومن ذلك:
أعني محدثات الأمور ما أحدثه المعتزلة ومن حذا حذوهم من الكلام في ذات الله تعالى وصفاته بأدلة العقول
وهو أشد خطراً من الكلام في القدر
لأن الكلام في القدر كلام في أفعاله وهذا كلام في ذاته وصفاته.
وينقسم هؤلاء إلى قسمين:
أحدهما: من نفى كثيراً مما ورد به الكتاب والسنة من ذلك لاستلزامه عنده للتشبيه بالمخلوقين
كقول المعتزلة: لو رأي لكان جسما لأنه لا يرى إلا في جهة:
وقولهم: لو كان له كلام يسمع لكان جسما.
ووافقهم:
من نفى الاستواء فنفوه لهذه الشبهة: وهذا طريق المعتزلة والجهمية.
وقد اتفق السلف على تبديعهم وتضليلهم.
وقد سلك سبيلهم في بعض الأمور كثير ممن انتسب إلى السنة والحديث من المتأخرين.
والثاني:
من رام إثبات ذلك بأدلة العقول التي لم يرد بها الأثر
ورد على أولئك مقالتهم
كما هي طريقة مقاتل بن سليمان ومن تابعه كنوح بن أبي مريم وتابعهم طائفة من المحدثين قديماً وحديثاً.
وهو أيضاً:
مسلك الكرامية:
فمنهم:
من أثبت لإثبات هذه الصفات الجسم إما لفظا وإما معنى.
ومنهم:
من أثبت للَّه صفات لم يأت بها الكتاب والسنة كالحركة وغير ذلك مما هي عنده لازم الصفات الثابتة.
وقد أنكر السلف :
على مقاتل قوله في رده على جهم بأدلة العقل وبالغوا في الطعن عليه.
ومنهم من استحل قتله، منهم مكي بن إبراهيم شيخ البخاري وغيره.
والصواب:
ما عليه السلف الصالح من إمرار آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت من غير تفسير لها ولا تكييف ولا تمثيل.
ولا يصح من أحد منهم خلاف ذلك البتة خصوصاً الإمام أحمد ولا خوض في معانيها ولا ضرب مثل من الأمثال لها.
وإن كان بعض من كان قريباً من زمن الإمام أحمد فيهم من فعل شيئاً من ذلك اتباعاً لطريقة مقاتل فلا يقتدى به في ذلك إنما الإقتداء بأئمة الإسلام كابن المبارك ومالك والثوري والأوزاعي.
والشافعي وأحمد واسحق وأبي عبيد ونحوهم.
وكل هؤلاء لا يوجد في كلامهم شيء من جنس كلام المتكلمين فضلا عن كلام الفلاسفة: ولم يدخل ذلك في كلام من سلم من قدح وجرح
وقد قال أبوزرعة الرازي: كل من كان عنده علم فلم يصن علمه واحتاج في نشره إلى شيء من الكلام فلستم منه.
......................... ........
وقال رحمه الله:
وقد اعترض بعض من كان يعرف هذا:
على حديث النزول ثلث الليل الآخر وقال:
ثلث الليل يختلف باختلاف البلدان فلا يمكن أن يكون النزول في وقت معين.
ومعلوم بالضرورة من دين الإسلام قبح هذا الاعتراض.
وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أو خلفاءه الراشدين لو سمعوا من يعترض به لما ناظروه بل بادروا إلى عقوبته وإلحاقه بزمرة المخالفين المنافقين المكذبين.

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-06-09 ||, 09:54 PM
يقول ابن رجب رحمه الله في رسالته "نزهة الأسماع في مسألة السماع":
وإنما وردت السنة بتحسين الصوت بالقرآن لا بقراءة الألحان وبينهما بون بعيد وقد بسطنا القول في ذلك في كتاب: بيان الاستغناء بالقرآن في تحصيل العلم والإيمان .
قلت: وهذا يدل على بالغ عناية ابن رجب بالاقتصار على الوحي في تحصيل العلم والإيمان، ومن ذلك ما ساقه في رسالتيه:
1- فضل علم السلف على الخلف.
2- الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة.

عاشور
08-06-10 ||, 06:52 AM
جزاك الله خيرا على هذه الفوائد الجليلة

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-06-12 ||, 08:36 PM
الموفق لا يرى الخوض في دقائق المتكلمين!

يقول ابن رجب رحمه الله في كتابه الماتع ذيل طبقات الحنابلة في ترجمة شيخ الحنابلة موفق الدين ابن قدامة:
صنف الشيخ الموفق رحمه الله التصانيف الكثيرة الحسنة في المذهب، فروعاً وأصولاً، وفي الحديث، واللغة، والزهد، والرقائق.
وتصانيفه في أصول الدين في غاية الحسن، أكثرها على طريقة أئمة المحدثين، مشحونة بالأحاديث والآثار، وبالأسانيد، كما هي طريقة الإِمام أحمد وأئمة الحديث.
ولم يكن يرى الخوض مع المتكلمين في دقائق الكلام، ولو كان بالرد عليهم. وهذه طريقة أحمد والمتقدمين.
وكان كثير المتابعة للمنقول في باب الأصول وغيره، لا يرى إطلاق ما لم يؤثر من العبارات، ويأمر بالإقرار والإمرار لما جاء في الكتاب والسنة من الصفات، من غير تفسير ولا تكييف، ولا تمثيل ولا تحريف، ولا تأويل ولا تعطيل.

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-06-12 ||, 08:38 PM
جزاك الله خيرا على هذه الفوائد الجليلة
وجزاك الله أنت على مرروك ومشاركتك خيرا.

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-06-13 ||, 11:05 AM
ويقول ابن رجب رحمه الله في نفس الكتاب – الذيل على طبقات الحنابلة – في ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

وطوائف من أئمة أهل الحديث وحفاظهم وفقهائهم: كانوا يحبون الشيخ ويعظمونه، ولم يكونوا يحبون له التوغل مع أهل الكلام ولا الفلاسفة.
كما هو طريق أئمة أهل الحديث المتقدمين، كالشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد ونحوهم.
وكذلك كثير هن العلماء من الفقهاء والمحدثين والصالحين كرهوا له التفرد ببعض شذوذ المسائل التي أنكرها السلف على من شذ بها، حتى إن بعض قضاة العدل من أصحابنا منعه من الإفتاء ببعض ذلك.
قال الذهبي: وغالب حطه على الفضلاء والمتزهدة فبحق، وفي بعضه هو مجتهد، ومذهبه توسعة العذر للخلق، ولا يكفر أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه.

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-06-14 ||, 11:26 PM
يقول الحافظ ابن رجب رحمه الله في رسالته النافعة "فضل علم السلف على علم الخلف":

وفي زماننا يتعين كتابة كلام أئمة السلف المقتدى بهم إلى زمن الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد:
وليكن الإنسان على حذر مما حدث بعدهم فإنه حدث بعدهم حوادث كثيرة وحدث من انتسب إلى متابعة السنة والحديث من الظاهرية ونحوهم وهو أشد مخالفة لها لشذوذه عن الأئمة وانفراده عنهم بفهم يفهمه أو يأخذ مالم يأخذ به الأئمة من قبله.
فأما الدخول مع ذلك في كلام المتكلمين أو الفلاسفة فشر محض
وقَلَّ مَنْ دخل في شيء من ذلك إلا وتلطخ ببعض أوضارهم كما قال أحمد: لا يخلو من نظر في الكلام من أن يتجهم.
وكان هو وغيره من أئمة السلف يحذرون من أهل الكلام وإن ذبوا عن السنة.
وأما ما يوجد في كلام من أحب الكلام المحدث واتبع أهله:
مِنْ ذم من لا يتوسع في الخصومات والجدال ونسبته إلى:
1- الجهل.
2- أو إلى الحشو.
3- أو إلى أنه غير عارف بالله.
4- أو غير عارف بدينه.
فكل ذلك من خطوات الشيطان نعوذ باللَه منه.

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-06-15 ||, 01:08 AM
ويقول أيضاً في الرسالة السابقة "فضل علم السلف على علم الخلف":
فمن عرف قدر السلف:
عرف أن سكوتهم عما سكتوا عنه من ضروب الكلام وكثرة الجدال والخصام والزيادة في البيان على مقدار الحاجة
لم يكن:
عياً ولا جهلا ولا قصوراً.
وإنما كان:
ورعا وخشية للَّه واشتغالا عما لا ينفع بما ينفع.
وسواء في ذلك:
كلامهم في أصول الدين وفروعه وفي تفسير القرآن والحديث وفي الزهد والرقائق والحكم والمواعظ. وغير ذلك مما تكلموا فيه فمن سلك سبيلهم فقد اهتدى ومن سلك غير سبيلهم ودخل في كثرة السؤال والبحث والجدال والقيل والقال فإن اعترف لهم بالفضل وعلى نفسه بالنقص كان حاله قريباً .

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-11-12 ||, 12:53 PM
قال أحمد: لست بصاحب كلام ولا أرى الكلام في شيء إلا ما كان في كتاب الله أو
سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال: كنا نؤمر بالسكوت، فلما دعينا إلى الكلام تكلمنا.
وقال: لا يكون الرجل من أهل السنة حتى يدع الجدال وإن أراد به السنة.
وقال: من ارتدى بالكلام لم يفلح.