المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الآراء الشاذة في أصول الفقه.



ابتهال المنصوري
11-01-22 ||, 09:05 PM
الآراء الشاذة في أصُول الفقه
دراسة استقرائية نقدية




عبدالعزيز بن عبدالله بن علي النملة




الناشر : دار التدمرية ( الرياض)
الطبعة الأولى/1430هـ

ابتهال المنصوري
11-01-22 ||, 09:07 PM
المقدمة

أولاً : الافتتاح :
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_f tn1))، صلى الله عليه، وعلى آله، وصحبه وسلم .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_f tn2))، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_f tn3))، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾([4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_f tn4)) ، أما بعد .
فإن علماء أصول الفقه قد عملوا على إعادة هذا الدين بقواعده ، ومناهج الفهم والاستنباط فيه إلى حالته الأولى التي أنزله الله عليها ، ومن ذلك قيامهم بالجهود العظيمة في تحرير مباحث هذا العلم ، يقول ابن القصار :(( اعلم أن للعلوم طرقـًا منها جلي ، وخفي ؛ ذلك أن الله – تبارك وتعالى – لما أراد أن يمتحن عباده، وأن يبتليهم فرَّق بين طرق العلم ، وجعل منها ظاهرًا جليـًا ، وباطنـًا خفيـًا ؛ ليرفع الذين أوتوا العلم ، كما قال – عزَّ وجل- ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾([5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_f tn5))))([6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_f tn6))، ولهذا كان علم أصول الفقه من أشرف علوم الشريعة ، وأرفعها مكانة ، وأعظمها شأنـًا مما حدا ابن تيمية أن يَسم فاقده بالجهل والإفساد حيث يقول :(( لابد أن يكون مع الإنسان أصول كلية تُرد إليها الجزئيات ؛ ليتكلم بعلم وعدل ، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت ، وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات ، وجهل وظلم في الكليات فيتولد فساد عظيم ))([7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_f tn7)) .
ولما كانت الأمة لا تخلو من علماء مخلصين ينفون عن دين الله تحريف الغالين ، وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين نادى بعض الأصوليين بأهمية تنقية علم أصول الفقه من الآراء التي لا تعتمد على دليل، ولذلك ذكر علماء أصول الفقه آراء شاذة في مصنفاتهم منبهين عليها ، رادين على أصحابها وقدنبه القـرافي إلى وجوببيان الآراء الشاذة في كل مذهب حتى لا يُفتى بها فيقول:(( يـجب على أهل العصر تفقد مذاهبهم فكل ما وجدوه من هـذا النوع([8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_f tn8))يـحرمعليهم الفتيا به، ولا يعرى مذهب من المذاهب عنه لكنه قد يقل ويكثر))([9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_f tn9)) ، كما يقول المرداوي ، وهو يوضح منهجه في مقدمة التحبير بعد بيانه للمذاهب المشهورة:(( وأما غيرهم من أرباب البدع، كالجهمية، والرافضة، والخوارج، والمعتزلة ، ونحوهم فلا اعتبار بقولهم المخالف لأقوال الأئمة ، وأتباعهم ، ولا اعتماد عليها ؛ لكن إن ذكرتها فعلى سبيل الإعلام والتبعية ، وقد يذكرها العلماء ليردوا على قائلها ، وينفروا عنه ، ويعلموا ما فيها من الدسـائس ، وقد ذكر الأصوليون ذلك حتى بالغوا ))([10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_f tn10)).


ثانيـًا : الإعلان عن الموضوع :
تعددت أنواع الخلاف والآراء عند علماء أصول الفقه إلى خلافٍ معنوي ، ولفظي ، وراجح ، ومرجوح ، وشاذ ، ولا يخفى أن من فروعِ البحث في أصول الفقه النظر في الاختلاف الواقع بين علماء هذا العلم من حيث القوة والضعف ومن حيث الثبوت وعدمه ، حتى يكونَ منه ما ينتهي من حيث القوة إلى الثبوت فيلزم عالمه العمل به([11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_f tn11)) ، ومنها ما ينتهي إلى الشذوذ بدون دليلٍ فيلزم رده .
ولقد عرَّف إمام الـحرمين الخلاف الشاذ بقوله :(( الشاذ هو الخارج عن الموافقة بالـمخالفة ، حتى إذا خالفهم الواحد قبل دخوله في موافقتهم لم يكن شـاذًا ؛ بل كان خلافـًا معتدًا به ))([12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_f tn12)) ، ومن خلال تتبع جملة من مواطنِ الخلاف، والآراء عند الأصوليين ظهرت لي أهمية البحث فيما وقع شاذًا من الخلاف، وكذا ما نُسب إلى هذا الوصف عند أحد منهم، وعلى هذا رأيت أن يكون موضوع رسالتي للدكتوراه :
الآراء الشاذ ة في أصُول الفقه ، دراسة استقرائية نقدية .
ويشمل ذلك بيان حقيقة هذا المصطلح ، ونشأته ، وظهوره في مختلف العلوم الشرعية ، وبيانُ الأسباب التي أدت إليه ، والشروط الواجب توفرها في الرأي لتصح نسبته إلى الشاذ على وجه صحيح ، وبيان أنواعه ، وآثار ذلك في أصول الفقه ، كما يشتمل الموضوع على دراسة الآراء الشاذة في مسائل أصول الفقه في مختلف مباحثه ، حيث جمعتُ الآراء التي وصفت بأنها شاذة ، أو وجدت فيها حقيقة الرأي الشاذ ، ثم قمت بدراستها دراسة تفصيلية .
ثالثـًا : أهمية الموضوع :
اهتمت كتبُ أصول الفقه بعرضِ الآراء الواردة في مسائل أصول الفقه، وتفصيل الكلام فيها، وبيان وجه الرجحان أو القوة أو الضعف ، وللشاذ نصيبٌ من هذا الاهتمام ، وهذا الموضوع دراسةٍ نظرية للآراء الشاذة في أصول الفقه ، وما ورد وصفه بذلك ، ويمكن إجمالُ بعض جوانب أهمية هذا الموضوع من خلال الأمور الآتية :
أولاً : أن هـذا الموضوع لـم تسبق دراسته استقلالاً ، بتحريرِ أسباب ورود الرأي الشاذ ، وبيان شروط وصفه بذلك ، وما يتعلقُ بذلك ، ولم يقم أحد – فيما أعلم – بجمع مسائله في أصول الفقه ، ودراستها .
ثانيـًا : أن الآراء الشاذة تمت دراستها في بعض العلوم الشرعية ، فقد كُتبت رسائلُ علمية متعلقة بالشاذ عند المفسرين ، وعند الفقهاء ، وعند اللغويين ، والنحويين، ولا يخفى أن دراسته في أصول الفقه لها أولوية من الناحية التأصيلية .
ثالثـًا : أن مصطلح الشاذ متداولٌ بين العلماء المتقدمين ، وقد صرَّح به عددٌ من متقدمي الأصوليين كالجصاص ، والباقلاني ، وغيرهما ؛ فلذلك تزداد أهمية بيان نشأة هـذا المصطلح ، وموقـفُ علماء أصول الفقه مـنه ، ونسبة بعض الآراء إليه ، وتحريرُ ذلك .
رابعـًا : الأهميةُ الخاصة لحكم العمل بالشاذ ، والفتوى به ، في ظلِّ تعلق بعضهم في العصر الحاضر بالأخذ بالشاذ .
رابعـًا : أسباب اختيار الموضوع :
تتلخص أسبابُ اختيار هذا الموضوع بالأمور التالية :
1- أهمية هذا الموضوع – كما سبق – سببٌ مهم لاختياره .
2- عدمُ إفراد هذا الموضوع ببحثٍ مستقل – حسب ما وصل إليه علمي – سواء في رسالة علمية ، أو في دراسة معاصرة في أصول الفقه ، حيث لم أطلع على شيء من ذلك رغم البحثِ عنه .
3-خدمة أصول الفقه بدراسة الآراء الشاذة فيه ، بعد تأصيل الجوانب المهمة لهذا الموضوع .
4- رغبتي الخاصة في الكتابة في موضوعٍ يشتمل على جُل مباحث أصول الفقه في مختلف أبوابه ؛ مما يُساعد على إثراء حصيلتي العلمية في أصول الفقه .

5- خدمة الباحثين في أصول الفقه بتحرير الآراء التي نُقل أنها شاذة ، وخاصةً مع وجود تساهلٍ ، وتفاوت من الأصوليين في ذلك .
6- إعداد دراسةٍ عن الشـاذ في أصول الفقه ؛ لتكوِّن مع الدراسات الأخرى في الفقه ، والتفسير ، والنحو بناءً يشكل تكاملاً في دراسة الشاذ ومسائله في العلوم الشرعية تأصيلاً ، وتطبيقـًا .
خامسـًا : أهداف الموضوع .
وتتلخص في الأمور التالية :
أولاً : إجراءُ دراسة نظرية لكل ما يتعلق بالشاذ ، نشأةً ، ونسبةً ، سواء أكان في أصول الفقه ، أو غيره من العلوم الشرعية .
ثانيـًا : العملُ على جمع الآراء الشاذة في أصول الفقه ، والمسائل المتعلقة بالشاذ ، وما نُقل فيه أنه شاذ ، مع دراستها ، وتحليلها ، وبيان مدى صحة نسبتها إلى هذا الوصف ، ومن ثم إلى من أسندت إليه ،مع تحرير ما يُنسب لبعض الأئمة - من باب التساهل – أنه قال برأيٍ شاذ .
ثالثـًا : من خلال دراسة الآراء الشاذة تتضح الآراء المعتبرة في مسائل أصول الفقه فيساعد ذلك في الوصول إلى الرأي الراجح ؛ وذلك بإمعان النظر في الأقوال ، وتصنيفها إلى مقبول معتبر ( يشمل الراجح والمرجوح ) ، وشاذ مطرح ؛ بل قد يؤدي بيان الشاذ إلى ثبوت رأيٍ واحد فقط ، وقد يؤدي البيان إلى زوال هذه الصفة الواردة عند البعض .
رابعـًا : بيان الأسباب التي أدت إلى ظهور آراء شاذة في أصول الفقه ، وأثر ذلك على هذا العلم .
خامسـًا : أن في هذا الموضوع تنقية لمسائل أصول الفقه من بعضِ الآراء التي أُدخلت في هذا العلم وهي ليست منه ، وكذلك بيان ما سببته من وجود الآراء الشاذة ؛ يقول الشاطبي :((كثيرٌ مما ليس بمحتاج إليه في علم الشريعة قد أدخلَ فيها ، وصار من مسائلها ، ولو فرض رفعه من الوجود رأسـًا لـما اختل مما يحتاج إليه في الشريعة شيء بدليل ما كان عليه السلف الصالح في فهمها ))([13] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_f tn13))، وكذلك تحرير نسبة الآراء إلى أصحابها ؛ يقول ابن برهان عن أحد مسائل أصول الفقه التي اختلف فيها النقل :(( ولم يُنقل عن الشافعي ، ولا أبي حنيفة – رضي الله عنهما – نصٌ في ذلك ، ولكن فروعهم تدل على ذلك ، وهذا خطأ في نقل المذاهب فإن الفروع تُبنى على الأصول ، ولا تُبنى الأصول على الفروع ، فلعل صاحب المقالة لم يبن فروع مسائله على هذا الأصل ، ولكن بناها على أدلة خاصة ، وهو أصل يعتمد عليه في كثير من المسائل ))([14] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_f tn14)) .
سادسـًا : ذكر بعض التطبيقات الفقهية للمسائل المتعلقة بالشاذ ، وما بُني على الآراء الشاذة في أصول الفقه من الفروع الفقهية .

([1]) هذه خطبة الـحاجة رواها ابن مـسعود – رضي الله عنه – وأخرجها الإمام أحـمد في المسند ص 319 برقم ( 3720 )، وأبو داود في سننه ، كتاب النكاح، باب في خطبة النكاح ص 1379 برقم ( 2118 ) ، والترمذي في سننه ، كتاب النكاح ، باب ما جاء في خطبة النكاح ص 1758 برقم ( 1105 ) وابن ماجة في سننه ، كتاب النكاح ، باب خطبة النكاح ص 2590 برقم ( 1892 ) ، والبيهقي في سننه 3/214 ، والبغوي في شرح السنة 9/49 ، وهي صحيحة ثابتة عن النبي e ، يقول أحمد شاكر عن حديثها : (( من طريق أبي الأحوص صحيح متصل )) شرح الـمسند 6/81 ، وصححها الألباني في إرواء الغليل 6/221 ، وفي رسالة : خطبة الحاجة ، وقال في تمام المنة في التعليق على فقه السنة ص 334- 335 :(( وكان أحيانـًا ( أي الرسول e ) لا يذكر الآيات الثلاث )) .

([2]) الآية رقم ( 102 ) من سورة آل عمران .

([3]) الآية رقم ( 1 ) من سورة النساء .

([4]) الآيتين رقم ( 70-71 ) من سورة الأحزاب .

([5]) من الآية رقم ( 11 ) من سورة المجادلة .

([6]) مقدمة ابن القصار ص 5 .

([7]) مجموع الفتاوى 19/203 .

([8]) أي ما خالف النص والإجماع والقياس الجلي ، كما في أول كلامه ، والمراد الرأي الشاذ .

([9]) الفروق 2/109 ، ويُنظر : الفروق السنية 2/124 .

([10]) التحبير 1/128-129 .

([11]) القطعية من الأدلة الأربعة ص 7 .

([12]) الكافية في الجدل ص58 .

([13]) الموافقات 3/321 .

([14]) الوصول إلى الأصول 1/150 .

ابتهال المنصوري
11-01-22 ||, 09:14 PM
نتائج البحث .
يظهر لي أنه يمكن عرض أهم نتائج البحث من خلال ثلاثة جوانب هي :
الجانب الأول : نتائج الدراسة النظرية للرأي الشاذ عند الأصوليين .
الجانب الثاني : نتائج عامة لاستقراء ودراسة الآراء الشاذة .
الجانب الثالث : نتائج خاصة للآراء الشاذة التي قمت بدراستها .
وتفصيل ذلك كما يأتي :
الجانب الأول : نتائج الدراسة النظرية للرأي الشاذ عند الأصوليين .
من أهم نتائج البحث حول الدراسة النظرية للرأي الشاذ ما يأتي :
أولاً : أن للشاذ اصطلاحـًا عند القراء ، حيث أطلقوه على اللفظ إذا فقد أحد شروط القراءة الصحيحة، وأما الشاذ عند المفسرين فيريدون به الرأي غير المعتبر، وعند المحدثين: أن يروي الثقات حديثـًا فينفرد واحد ويُخالفهم .
ثانيـًا : أن علماء أصول الفقه استعملوا مـصطلح الشاذ بمعناه اللغوي ، كما استعملوه باصطلاح القراء ، والمحدثين ، بالإضافة إلى اصطلاحهم .
ثالثـًا : أنه يوجد عددٌ من الفرق والمذاهب اشتهر عنها القول بآراء شاذة ، أهمها : الخوارج ، والرافضة ، والظاهرية ، كما يوجد عدد من أهل العلم كثرت نسبة الآراء الشاذة لهم ، كربيعة الرأي ، وداود الظاهري ، وإسماعيل بن علية ، وابن حزم .
رابعـًا : أن الذي يترجح للباحث هـو اعتبار قـول الظاهرية لانعقاد الإجماع في مسائل أصول الفقه ، ولا اعتبار بخلافهم في الفروع الفقهية ، وخاصة ما يتعلق بالقياس .
خامسـًا : توصل الباحث إلى أن تـعريف الرأي الشاذ في أصول الفقه هو : قول انفرد به قلة من المجتهدين من غير دليل معتبر .
سادسـًا : جمع الباحث الألفاظ التي يُوصف بـها الرأي الشاذ كالباطل ، والمحال ، والخطأ، والغلط، والشغب، كما بين الفروق بين مصطلح الشاذ وما يُشابهه من مصطلحات، كالنادر ، والضعيف .
سابعـًا : للشاذ أنواع باعتبارات مختلفة، أهمها: أنواعه باعتبار قربه وبعده ، وباعتبار القائل به، وباعتبار التصريح به، وباعتبار كونه داخل المذهب، وقد جرى بسطها ، وذكر الأمثلة عليها في موضعه .
ثامنـًا : أن لمعرفة الشاذ من الآراء طرق صريحة، كمخالفة الدليل القطعي، ومخالفة الإجماع ، ومخالفة الأصل من غير دليل ، ومخالفة قواعد الشريعة .
وكذلك لمعرفة الرأي الشاذ طرق غير صريحة ، ككون الجماهير على خلافه ، وعدم نقل الرأي وهجره، وعدم متابعة القائل به، والتشنيع على قائله، وقد جرى بيانها بالتفصيل .
تاسعـًا : أن لوجود الرأي الشاذ أسباب منها ما يتعلق بأصول الفقه ، كإنكار أحد الأصول الشرعية ، أو الإفراط في الأخذ ببعضها ، ومخالفة الدليل القطعي ، وعدم بلوغ النص لصاحب الرأي ، وتقديم العقل على النص ، ومعارضة النصوص الصريحة بأصول اجتهادية، ومن تلك الأسباب ما هو متعلقٌ بالعلوم الأخرى،كالخطأ في تفسير القرآن ، والتعصب للمذهب العقدي ، والاعتماد على نص غير معتبر ، والنزوع إلى الهوى .
عاشرًا : ظهر للباحث أن شروط الرأي الشاذ يمكن حصرها بما يأتي :
الشرط الأول : أن يكون الرأي مخالفـًا للدليل القطعي إن وجد .
الشرط الثاني : أن يكون الرأي مخالفـًا لقول جماهير أهل العلم .
الشرط الثالث : أن لا يمكن الجمع بين الرأي الشاذ ، والآراء المعتبرة .
حادي عشر : أن العلماء صرحوا بأن الرأي الشاذ قول باطل ، لا يجوز القول به ، ولا الاعتماد عليه في الفتوى ، وأن ما حصل من تـساهل في إيراد الرأي الشاذ أو الإفتاء به كان لأسباب من أهمها : عدم الواقعية في الفـتوى ، والتسرع فيها ، وكـثرة الفروض والتقديرات ، والتعصب لإمام ، أو رأي معين .
ثاني عشر: لا يجوز القياس، ولا التخريج على الرأي الشاذ، بل يُترك على شذوذه ؛ لأنه رأي باطل لا يصح البناء عليه .
ثالث عشر : إذا حكم حاكم برأي شاذ فيجوز نقض حكمه ؛ لأنه مخالف للدليل القطعي ، وذلك له حالات تم بيانها في موضعه .
رابع عشر:درس الباحث القواعد الأصولية، والفقهية المتعلقة بالشاذ دراسة موسعة ، مبينـًا أهم موضوعاتها ، وتطبيقاتها .
خامس عشر : للآراء الشـاذة أثر على علم أصول الفقه ، ومن ذلك الأثر ما هو إيجابي، كالتوسع في دراسة كثير من المسائل ، والرد على الشبهات فيها ، والعمل على تنقية هذا العلم من هذه الآراء ، ببيانها ، والتحذير منها ، وكذلك من الفروع المبنية عليها .
كما أن لهذه الآراء أثرًا سلبيـًا على هذا العلم، كوجود اللوازم الباطلة لهذه الآراء ، وزعزعة بعض الأصول الراسخة عند عامة المسلمين ، وانتشار التقليد ، ووضع الحديث ، والتعصب ، وتضخيم مصنفات أصول الفقه بهذه الآراء مع عدم فائدتها، وظهور بعض الفتن التي اعتمدت على بعضها .
سادس عشر : لدفع الرأي الشاذ وإبطاله طـرق هي: إثبات عدم صحة المخالفة ، وإثبات أن الإجماع انعقد قبل خلاف من شذ ، وإثبات أن المخالف رجع عن قوله الذي شذ به ، وكذلك إثبات أن اتفاق المجتهدين ينعقد مع مخالفة الواحد والاثنين .

الجانب الثاني : نتائج عامة لاستقراء ودراسة الآراء الشاذة .
من خلال التأمل في الآراء التي تمت دراستها يظهر لي بعض النتائج العامة حولها ، وهي كما يأتي :
أولاً : أن الله - عز وجل – جعل الأدلة الشرعية التفصيلية للاستدلال على الحكم الشرعي من خلال قواعد أصول الفقه ، وليس للنص عليه ، وبذلك يكون المجتهد المستنبط من النصوص الشرعية دائر بين الأجر ، والأجرين .
ثانيـًا : أن عددًا من مسائل أصول الفقه التي نُقل فيها آراء شاذة يرجع الخلاف فيها إلى اللفظ ، ولا ينبني عليها ثمرة .
ثالثـًا : أن بعض علماء أصول الفقه تـميزوا بنقد الآراء الشاذة عند ذكرها ، والتحذير منها ، ومن أولئك الآمدي ، المرداوي .
رابعـًا : أن مناهج علماء أصول الفقه تفاوتت في وصف الآراء بأنها شاذة ؛ ذلك أن منهم من تساهل فأطلق على الرأي الضعيف ، أو المرجوح بأنه رأي شاذ ، ومنهم من لم يُطلق هذا الوصف إلا على آراء معدودة .
خامسـًا : تميز علماء أصول الفقه بالإنصاف عـند مناقشة المخالفين ، وخاصة أصحاب الآراء الشاذة ، ويدل محاولة بعضهم الجمع بين الرأي الشاذ والآراء المعتبرة ، أو بيان سبب وجوده ، أو الاعتذار لمن نُسب إليه .
سادسـًا : أن التوسع في إدخال المباحث المنطقية في العـلوم الشرعية ، وخاصة أصول الفقه ، وحرص بعض الأصوليين على ذلك أدى إلى وجود الآراء الشاذة ، ذلك أن النظر في المشروع يُباين النظر في المعقول .
سابعـًا : أن عقيدة بعض علماء أصول الفقه كان لها أثر على ما يختارونه من آراء، حيث ظهر أن عددًا من الآراء الشاذة عندهم كان سبب الخلاف فيها رجوعها إلى أصل عقدي انفردت به أحد الفرق .
ثامنـًا : دقة علماء أصول الفقه في الاستنباط والاستدلال حيث نبهوا على آراء شاذة بسيطة ، لم يُعلم قائلها .

الجانب الثالث : نتائج خاصة للآراء الشاذة التي قمت بدراستها .
الآراء الشاذة في أصول الفقه لا يجوز الاعتماد عليها ، ولا الاهتمام بها ، كما لا يجوز ذكرها إلا لردها ، وبيان بطلانها ، وقد قمت بدراسة ذلك بتوسع فكان من أهم نتائجه ما يأتي :
1- أن القول بمنع نسخ التكليف إلى الأثقل رأي شاذ ؛ لمعارضته أصل التكليف ، والنص القرآني الصريح .
2- أن الخلاف في حكم التكليف بالفعل قبل حدوثه خلاف لفظي ، والجمهور على أن المنع رأي شاذ .
3- أن الخلاف في كون المباح مأمورٌ به مع الكعبي خلاف لفظي ، ومع ذلك فله جانب معنوي من خلال ما يلزم عليه من لوازم باطلة .
4- أن القول بمنع وقوع النسخ في القرآن رأي شاذ ؛ لمخالفة الإجماع في ذلك .
5- أن وصف القول بمنع نسخ حكم الخطاب إلى غير بدل بأنه رأي شاذ غير صحيح ، بل هو رأي معتبر استدل القائلون به بصريح منطوق القرآن .
6- أن القول بجواز كتمان أهل التواتر ما يُحتاج إلى نقله ومعرفته رأي شاذ ، ومن قال به فبناءً على أصل عقدي لديه .
7- أن القول بمنع التعبد بخبر الواحد رأي شاذ لقيام الدليل القطعي على ذلك ، وأن لهذا الرأي أثر كبير في التشكيك بأحكام شرعية كثيرة .
8- أن القول بإنكار الإجماع رأي شاذ ، وغاية من قال به المطالبة بالدليل ، وقد أثبت علماء أصول الفقه ذلك بأدلة كثيرة .
9- أن القول بجواز إثبات كل الأحكام الشرعية بالقياس رأي شاذ ، وأن الخلاف في ذلك معنوي ، حيث بُني عليه مسائل في أصول الفقه .
10- أن القول باشتراط الاتفاق على كون الأصل معللاً رأي شاذ ، والخلاف في ذلك معنوي ، حيث تخرج عليه عدد من الفروع الفقهية .
11- أن القول بإنكار الاعتراض على القياس بالمنع رأي شاذ ، وقد انفرد به العنبري من غير دليل معتبر .
12- أن وصف القول بتعبد النبي e قبل البعثة بشريعة إبراهيم – عليه السلام - بأنه رأي شـاذ غير صحيح ؛ بل هو قول معتبر ، وأقرب الأقوال في المسألة إلى الصواب .
13- أن القول بحجية رؤيا النبي e بعد وفاته ، وأنها مصدر للأحكام الشرعية رأي شاذ ؛ لمخالفة الإجماع في إحداث طريق جديد للأحكام الشرعية ، ولهذا الرأي أثر في الترويج لبعض العقائد والفتن على مر التاريخ الإسلامي .
14- أن وصف القول بإفادة الجمع المنكر للعموم بأنه شاذ غير صحيح ، وإن كان المترجح في ذلك عدم إفادته للعموم .
15- أن ما نُقل عن الإمام مالك من القول بقصر العام على سببه ، ووصف بأنه رأي شاذ غير صحيح على إطلاقه ، والراجح التفصيل ، فالعام ذو السبب الخاص يُحمل على عمومه في كلام الشارع ؛ لأن المقام مقام تشريع ، وأما في كلام الناس ، وعقودهم فلا يُحمل على العموم إن ورد على سبب خاص ، وعليه فلا يكون رأيـًا شاذًا .
16- أن القول بـمنع تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد مطلقـًا رأي شاذ لا اعتبار به ؛ لمخالفته إجماع الصحابة ، وجريان العمل على ذلك .
17- أن القول بجواز الفصل بين المستثنى والمستثنى منه رأي شاذ، وكذلك لم تثبت نسبته لابن عباس ، وما نُسب للمالكية فهو مقيد بأن يكون الاستثناء منويـًا حال التكلم .
18- أن القول بمنع دلالة صيغة النهي على الفور رأي شاذ ؛ لمخالفة الإجماع في ذلك ، واختلف الأصوليون في نوع الخلاف في ذلك ، والذي يترجح كونه معنويـًا .
19- أن القول بمنع الترادف في اللغة رأي شاذ ، وأن المانعين تكلفوا أدلة لذلك لا اعتبار لها ، كما تكلفوا ذكر فروق بين الألفاظ المترادفة .
20- أن القول بمنع البيان بالفعل رأي شاذ؛ لمخالفته الأدلة الصريحة في جواز ذلك ، وأقواها الوقوع .
21- أن القول بحجية مفهوم اللقب بإطلاق رأي شاذ ؛ لمخالفة الأدلة القطعية في ذلك ، ومع ذلك فإن تخصيص اللقب بالذكر قد تكون له فائدة ، ولا يلزم أن تكون الفائدة الانفراد بالحكم ، ومن نقل عن الإمام مالك ، والإمام أحمد شيئـًا من ذلك فقد قالا به لوجود قرينة تدل على التعليل ، وهذا خارج محل النـزاع .
22- أن القول باشـتراط الإحاطة بالأحاديث للمجتهد رأي شاذ لـمخالفة الدليل القطعي .
23- أن القول بمنع تقليد الميت مطلقـًا رأي شاذ ، ومع ذلك ينبغي الرجوع إلى الأحياء ، وخاصة عند اختلاف الأزمان والأعراف ، ويتأكد ذلك عند غلبة ظن المقلد به .
24- أن القول برد خبر الواحد لتعارضه مع القواعد العامة لا يخلو إما أن تكون القواعد تفيد القطع ، وفي هذه الـحالة تُقدم القواعد ، أو تكون القواعد ظنية فلا تُقدم على خبر الواحد .
25- أن القول باتباع المجتهد لأحد الدليلين المتعارضين من غير ترجيح مطلقـًا رأي شاذ ؛ لأنه عمل بلا دليل ، واتباع للهوى فهو مخالف للإجماع بوجوب عمل المجتهد بالدليل الشرعي .

ثانيـًا : توصيات البحث .
من خلال إعداد هذه الرسالة في موضوع الآراء الشاذة يرى الباحث أن من أهم التوصيات في ذلك ما يأتي :
أولاً : الدعوة إلى الاهتمام بدراسة موقف علماء أصول الفقه من المخالف من خلال استقراء مصنفاتهم .
ثانيـًا : التأكيد على أهمية جمع الآراء الشاذة في الفقه ، ودراستها ، وخاصة في كتب الخلاف العالي .
ثالثـًا : دعوة الباحثين إلى التوسع في دراسة بعض المسائل ، والقضايا الأصولية التي لها أهمية كبيرة ، وثمرة فقهية واسعة ، ووُصف أحد الآراء فيها بأنه شاذ ، ومن ذلك حكم إحداث قول جديد ، وتعارض الحديث مع القواعد العامة ، وغيرهما .
رابعـًا : أهمية بيان الفروق الأصولية بين الحدود والمسائل ، وخاصة عند علماء أصول الفقه مختلفي المذاهب .
خامسـًا : الدعوة إلى دراسة أثر العقائد على مسائل أصول الفقه ، وكذلك جمع الشبهات حول علم أصول الفقه قديمها ، وحديثها ، والرد عليها .
وفي الختام أسأل الله – عز وجل – أن ينفع بهذا العمل ، والحمد لله أولاً وآخرًا ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

* ملخص البحث من موقع جامعة الإمام محمد بن سعود.

أم طارق
11-01-26 ||, 10:40 PM
جزاك الله خيراً أختي ابتهال
دراسة مفيدة، وعرض مميز
وسوف توضع بحول الله ضمن المنتخبات الفقهية والأصولية في الشبكة الفقهية

د. خلود العتيبي
11-01-27 ||, 03:46 AM
بارك الله فيكم, وشكر لكم ...

رابح العربي صرموم
11-01-28 ||, 08:33 PM
يوجد صديق لي سجل العنوان نفسه في مرحلة الدكتوراه أتمنى له كل التوفيق وان يتمكن من اضافة الجديد على رسالة الدكتور النملة