المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دفتر الملاحظات(1) : تأملات في المستصفى [صدر الكتاب]



عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
11-01-29 ||, 07:15 PM
صدر الكتاب

ذكر الغزالي سبب تأليفه للكتاب فقال (ص8 ) : "اقترح علي طائفة من محصلي علم الفقه تصنيفا في أصول الفقه أصرف العناية فيه إلى التلفيق بين الترتيب والتحقيق وإلى التوسط بين الإخلال والإملال على وجه يقع في الفهم دون كتاب تهذيب الأصول لميله إلى الاستقصاء والاستكثار".
وما ذكره في غاية الوجاهة ، فإنه لا كتاب وقع في حسن الترتيب وجودة التقسيم ، مع الميل إلى التحقيق دون الحشد كما وقع للغزالي : وابحث في كل ما كتب قبله .
على أن قوله "اقترح علي طائفة من محصلي علم الفقه" قد أوقع في خاطري أمرا : محصلة الفقه هؤلاء ، لمَ لمْ يصرفوا عنايتهم إلى إبداع كتاب في الأصول وهم الذين يدعون لأنفسهم الاختصاص بجودة النظر ، والغوص على المعاني ، ويزرون على المُحَدِّثين ...؛ إن هذا يشعرني بأن الأصولي هو الأساس : ولا فقه بلا أصول ، ولا اجتهاد بلا أصول ، ولا تجديد بدون عودة إلى الأصول ، فإن هؤلاء أرادوا كتابا جديدا يخرج عن اضطراب أنماط ما سبق من الكتب = فكان أن لجؤوا إلى الأصولي .
وهذا يذكرني بقول نُسِبَ لابن تيمية -ولا أدري أين ذكره-:"مجتهدو الأمة أصوليون في الأساس".
والسؤال الآن :
هل طيَّب الغزالي خاطر هؤلاء الذين اختصوه بثقتهم دون الأسد المطرق(إلكيا الهراسي) ، والنار التي تحرق (الخوافي) وغيرهما ؟

عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
11-01-29 ||, 07:21 PM
والجواب عليه – المجمل- يأتي مُعجلا :
ذلك أنه في "صدر الكتاب"، تكلم على :

-حد أصول الفقه :
بدأه بتعريف أجزائه ، ثم عرفه باعتباره لقبا فقال (13) : "أصول الفقه عبارة عن أدلة الأحكام ، وعن معرفة وجوه دلالتها على الأحكام من حيث الجملة".
ثم إنه نبه في آخر كلامه على الحد ، على مسألة منهجية دقيقة – بل هما مسألتين في الواقع-، تفيد محصلة الفقه والمتعصبة فيه أيضا :
الأولى : وهي أن علم الأصول لا يتعرض لآحاد القضايا ، قال(14):"وأما الأصول فلا يعرض فيها لإحدى المسائل"، بل يعرض للأدلة من حيث هي أدلة = أي مجردة عن بيئتها الإشتغالية ، وعليه فإنه لا يصح ممن يباحث في أصل الحجية والثبوت وشرائط الصحة أن يحتج بمثالات الفقه ، فإن ذلك اجترار للفقه في الأصول ، والأصول منتج والفقه ناتج ، فأي عقل يُحَكِّمُ الناتج على المنتِج؟ وما أكثر ما يقع الطلاب في هذا الخطأ الفادح .
الثانية : أن الأصول تعرض للدليل من جهات منهجية ذكرها الغزالي فأبدع ، ذلك أننا محتاجون اليوم في ما نقصده من إعادة النظر في الأصول إلى اعتبارها ، قال :"بل يتعرض فيها :
o لأصل الكتاب والسنة والإجماع ،
o ولشرائط صحتها ،
o وثبوتها،
o ثم لوجوه دلالتها الجملية ، إما من حيث :
· صيغتها
· أو مفهوم لفظها
· أو مجرى لفظها
· أو معقول لفظها"

أعتقدُ أن هذا الكلام لا ينبغي أن نمُرَّ عليه سراعا ، لأن عمل الأصولي يجول في هذه الأنحاء : فكيف أدرسُ الأصول ، وذهني غافل عما ينبغي علي اعتباره؟

ومن كلام الغزالي نستخرج قاعدة جليلة ، وهي أن مهمة طالب الأصول هي النظر في :
أصلِ الدليل : بمعنى ، من أين تم اعتباره ، وكيف تم ذلك = وهذا نظرٌ في تماسك أدلة الاعتبار والحجية ، وليس في أصلها ؛ ثم إنه مفيد للتعرف على وظيفة هذا الدليل لاحقا ، لأن النظر في الأصل يسمح بالتصنيف ، والتصنيف يسمح بتحديد الوظائف .
شرائط ثبوته : وهو نظر في الحجية .
شرائط صحته : وهو نظر في الظروف التي تسمح باعتباره والاحتجاج بمقتضاه لأن النظر في الدليل نظران : نظر فيه باعتباره مجردا ، ونظر فيه باعتبار الأحوال.
الدلالة : وواضح أنه نظر في الصيغ اللغوية ، والدلالة العقلية ...
وأعتقد أن الزلل يقع للناظرين في شيئين : في أصل الدليل ، وفي شرائط الصحة ؛ والسببُ هو : التقليد والهوى ؛ أما التقليد : فثقيل على المقلد أن يحكم ببطلان دليل "أجمع" أهل مذهبه عليه ، وإن تبين له هشاشة في البناء العام لهذا الدليل ؛ وأما الهوى : فالتقليد المحض لمستطيع جزء منه.

عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
11-01-29 ||, 07:25 PM
-مرتبته ونسبته إلى العلوم:
بعد أن عرف بحقيقة هذا العلم وفي أي شئ ينظر ؛ انتقل إلى الكلام على موقع هذا الفن ضمن خارطة العلوم الشرعية = ولا أظنني مجبر هنا على التذكير بأن معرفة موقع الفن المدروس في الخارطة العلمية يفيد في السيطرة على أجزائه ، وتصوره في إطاره العام .
فقسم العلوم إلى عقلية وشرعية ، وفي كل قسم علوم كلية وأخرى جزئية : وفي العلوم الشرعية يعتبر أصول الدين هو العلم الكلي لأنه "ينظر في أعم الأشياء وهو الوجود" ( (14
حتى إذا انتهى المتكلم من البرهنة على وجود الرب ، وأن إرساله للرسل من الأمور الجائزة = وأنها واقعة ، وأن المرسل قد جاء بمعجزة صحت في ميزان العقول (= القرآن) "ينقطع كلام المتكلم ، وينتهي تصرف العقل ، بل العقل يدل على صدق النبي ، ثم يعزل نفسه ويعترف بأنه يتلقى من النبي..." ( (15
ثم يأتي كل علم فيأخذ من جملة ما نظر فيه المتكلم ما يختص بالبحث فيه ، "ويأخذ الأصولي واحدا خاصا : وهو قول الرسولr الذي دل المتكلم على صدقه ، فينظر في وجه دلالته على الأحكام ...ولا يجاوز نظر الأصولي قول ارلسول عليه السلام وفعله ، فإن الكتاب إنما يسمعه من قوله ، والإجماع يثبت بقوله" (15)
وهنا مسألتان :
الأولى : أن هذه العبارات الرصينة ، هي كلام على مجامع القول في ما يسمى في الفلسفة : نظرية المعرفة ، وهي من أجل مباحث الفلسفة المعاصرة : وتبحث في إمكان الوصول إلى المعرفة ، وطرق ذلك ووسائله، وأنواع المعرفة من حيث القطع والظن . وهي على اختصارها وافية بالمقصود ، لأن محل تفصيل القول فيها كتب أصول الدين ؛ ولم أر أحدا من الأصوليين بدأ كتابه بها – على أهميتها- غير الغزالي وقبله ابن حزم .
الثانية : أن الغزالي استثمر- بعبقرية- مسألة "استمداد الأصول" لإغناء فكرته الأم "المرتبة والنسبة" ، وكل من جاء بعده طرح القول على مسألة الاستمداد مقتطعا من سياقه ، يجعلك تسأل : ما فائدة الصراخ حول هذه المسألة؟

عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
11-01-29 ||, 07:28 PM
-منهج ترتيب المباحث :
بعد أن بين جزئية علم لأصول بالإضافة إلى علم الإيمان ، وأنه مختص بالنظر في وجه الدلالة على الأحكام ..، "وجب النظر في الأحكام وأقسامها ، ثم في الأدلة وأقسامها ، ثم في كيفية اقتباس الأحكام من الأدلة ، ثم في صفات المقتبس"(17)
واصطلح على كل محور باصطلاح خاص ينبئ عن المقصود : فسمى الحكم ثمرة لأنه هو النتيجة المرجوة من كل ما ينظر فيه الأصولي "والبداءة بها أولى لأنها الثمرة المطلوبة" ؛ وسمى الأدلة المثمر : لأنها هي وسيلة الإثمار"وبها التثنية : إذ بعد الفراغ من معرفة الثمرة ، لا أهم من معرفة المثمر"؛ وسمى طرق اقتباس الأحكام بطرق الاستثمار ؛ واصطلح على صفات المقتبس بالمستثمر : لأنه هو الذات العاقلة المباشرة لهذا الفعل كله.
فهو اتبع في ترتيب المباحث نسقا منطقيا معَلَّلا مبنيا على تفسير أجزاء الظواهر الخاصة بعلم الأصول وربطها ببعضها في سياق متسلسل : يسهل على كل ناظر تصور الخارطة الأصولية بسلاسة تيسر عليه سبل ترتيب الجزئيات الصغيرة الأخرى ضمن هذه المحاور الكبرى ، والتي سماها : أقطابا.
ولم يسبقه أحد إلى هذا النظر مطلقا .

عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
11-01-29 ||, 07:31 PM
-كيفية اندراج الأقسام تحت المباحث الكلية:
جمع الغزالي هنا شتات مسائل الأصول كلها ونظمها في سلك واحد ، والزيادة على بيان الغزالي في هذا المقام فضول كلام لا عائد من ورائه ، فلنتأمل هذه الوثيقة الرائعة:


"القطب الأول : هو الحكم وللحكم :

[1] حقيقة في نفسه [2]وانقسام [3] وله تعلق بالحاكم وهو الشارع [4]والمحكوم عليه وهو المكلف [5]وبالمحكوم فيه وهو فعل المكلف[6]وبالمظهر له وهو السبب والعلة .

I. ففي البحث عن حقيقة الحكم في نفسه، يتبين أنه عبارة :
1 -عن خطاب الشرع وليس وصفا للفعل
2 -ولا حسن ولا قبح ولا مدخل للعقل فيه
3 -ولا حكم قبل ورود الشرع

II. وفي البحث عن أقسام الحكم يتبين حد:
1 - الواجب
2 -والمحظور
3 -والمندوب
4 -والمباح
5 -والمكروه
6 -والقضاء والأداء والصحة والفساد والعزيمة والرخصة وغير ذلك من أقسام الأحكام

III. وفي البحث عن الحاكم يتبين :
1 -أن لا حكم إلا لله وأنه لا حكم للرسول ولا للسيد على العبد ولا لمخلوق على مخلوق بل كل ذلك حكم الله تعالى ووضعه لا حكم لغيره

IV. وفي البحث عن المحكوم عليه يتبين :
1 -خطاب الناسي
2 -والمكره
3 -والصبي
4 -وخطاب الكافر بفروع الشرع
5 -وخطاب السكران
6 -ومن يجوز تكليفه ومن لا يجوز

V. وفي البحث عن المحكوم فيه يتبين :
1- أن الخطاب يتعلق بالأفعال لا بالأعيان وأنه ليس وصفا للأفعال في ذواتها

VI. وفي البحث عن مظهر الحكم يتبين حقيقة:
1 - السبب
2 -والعلة
3 -والشرط
4 -والمحل
5 -والعلامة
فيتناول هذا القطب جملة من تفاريق فصول الأصول أوردها الأصوليون مبددة في مواضع شتى لا تتناسب ولا تجمعها رابطة فلا يهتدي الطالب إلى مقاصدها ووجه الحاجة إلى معرفتها وكيفية تعلقها بأصول الفقه .


القطب الثاني في المثمر:

1-وهو الكتاب
2-والسنة
3-والإجماع

1-وفي البحث عن أصل الكتاب يتبين:
§ حد الكتاب
§ وما هو منه وما ليس منه
§ وطريق إثبات الكتاب وأنه التواتر فقط
§ وبيان ما يجوز أن يشتمل عليه الكتاب من حقيقة ومجاز وعربية وعجمية

2-وفي البحث عن السنة يتبين:
§ حكم الأقوال والأفعال من الرسول
§ وطرق ثبوتها من تواتر وآحاد
§ وطرق روايتها من مسند ومرسل
§ وصفات رواتها من عدالة وتكذيب إلى تمام كتاب الأخبار
§ ويتصل بالكتاب والسنة كتاب النسخ فإنه لا يرد إلا عليهما

3-وأما الإجماع :
فلا يتطرق النسخ إليه ، وفي البحث عن أصل الإجماع تتبين :
§ حقيقته
§ ودليله
§ وأقسامه
§ وإجماع الصحابة وإجماع من بعدهم
§ إلى جميع مسائل الإجماع


القطب الثالث : في طرق الاستثمار ، وهي أربعة :

الأولى دلالة اللفظ من حيث صيغته:
o وبه يتعلق النظر في صيغة الأمر والنهي
o والعموم والخصوص
o والظاهر والمؤول والنص
والنظر في كتاب الأوامر والنواهي والعموم والخصوص نظر في مقتضى الصيغ اللغوية .

[الثانية] وأما الدلالة من حيث الفحوى والمفهوم :
o فيشتمل عليه كتاب المفهوم
o ودليل الخطاب .

[الثالثة] وأما الدلالة من حيث ضرورة اللفظ واقتضاؤه:
o فيتضمن جملة من إشارات الألفاظ كقول القائل أعتق عبدك عني فتقول أعتقت فإنه يتضمن حصول الملك للملتمس ولم يتلفظا به لكنه من ضرورة ملفوظهما ومقتضاه .

[الرابعة]وأما الدلالة من حيث معقول اللفظ :
فهو كقوله صلى الله عليه و سلم لا يقضي القاضي وهو غضبان فإنه يدل على الجائع والمريض والحاقن بمعقول معناه ومنه ينشأ القياس وينجر إلى بيان جميع أحكام القياس وأقسامه .


القطب الرابع ، في المستثمر وهو المجتهد وفي مقابلته المقلد :

o وفيه يتبين صفات المجتهد
o وصفات المقلد
o والموضع الذي يجري فيه الاجتهاد دون الذي لا مجال للاجتهاد فيه
o والقول في تصويب المجتهدين
o وجملة أحكام الاجتهاد
فهذه جملة ما ذكر في علم الأصول وقد عرفت كيفية انشعابها من هذه الأقطاب الأربعة"

عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
11-01-29 ||, 07:43 PM
-وجه تعلق الأصول بالقواعد المنطقية :

وهذا آخر ما ذكره في صدرالكتاب

د. بدر بن إبراهيم المهوس
11-01-29 ||, 09:38 PM
بارك الله فيكم يا شيخ عبد الرحمن هذا كلام رائع أرجو أن تكون هذه سلسلة لبقية الكتب يظهر فيها تعليقات حول سبب التأليف ، وموضوع الكتاب ، ومنهجه ، وميزات الكتاب لا سيما مقدمات الكتب فهي مفاتيح لذلك .
إن إدراك منهج المؤلف وطريقته والمؤثرات والاستمداد وإدراك الخيوط التي توصل إلى فهم المؤلف ومقصده من أكثر ما يعين على فهم الكتاب والقدرة على تحليل عباراته بشكل دقيق وإزالة ما يمكن أن يوجد من غوض أو إشكال .

انبثاق
11-01-29 ||, 10:43 PM
جميل جدا..
سأعود إلى هنا بعون الله ومشيئته.
جزاكم الله خيرا.

د. أريج الجابري
11-01-29 ||, 11:35 PM
ماشاء الله عرض متميز.
بارك الله فيكم تسجيل متابعة.

أم طارق
11-01-30 ||, 01:15 AM
جزاك الله خيرا يا أستاذ عبد الرحمن!!!
عمل رائع!!!

سيدي محمد ولد محمد المصطفى ولد أحمد
11-01-30 ||, 07:17 AM
جزاكم الله خيرا

عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
11-01-30 ||, 12:07 PM
أهلا بكم سادتي ...

في الحقيقة أنا سعيد بثناء هذه المجموعة من أهل التخصص :
أستاذنا الكبير الدكتور أبو حازم
الأخوات : المتخصصة وأم طارق وانبثاق
وأخي العزيز: سيدي محمد

بارك الله فيكم ...

والأمر كما قال الدكتور أبو حازم أدام الله عليه النعم :

إن إدراك منهج المؤلف وطريقته والمؤثرات والاستمداد وإدراك الخيوط التي توصل إلى فهم المؤلف ومقصده من أكثر ما يعين على فهم الكتاب والقدرة على تحليل عباراته بشكل دقيق وإزالة ما يمكن أن يوجد من غوض أو إشكال .

إيمان حسن
15-05-18 ||, 03:50 AM
هل لي ان احصل علي نسخة ولو الالكترونية من كتاب اختلاف الغزالي بين المنخول والمستصفي لأريج فهد عابد الجابري