المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : [العلامة مصطفى الزرقاء وفقه الواقع] للشيخ يوسف القرضاوي



د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-04-29 ||, 09:40 PM
العلامة مصطفى الزرقاء
وفــقه الواقـــع


للشيخ


يوسف القرضاوي




فقدت الأمة الإسلامية العلامة الشيخ مصطفى الزرقاء بمدينة الرياض عن عمر بلغ 95 عاماً قضاها في رحاب العلم والفقه والدعوة إلى الله وأجدها مناسبة للتعريف ب -رحمه الله- إلى البصيرة والاستنباط والتعليل والتحليل فقد قرأ على علماء بلده وأولهم والده وتلقى عنه الفقه والتفسير والحديث والتوحيدوالنحو والأصول.


وأضاف لهذه الدراسات الشرعية الدراسة النظامية في المدرسة الخسروية الشرعية بحلب ثم درس في الأزهر وتلقى العلم على علمائه أمثال (الشيخ محمد بخيت المطيعي) والشيخ محمد عبده، كما درس الفرنسية ليتخذ منها سلاحاً لمعرفة ثقافة العصر.
ثم التحق بالجامعة السورية بدمشق في كليتين معاً الحقوق في أول النهار والآداب في المساء، وتخرج منهما بتفوق. فكان متفوقاً في العلوم الشرعية والقانونية والأدبية.


أعماله ووظائفه :


درَّس في المدرسة الخسروية التي درس فيها وشغل محل والده في دروس الجامع الأموي وعمل أستاذ للشريعة بجامعة دمشق 1924م وتولى رئاسة لجنة (موسوعة الفقه الإسلامي) ثم انتدب خبيراً للموسوعة الفقهية بالكويت على 1966م وفي عام 1971 استدعى للتدريس بال وشوقني للإطلاع عليه وعندما اتيح لي الإطلاع على عمل الشيخ وجدته جديراً بما قال عنه الأستاذ (عوده) رحمة الله عليهما. ثم التقيت به شخصياً في عهد الوحده مع سورية عند وزير الأوقاف آنذاك (د.محمد البهي) حيث



أهم آثاره العلمية :
1- موسوعة (الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد) وصدر منها (المدخل الفقهي العام)
2- المدخل للنظرية العامة للالتزامات في الفقه الإسلامي ونال عليه جائزة الملك فيصل العالمية عام 1404هـ .
3- الفتاوى التي عرضت عليه واجاب عليها وهي في الحقيقة بحوث ودراسات فقهيه أصيلة دقيقة تقصر أوتطول حيث يغوص في المسألة ويحلل عناصرها ويعرضها على نصوص الشريعة الثابتة وقواعدها الضابطة ومقاصدها الكلية ويقلب النظر فيها بأناة وروية حتى تنتهي إلى ما يراه.
ـ قد يختلف بعض العلماء مع الشيخ الزرقاء فيما انتهى إليه من نتائج وأحكام لكن لايمكن أن يشكك أحد في أصالة ملكته الفقهية وقدرته على التأصيل والتفريع وبراعته في المناقشة والاستدلال.
ولقد رأيته يسبح وحده في فقه الواقع ولاسيما في المعاملات وله بصيرة نيرة في التميز بين المتشابهات وإدراك الفوارق الدقيقة بين الأشياء التي يغفل عنها الكثير من العلماء ومن أمثلة آرائه الفقهية:
اذكر هنا مثالين من فتاواه للتوضيح.
أحدهما : تفريقه بين القرض الفردي والقرض الجماعي، فالقرض الفردي (الشخصي) لم يجز أن يزاد عليه ولو فلساً واحداً.
أما القرض الجماعي فينظر إلي المقصد الكبير ، هو إدامة وجود رأسمال يستفيد منه أكبر قدرممكن من المنتفعين، وهنا لابد من الحفاظ على رأس المال، وذلك بإيجاد جهاز إداري يقوم بمتابعة استرداد المبلغ، ولابد من الإنفاق على هذا الجهاز الإداري ،ولما كان أحق جديد.(الفتاوى ص 680).
- ثانياً: رأيه في التفريق في الهدايا التي يدفعها التجار لعملائهم التيسير لا التعسير


لقد رأيت بعض الناس - سامحهم الله - يتهمون الشيخ بالتساهل في الدين ، ونسي هؤلا، ان هذا الذي يسمونه
وفي بعض القضايا يقف كالصخرة الصماء، لايتزحزح ولايلين حتى يكاد يحسبه بعض الناس من الجامدين، وما هو من الجامدين ولكنها محكمات النصوص هي التي تحدد موقفه، وذلك مثل فتواة في زواج المسلمة بغير المسلم، فقد سد الباب إلى ذلك بقوة، ومثل ذلك جواب المسلمين،لأن القانون الزمني لايقلب الحرام حلالاً في نظر الشريعة الإسلامية.
وشرط قبول أي قانون أن يكون منسجماً مع قواعد الشريعة ومقاصدها، وغير مصادم لشيء من نصوصها الخاصة والعامة .. انتهى.
- الشيخ الزرقا وان كان حنفياً ابا عن جد لايتعصب لمذهبه، بل كثيراً ما يخرج عنه إذا رأى غيره أرجح من ناحية الدليل، لمراعاته للنص،أو لتحقيقه مقاصد الشرع، ومصالح العباد.
وهو يرى أن الشريعة لايمثلها مذهب واحد ، وإنمايمثلها مجموع المذاهب والمدارس الفقهية على اختلاف مشاربها، وتعدد مسالكها، كما يتجلى ذلك بوضوح في عدد من الفتاوى. وهو يرى أن العصبية المذهبية سجن ضيق في جنة الشريعة الفيحاء.


كما اختار مذهب الحنابلة في العقود والشروط لسعته ومرونته في ذلك، بل يأخذ أحياناً بأراء بعض الصحاب
ولقد سمعت رئيس المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي يقول له في عمان، وقد رفض المجمع رأيه : هذه المرة الثانية التي يرفض فيها رأي الشيخ الزرقاء بإجماع الأعضاء، وقبل ذلك رفضه مجمع رابطة العالم الإسلامي: فأنت ياشيخ وحيد المجمعين!
وهذه والله مأثرة للشيخ ، تكتب له في سجل مفاخرة ، فليس الفقيه هو الذي يساير الناس ويردد ما قاله من سبقوه، فما بهذا يحيا الفقه، وتزدهر أحكام الشريعة، بل الفقيه الحق هو الذي يبدع ويجتهد وان انفرد وحده بالرأي .
وقد كان للإمام احمد أراء انفرد بها عن الأئمة المتبوعين، نظمت في كتب وشرحت وعرف بـ (مفردات المذهب) . ولكل امام مسائل انفرد بها عن غيره.
على أن رأي الشيخ في الأخذ بالحساب قد وافق فيه رأي المحدث الفقيه العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر -رحمه الله- الذي رجع ذلك في رسالته (أوائل الشهور العربية) كما نقلنا عنه ذلك في كتابنا «كيف نتعامل مع السنة النبوية».


تعانق الفقه والأدب :
من مميزات الشيخ الزرقا أنه جمع بين العلم والأدب، فقد كان تكوينه الأ
ولهذا رأينا الشيخ (أدب الفقه) اعني أنه أعطاه لغة الأدب، وعذوبة البيان، فخلت كتبه من(الوعورة) التي يشعر بها من يخوض لجة الفقه، وعن الجفاف الذي يحس به من يجتاز قفار مراجعه، ولاسيما كتب المتأخرين ومتونهم التي بالغت في الإيجاز، إلى حد الألغاز.
لقد رأينا الزرقاء الأديب يؤثر على الزرقاء الفقيه، أو يتعانقان ويأتلفان، فلاتفرق بينهما، فهو الفقيه الأديب أ
كرمه الوجيه الأديب السعودي المعروف عبدالمقصود خوجه في إحدى (اثنينياته) المشهورة، وقد اكتشف الأستاذ خوجه، كما اكتشف الجمهور معه في تلك الليلة الحافلة: ان الشيخ الزرقاء له باع طويل في الشعر، وإن غطى عليه الفقه، لهذا عمد الخوجه إلى أن ينشر شعر الشيخ في مختلف أغراض الشعر . لقد كان الشيخ الزرقاء جبلاً من جبال العلم، وبحراً من بحور الفقه، كما كان لساناً من ألسنة الصدق، وقبسا رحم الله شيخنا مصطفى الزرقاء وتقبله في الصالحين من عباده، وجزاه عن دينه وأمته خير مايجزي الفقهاء الراسخين، والعلماء الربانيين الذين يعلمون فيعملون، ويعملون فيخلصون ، ويخلصون فيُقبلون، وعوض الله أمتنا فيه وفي أمثاله خيراً . و{إنا لله وإنا إليه راجعون}.


المصدر:
المجلة العربية:

العدد 272 السنة الرابعة و العشرون رمضان 1420 هـ يناير 2000 م

أحمد بن فخري الرفاعي
08-05-03 ||, 11:21 PM
جزاكم الله خيرا يا شيخ فؤاد ، ونفع بكم .