المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : - - - - -- - قراءة في مقدمات الشاطبي الــ [ 13 ] - - - - -



د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-05-08 ||, 05:40 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:


قراءة في مقدمات الشاطبي

سنتناول إن شاء الله – بعونه وتسديده – في هذا الموضوع مقدمات الشاطبي على كتابه "الموافقات" وهذه المقدمات تنتظم في "ثلاث عشرة مقدمة".
وسبق أن أنزلت موضوعاً بعنوان:
[خاتمة للشاطبي أراد بها أن يكرَّ على كتاب المقاصد بالبيانوالتعريف]
وهو فصل ختم به الشاطبي رحمه الله "كتاب المقاصد" منكتابه الكبير "الموافقات" في نحو ثلاثين صحيفة أراد به أن يكون خاتمةتكرَّ على "كتاب المقاصد" بالبيان، وتعرِّف بتمام المقصودفيه.
وانظر الموضوع على هذا الرابط:
لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)
وهنا في هذا الموضوع سنتكلم بإذن الله عن مقدماته الثلاثة عشر
وسنحاول بإذن الله أن نتناول كتاب الموافقات للشاطبي كاملا لكن على وفق هذه الطريقة من تناول بعض الفصول بالقراءة والدرس
ومعلوم أن كتاب الشاطبي الموافقات يشتمل على خمسة أقسام:
القسم الأول: وهو المقدمات.
القسم الثاني: الأحكام: أحكام التكليف الخمسة، وأحكام الوضع الخمسة.
القسم الثالث: مقاصد الشريعة.
القسم الرابع: الأدلة: الكتاب والسنة.
القسم الخامس: أحكام الاجتهاد والتقليد.
-----------------------------------
وقد أثنى أهل العلم على هذه المقدمات حتى ألَّف فيها الدكتور عبد القادر بن حرز الله اللّقيني مؤلفا خاصا سماه بـ (الوقفات على المقدمات) وهو شرح وتعليق
وسبق أن أنزلت موضوعا بعنوان:
[الشاطبي: أوصاني بالتحامي عن كتب المتأخرين وأتى بعبارة خشنة في السمع]
لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)
وفيه ثناء شيخنا محمد [أبو] الأجفان رحمه الله على هذه المقدمات لاسيما المقدمة الثانية عشرة.
وقد أوردت فيه مقدمتين اثنتين: المقدمة الحادية عشرة، والمقدمة الثانية عشرة.


------------

أما الشيخ العلم، والإمام الأشم إبراهيم بن موسى والمعروف بأبي إسحاق الشاطبي فلن أطيل في الثناء عليه فهو علم في رأسه نار قد طار ذكره كل مطار وأكتفي بالتعويل على ثناء الشيخ عبد الله دِراز والذي تناقله المعاصرون وطرَّزوا به مؤلفاتهم وهم فيه بين مستكثر ومستقل:
يقول الشيخ عبد الله دِراز رحمه الله في تقدمته لتحقيق كتاب "الموافقات":
(وهكذا بقي علم الأصول فاقدا قسما عظيما هو شطر العلم الباحث عن أحد ركنيه حتى هيأ الله سبحانه وتعالى أبا إسحاق الشاطبي في القرن الثامن الهجري لتدارك هذا النقص، وإنشاء هذه العمارة الكبرى في هذا الفراغ المترامي الأطراف في نواحي هذا العلم الجليل......
ثم إن عرائس الحكمة ولباب الأصول التي رسم معالمها وشد معاقلها في مباحث الكتاب والسنة.....
هذه المباحث التي فتح الله عليه بها لم تسلس له قيادها وتكشف له قناعها إلا باتخاذه القرآن الكريم أنيسه وجعله سميره وجليسه على ممر الأيام والأعوام، نظرا وعملا، وباستعانته على ذلك بالاطلاع والإحاطة بكتب السنة ومعانيها وبالنظر في كلام الأئمة السابقين والتزود من آراء السلف المتقدمين
مع ما وهبه الله من قوة البصيرة بالدين حتى تشعر وأنت تقرأ في الكتاب كأنك تراه وقد تسنم ذروة طود شامخ يشرف منه على موارد الشريعة ومصادرها، يحيط بمسالكها، ويبصر شعابها، فيصف عن حس، ويبني قواعد عن خبرة، ويمهد كليات يشدها بأدلة الاستقراء من الشريعة فيضم آية إلى آيات، وحديثا إلى أحاديث، وأثرا إلى آثار عاضدا لها بالأدلة العقلية والوجوه النظرية حتى يدق عنق الشك، ويسد مسالك الوهم، ويظهر الحق ناصعا بهذا الطريق الذي هو نوع من أنواع التواتر المعنوي ملتزما ذلك في مباحثه وأدلته حتى قال بحق أن هذا المسلك هو خاصية كتابه.....
وفيما ذكرناه إشارة إلى قطرة من ساحل كتاب "الموافقات" الذي لو اتخذ منارا للمسلمين بتقريره بين العلماء وإذاعته بين الخاصة لكان منه مِذَبَّةٌ تطرد أولئك الأدعياء المتطفلين على موائد الشريعة المطهرة يتبجحون بأنهم أهل للاجتهاد مع خلوهم من كل وسيلة، وتجردهم من الصفات التي تدنيهم من هذا الميدان سوى مجرد الدعوى وتمكن الهوى وترك أمر الدين فوضى بلا رقيب.....
قلم أبي إسحاق رحمه الله وإن كان يمشي سويا ويكتب عربيا نقيا؛ كما يشاهد ذلك في كثير من المباحث التي يخلص فيها المقام لذهنه وقلمه؛ فهناك ترى ذهنا سيالا وقلما جوالا، قد تقرأ الصفحة كاملة لا تتعثر في شيء من المفردات ولا أغراض المركبات؛ إلا أنه في مواطن الحاجة إلى الاستدلال بموارد الشريعة والاحتكام إلى الوجوه العقلية والرجوع إلى المباحث المقررة في العلوم الأخرى، يجعل القارئ ربما ينتقل في الفهم من الكلمة إلى جارتها، ثم منها إلى التي تليها، كأنه يمشي على أسنان المشط، لأن تحت كل كلمة معنى يشير إليه وغرضا يعول في سياقه عليه، فهو يكتب بعد ما أحاط بالسنة وكلام المفسرين، ومباحث الكلام، , وأصول المتقدمين وفروع المجتهدين وطريق الخاصة من المتصوفين.....)

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-05-08 ||, 05:45 PM
مقدمات الشاطبي:

المقدمة الأولى:
[إن أصول الفقه في الدين قطعية لا ظنية، والدليل على ذلك أنها راجعة إلى كليات الشريعة، وما كان كذلك فهو قطعي.
وأعني بالكليات هنا : الضروريات والحاجيات والتحسينات.]
ثم ذكر الشاطبيُّ طائفةً من الأدلة على قطعية أصول الفقه، وقد اعتبر الطاهر بن عاشور أن ما استدل به الشاطبي على دعواه هي عبارة عن مقدمات خطابية وسفسطائية أكثرها مدخول ومخلوط غير منقول وأنه لم يأت فيها بطائل.
قال أبو فراس:
ووجوه الاستدلال التي ذكرها الشاطبي لا تخلو من تكلف لذا أعرضت عنها.
__ __ __

ثم فسَّر الشاطبي:
عدم عدِّ القاضي ابن الطيب تفاصيل العلل من الأصول بأن السبب في بأنها ليست قطعية.
بينما اعتذر الجوينيُّ :
عن إدخاله في الأصول بأن التفاصيل المبنية على الأصول المقطوع بها داخلة بالمعنى فيما دل عليه الدليل القطعي.([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1))
وحكم الطاهر بن عاشور على هذا الاعتذار:
بأنه : اعتذار واهٍ
لأنَّا : لم نرهم دونوا في أصول الفقه أصولا قواطع يمكن توقيف المخالف عند جريه على خلاف مقتضاها، كما فعلوا في أصول الدين، بل لم نجد القواطع إلا نادرة مثل ذكر الكليات الضرورية: حفظ الدين والنفس والعقل والنسب والمال والعرض، وما عدا ذلك فمعظم أصول الفقه ظنية.

وتعقَّب المازَريُّ جوابا القاضي والجويني وذكر:
أنه لا وجه للتحاشي – حسب أصول القاضي والجويني - من عدِّ هذا الفن من الأصول وإن كان ظنيا.
ثم علَّق الشاطبي بأن:
الأصل على كل تقدير لا بد أن يكون مقطوعا به
ويذكر الشيخ دِرَاز:
أن غرض الشاطبي بما نقل تصفية المقام ورد شبهة المازري ليتم له أن أصول الفقه على أي تقدير في معناها قطعية وسواء كانت هي القواعد أو الأدلة من الكتاب والسنة أو الكليات الشرعية المنصوصة.
ثم ختم الشاطبي كلامه على هذه المقدمة:
بأن الاصطلاح قد اطَّرد على أن المظنونات لا تجعل أصولا، وهذا كاف في اطراح الظنيات من الأصول باطلاق فما جرى فيها مما ليس بقطعي تفريعا عليه بالتبع لا بالقصد الأول.
واعتبر الشيخ دِرَاز:
أن هذا من الشاطبي رحمه الله تراجع عظيم عما شملته دعواه أولا
إلا أنه مقبول ومعقول فإن من مسائل الأصول ما هو قطعي مجمع عليه، ومنها ما هو محل للنظر.
يقول ابن عاشور:
ورأيت في شرح القرافي على المحصول أن الأبياري قال في شرح البرهان:
مسائل أصول الفقه قطعية ولا يكفي فيها الظن، ومدركها قطعي، ولكنه ليس المسطور في الكتب، بل معنى ذلك أن من كثر استقراؤه، واطلاعه على أقضية الصحابة ومناظراتهم وفتاويهم، وموارد النصوص الشرعية ومصادرها حصل له القطع بقواعد الأصول، ومن قصر عن ذلك لا يحصل له إلا الظن."
فتعقبه ابن عاشور بأن هذا:
جواب باطل لأننا بصدد الحكم على مسائل علم أصول الفقه لا على ما يحصل لبعض علماء الشريعة.
وقد تعقب القرافيُّ في المحصول مقولةَ أبي الحسين البصري بأنه:
لا يجوز التقليد في أصول الفقه وأنه ليس كل مجتهد فيه مصيب، بل المصيب واحد والمخطيء ملوم بخلاف الفقه
فقال:
إن من أصول الفقه مسائل ضعيفة المدارك كالإجماع السكوتي ونحو ذلك والمخالف فيها لم يخالف قاطعا بل ظنا، فلا ينبغي تأثيمه كما أنا في أصول الدين لا نؤثم من يقول العرض يبقى زمانين وينفي الخلاء ونحو ذلك من المسائل التي مقصودها ليس من قواعد الدين الأصلية، وإنما هي من التتمات في ذلك العلم.
وقال الطاهر بن عاشور:
وأنا أرى أن سبب اختلاف الأصوليين في تقييد الأدلة بالقواطع هو الحيرة بين ما ألفوه من أدلة الأحكام، وما راموا أن يصلوا إليه من جعل أصول الفقه قطعية كأصول الدين السمعية، فهم قد أقدموا على جعلها قطعية فلما دونوها وجمعوها ألفوا القطعي فيها نادرا ندرة كادت تذهب باعتباره في عداد مسائل علم الأصول، كيف وفي معظم أصول الفقه اختلاف بين علمائه؟!
فنحن إذا أردنا أن ندون أصولا قطعية للتفقه في الدين حق علينا أن نعمد إلى مسائل أصول الفقه المتعارفة وأن نعيد ذوبها في بوتقة التدوين، ونعيرها بمعيار النظر والنقد فننفي عنها الأجزاء الغريبة التي غلثت بها ونضع فيها أشرف معادن مدارك الفقه والنظر ثم نعيد صوغ ذلك العلم ونسميه علم مقاصد الشريعة ونترك علم أصول الفقه على حاله تستمد منه طرق تركيب الأدلة الفقهية ونعمد إلى ما هو من مسائل أصول الفقه منزو تحت سُرادق مقصدنا هذا من تدوين مقاصد الشريعة فنجعل منه مبادئ لهذا العلم الجليل: علم مقاصد الشريعة.
فينبغي أن نقول:
أصول الفقه يجب أن تكون قطعية، أي من حق العلماء أن لا يدونوا إلا ما هو قطعي بالضرورة أو بالنظر القوي.
وهذه المسألة لم تزل معترك الأنظار ومحاولة الانفصال فيها ملأت دروس المحققين لها في أختام الحديث في شهر رمضان.
ويقول الدكتور الريسوني:
الخلاف في هذه القضية يبدو أنه راجع إلى عدم تحرير محل النزاع فقط، فالقائلون بأن أصول الفقه قطعية لا تحتمل الظنيات ومنهم الشاطبي يقصدون أصول الأدلة والقواعد الكلية للشريعة، ويعتبرون ما سوى ذلك من المباحث التفصيلية والاجتهادات التطبيقية ليس من أصول الفقه وإن بحث في علم أصول الفقه حيث أدرجت فيه كثير من الظنيات، ودليل ظنيتها كثرة الخلاف فيها وهو ما سعى الشاطبي إلى إقصائه من أصول الفقه وافتتح كتابه على أن أصول الفقه قطعية لا ظنية.
قال أبو فراس:
والذي يبدو لي والعلم عند الله أن هذه المسألة ليست بذاك التعقيد، وأن الأمر كما ذكر د. الريسوني وأن الخلاف فيها راجع إلى عدم تحرير محل النزاع
فمن نظر إلى القواعد والأصول الكلية حكم على أصول الفقه بالقطع
ومن نظر إلى أصول الفقه بجملته وما احتواه من مسائل وتفريعات محسوب كثير منها على الظن بل والوهم جزم بعدم القطع .
ولكن كانت نظرة الطاهر بن عاشور عميقة وبعيدة الغور فهو يقول:
إن سبب الخلاف راجع إلى الحيرة بين ما أَلِفوه من اشتمال الأصول على الظن، وبين ما راموا أن يصلوا إليه من جعل أصول الفقه قطعية كقطعية أصول الدين.
فالواقع في أصول الفقه – حسب ابن عاشور – أنها مشتملة على ما هو من الظنون.
وكان الواجب في أصول الفقه أن يقصر على المقطوع به فهي ( يجب أن تكون قطعية، أي من حق العلماء أن لا يدونوا إلا ما هو قطعي بالضرورة أو بالنظر القوي.)
ثم رأى ابن عاشور:
أن تبقى أصول الفقه على حالته من اشتمالها على الظنون ويستمد منه طرق تركيب الأدلة الفقهية.
ثم يعاد صياغة القدر المقطوع منه وذلك عن طريق :
1- إذابة أصول الفقه في بوتقة التدوين
2- ثم تعير بمعيار النظر والنقد.
3- فننفي عنها الأجزاء الغريبة التي غلثت بها.
4- ونضع فيها أشرف معادن مدارك الفقه والنظر.
5- ثم نعيد صوغ ذلك العلم ونسميه علم مقاصد الشريعة.

قلت:
كلام ابن عاشور جميل جدا ولكن المعاني الفاضلة التي رام تصفيتها من شوائب أصول الفقه لا تقتصر على ما أراد أن يكون منزويا تحت سرادق علم المقاصد، فهي أعم من علم المقاصد.



ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ
1) نص كلام إمام الحرمين: (فإن قيل: تفصيل أخبار الآحاد والأقيسة لا يلفى في الأصول، وليست قواطع. قلنا حظ الأصولي إبانة القواطع في وجوب العمل بها، ولكن لا بد من ذكرها ليتبين المدلول ويرتبط بالدليل.)

2) هكذا ضبطه الشيخ مشهور في تحقيقه للموافقات، والله أعلم.

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-05-08 ||, 06:17 PM
المقدمة الثانية

[ إن المقدمات المستعملة في هذا العلم والأدلة المعتمدة فيه لا تكون إلا قطعية لأنها لو كانت ظنية لم تفد القطع في المطالب المختصة به.
وهي:
أ- إما عقلية ....
ب- وإما عادية....
ج- وإما سمعية:
وأجلها:
1- المستفاد من الأخبار المتواترة في اللفظ بشرط أن تكون قطعية الدلالة.
2- أو من الأخبار المتواترة في المعنى.
3- أو المستفاد من الاستقراء في موارد الشريعة.
وأما كونه فرضا أو مندوبا أو مباحا أو مكروها أو حراما فلا مدخل له في مسائل الأصول من حيث هي أصول، فمن أدخلها فيها فمن باب خلط بعض العلوم ببعض.]
واعتذر الشيخ دراز بأنهم:
إنما ذكروها من باب المقدمات لحاجة الأصولي إلى تصورها والحكم بها إثباتا ونفيا.
قلت:
وهذه القاعدة التي ذكرها الشاطبي مستتبعة للقاعدة السابقة فإذا كان علم أصول الفقه قطعي لزم منه أن تكون مقدماته كذلك قطعية .
ــــــــــــــــ

تنبيه عام – لا خصوص له في هذه القاعدة -:
الشاطبي رحمه الله غاية في حسن صياغة القاعدة لكن يقع له في بعض الأحيان ما يمكن أن يسمى إخفاقاً في سلوك أحسن السبل في الاحتجاج لها، فيرتاد بعض المناطق الوعرة، وذلك لجملة من الإشكالات المسبقة مثل بعض قواعد متأخرة الأشعرية كقولهم: إن النص لا يفيد القطع إلا بعشر شروط، وأنها لا تخرج عن دائرة الظنون....
أو لإغراقه في ذكر الاعتراضات والإيرادات والجواب عنها...
وهذا وإن كان منه رحمه الله كَلَفاً بالحفاظ على قاعدته إلا أنه يخرج عن المقصود كثيرا
وقد وقع له في غضون تقرير بعض القواعد شيء من هذا، والذي يهمنا هو الاستفادة من القاعدة التي يذكرها أبو إسحاق، ثم نتجاوز العقبات التي تعرض لنا في تقريرها {وكفى الله المؤمنين القتال }

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-05-09 ||, 11:02 AM
وقد أثنى أهل العلم على هذه المقدمات حتى ألَّف فيها الدكتور عبد القادر بن حرز الله اللّقيني مؤلفا خاصا سماه بـ (الوقفات على المقدمات) وهو شرح وتعليق


عبد القادر بن حرز الله اللّقيني هو صاحب كتاب (ضوابط اعتبار المقاصد في مجال الاجتهاد وأثرها الفقهي)

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-05-09 ||, 03:29 PM
المقدمة الثالثة

يقول الشاطبي رحمه الله:
[الأدلة العقلية إذا استعملت في هذا العلم فإنما تستعمل:
1- مركَّبة على الأدلة السمعية.
2- أو معينة في طريقها.
3- أو محقِّقة لمناطها.
4- أو ما أشبه ذلك.
لا مستقلة بالدلالة؛ لأن النظر فيها نظر في أمر شرعي، والعقل ليس بشارعفإذا كان كذلك؛ فالمعتمد بالقصد الأول الأدلة الشرعية.]
هنا مسألتان:
المسألة الأولى:
قال الشيخ عبد الله دِرَاز:
هذه المقدمة كبيان ودفع لما يرد على المقدمة قبلها.
قال أبو فراس:
لما ذكر الإمام أبو إسحاق الشاطبي في المقدمة السابقة أن المقدمات المستعملة والأدلة المعتمدة في أصول الفقه لا تكون إلا قطعية وذكر أنها تكون عقلية وعادية وسمعية
فإنه في هذه المقدمة كشف عن طريقة استعمال الأدلة العقلية في هذا العلم حتى لا يظن ظان أنها تستعمل مطلقة فيقع الإشكال من جهة اعتبار الأدلة العقلية في المسائل الشرعية ، أو يقع الإفراط في استعمال الدليل العقلي من جهة أخرى.
المسألة الثانية:
شرح الشيخ عبد الله دراز كلام الشاطبي السابق في محل وموقع استعمال الأدلة العقلية في علم أصول الفقه فقال رحمه الله:
أي لا تكون أدلة هذا العلم مركبة من مقدمات عقلية محضة
بل قد تكون إحدى المقدمات والباقي شرعية مثلا
وقد تكون معينة بأن يأتي الدليل كله شرعيا ويستعان على تحقيق نتيجته بدليل عقلي
وقد تكون المقدمات العقلية أو العادية لا لإثبات أصل كلي، بل لتحقيق المناط؛ أي: لتطبيق أصل على جزئي من جزئياته، وذلك بالبحث في أن هذا الجزئي مندرج في موضوع القاعدة ليأخذ حكمها...إلا أنه يلاحظ على ذلك أن تحقيق المناط من صناعة الفقيه المجتهد، لا من تحقيق مسائل الأصول في ذاتها، ومثل ذلك يقال في تنقيح المناط وتخريج المناط ... لأنها كلها من وظيفة الفقيه لا الأصولي؛ إلا أن يقال: لا مانع من تحقيق المناط في مسائل الأصول أيضا، لكن على وجه آخر غير طريقة ذلك الاصطلاح.
قال أبو فراس:
وانظر في هذا الرابط كلام ابن تيمية رحمه الله في موقع استعمال الأدلة العقلية من الأدلة الشرعية:
لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد

ثم يقول الشاطبي رحمه الله:
[ووجود القطع فيها -على الاستعمال المشهور- معدوم، أو في غاية الندور


أعني: في آحاد الأدلة"؛ فإنها إن كانت من أخبار الآحاد؛ فعدم إفادتها القطع ظاهر، وإن كانت متواترة؛ فإفادتها القطع موقوفة على مقدمات جميعُها أو غالبها ظني، والموقوف على الظني لا بد أن يكون ظنيا؛ فإنها تتوقف على نقل اللغات وآراء النحو، وعدم الاشتراك، وعدم المجاز، والنقل الشرعي أو العادي، والإضمار، والتخصيص للعموم، والتقييد للمطلق، وعدم الناسخ، والتقديم والتأخير والمُعارض العقلي، وإفادة القطع مع اعتبار هذه الأمور متعذر. ]

قلت:
هذه المسألة من الأخطاء التي وقع فيها الشاطبي رحمه الله وقد تبع فيها الخطيب الرازي على ما قرره في السؤالات الواردة على النصوص وأنها لا تفيد اليقين:
وإن كان قول الشاطبي أخف بكثير فهو يقتصر على أن هذه الأسئلة مانعة من إفادة النصوص القطع، بينما يزيد الرازي بأنه لا يجوز التمسك بالأدلة النقلية في المسائل العقلية فبينهما من الفرق ما بينهما....
وقد صرَّح الشاطبي في اعتباره لهذه القاعدة في الجملة في مواضع من كتبه منها قوله(1):

إن المتمسك بالدلائل النقلية إذا كانت متواترة موقوف على مقدمات عشر كل واحدة منها ظنية ، والموقوف على الظني لا بد أن يكون ظنياً، فإنها تتوقف على : نقل اللغات وآراء النحو ، وعدم الاشتراك ، وعدم المجاز ، وعدم النقل الشرعي أو العادي، وعدم الإضمار ، وعدم التخصيص للعموم ، وعدم التقييد للمطلق ، وعدم الناسخ، وعدم التقديم والتأخير ، وعدم المعارض العقلي ، وجميع ذلك أمور ظنية).
وقال في موضع آخر:
( والأدلة التي يتلقى معناها من الألفاظ لا تتخلص إلا أن تسلم من القوادح العشرة المذكورة في أول الكتاب ، وذلك عسير جداً).
وقد فنَّد ابن تيمية رحمه الله هذه الدعوى من الرازي في مواضع كثيرة من كتبه ولعل أبرزها ما خصه في الرد على الرازي في إبطال قانون تقديم العقل على النقل أعني كتابه "درء تعارض العقل والنقل"
وتبعه ابن القيم حتى جعلها في الصواعق المرسلة الطاغوت الأول من الطواغيت الأربعة التي هدم بها أصحاب التأويل الباطل معاقلَ الدين.
بيد أننا نعتذر للشاطبي رحمه الله بأنه لم يتأمل أسَّ هذه المقالة ومآلاتها ونقول كما قال العلامة عبد الرحمن المعلمي ( ت. 1386) معقبا على مقالة الرازي في هذه المسألة ومن تبعه فيها ، ومن انطلت عليه من أهل العلم، إذ قال رحمه الله:
وبالجملة فأسلافنا على ثلاث طبقات:
الأولى: من وضح لنا اعتصامه بالكتاب والسنة فهؤلاء الذين نتولاهم.
الثانية: من وضح لنا تهاونه بالكتاب والسنة فعلينا أن نتبرأ منهم.
الثالثة: قوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يعفو عنهم ويعذرهم، وعلينا أن نحمدهم فيما أصابوا فيه، ونبرأ مما أخطأوا فيه. والله المستعان.(2)ـــــــــــــ ـــــــــ
نرجع إلى كلام الشاطبي، يقول رحمه الله:
[وإنما الأدلة المعتبرة هنا:
المستقرأة من جملة أدلة ظنية تضافرت على معنى واحد حتى أفادت فيه القطع؛ فإن للاجتماع من القوة ما ليس للافتراق، ولأجله أفاد التواتر القطع، وهذا نوع منه، فإذا حصل من استقراء أدلة المسألة مجموعٌ يفيد العلم؛ فهو الدليل المطلوب، وهو شبيه بالتواتر المعنوي.
ومن هاهنا اعتمد الناس في الدلالة على وجوب مثل هذا على دلالة الإجماع لأنه قطعي وقاطع لهذه الشواغب.
وإذا تأملت أدلة كون الإجماع حجة، أو خبر الواحد أو القياس حجة؛ فهو راجع إلى هذا المساق؛ لأن أدلتها مأخوذة من مواضع تكاد تفوت الحصر، وهي مع ذلك مختلفة المساق، لا ترجع إلى باب واحد؛ إلا أنها تنتظم المعنى الواحد الذي هو المقصود بالاستدلال عليه، وإذا تكاثرت على الناظر الأدلة عضد بعضها بعضا، فصارت بمجموعها مفيدة للقطع؛ فكذلك الأمر في مآخذ الأدلة في هذا الكتاب، وهي مآخذ الأصول.
وبهذا امتازت الأصول من الفروع:
إذ كانت الفروع مستندة إلى آحاد الأدلة وإلى مآخذ معينة، فبقيت على أصلها من الاستناد إلى الظن، بخلاف الأصول؛ فإنها مأخوذة من استقراء مقتضيات الأدلة بإطلاق، لا من آحادها على الخصوص.]
يقول الشيخ عبد الله دراز في تعليقه على قول الشاطبي:
( وإذا تأملت أدلة كون الإجماع حجة، أو خبر الواحد أو القياس حجة؛ فهو راجع إلى هذا المساق؛ لأن أدلتها مأخوذة من مواضع تكاد تفوت الحصر، وهي مع ذلك مختلفة المساق، لا ترجع إلى باب واحد؛ إلا أنها تنتظم المعنى الواحد الذي هو المقصود بالاستدلال عليه.)
يقول الشيخ دراز رحمه الله معلقا:
( ان الغزالي أشار إليه في دليل كون الإجماع حجة....ولله در الغزالي فإنه بإشارته لهذا في الإجماع جعل الشاطبي يستفيد منه كل هذه الفوائد الجليلة ويتوسع فيه هذا التوسع، بل جعله خاصة كتابه كما سيقول في آخره.)
يتبع:
فلم ينتهي كلام الشاطبي في هذه المقدمة.
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــ
(1) استفدت هذه النقول من كتاب "الإعلام بمخالفات الموافقات والاعتصام" الموجود في المكتبة الشاملة.

(2) التنكيل ( 2/329)

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-05-10 ||, 05:46 PM
فرَّع أبو إسحاق الشاطبي من هذه المقدمين فصلين اثنين، وحان الشروع في قراءتها على التوالي، يقول رحمه الله:



[فصل



وينبني على هذه المقدمة معنى آخر وهو:


أن كل أصل شرعي لم يشهد له نص معين، وكان ملائما لتصرفات الشرع، ومأخوذا معناه من أدلته؛ فهو صحيح يُبنى عليه، ويُرجع إليه إذا كان ذلك الأصل قد صار بمجموع أدلته مقطوعا به.


لأن الأدلة:


لا يلزم أن تدل على القطع بالحكم بانفرادها دون انضمام غيرها إليها كما تقدم؛ لأن ذلك كالمتعذر.


ويدخل تحت هذا:


ضرب الاستدلال المرسل الذي اعتمده مالك والشافعي؛ فإنه وإن لم يشهد للفرع أصل معين؛ فقد شهد له أصل كلي، والأصل الكلي إذا كان قطعيا قد يساوي الأصل المعين, وقد يربو عليه بحسب قوة الأصل المعين وضعفه، كما أنه قد يكون مرجوحا في بعض المسائل, حكم سائر الأصول المعينة المتعارضة في باب الترجيح.


وكذلك:


أصل الاستحسان على رأي مالك، ينبني على هذا الأصل، لأن معناه يرجع إلى [تقديم] الاستدلال المرسل على القياس. ]



قال أبو فراس:


وهاهنا مسائل:


المسألة الأولى:


أشكل علي تعبير الشاطبي بقوله في بداية هذا الفصل بقوله: "كل أصل شرعي" فكيف يصفه بأنه أصل شرعي ثم يذهب ويشترط فيه أن يكون ملائما لتصرفات الشارع، وكان الأولى بحسب ما يظهر لي أن يقول "كل أصل" ثم بعد ذلك يذكر الشروط والصفات التي يجب توفرها في هذا الأصل حتى يكون شرعيا، أما إذا كان شرعيا فلا حاجة إذا كان كذلك أن يثبت شرعيته.



المسألة الثانية:


يقول الشيخ عبد الله دِراز شارحاً ضرب الشاطبي مثالاً على كلامه بالاستدلال المرسل:


أي: المصالح المرسلة، وهي التي لم يشهد لها أصل شرعي من نص أو إجماع، لا بالاعتبار ولا بالإلغاء، وذلك كجمع المصحف وكتابته؛ فإنه لم يدل عليه نص من قِبَل الشارع، ولذا توقف فيه أبو بكر وعمر أولا، حتى تحققوا من أنه مصلحة في الدين تدخل تحت مقاصد الشرع في ذلك، ومثله ترتيب الدواوين وتدوين العلوم الشرعية وغيرها؛ ففي مثل تدوين النحو مثلا لم يشهد له دليل خاص، ولكنه شهد له أصل كلي قطعي يلائم مقاصد الشرع وتصرفاته، بحيث يؤخذ حكم هذا الفرع منه، وأنه مطلوب شرعا وإن كان محتاجا إلى وسائط لإدراجه فيه "



المسألة الثالثة:


يقول الشيخ عبد الله دِراز شارحاً ضرب الشاطبي مثالاً ثانيا على كلامه بالاستدلال بالاستحسان:

أي: الأخذ بمصلحة جزئية في مقابلة دليل كلي، وذلك كبيع العرية بخرصها تمرا؛ فهو بيع رطب بيابس وفيه الغرر الممنوع بالدليل العام؛ إلا أنه أبيح رفعا لحرج المعرِي والمعرَى، ولو منع لأدى إلى منع العريّة رأسا وهو مفسدة، فلو اطرد الدليل العام فيه لأدى إلى هذه المفسدة؛ فيستثنى من العام. ...
ومنه:
الاطلاع على العورات في التداوي أبيح على خلاف الدليل العام لأن اتباع العام في هذا يوجب مفسدة وضررا لا يتفق مع مقاصد الشريعة في مثله
فالاستحسان ينظر إلى لوازم الأدلة ويراعيمآلاتها إلى أقصاها، فلو أدت في بعض الجزئيات إلى عكس المصلحة التي قصدها الشارع؛ حجز الدليل العام عنها، واستثنيت وفاقا لمقاصد الشرع.
وفي الشرع من هذا كثير جدا في أكثر أبوابه، وهو وإن لم ينص على أصل الاستحسان بأدلة معينة خاصة؛ إلا أنه يلائم تصرفاته ومأخوذ معناه من موارد الأدلة التفصيلية؛ فيكون أصلا شرعيا وكليا يُبنى عليه استنباط الأحكام.



ويقول الشيخ محمد الخضر الحسين في تعليقهٍ له على الموافقات:


قال الأبياري في "شرح البرهان" في الاستدلال بالمصالح:


هو عين ما ذهب إليه مالك، وقد رام إمام الحرمين التفريق بين المذهبين، وهو لا يجد إلى ذلك سبيلا؛ فالمصلحة المرسلة يتمسك بها كثير من الأئمة؛ إلا أن الإمام مالكا عمل بها في بناء الأحكام أكثر من غيره.


ويقول أيضا الخضر الحسين أيضاً:


قال الأبياري:


الذي يظهر من مذهب مالك القول بالاستحسان، وحاصله استعمال مصلحة جزئية في مقابلة قياس كلي.


ثم أورد الشاطبي اعتراضا على كلامه في هذا الفصل فقال:




[ فإن قيل:


الاستدلال بالأصل الأعم على الفرع الأخص غير صحيح.


لأن:


الأصل الأعم كلي، وهذه القضية المفروضة جزئية خاصة، والأعم لا إشعار له بالأخص؛ فالشرع وإن اعتبر كلي المصلحة، من أين يُعلم اعتباره لهذه المصلحة الجزئية المتنازع فيها؟


فالجواب:


أن الأصل الكلي إذا انتظم في الاستقراء [يكون]كليا جاريا مجرى العموم في الأفراد ... لأنه:


في قوة اقتضاء وقوعه في جميع الأفراد، ومن هنالك استنبط لأنه إنما استنبط من أدلة الأمر والنهي والواقعين على جميع المكلفين؛ فهو كلي في تعلقه، فيكون عاما في الأمر به والنهي للجميع


لا يقال:


يلزم على هذا اعتبار كل مصلحة موافقة لمقصد الشارع أو مخالفة.


وهو باطل؛ لأنا نقول:


لا بد من اعتبار الموافقة لقصد الشارع؛ لأن المصالح إنما اعتبرت مصالح من حيث وضعها الشارع كذلك.]


يقول الشيخ دراز:

هذا الاعتراض يتجه على كل من:
1- المصالح المرسلة.
2- والاستحسان.
لأن كلا منهما:
استدلال بأصل كلي على فرع خاص.
والفرق بينهما:
أن الثاني: [يعني الاستحسان ] تخصيص لدليل بالمصلحة.
والأول: [يعني المصالح المرسلة ] إنشاء دليل بالمصلحة على ما لم يرد فيه دليل خاص.

_________ --------___________

والآن دونك الفصل الثاني الذي فرَّعه الشاطبي من هذه المقدمة:


[فصل


وقد أدى عدم الالتفات إلى هذا الأصل وما قبله إلى أن ذهب بعض الأصوليين:
إلى أن كون الإجماع حجة ظني لا قطعي إذ لم يجد في آحاد الأدلة بانفرادها ما يفيده القطع
فأدّاه ذلك إلى:
مخالفة من قبله من الأمة ومن بعده.
ومال أيضا بقوم آخرين:
1- إلى ترك الاستدلال بالأدلة اللفظية في الأخذ بأمور عادية.
2- أو الاستدلال بالإجماع على الإجماع.
3- وكذلك مسائل أخر غير الإجماع عرض فيها [هذا الإشكال فادعى فيها] أنها ظنية، وهي قطعية بحسب هذا الترتيب من الاستدلال، وهو واضح إن شاء الله تعالى.]
يقول الشيخ عبد الله دِرَاز شارحا كلام الشاطبي:
أي: إن عدم التفاتهم إلى:
1- التواتر المعنوي في حديث "لا تجتمع أمتي على ضلالة" الذي استدل به الغزالي على حجية الإجماع.
2- ونظرهم في الأحاديث الواردة نظرا إفراديا لكل حديث منها.
جعلهم :
1- يتركون الاستدلال بها على حجية الإجماع.
2- ويجنحون:
أ‌- إما إلى الاستدلال عليه بأمور عادية كالقرائن المشاهدة أوالمنقولة التي تدل عادة على اعتباره.
وإما إلى الاستدلال عليه بالإجماع على القطع بتخطئة المخالف له، مع ما فيه من شبه المصادرة.

_________ --------___________

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-05-11 ||, 12:36 PM
[المقدمة الرابعة:



كل مسألة مرسومة في أصول الفقه:
1- لا ينبني عليها فروع فقهية.
2- أو آداب شرعية.
3- أو لا تكون عونا في ذلك.
فوضعها في أصول الفقه عارية.
والذي يوضح ذلك:
أن هذا العلم لم يختص بإضافته إلى الفقه إلا لكونه مفيدا له، ومحققا للاجتهاد فيه
فإذا لم يفد ذلك؛ فليس بأصل له.
ولا يلزم على هذا:
أن يكون كل ما انبنى عليه فرع فقهي من جملة أصول الفقه، وإلا أدى ذلك إلى أن يكون سائر العلوم من أصول الفقه؛ كعلم النحو، واللغة، والاشتقاق, والتصريف، والمعاني، والبيان، والعدد، والمساحة، والحديث، وغير ذلك من العلوم التي يتوقف عليها تحقيق الفقه، وينبني عليها من مسائله
وليس كذلك
فليس كل ما يفتقر إليه الفقه يُعد من أصوله
وإنما اللازم: أن كل أصل يُضاف إلى الفقه لا ينبني عليه فقه؛ فليس بأصل له.
وعلى هذا يخرج عن أصول الفقه:
كثيرٌ من المسائل التي تكلم عليها المتأخرون وأدخلوها فيها:
1- كمسألة ابتداء الوضع.
2- ومسألة الإباحة؛ هل هي تكليف أم لا.
3- ومسألة أمر المعدوم.
4- ومسألة هل كان النبي -صلى الله عليه وسلم- متعبدا بشرع أم لا.
5- ومسألة لا تكليف إلا بفعل.
كما أنه:
لا ينبغي أن يُعد منها ما ليس منها، ثم البحث فيه في علمه وإن انبنى عليه الفقه؛ كفصول كثيرة من النحو، نحو معاني الحروف، وتقاسيم الاسم والفعل والحرف، والكلام على الحقيقة والمجاز، وعلى المشترك والمترادف، والمشتق، وشبه ذلك.
غير أنه يتكلم من الأحكام العربية في أصول الفقه على مسألة هي عريقة في الأصول، وهي:
أن القرآن الكريم ليس فيه من طرائق كلام العجم شيء، وكذلك السنة، وأن القرآن عربي، والسنة عربية
لا بمعنى:
أن القرآن يشتمل على ألفاظ أعجمية في الأصل أو لا يشتمل لأن هذا من علم النحو واللغة
بل بمعنى:
أنه في ألفاظه ومعانيه وأساليبه عربي, بحيث إذا حقق هذا التحقيق سلك به في الاستنباط منه والاستدلال به مسلك كلام العرب في تقرير معانيها ومنازعها في أنواع مخاطباتها خاصة
فإن كثيرا من الناس:
يأخذون أدلة القرآن بحسب ما يعطيه العقل فيها، لا بحسب ما يُفهم من طريق الوضع، وفي ذلك فساد كبير وخروج عن مقصود الشارع.]

يقول الشيخ عبد الله دراز:
المعروف أن مباحث النحو واللغة ذكرت في الأصول لا على أنها من مسائله، بل من مقدماته التي يتوقف عليها توقفا قريبا، نعم، كان ينبغي ألا يتوسعوا في بحثها وتحريرها كأنها مسائل من هذا العلم؛ لأنها محققة في علم آخر، ولعل هذا هو مراد المؤلف.
قلت:
فرَّع الشاطبي من هذه المقدمة فصلا، وإليك ما فيه:



[فصل


وكل مسألة في أصول الفقه ينبني عليها فقه؛ إلا أنه لا يحصل من الخلاف فيها اختلاف في فرع من فروع الفقه؛ فوضع الأدلة على صحة بعض المذاهب أو إبطاله عاريّة أيضا.
كالخلاف مع المعتزلة :
1- في الواجب المخير
2- والمحرم المخير.
فإن كل فرقة موافقة للأخرى في نفس العمل.
وإنما اختلفوا في الاعتقاد
بناء
على أصل محرر في علم الكلام، وفي أصول الفقه له تقرير أيضا، وهو:
هل الوجوب والتحريم أو غيرهما راجعة إلى صفة الأعيان، أو إلى خطاب الشارع؟
3- وكمسألة تكليف الكفار بالفروع عند الفخر الرازي، وهو ظاهر؛ فإنه لا ينبني عليه عمل.
وما أشبه ذلك من المسائل التي فرضوها مما لا ثمرة له في الفقه.
لا يقال:
إن ما يرجع الخلاف فيه إلى الاعتقاد:
1- ينبني عليه حكم ذلك الاعتقاد من وجوب أو تحريم.
2- وأيضا ينبني عليه عصمة الدم والمال، والحكم بالعدالة أو غيرها من الكفر إلى ما دونه، وأشباه ذلك.
وهو من علم الفروع
لأنا نقول:
هذا جار في علم الكلام في جميع مسائله؛ فليكن من أصول الفقه، وليس كذلك، وإنما المقصود ما تقدم.]

تعقب الشيخ عبد الله دراز قول أبي إسحاق الشاطبي:
( وكمسألة تكليف الكفار بالفروع عند الفخر الرازي، وهو ظاهر؛ فإنه لا ينبني عليه عمل.)
فقال:
راجع الأسنوي؛ فقد ذكر له فوائد عملية كثيرة، من تنفيذ عتقه، وطلاقه... في نحو عشرة فروع خلافية
نعم، إنه قيد كلامه بقوله: "عند الفخر الرازي"، والرازي يقول: "لا فائدة في التكليف إلا تضعيف العذاب عليهم في الآخرة"، وعليه؛ فليس له عنده فائدة عملية فقهية، لكن بعد ظهور هذه الفروع، واطلاع المؤلف عليها بدليل تقييده بكلام الرازي؛ كان ينبغي للمؤلف حذف مسألة تكليف الكفار من بحثه هذا.
وقال محمد الخضر الحسين:
بنى بعض الفقهاء على هذا الخلاف فروعا:
منها: غرم من أتلف لهم خمرا أو خنزيرا
وإباحة وطء الكتابية لزوجها المسلم القادم من السفر في نهار رمضان.

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-05-13 ||, 05:12 PM
[المقدمة الخامسة

كل مسألة لا ينبني عليها عمل؛ فالخوض فيها خوض فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعي.
وأعني بالعمل:
عمل القلب وعمل الجوارح، من حيث هو مطلوب شرعا.
والدليل على ذلك:
استقراء الشريعة:
فإنا رأينا الشارع يُعرض عما لا يفيد عملا مكلفا به:
1- ففي القرآن الكريم: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 189].
فوقع الجواب بما يتعلق به العمل؛ إعراضا عما قصده السائل من السؤال عن الهلال: "لِمَ يبدو في أول الشهر دقيقا كالخيط، ثم يمتلئ حتى يصير بدرا، ثم يعود إلى حالته الأولى؟"(1)
ثم قال: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا} [البقرة: 189]
بناءً:
على تأويل من تأول أن الآية كلها نزلت في هذا المعنى.
فكان من جملة الجواب:
أن هذا السؤال في التمثيل إتيان للبيوت من ظهورها، والبر إنما هو التقوى، لا العلم بهذه الأمور التي لا تفيد نفعا في التكليف، ولا تجرُّ إليه.
2- وقال تعالى بعد سؤالهم عن الساعة أيَّان مُرْساها: {فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا} [النازعات: 43]
أي: إن السؤال عن هذا سؤال عما لا يعني؛ إذ يكفي من علمها أنه لا بد منها، ولذلك لما سُئل عليه الصلاة والسلام عن الساعة؛ قال للسائل: "ما أَعْدَدْتَ لها؟" إعراضا عن صريح سؤاله إلى ما يتعلق بها مما فيه فائدة، ولم يُجبه عما سأل.
3- وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: 101].
نزلت في رجل سأل: من أبي؟ رُوي أنه -عليه السلام- قام يوما يُعرف الغضب في وجهه؛ فقال: "لا تسألوني عن شيء إلا أنبأتكم " . فقام رجل، فقال: يا رسول الله! من أبي؟ قال: "أبوك حُذافة " . فنزلت.
4- وقال ابنُ عبَّاس في سؤال بني إسرائيل عن صفات البقرة: "لو ذبحوا بقرة ما لأجزأتهم، ولكن شددوا؛ فشدد الله عليهم"، وهذا يبيِّن أن سؤالهم لم يكن فيه فائدة.
وعلى هذا المعنى يجري الكلام في الآية ... عند من روى أن الآية نزلت فيمن سأل: أحجُّنا هذا لعامنا أم للأبد؟ فقال عليه السلام: "للأبد، ولو قلت نعم؛ لوجبت"، وفي بعض رواياته: "فذروني ما تركتكم؛ فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم أنبياءهم" الحديث، وإنما سؤالهم هنا زيادة لا فائدة عمل فيها؛ لأنهم لو سكتوا لم يقفوا عن عمل، فصار السؤال لا فائدة فيه.
5- ومن هنا نهى عليه السلام: "عن قيل وقال وكثرة السؤال" ؛ لأنه مظنة السؤال عما لا يفيد.
6- وقد سأله جبريل عن الساعة؛ فقال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل"؛ فأخبره أن ليس عنده من ذلك عِلْم، وذلك يبيِّن أن السؤال عنها لا يتعلق به تكليف، ولما كان ينبني على ظهور أماراتها الحذرُ منها ومن الوقوع في الأفعال التي هي من أماراتها، والرجوع إلى الله عندها؛ أخبره بذلك، ثم ختم عليه السلام ذلك الحديث بتعريفه عُمر أن جبريل أتاهم ليعلمهم دينهم؛ فصح إذًا أن من جملة دينهم في فصل السؤال عن الساعة أنه مما لا يجب العلم به "أعني: علْم زمان إتيانها"؛ فليتنبه لهذا المعنى في الحديث وفائدة سؤاله له عنها.
7- وقال: "إن أعظم الناس جُرما: من سأل عن شيء لم يُحرم فحُرِّم من أجل مسألته" ، وهو مما نحن فيه، فإنه إذا لم يُحرم؛ فما فائدة السؤال عنه
بالنسبة إلى العمل؟
8- وقرأ عمر بن الخطاب: {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} [عبس: 31]، وقال: "هذه الفاكهة؛ فما الأب؟"، ثم قال: "نُهينا عن التكلف"(2)
9- وفي القرآن الكريم: {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} الآية [الإسراء: 85].
وهذا بحسب الظاهر يفيد أنهم لم يُجابوا، وأن هذا مما لا يُحتاج إليه في التكليف.
10- وروي أن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ملُّوا مَلَّة، فقالوا: يا رسول الله! حدثنا. فأنزل الله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا} [الآية] [الزمر: 23].
وهو كالنص في الرد عليهم فيما سألوا، وأنه لا ينبغي السؤال إلا فيما يفيد في التعبد لله، ثم ملُّوا ملَّة، فقالوا: حدِّثنا حديثا فوق الحديث ودون القرآن؛ فنزلت سورة يوسف
انظر الحديث في "فضائل القرآن" لأبي عُبيد.
11- وتأمل خبر عمر بن الخطاب مع صبيغ في سؤاله الناس عن أشياء من القرآن لا ينبني عليها حُكم تكليفي، وتأديب عمر [رضي الله عنه] له. (3)
12- وقد سأل ابنُ الكوَّاء علي بن أبي طالب عن {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا، فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا...} [الذاريات: 1-2] فقال له علي: "ويلك، سَل تفقها ولا تسأل تعنتا". ثم أجابه؛ فقال له ابنُ الكوَّاء: أفرأيت السواد الذي في القمر؟ فقال: "أعمى سأل عن عمياء". ثم أجابه، ثم سأله عن أشياء، وفي الحديث طُول.
وقد كان مالك بن أنس يكره الكلام فيما ليس تحته عمل، ويحكي كراهيته عمَّن تقدَّم.
وبيان عدم الاستحسان فيه من أوجه متعددة:
- منها: أنه شغل عما يعني من أمر التكليف الذي طُوِّقَه المكلَّف بما لا يعني، إذ لا ينبني على ذلك فائدة؛ لا في الدنيا، ولا في الآخرة:
أما في الآخرة: فإنه يُسأل عما أُمر به أو نُهي عنه.
وأما في الدنيا: فإن علمه بما علم من ذلك لا يزيده في تدبير رزقه ولا ينقصه، وأما اللذة الحاصلة منه في الحال؛ فلا تفي مشقة اكتسابها وتعبُ طلبها بلذة حصولها.
وإن فُرض أن فيه فائدة في الدنيا؛ فمن شرط كونها فائدة شهادة الشرع لها بذلك، وكم من لذة وفائدة يعدها الإنسان كذلك وليست في أحكام الشرع إلا على الضد؛ كالزنى، وشرب الخمر، وسائر وجوه الفسق، والمعاصي التي يتعلق بها غرض عاجل.
فإذًا قطع الزمان فيما لا يجني ثمرة في الدارين، مع تعطيل ما يجني الثمرة من فعل ما لا ينبغي.
- ومنها : أن الشرع قد جاء ببيان ما تصلح به أحوال العبد في الدنيا والآخرة على أتم الوجوه وأكملها، فما خرج عن ذلك قد يُظن أنه على خلاف ذلك، وهو مشاهد في التجربة العادية؛ فإن عامة المشتغلين بالعلوم التي لا تتعلق بها ثمرة تكليفية تدخل عليهم فيها الفتنة والخروج عن الصراط المستقيم، ويثور بينهم الخلاف والنزاع المؤدي إلى التقاطع والتدابر والتعصُّب، حتى تفرقوا شيعا، وإذا فعلوا ذلك خرجوا عن السنة، ولم يكن أصل التفرق إلا بهذا السبب، حيث تركوا الاقتصار من العلم على ما يعني، وخرجوا إلى ما لا يعني؛ فذلك فتنة على المتعلم والعالم، وإعراض الشارع -مع حصول السؤال- عن الجواب من أوضح الأدلة على أن اتباع مثله من العلم فتنة أو تعطيل للزمان في غير تحصيل.
- ومنها : أن تتبع النظر في كل شيء وتطلب عمله من شأن الفلاسفة الذين يتبرأ المسلمون منهم، ولم يكونوا كذلك إلا بتعلقهم بما يُخالف السنة؛ فاتباعهم في نحلة هذا شأنها خطأ عظيم، وانحراف عن الجادَّة.
تعقب الشيخ محمد الخضر الحسين إطلاق الشاطبي في تبرأ المسلمين من الفلاسفة فقال:
يتبرأ الإسلام من الفلسفة المتولدة من أوهام وظنون، لا يشهد لها حس أو تجربة صحيحة أو برهان، وأما ما يقوم منها على نظر صادق؛ فيأذن بتعلمه ولاسيما حيث يكون له مدخل في تنظيم شئون الحياة وترقية وسائل العمران.

نرجع إلى كلام الشاطبي والذي ختم كلامه السابق فقال:
ووجوه عدم الاستحسان كثيرة.
ثم ذكر اعتراضا على كلامه فقال:
فإن قيل:
العلم محبوب على الجملة، ومطلوب على الإطلاق، وقد جاء الطلب فيه على صيغ العموم والإطلاق، فتنتظم صِيَغُه كلَّ علم
ومن جملة العلوم:
1- ما يتعلق به عمل.
2- وما لا يتعلَّق به عمل.
فتخصيص أحد النوعين بالاستحسان دون الآخر تحكم.
وأيضا:
فقد قال العلماء: إن تعلم كل علم فرض كفاية، كالسحر والطلسمات، وغيرهما من العلوم البعيدة الغرض عن العمل، فما ظنك بما قرب منه؛ كالحساب، والهندسة، وشبه ذلك؟
وأيضا:
فعلم التفسير من جُملة العلوم المطلوبة، وقد لا ينبني عليه عمل.
وتأمل حكاية الفخر الرازي:
إن بعض العلماء مر بيهودي وبين يديه مسلم يقرأ عليه علم هيئة العالم، فسأل اليهودي عما يقرأ عليه؛ فقال له: أنا أفسر له آية من كتاب الله، فسأله ما هي؟ وهو متعجب، فقال: قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ} [ق: 6].
قال اليهودي: فأنا أُبيِّن له كيفية بنائها وتزيينها. فاستحسن ذلك العالم منه. هذا معنى الحكاية لا لفظها.
وأيضا:
فإن قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ} [الأعراف: 185] يشمل كل علم ظهر في الوجود، من معقول أو منقول، مُكْتسب أو موهوب، وأشباهها من الآيات.
ويزعم الفلاسفة:
أن حقيقة الفلسفة إنما هو النظر في الموجودات على الإطلاق، من حيث تدل على صانعها، ومعلوم طلب النظر في الدلائل والمخلوقات.
فهذه وجوه تدل على عموم الاستحسان في كل علم على الإطلاق والعموم.
فالجواب عن الأول [أي الجواب عن الاعتراض الأول وهو أن العلم محبوب على الجملة، ومطلوب على الإطلاق]:
أن عموم الطلب مخصوص، وإطلاقه مقيد بما تقدم من الأدلة.
والذي يوضحه أمران:
أحدهما:
بأن السلف الصالح من الصحابة والتابعين لم يخوضوا في هذه الأشياء التي ليس تحتها عمل، مع أنهم كانوا أعلم بمعنى العلم المطلوب، بل قد عد عمر ذلك في نحو {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} [عبس: 31] من التكلف الذي نُهي عنه، وتأديبه صبيغا ظاهر فيما نحن فيه، مع أنه لم يُنكر عليه، ولم يفعلوا ذلك إلا لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يَخُض في شيء من ذلك، ولو كان لنُقل، لكنه لم يُنقل؛ فدل على عدمه.
والثاني:
ما ثبت في كتاب "المقاصد" أن هذه الشريعة أمية لأمة أميّة، وقد قال عليه السلام: "نحن أمة أمية، لا نحسب ولا نكتب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا"
إلى نظائر ذلك، والمسألة مبسوطة هنالك، والحمد لله.
علّق الشيخ محمد الخضر الحسين على مقالة الشاطبي السابقة فقال:
وصف عليه -الصلاة والسلام- العرب بأنها أمة أمية لقلة العارفين منها بالكتابة، وإنما ذكر هذا الوصف ليكون كالعلة لتعليق حكم الصيام على رؤية الهلال دون الحساب، ولم يأت به في مساق الفخر حتى يفهم منه مدح الأمية والترغيب في البقاء عليها، بل القرآن وصفهم بالأميين ونبه على أن الرسول -عليه السلام- بعث فيهم ليخرجهم من طور الأمية ويرتقي بهم إلى صفوف الذين أوتوا العلم والحكمة؛ فقال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [الجمعة: 2]".
نرجع إلى الشاطبي ، وهو مازال في سياق الجواب عن الاعتراضات التي أوردها على هذه المقدمة، يقول رحمه الله:

وعن الثاني [أي الجواب عن الاعتراض الثاني في قول العلماء: إن تعلم كل علم فرض كفاية، كالسحر والطلسمات، وغيرهما من العلوم البعيدة الغرض عن العمل، فما ظنك بما قرب منه؛ كالحساب، والهندسة، وشبه ذلك؟ ]:
أنا لا نُسلِّم ذلك على الإطلاق
وإنما فرض الكفاية:
رد كل فاسد وإبطاله، عُلم ذلك الفاسد أو جُهل؛ إلا أنه لا بد من علم أنه فاسد، والشرعُ متكفل بذلك.
والبرهان على ذلك:
أن موسى -عليه السلام- لم يعلم علم السحر الذي جاء به السحرة، مع أنه بطل على يديه بأمر هو أقوى من السحر، وهو المعجزة ولذلك لما سحروا أعْين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم؛ خاف موسى من ذلك، ولو كان عالما به لم يخف، كما لم يخف العالمون به، وهم السحرة؛ فقال الله له: {قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى} [طه: 68].
ثم قال: {إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى } [طه: 69].
وهذا تعريف بعد التنكير, ولو كان عالما به لم يُعرَّف به، والذي كان يعرف من ذلك أنهم مبطلون في دعواهم على الجملة.
وهكذا الحكم في كل مسألة من هذا الباب، فإذا حصل الإبطال والرد بأي وجه حصل، ولو بخارقة على يد ولي لله، أو بأمر خارج عن ذلك العلم ناشئ عن فرقان التقوى؛ فهو المراد، فلم يتعيَّن إذًا طلبُ معرفة تلك العلوم من الشرع.
وعن الثالث [ أي الجواب عن الاعتراض الثالث، وهو أن علم التفسير من جُملة العلوم المطلوبة، وقد لا ينبني عليه عمل]:
أن علم التفسير مطلوبٌ فيما يتوقف عليه فهم المراد من الخطاب، فإذا كان المراد معلوما؛ فالزيادة على ذلك تكلف.
ويتبين ذلك في مسألة عمر، وذلك:
أنه لما قرأ: {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} [عبس: 31]، توقف في معنى الأب، وهو معنى إفرادي لا يقدح عدم العلم به في علم المعنى التركيبي في الآية؛ إذ هو مفهوم من حيث أخبر الله تعالى في شأن طعام الإنسان أنه أنزل من السماء ماء فأخرج به أصنافا كثيرة مما هو من طعام الإنسان مباشرة؛ كالحب، والعنب، والزيتون، والنخل، ومما هو من طعامه بواسطة، مما هو مرعى للأنعام على الجملة؛ فبقي التفصيل في كل فرد من تلك الأفراد فضلا؛ فلا على الإنسان أن لا يعرفه.
فمن هذا الوجه والله أعلم:
عُدَّ البحث عن معنى الأب من التكلف، وإلا؛ فلو توقف عليه فهم المعنى التركيبي من جهته لما كان من التكلف، بل من المطلوب علمه لقوله: {لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص: 29]،
ولذلك سأل الناس على المنبر عن معنى التخوف في قوله تعالى: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ} [النحل: 47]؛ فأجابه الرجل الهُذلي بأن التخوُّف في لغتهم التنقص، وأنشده شاهدا عليه:


تخوَّف الرَّحْل منها تامِكا قَرِدا ... كما تخوَّف عودُ النَّبْعَةِ السَّفَنُ

فقال عمر: "يا أيها الناس! تمسكوا بديوان شعركم في جاهليتكم؛ فإن فيه تفسير كتابكم".
ولما كان السؤال في محافل الناس عن معنى: {وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا} [المرسلات: 1]، {وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا} [النازعات: 3] مما يُشوش على العامة من غير بناء عمل عليه، أدَّب عمر صبيغا بما هو مشهور.
فإذًا تفسير قوله: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا} الآية [ق: 6] بعلم الهيئة الذي ليس تحته عمل؛ غير سائغ؛ ولأن ذلك من قبيل ما لا تعرفه العرب، والقرآن إنما نزل بلسانها وعلى معهودها، وهذا المعنى مشروح في كتاب المقاصد بحول الله.
وكذلك القول في كل علم يُعزى إلى الشريعة لا يؤدي فائدة عمل، ولا هو مما تعرفه العرب:
فقد تكلف أهل العلوم الطبيعية وغيرها الاحتجاج على صحة الأخذ في علومهم بآيات من القرآن، وأحاديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم:
1- كما استدل أهل العدد بقوله تعالى: {فاسْأَلِ الْعَادِّينَ} [المؤمنون: 113].
2- وأهل النسب العددية أو الهندسية بقوله تعالى: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ..... مِائَتَيْنِ} [الأنفال: 65] إلى آخر الآيتين.
3- وأهل الكيمياء بقوله, عز وجل: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} الآية [العدد: 17].
4- وأهل التعديل النجومي بقوله: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} [الرحمن: 5].
5- وأهل المنطق في أن نقيض الكلية السالبة جزئية موجبة بقوله: {إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ} [الآية] [الأنعام: 91].
وعلى بعض الضروب الحملية والشرطية بأشياء أُخر.
6- وأهل خط الرمل بقوله سبحانه: {أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ} [الأحقاف: 4]، وقوله عليه السلام: "كان نبي يخط في الرمل"(6)
إلى غير ذلك مما هو مسطور في الكتب، وجميعُه يقطع بأنه مقصود لما تقدم.]
يقول الشيخ عبد الله دراز:
أي: وجميع المسطور في هذه الكتب يأتون فيه بما يدل على القطع بأن هذه الآيات مقصود منها ما استدلوا عليه.
يعني: وإنما هي تكلفات لا تليق بلسان العرب ومعهودها.
يقول الشاطبي:
[وبه تعلم الجواب عن السؤال الرابع، وأن قوله: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ} [الأعراف: 185]
لا يدخل فيه من وجوه الاعتبار علوم الفلسفة التي لا عهد للعرب بها، ولا يليق بالأميين الذين بُعث فيهم النبي الأمي -صلى الله عليه وسلم- بملة سهلة سمحة، والفلسفة -على فرض أنها جائزة الطلب- صعبة المأخذ، وعرة المسلك، بعيدة الملتمس، لا يليق الخطاب بتعلمها كي تُتعرف آيات الله ودلائل توحيده للعرب الناشئين في محض الأمية؛ فكيف وهي مذمومة على ألسنة أهل الشريعة، مُنبَّه على ذمها بما تقدم في أول المسألة.]
يقول الشيخ عبد الله دراز متعقبا الشاطبي في بعض ما ذكر:
إذا نظرنا :
1- للحديث الصحيح: "بلغوا عني ولو آية؛ فرب مبلغ أوعى من سامع"
2- مع العلم بأن القرآن للناس كافة، وأنه ليس مخاطبا به خصوص طائفة العرب في العهد الأول لها، بل العرب كلهم في عهدهم الأول وغيره وغير العرب كذلك.
إذا نظرنا بهذا النظر؛ لا يمكننا أن نقف بالقرآن وبعلومه وأسراره وإشاراته عند ما يريده المؤلف.
وكيف نوفق بين ما يدعو إليه من ذلك وبين ما ثبت من أنه لا ينضب معينه؟
الخير في الاعتدال؛ فكل ما لا تساعد عليه اللغة، ولا يدخل في مقاصد التشريع؛ يعامل المعاملة التي يريدها المؤلف.
أما ما لا تنبو عنه اللغة، ويدخل في مقاصد الشريعة بوجه؛ فلا يوجد مانع من إضافته إلى الكتاب العزيز، ومنه ما يتعلق بالنظر في مصنوعات الله للتدبر والاعتبار وتقوية الإيمان وزيادة الفهم والبصيرة.
وتعقب الشيخ محمد الخضر الحسين الشاطبي أيضاً فقال:
من الآيات المبثوثة في السماء والأرض ما يكفي في إدراكه النظر الفطري.
ومنها ما يُدرك بمزاولة قوانين علمية.
ولا مانع من أن يبقى هذا القسم في الآيات المرغب في تدبرها؛ فإن النظر الذي يحث عليه مثل قوله تعالى: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [يونس: 101] لم يحد بنهاية أو ينص فيه على طريق معين.
ثم قال الشاطبي في خاتمة هذه المقدمة:
[فإذا ثبت هذا:
فالصواب:
أن ما لا ينبني عليه عمل؛ غيرُ مطلوب في الشرع.
فإن كان ثم ما يتوقف عليه المطلوب:
كألفاظ اللغة، وعلم النحو، والتفسير، وأشباه ذلك.
فلا إشكال أن ما يتوقف عليه المطلوب مطلوب، إما شرعا، وإما عقلا، حسبما تبيَّن في موضعه، لكن هنا معنى آخر لا بد من الالتفات إليه، وهو:]


ثم ذكر الشاطبي المقدمة السادسة، عاقداً حبل وصل بينها وبين هذه المقدمة.


ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــ
1) يقول مشهور آل سلمان في تعليقه على الحديث: أخرجه ابن عساكر في "تاريخه" "1/ ق 6"، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" "3/ 269" من طريق السدي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس به. وإسناده واه، فيه السدي والكلبي، وضعفه السيوطي في "الدر المنثور" "1/ 490".
وأخرج ابن جرير في "التفسير" "2/ 185-186"، وابن أبي حاتم في "التفسير" "1/ 133/ أ"، عن أبي العالية؛ قال: بلغنا أنهم قالوا: يا رسول الله! لم خلقت الأهلة؟ فنزلت. فيه أبو جعفر الرازي وأبوه، وكلاهما ضعيف.
وأخرج نحوه ابن جرير عن قتادة بسندٍ رجاله ثقات؛ إلا أنه مرسل.وانظر: "الفتح السماوي" "1/ 231-232" للمناوي، و"لباب النقول" "ص35" للسيوطي، و"تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي "1/ 118-119"، وقال: "وهو عند الثعلبي كما ذكره المصنف"، وحكم عليه بأنه "غريب". الموافقات - (ج 1 / ص 44)

2) أخرج البخاري في "صحيحه" "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من كثرة السؤال، 13/ 264-265" بسنده إلى أنس؛ قال: "كنا عند عمر؛ فقال: "نهينا عن التكلف"".
وقال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" "13/ 372": "وهذا محمول على أنه إنما أراد استكشاف علم كيفية الأب، وإلا؛ فكونه نبتا من الأرض ظاهر لا يجهل"، وقاله ابن كثير في "تفسيره" أيضا.
قال مشهور آل سلمان: ويستشكل هذا بما أخرجه الحاكم -مختصرا- في كتاب الصوم في "المستدرك" عن عمر بن الخطاب؛ أنه سأل ابن عباس عن الأب؛ فقال: هو نبت الأرض مما يأكله الدواب والأنعام، ولا يأكله الناس، وقال: "صحيح على شرط مسلم".


3) قال ابن كثير في "مسند الفاروق" "2/ 606" بعد عزوه للبزار: "قلت: المستغرب من هذا السياق رفع هذا التفسير إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وإلا؛ فقصة صبيغ بن عسل التميمي مع عمر مشهورة وكأنه -والله أعلم- إنما ضربه لما ظهر له من حاله أن سؤاله سؤال استشكال، لا سؤال استرشاد واستدلال، كما قد يفعله كثير من المتفلسفة الجهال، والمبتدعة الضلال؛ فنسأل الله العافية في هذه الحياة الدنيا وفي المآل". الموافقات - (ج 1 / ص 52)

4) يقول مشهور آل سلمان:
وهذا النبي هو إدريس -عليه السلام- كما قال أبو ذر ابن الشيخ الإمام سبط ابن العجمي في "تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم" "رقم 258، 932- بتحقيقنا"، والأبي في "إكمال الإكمال" "2/ 239"، وحاجي خليفة في "كشف الظنون" "1/ 912"، واقتصروا عليه، وذكره الزبيدي في "إتحاف السادة المتقين" "9/ 118"، وشبير العثماني في "فتح الملهم شرح صحيح مسلم" "2/ 135"، وذكرا معه قولا آخر، وهو "دانيال". الموافقات - (ج 1 / ص 64)

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-05-22 ||, 10:27 PM
المقدمة السادسة:
وذلك أن ما يتوقف عليه معرفة المطلوب:
1- قد يكون له طريق تقريبي يليق بالجمهور.
2- وقد يكون له طريق لا يليق بالجمهور، وإن فُرِضَ تحقيقا.
فأما الأول: فهو المطلوب، المنبَّه عليه
كما إذا طُلب معنى المَلَك؛ فقيل: إنه خَلْقٌ مِنْ خَلْق الله يتصرف في أمره
أو معنى الإنسان؛ فقيل: إنه هذا الذي أنت من جنسه
أو معنى التخوف؛ فقيل: هو التنقص
أو معنى الكوكب؛ فقيل: هذا الذي نشاهده بالليل، ونحو ذلك
فيحصل فهم الخطاب مع هذا الفهم التقريبي حتى يمكن الامتثال.
وعلى هذا وقع البيان في الشريعة؛
كما قال عليه السلام: "الكِبْرُ بَطر الحق وغمطُ الناس"؛ ففسَّره بلازمه الظاهر لكل أحد
وكما تُفسر ألفاظ القرآن والحديث بمرادفاتها لغة، من حيث كانت أظهر في الفهم منها، وقد بيَّن عليه السلام, الصلاة والحج بفعله وقوله على ما يليق بالجمهور، وكذلك سائر الأمور
وهي عادة العرب، والشريعة عربية
ولأن الأمة أمية؛ فلا يليق بها من البيان إلا الأمي.
فإذًا؛ التصورات المستعملة في الشرع إنما هي تقريبات بالألفاظ المترادفة وما قام مقامها من البيانات القريبة.
وأما الثاني -وهو ما لا يليق بالجمهور-:
فعدم مناسبته للجمهور أخرجه عن اعتبار الشرع له؛ لأن مسالكه صعبة المرام، {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]
كما إذا طلب معنى الملك، فأحيل به على معنى أغمض منه، وهو: ماهية مجردة عن المادة أصلا، أو يقال: جوهرٌ بسيط ذو نهاية ونطق عقلي
أو طلب معنى الإنسان؛ فقيل: هو الحيوان الناطق المائت([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn 1))
أو يقال: ما الكوكب؟ فيجاب بأنه جسم بسيط، كُرِيٌّ، مكانه الطبيعي نفس الفلك، من شأنه أن يُنير، متحرك على الوسط، غير مشتمل عليه
أو سئل عن المكان؛ فيقال: هو السطح الباطن من الجرم الحاوي، المماس للسطح الظاهر من الجسم المحوي.
وما أشبه ذلك من الأمور التي لا تعرفها العرب، ولا يوصل إليها إلا بعد قطع أزمنة في طلب تلك المعاني، ومعلوم أن الشارع لم يقصد إلى هذا ولا كلف به.
وأيضا؛ فإن هذا تسور على طلب معرفة ماهيات الأشياء، وقد اعترف أصحابه بصعوبته، بل قد نقل بعضهم أنه عندهم متعذر، وأنهم أوجبوا أن لا يُعرف شيء من الأشياء على حقيقته؛ إذ الجواهر لها فصول مجهولة, والجواهر عرفت بأمور سلبية
فإن الذاتي الخاص :
1- إن عُلم في غير هذه الماهية لم يكن خاصا.
2- وإن لم يعلم فكان غير ظاهر للحس, فهو مجهول.
3- فإن عُرِّف ذلك الخاص بغير ما يخصه؛ فليس بتعريف.
والخاص به كالخاص المذكور أولا؛ فلا بد من الرجوع إلى أمور محسوسة، أو ظاهرة من طريق أخرى, وذلك لا يفي بتعريف الماهيات، هذا في الجوهر، وأما العرض؛ فإنما يعرف باللوازم؛ إذ لم يقدر أصحاب هذا العلم على تعريفه بغير ذلك.
وأيضا: ما ذكر في الجواهر أو غيرها من الذاتيات لا يقوم البرهان على أن ليس ذاتي سواها، وللمنازع أن يطالب بذلك, وليس للحادّ أن يقول: لو كان ثم وصف آخر لاطلعت عليه؛ إذ كثير من الصفات غير ظاهر.
ولا يقال أيضا: لو كان ثم ذاتي آخر ما عُرفت الماهية دونه ؛ لأنا نقول: إنما تُعرف الحقيقة إذا عُرف جميع ذاتياتها، فإذا جاز أن يكون ثم ذاتي لم يعرف؛ حصل الشك في معرفة الماهية.
فظهر أن الحدود على ما شرطه أربابُ الحدود يتعذر الإتيان بها
ومثل هذا لا يُجعل من العلوم الشرعية التي يُستعان بها فيها، وهذا المعنى تقرر، وهو أن ماهيات الأشياء لا يعرفها على الحقيقة إلا باريها؛ فتسوُّر الإنسان على معرفتها رمي في عماية، هذا كله في التصور.
وأما في التصديق: فالذي يليق منه بالجمهور ما كانت مقدمات الدليل فيه ضرورية، أو قريبة من الضرورية.
فإذا كان كذلك؛ فهو الذي ثبت طلبه في الشريعة، وهو الذي نبَّه القرآن على أمثاله؛
كقوله تعالى: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ} [النحل: 17].
وقوله تعالى: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس: 79] إلى آخرها.
وقوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ } [الروم: 40].
وقوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22].
وقوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ، أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ} [الواقعة: 58-59].
وهذا إذا احتيج إلى الدليل في التصديق، وإلا؛ فتقرير الحكم كافٍ.
وعلى هذا النحو مر السلف الصالح في بث الشريعة للمؤالف والمخالف
ومن نظر في استدلالالهم على إثبات الأحكام التكليفية؛ علم أنهم قصدوا أيسر الطرق وأقربها إلى عقول الطالبين
لكن من غير ترتيب متكلَّف، ولا نظم مؤلف
بل كانوا يرمون بالكلام على عواهنه، ولا يُبالون كيف وقع في ترتيبه، إذا كان قريب المأخذ، سهل الملتمس
هذا وإن كان راجعا إلى نظم الأقدمين في التحصيل؛ فمن حيث كانوا يتحرون إيصال المقصود، لا من حيث احتذاء من تقدَّمهم.]
يقول الشيخ عبد الله دراز:
أي: قد يتفق أن يكون على نظم الأقيسة لا من حيث إنهم قصدوا الاقتداء بالفلاسفة في تركيب الأدلة، بل من جهة أنهم قصدوا الوصول إلى المقصود، فاتفق لهم المشاكلة في النظم كما سيأتي في حديث: "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام" ؛ إلا أنه نادر.
ثم يواصل الشاطبي كلامه فيقول:
وأما إذا كان الطريق مرتبا على قياسات مركبة أو غير مركبة؛ إلا أن في إيصالها إلى المطلوب بعض التوقف للعقل؛ فليس هذا الطريق بشرعي، ولا تجده في القرآن، ولا في السنة، ولا في كلام السلف الصالح؛ فإن ذلك متلفة للعقل ومحارة له قبل بلوغ المقصود
وهو بخلاف وضع التعليم، ولأن المطالب الشرعية إنما هي في عامة الأمر وقتية؛ فاللائق بها ما كان في الفهم وقتيا، فلو وضع النظر في الدليل غير وقتي؛ لكان مناقضا لهذه المطالب، وهو غير صحيح.
يقول الشيخ محمد الخضر الحسين:
جرى السلف في البحث عن العقائد على طريقة الكتاب العزيز حتى رفع المعاندون من المتفلسفة والمبتدعة رءوسهم بإلقاء الشكوك والشبه على حقائق الدين؛ فلم يسع علماء الكلام إلا أن تصدوا لمكافحتهم بمثل السلاح الذي كانوا يهاجمونهم به، وأخذ البحث في العقائد هيئة غير هيئته الأولى، وإنما يكون هذا الصنيع بدعة مكروهة حيث يتحقق أنه رفع أو بدل حقيقة شرعية .
ويقول الشيخ عبد الله دراز معلقا على قول الشاطبي إن مطالب الشرع في عامة الأمر وقتية:
أي: مطلوب تحصيلها في الوقت التالي للخطاب بها، بدون التراخي الذي يقتضيه السير في طريقة الاستدلال المنطقي، ونظام المناقضات والمعارضات والنقوض الإجمالية، التي قد تستغرق الأزمان الطويلة، ولا تستقر النفس فيها على ما ترتاح إليه، مع كثرة المطالب الشرعية اليومية وغيرها.
ثم يواصل الشاطبي رحمه الله احتجاجه فيقول:
وأيضا؛ فإن الإدراكات ليست على فن واحد، ولا هي جارية علىالتساوي في كل مطلب؛ إلا في الضروريات وما قاربها؛ فإنها لا تفاوت فيها يُعتدُّ به، فلو وُضعت الأدلة على غير ذلك([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn 2))؛ لتعذر هذا المطلب، ولكان التكليف خاصا لا عاما، أو أدى إلى تكليف ما لا يُطاق، أو ما فيه حرج، وكلاهما مُنتفٍ عن الشريعة، وسيأتي في كتاب "المقاصد" تقرير هذا المعنى.]
قال أبو فراس:
هذا موضع آخر من كلام الشاطبي رحمه الله نستشهد به على ما سبق من أن أبا إسحاق إبراهيم بن موسى يظفر غالبا بتحصيل المعاني الصحيحة ويقع له من ذلك الشيء الكثير، لكن ربما يندُّ عنه في بعض المواضع الطريقة الفاضلة في تحصيلها، أو الجمل السليمة في الإفصاح عنها آخذين بالاعتبار حصول الاشتباه في كثير من الأحرف المستعملة، ولعل ما وقع له في هذه المقدمة من تقسيم الطرق التي يتوقف عليها معرفة المطلوب من طريق يليق بالجمهور، وطريق لا يليق بالجمهور هو من هذا الباب، وإن ذكره رحمه الله على طريقة الفرض.
فهو يقصد رحمه الله معنىً حق:
وهو أن خطاب الشارع إنما جاء بما يتفق مع علوم الناس المعتادة، والتي تنتج النتائج الضرورية أو القريبة منها والتي يقع التسليم بها عادة عند جمهور الناس، وأنه ليس في خطابات الشرع من التعقيدات المعتاصة والإفرازات المختلطة التي تظهر عند كثير من المشتغلين بعلوم الفلسفة والمنطق، ومنه أيضا ما وقع في كلام المشتغلين بعلوم أصول الدين والذين يقال لهم المتكلمة.
فيقع لهؤلاء - لاسيما المتفلسفة منهم- التصريح بأن نصوص الشرع إنما جاءت على وفق خطابات الجمهور، أما مسائل الخواص فإنه بحسبهم طرق برهانية وسبل جدلية لا يليق الإفصاح بها للعوام أو للجمهور حسب التعبير الدارج عندهم.
وسأذكر هنا ملخصاً جملا من كلام ابن تيمية رحمه الله أشار فيه إلى أصل إطلاق هذه الكلمة والمعنى المقصود منها:
يقول رحمه الله حاكياً عنهم:
حقائق الأمور لا يكلف بها الجمهور من العامة الغليظة طباعهم المتعلقة بالمحسوسات الصرفة أذهانهم.
فما جاءت به الأنبياء فهو من جنس الخطابة التي قصد بها خطاب الجمهور لم يقصد بها تعريف الحقائق، وإنما أخبروا الجمهور بطريق التخييل وضرب المثل لينتفعوا به في إقامة مصلحة دنياهم لا ليعرفوا بذلك الحق
بل يقع من هؤلاء:
التصريح بأن الأنبياء إنما أرادوا بخطابهم للناس أن يعتقدوا الأمور على خلاف ما هي عليه وهي من جنس الكذب لمصلحة الناس.
وحقيقة قولهم هو ما ذكره الخطابي:
من أنهم لا يجعلون خبر الأنبياء طريقا إلى العلم وقد دخل معهم في هذا الأصل الفاسد من دخل من المنتسبين إلى المسلمين.
واختلف هؤلاء:
هل عَلِمَ الرسول الحقائق؟
فمنهم من اعترف: بأنه علمها لكن لم يبينها بل خاطب الجمهور بالتخييل فيجعلون التخييل في خطابه لا في علمه كما يقول ذلك ابن سينا وأمثاله.
وآخرون يعترفون: بأن الرسل علموا الحق وبينوه لكن يقولون لا يمكن معرفته من كلامهم بل يعرف بطريق آخر إما المعقول عند طائفة وإما المكاشفة عند طائفة إما قياس فلسفي وإما خيال صوفي.
ومنهم من يظن: أن الرسل ما كانوا يعلمون حقائق العلوم الإلهية والكلية.
وإنما يعرف ذلك بزعمهم: من يعرفه من المتفلسفة ويقولون خاصة النبوة هي التخييل ويجعلون النبوة أفضل من غيرها عند الجمهور لا عند أهل المعرفة.
ويقول ابن تيمية رحمه الله في رسالته "معارج الوصول" المودعة في مجموع الفتاوى:
والمقصود أن هؤلاء الغالطين الذين أعرضوا عما في القرآن من الدلائل العقلية والبراهين اليقينية لا يذكرون النظر والدليل والعلم الذي جاء به الرسول والقرآن مملوء من ذلك.
والمتكلمون: يعترفون بأن في القرآن من الأدلة العقلية الدالة على أصول الدين ما فيه لكنهم يسلكون طرقا أخر كطريق الأعراض
ومنهم من يظن: أن هذه طريق إبراهيم الخليل وهو غالط
والمتفلسفة يقولون: القرآن جاء بالطريق الخطابية والمقدمات الإقناعية التي تقنع الجمهور
ويقولون: إن المتكلمين جاءوا بالطرق الجدلية.
ويدعون: أنهم هم أهل البرهان اليقيني.
وهم أبعد عن البرهان في الإلهيات من المتكلمين.
والمتكلمون أعلم منهم بالعلميات البرهانية في الإلهيات والكليات
ولكن للمتفلسفة في الطبيعيات خوض وتفضيل تميزوا به بخلاف الإلهيات فإنهم من أجهل الناس بها وأبعدهم عن معرفة الحق فيها وكلام أرسطو معلمهم فيها قليل كثير الخطأ فهو لحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقى.([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn 3))
ويقول ابن تيمية رحمه الله في كتابه الكبير "درء تعارض العقل والنقل" معرِّضاً بالطرق التي يحسبها هؤلاء أنها هي طريق الخواص دون جمهور الناس وعوامهم، الذين – بحسب هؤلاء المتفلسفة- قد جاءت نصوص الأنبياء على وفق طبائعهم وعقولهم:
" سلوك هؤلاء لهذه الطرق البعيدة التي فيها شبهة وطول دون الطرق القريبة التي هي أقرب وأقطع:
قد يكون لكون المناظر لهم لا يسلم صحة الطرق القريبة الواضحة القطعية:
1- إما عنادا منه.
2- وإما لشبهة عرضت له أفسدت عقله وفطرته مثلما يعرض كثيرا لهؤلاء.
فيحتاج مع من يكون كذلك إلى أن يعدل معه إلى طريق طويلة دقيقة يسلم مقدماتها مقدمة مقدمة إلى أن تلزمه النتيجة بغير اختياره
وإن كانت المقدمات التي مانعها أبين وأقطع من المقدمات التي سلمها.
لكن هذا يحتاج إليه كثيرا في مخاطبة الخلق، فكم من شخص لا يقبل شهادة العدول الذين لا يشك في صدقهم ويقبل شهادة من هو دونهم :
1- إما لجهله.
2- وإما لظلمه.
وكذلك كم من الخلق من يرد أخبارا متواترة مستفيضة
ويقبل خبر من يحسن به الظن
لاعتقاده أنه لا يكذب.
وكم من الناس من يرد ما يعلم بالدلائل السمعية والعقلية
ويقبله إذا رأى مناما يدل على ثبوته أو قاله من يحسن به الظن لثقة نفسه بهذا أكثر من هذا.
وكم ممن يرد نصوص الكتاب والسنة حتى يقول ما يوافقها شيخه أو إمامه فيقبلها حينئذ
لكون نفسه اعتادت قبول ما يقوله ذلك المعظم عنده
ولم يعتد تلقي العلم من الكتاب والسنة
ومثل هذا كثير
فكذلك كثير من الناس:
قد يألف نوعا من النظر والاستدلال فإذا أتاه العلم على ذلك الوجه قبله
وإذا أتاه على غير ذلك الوجه لم يقبله
وإن كان الوجه الثاني أصح وأقرب
كمن تعود أن يحج من طريق بعيدة معطشة مخوفة
وهناك طرق أقرب منها آمنة وفيها الماء
لكن لما لم يعتدها نفرت نفسه عن سلوكها
وكذلك الأدلة التي فيها دقة وغموض وخفاء:
قد ينتفع بها من تعودت نفسه الفكرة في الأمور الدقيقة ومن يكون تلقيه للعلم عن الطرق الخفية التي لا يفهمها أكثر الناس أحب إليه من تلقيه له من الطرق الواضحة التي يشركه فيها الجمهور
ومثل هذا موجود في المطاعم والمشارب والملابس والعادات لما في النفوس من حب الرياسة
فهذه الطرق الطويلة الغامضة التي تتضمن تقسيمات أو تلازمات أو إدراج جزيئات تحت كليات قد ينتفع بها من هذا الوجه في حق طائفة من الناظرين والمناظرين
وإن كان غير هؤلاء من أهل الفطر السليمة والأذهان المستقيمة لا يحتاج إليها بل إذا ذكرت عنده مجها سمعه ونفر عنها عقله ورأى المطلوب أقرب وأيسر من أن يحتاج إلى هذا." ([4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn 4))

([1]) أي: الذي مآله الموت ( تحقيق مشهور)


([2]) يقول الشيخ عبد الله دراز: غير ما كان من الضروريات وما قاربها.

([3])مجموع الفتاوى - (ج 19 / ص 163)


([4])درء التعارض - (ج 4 / ص 143) وراجع: الرد على المنطقيين ( 441)
مجموع الفتاوى - (ج 3 / ص 186)

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-05-22 ||, 10:30 PM
[المقدمة السادسة:


وذلك أن ما يتوقف عليه معرفة المطلوب:
1- قد يكون له طريق تقريبي يليق بالجمهور.
2- وقد يكون له طريق لا يليق بالجمهور، وإن فُرِضَ تحقيقا.
فأما الأول: فهو المطلوب، المنبَّه عليه
كما إذا طُلب معنى المَلَك؛ فقيل: إنه خَلْقٌ مِنْ خَلْق الله يتصرف في أمره
أو معنى الإنسان؛ فقيل: إنه هذا الذي أنت من جنسه
أو معنى التخوف؛ فقيل: هو التنقص
أو معنى الكوكب؛ فقيل: هذا الذي نشاهده بالليل، ونحو ذلك
فيحصل فهم الخطاب مع هذا الفهم التقريبي حتى يمكن الامتثال.
وعلى هذا وقع البيان في الشريعة؛
كما قال عليه السلام: "الكِبْرُ بَطر الحق وغمطُ الناس"؛ ففسَّره بلازمه الظاهر لكل أحد
وكما تُفسر ألفاظ القرآن والحديث بمرادفاتها لغة، من حيث كانت أظهر في الفهم منها، وقد بيَّن عليه السلام, الصلاة والحج بفعله وقوله على ما يليق بالجمهور، وكذلك سائر الأمور
وهي عادة العرب، والشريعة عربية
ولأن الأمة أمية؛ فلا يليق بها من البيان إلا الأمي.
فإذًا؛ التصورات المستعملة في الشرع إنما هي تقريبات بالألفاظ المترادفة وما قام مقامها من البيانات القريبة.
وأما الثاني -وهو ما لا يليق بالجمهور-:
فعدم مناسبته للجمهور أخرجه عن اعتبار الشرع له؛ لأن مسالكه صعبة المرام، {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]
كما إذا طلب معنى الملك، فأحيل به على معنى أغمض منه، وهو: ماهية مجردة عن المادة أصلا، أو يقال: جوهرٌ بسيط ذو نهاية ونطق عقلي
أو طلب معنى الإنسان؛ فقيل: هو الحيوان الناطق المائت (1)
أو يقال: ما الكوكب؟ فيجاب بأنه جسم بسيط، كُرِيٌّ، مكانه الطبيعي نفس الفلك، من شأنه أن يُنير، متحرك على الوسط، غير مشتمل عليه
أو سئل عن المكان؛ فيقال: هو السطح الباطن من الجرم الحاوي، المماس للسطح الظاهر من الجسم المحوي.
وما أشبه ذلك من الأمور التي لا تعرفها العرب، ولا يوصل إليها إلا بعد قطع أزمنة في طلب تلك المعاني، ومعلوم أن الشارع لم يقصد إلى هذا ولا كلف به.
وأيضا؛ فإن هذا تسور على طلب معرفة ماهيات الأشياء، وقد اعترف أصحابه بصعوبته، بل قد نقل بعضهم أنه عندهم متعذر، وأنهم أوجبوا أن لا يُعرف شيء من الأشياء على حقيقته؛ إذ الجواهر لها فصول مجهولة, والجواهر عرفت بأمور سلبية
فإن الذاتي الخاص :
1- إن عُلم في غير هذه الماهية لم يكن خاصا.
2- وإن لم يعلم فكان غير ظاهر للحس, فهو مجهول.
3- فإن عُرِّف ذلك الخاص بغير ما يخصه؛ فليس بتعريف.
والخاص به كالخاص المذكور أولا؛ فلا بد من الرجوع إلى أمور محسوسة، أو ظاهرة من طريق أخرى, وذلك لا يفي بتعريف الماهيات، هذا في الجوهر، وأما العرض؛ فإنما يعرف باللوازم؛ إذ لم يقدر أصحاب هذا العلم على تعريفه بغير ذلك.
وأيضا: ما ذكر في الجواهر أو غيرها من الذاتيات لا يقوم البرهان على أن ليس ذاتي سواها، وللمنازع أن يطالب بذلك, وليس للحادّ أن يقول: لو كان ثم وصف آخر لاطلعت عليه؛ إذ كثير من الصفات غير ظاهر.
ولا يقال أيضا: لو كان ثم ذاتي آخر ما عُرفت الماهية دونه ؛ لأنا نقول: إنما تُعرف الحقيقة إذا عُرف جميع ذاتياتها، فإذا جاز أن يكون ثم ذاتي لم يعرف؛ حصل الشك في معرفة الماهية.
فظهر أن الحدود على ما شرطه أربابُ الحدود يتعذر الإتيان بها
ومثل هذا لا يُجعل من العلوم الشرعية التي يُستعان بها فيها، وهذا المعنى تقرر، وهو أن ماهيات الأشياء لا يعرفها على الحقيقة إلا باريها؛ فتسوُّر الإنسان على معرفتها رمي في عماية، هذا كله في التصور.
وأما في التصديق: فالذي يليق منه بالجمهور ما كانت مقدمات الدليل فيه ضرورية، أو قريبة من الضرورية.
فإذا كان كذلك؛ فهو الذي ثبت طلبه في الشريعة، وهو الذي نبَّه القرآن على أمثاله؛
كقوله تعالى: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ} [النحل: 17].
وقوله تعالى: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس: 79] إلى آخرها.
وقوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ } [الروم: 40].
وقوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22].
وقوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ، أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ} [الواقعة: 58-59].
وهذا إذا احتيج إلى الدليل في التصديق، وإلا؛ فتقرير الحكم كافٍ.
وعلى هذا النحو مر السلف الصالح في بث الشريعة للمؤالف والمخالف
ومن نظر في استدلالالهم على إثبات الأحكام التكليفية؛ علم أنهم قصدوا أيسر الطرق وأقربها إلى عقول الطالبين
لكن من غير ترتيب متكلَّف، ولا نظم مؤلف
بل كانوا يرمون بالكلام على عواهنه، ولا يُبالون كيف وقع في ترتيبه، إذا كان قريب المأخذ، سهل الملتمس
هذا وإن كان راجعا إلى نظم الأقدمين في التحصيل؛ فمن حيث كانوا يتحرون إيصال المقصود، لا من حيث احتذاء من تقدَّمهم.]
يقول الشيخ عبد الله دراز:
أي: قد يتفق أن يكون على نظم الأقيسة لا من حيث إنهم قصدوا الاقتداء بالفلاسفة في تركيب الأدلة، بل من جهة أنهم قصدوا الوصول إلى المقصود، فاتفق لهم المشاكلة في النظم كما سيأتي في حديث: "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام" ؛ إلا أنه نادر.
ثم يواصل الشاطبي كلامه فيقول:
وأما إذا كان الطريق مرتبا على قياسات مركبة أو غير مركبة؛ إلا أن في إيصالها إلى المطلوب بعض التوقف للعقل؛ فليس هذا الطريق بشرعي، ولا تجده في القرآن، ولا في السنة، ولا في كلام السلف الصالح؛ فإن ذلك متلفة للعقل ومحارة له قبل بلوغ المقصود
وهو بخلاف وضع التعليم، ولأن المطالب الشرعية إنما هي في عامة الأمر وقتية؛ فاللائق بها ما كان في الفهم وقتيا، فلو وضع النظر في الدليل غير وقتي؛ لكان مناقضا لهذه المطالب، وهو غير صحيح.
يقول الشيخ محمد الخضر الحسين:
جرى السلف في البحث عن العقائد على طريقة الكتاب العزيز حتى رفع المعاندون من المتفلسفة والمبتدعة رءوسهم بإلقاء الشكوك والشبه على حقائق الدين؛ فلم يسع علماء الكلام إلا أن تصدوا لمكافحتهم بمثل السلاح الذي كانوا يهاجمونهم به، وأخذ البحث في العقائد هيئة غير هيئته الأولى، وإنما يكون هذا الصنيع بدعة مكروهة حيث يتحقق أنه رفع أو بدل حقيقة شرعية .
ويقول الشيخ عبد الله دراز معلقا على قول الشاطبي إن مطالب الشرع في عامة الأمر وقتية:
أي: مطلوب تحصيلها في الوقت التالي للخطاب بها، بدون التراخي الذي يقتضيه السير في طريقة الاستدلال المنطقي، ونظام المناقضات والمعارضات والنقوض الإجمالية، التي قد تستغرق الأزمان الطويلة، ولا تستقر النفس فيها على ما ترتاح إليه، مع كثرة المطالب الشرعية اليومية وغيرها.
ثم يواصل الشاطبي رحمه الله احتجاجه فيقول:
وأيضا؛ فإن الإدراكات ليست على فن واحد، ولا هي جارية علىالتساوي في كل مطلب؛ إلا في الضروريات وما قاربها؛ فإنها لا تفاوت فيها يُعتدُّ به، فلو وُضعت الأدلة على غير ذلك (2) ؛ لتعذر هذا المطلب، ولكان التكليف خاصا لا عاما، أو أدى إلى تكليف ما لا يُطاق، أو ما فيه حرج، وكلاهما مُنتفٍ عن الشريعة، وسيأتي في كتاب "المقاصد" تقرير هذا المعنى.]
قال أبو فراس:
هذا موضع آخر من كلام الشاطبي رحمه الله نستشهد به على ما سبق من أن أبا إسحاق إبراهيم بن موسى يظفر غالبا بتحصيل المعاني الصحيحة ويقع له من ذلك الشيء الكثير، لكن ربما يندُّ عنه في بعض المواضع الطريقة الفاضلة في تحصيلها، أو الجمل السليمة في الإفصاح عنها آخذين بالاعتبار حصول الاشتباه في كثير من الأحرف المستعملة، ولعل ما وقع له في هذه المقدمة من تقسيم الطرق التي يتوقف عليها معرفة المطلوب من طريق يليق بالجمهور، وطريق لا يليق بالجمهور هو من هذا الباب، وإن ذكره رحمه الله على طريقة الفرض.
فهو يقصد رحمه الله معنىً حق:
وهو أن خطاب الشارع إنما جاء بما يتفق مع علوم الناس المعتادة، والتي تنتج النتائج الضرورية أو القريبة منها والتي يقع التسليم بها عادة عند جمهور الناس، وأنه ليس في خطابات الشرع من التعقيدات المعتاصة والإفرازات المختلطة التي تظهر عند كثير من المشتغلين بعلوم الفلسفة والمنطق، ومنه أيضا ما وقع في كلام المشتغلين بعلوم أصول الدين والذين يقال لهم المتكلمة.
فيقع لهؤلاء - لاسيما المتفلسفة منهم- التصريح بأن نصوص الشرع إنما جاءت على وفق خطابات الجمهور، أما مسائل الخواص فإنه بحسبهم طرق برهانية وسبل جدلية لا يليق الإفصاح بها للعوام أو للجمهور حسب التعبير الدارج عندهم.
وسأذكر هنا ملخصاً جملا من كلام ابن تيمية رحمه الله أشار فيه إلى أصل إطلاق هذه الكلمة والمعنى المقصود منها:
يقول رحمه الله حاكياً عنهم:
حقائق الأمور لا يكلف بها الجمهور من العامة الغليظة طباعهم المتعلقة بالمحسوسات الصرفة أذهانهم.
فما جاءت به الأنبياء فهو من جنس الخطابة التي قصد بها خطاب الجمهور لم يقصد بها تعريف الحقائق، وإنما أخبروا الجمهور بطريق التخييل وضرب المثل لينتفعوا به في إقامة مصلحة دنياهم لا ليعرفوا بذلك الحق
بل يقع من هؤلاء:
التصريح بأن الأنبياء إنما أرادوا بخطابهم للناس أن يعتقدوا الأمور على خلاف ما هي عليه وهي من جنس الكذب لمصلحة الناس.
وحقيقة قولهم هو ما ذكره الخطابي:
من أنهم لا يجعلون خبر الأنبياء طريقا إلى العلم وقد دخل معهم في هذا الأصل الفاسد من دخل من المنتسبين إلى المسلمين.
واختلف هؤلاء:
هل عَلِمَ الرسول الحقائق؟
فمنهم من اعترف: بأنه علمها لكن لم يبينها بل خاطب الجمهور بالتخييل فيجعلون التخييل في خطابه لا في علمه كما يقول ذلك ابن سينا وأمثاله.
وآخرون يعترفون: بأن الرسل علموا الحق وبينوه لكن يقولون لا يمكن معرفته من كلامهم بل يعرف بطريق آخر إما المعقول عند طائفة وإما المكاشفة عند طائفة إما قياس فلسفي وإما خيال صوفي.
ومنهم من يظن: أن الرسل ما كانوا يعلمون حقائق العلوم الإلهية والكلية.
وإنما يعرف ذلك بزعمهم: من يعرفه من المتفلسفة ويقولون خاصة النبوة هي التخييل ويجعلون النبوة أفضل من غيرها عند الجمهور لا عند أهل المعرفة.
ويقول ابن تيمية رحمه الله في رسالته "معارج الوصول" المودعة في مجموع الفتاوى:
والمقصود أن هؤلاء الغالطين الذين أعرضوا عما في القرآن من الدلائل العقلية والبراهين اليقينية لا يذكرون النظر والدليل والعلم الذي جاء به الرسول والقرآن مملوء من ذلك.
والمتكلمون: يعترفون بأن في القرآن من الأدلة العقلية الدالة على أصول الدين ما فيه لكنهم يسلكون طرقا أخر كطريق الأعراض
ومنهم من يظن: أن هذه طريق إبراهيم الخليل وهو غالط
والمتفلسفة يقولون: القرآن جاء بالطريق الخطابية والمقدمات الإقناعية التي تقنع الجمهور
ويقولون: إن المتكلمين جاءوا بالطرق الجدلية.
ويدعون: أنهم هم أهل البرهان اليقيني.
وهم أبعد عن البرهان في الإلهيات من المتكلمين.
والمتكلمون أعلم منهم بالعلميات البرهانية في الإلهيات والكليات
ولكن للمتفلسفة في الطبيعيات خوض وتفضيل تميزوا به بخلاف الإلهيات فإنهم من أجهل الناس بها وأبعدهم عن معرفة الحق فيها وكلام أرسطو معلمهم فيها قليل كثير الخطأ فهو لحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقى.(3)
ويقول ابن تيمية رحمه الله في كتابه الكبير "درء تعارض العقل والنقل" معرِّضاً بالطرق التي يحسبها هؤلاء أنها هي طريق الخواص دون جمهور الناس وعوامهم، الذين – بحسب هؤلاء المتفلسفة- قد جاءت نصوص الأنبياء على وفق طبائعهم وعقولهم:
" سلوك هؤلاء لهذه الطرق البعيدة التي فيها شبهة وطول دون الطرق القريبة التي هي أقرب وأقطع:
قد يكون لكون المناظر لهم لا يسلم صحة الطرق القريبة الواضحة القطعية:
1- إما عنادا منه.
2- وإما لشبهة عرضت له أفسدت عقله وفطرته مثلما يعرض كثيرا لهؤلاء.
فيحتاج مع من يكون كذلك إلى أن يعدل معه إلى طريق طويلة دقيقة يسلم مقدماتها مقدمة مقدمة إلى أن تلزمه النتيجة بغير اختياره
وإن كانت المقدمات التي مانعها أبين وأقطع من المقدمات التي سلمها.
لكن هذا يحتاج إليه كثيرا في مخاطبة الخلق، فكم من شخص لا يقبل شهادة العدول الذين لا يشك في صدقهم ويقبل شهادة من هو دونهم :
1- إما لجهله.
2- وإما لظلمه.
وكذلك كم من الخلق من يرد أخبارا متواترة مستفيضة
ويقبل خبر من يحسن به الظن
لاعتقاده أنه لا يكذب.
وكم من الناس من يرد ما يعلم بالدلائل السمعية والعقلية
ويقبله إذا رأى مناما يدل على ثبوته أو قاله من يحسن به الظن لثقة نفسه بهذا أكثر من هذا.
وكم ممن يرد نصوص الكتاب والسنة حتى يقول ما يوافقها شيخه أو إمامه فيقبلها حينئذ
لكون نفسه اعتادت قبول ما يقوله ذلك المعظم عنده
ولم يعتد تلقي العلم من الكتاب والسنة
ومثل هذا كثير
فكذلك كثير من الناس:
قد يألف نوعا من النظر والاستدلال فإذا أتاه العلم على ذلك الوجه قبله
وإذا أتاه على غير ذلك الوجه لم يقبله
وإن كان الوجه الثاني أصح وأقرب
كمن تعود أن يحج من طريق بعيدة معطشة مخوفة
وهناك طرق أقرب منها آمنة وفيها الماء
لكن لما لم يعتدها نفرت نفسه عن سلوكها
وكذلك الأدلة التي فيها دقة وغموض وخفاء:
قد ينتفع بها من تعودت نفسه الفكرة في الأمور الدقيقة ومن يكون تلقيه للعلم عن الطرق الخفية التي لا يفهمها أكثر الناس أحب إليه من تلقيه له من الطرق الواضحة التي يشركه فيها الجمهور
ومثل هذا موجود في المطاعم والمشارب والملابس والعادات لما في النفوس من حب الرياسة
فهذه الطرق الطويلة الغامضة التي تتضمن تقسيمات أو تلازمات أو إدراج جزيئات تحت كليات قد ينتفع بها من هذا الوجه في حق طائفة من الناظرين والمناظرين
وإن كان غير هؤلاء من أهل الفطر السليمة والأذهان المستقيمة لا يحتاج إليها بل إذا ذكرت عنده مجها سمعه ونفر عنها عقله ورأى المطلوب أقرب وأيسر من أن يحتاج إلى هذا." (4)

ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــ
1) أي: الذي مآله الموت ( تحقيق مشهور)

2) يقول الشيخ عبد الله دراز: غير ما كان من الضروريات وما قاربها.

3) مجموع الفتاوى - (ج 19 / ص 163)

4) درء التعارض - (ج 4 / ص 143)، وراجع: الرد على المنطقيين ( 441)
مجموع الفتاوى - (ج 3 / ص 186)

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-06-02 ||, 08:04 PM
[المقدمة السابعة] (1)

كل علم شرعي فطلب الشارع له إنما يكون من حيث هو وسيلة إلى التعبد به لله تعالى، لا من جهة أخرى, فإن ظهر فيه اعتبار جهة أخرى؛ فبالتبع والقصد الثاني، لا بالقصد الأول.
والدليل على ذلك أمور:
أحدها:
ما تقدَّم في المسألة قبل:
أن كل علم لا يُفيد عملا؛ فليس في الشرع ما يدلُّ على استحسانه، ولو كان له غاية أخرى شرعية؛ لكان مستحسنا شرعا، ولو كان مستحسنا شرعا؛ لبحث عنه الأولون من الصحابة والتابعين.
علق الشيخ عبد الله دراز رحمه الله على قول الشاطبي "كل علم لا يفيد عملا فليس في الشرع ما يدل على استحسانه"، فقال:
كالفلسفة النظرية الصرفة، أما الفلسفة العملية؛ كالهندسة، والكيمياء، والطب، والكهرباء, وغيرها؛ فليست داخلة في كلامه، ولا يصح أن يقصدها؛ لأنها علوم يتوقف عليها حفظ مقاصد الشرع في الضروريات والحاجيات... إلخ، والمصالح المرسلة تشملها، وهي وسيلة إلى التعبد أيضا؛ لأن التعبد هو تصرف العبد في شئون دنياه وأخراه بما يقيم مصالحهما، بحيث يجري في ذلك على مقتضى ما رَسم له مولاه، لا على مقتضى هواه؛ كما سيأتي للمؤلف.
كما علَّق على قوله "ولو كان مستحسنا شرعا لبحث عنه الأولون" فقال:
ممنوع؛ فكم من علم شرعي لم يبحث عنه الأولون لعدم الحاجة إليه عندهم؟ وأقربها إلينا علم الأصول، ولم يبدأ البحث في تأصيل مسائله في عهد الصحابة والتابعين.
وقال الشيخ محمد الخضر الحسين:
من العلوم ما تقتضيه حال العصر؛ كعلم الكيمياء، والهندسة، ومباحث الحرارة والكهرباء، وقاعدة وزن الثقل، وما يشاكلها من العلوم التي لا يمكن الخلاص من الأعداء إلا بالقيام عليها، ولم يبحث عنها الأولون من الصحابة والتابعين؛ لأن الحاجة الداعية إلى تعلمها لم تظهر في ذلك العهد بمثل الوجه الذي ظهرت به اليوم.
ثم يقول الشاطبي رحمه الله مواصلا سياق أدلته على أن كل علم شرعي إنما يكون طلب الشارع له من حيث هو وسيلة للتعبد به لله، فإن ظهر فيه قصد آخر فالبتبع لا بالقصد الأول:
الثاني:
أن الشرع إنما جاء بالتعبُّد، وهو المقصود من بعثة الأنبياء -عليهم السلام- كقوله تعالى:
1- {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ} [النساء: 1].
2- {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ، أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ} [هود: 1-2].
3- {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [إبراهيم: 1].
4- {ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2].
5- { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 1]
أي: يُسوون به غيره في العبادة؛ فذمهم على ذلك.
6- وقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [المائدة: 92].
7- {لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ} [الكهف: 2].
8- {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25].
9- {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} الآية [الزمر: 2-3].
وما أشبه ذلك من الآيات التي لا تكاد تُحصى، كلها دال على أن المقصود التعبد لله، وإنما أُتوا بأدلة التوحيد ليتوجهوا إلى المعبود بحق وحده، سبحانه لا شريك له، ولذلك قال تعالى:
10- {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} [محمد: 19].
11- وقال: {فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [هود: 14].
12- وقال: {هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [غافر: 65].
ومثله سائر المواضع: التي نص فيها على كلمة التوحيد، لا بد أن أُعقبت بطلب التعبد لله وحده، أو جُعل مقدمة لها، بل أدلة التوحيد هكذا جرى مساق القرآن فيها: ألا تُذكر إلا كذلك؛ وهو واضح في أن التعبد لله هو المقصود من العلم، والآيات في هذا المعنى لا تُحصى.
والثالث:ما جاء من الأدلة الدالة على أن روح العلم هو العمل، وإلا؛ فالعلم عارية وغير منتفع به:
1- فقد قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28].
2- وقال: {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ} [يوسف: 68].
قال قتادة: يعني لذو عمل بما علَّمناه.
قال الشيخ محمد الخضر الحسين:
ولا وجه لهذا التأويل على ما يطابق وضعها المألوف قيما لا عوج فيه، وهو الثناء على يوسف -عليه السلام- بفضيلة العلم، وبيان أنه مفاض عليه بتعليم الله إياه على طريق الوحي، أو نصب الأدلة الكونية.
ثم يواصل الشاطبي سرده للأدلة الدالة على أن روح العلم هو العمل، وإلا؛ فالعلم عارية وغير منتفع به:
3- وقال تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ...} إلى أن قال: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} الآية [الزمر: 9].
4- وقال تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ} [البقرة: 44].
5- ورُوي عن أبي جعفر محمد بن علي في قول الله تعالى: {فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ} [الشعراء: 94]؛ قال: قوم وصفوا الحق والعدل بألسنتهم، وخالفوه إلى غيره.
6- وعن أبي هريرة؛ قال: "إن في جهنم أرْحاء تدور بعُلماء السوء، فيُشرف عليهم بعض من كان يعرفهم في الدنيا، فيقول: ما صيَّركم في هذا، وإنما كنا نتعلم منكم؟ قالوا: إنا كنا نأمركم بالأمر, ونخالفكم إلى غيره"
يقول الشيخ مشهور آل سلمان:
أخرج نحو هذا الحديث عن أسامة بن زيد -رضي الله عنه- البخاري في "صحيحه" "ومسلم في "صحيحه"
ولفظ البخاري: "يجاء بالرجل يوم القيامة فيُلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاهُ؛ فيجتمع أهل النار عليه؛ فيقولون: أي فلان! ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه " .
وأخرجه من حديث أبي هريرة باللفظ المذكور عند المصنف الديلمي في "المسند" "رقم 845"، وابن عبد البر في "الجامع" "رقم 1177" بسند ضعيف جدا، ونحوه عن أنس عند ابن عدي وابن عساكر، وعن ابن عمر عند ابن عساكر بإسناد فيه متهم بالكذب؛ كما في "إتحاف السادة المتقين" "10/ 519"
ويغني عن هذه الأحاديث حديث أسامة السابق، وكان ينبغي للمصنف أن يقتصر عليه، ولكنه يتابع الغزالي -في بعض الأحايين- في نقل الأحاديث من "الإحياء"، وضعفها مشهور معلوم، والله الموفق.
نرجع إلى كلام الشاطبي وهو يواصل استدلاله على أن العمل هو روح العلم:
7- وقال سفيان الثوري: "إنما يُتعلَّم العلم ليُتَّقى به الله، وإنما فُضِّل العلم على غيره؛ لأنه يُتقى الله به".
8- وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لا تزول قدما العبد يوم القيامة حتى يُسأل عن خمس خِصال) ، وذكر فيها: ( وعن علمه, ماذا عمل فيه؟).
9- وعن أبي الدرداء: "إنما أخاف أن يُقال لي يوم القيامة: أَعَلِمْتَ أم جَهِلْتَ؟ فأقول: علمت. فلا تبقى آية من كتاب الله آمرة أو زاجرة إلا جاءتني تسألني فريضتها، فتسألني الآمرة: هل ائتمرت؟ والزاجرة: هل ازدجرت؟ فأعوذ بالله من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعاء لا يُسمع".
10- وحديث أبي هريرة في الثلاثة الذين هم أول من تُسعَّر بهم النار يومالقيامة، قال فيه: "ورجل تعلم العلم وعلَّمه، وقرأ القرآن، فأُتي به فعرَّفه نِعَمه فعرفها، فقال: ما عملت فيها؟ قال: تعلَّمت فيك العلم وعلَّمته، وقرأتُ القرآن. قال: كذبت، ولكن ليقال: فلان قارئ؛ فقد قيل، ثم أُمر به فسُحب على وجهه حتى أُلقي في النار".
11- وقال: "إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة عالما لم ينفعه الله بعلمه".
علق الشيخ مشهور على هذا الحديث فقال:
أخرجه الطبراني في "الصغير" "1/ 305/ رقم 507- الروض الداني"، وابن عدي في "الكامل" "5/ 1807"، من طريق عثمان البري عن سعيد المقبري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعا.
وإسناده ضعيف جدا، مداره على عثمان بن مقسم البري، وهو ضعيف جدا، واتهمه ابن معين بالوضع، .
وضعف الحديث العراقي في "تخريجه لأحاديث الإحياء" "1/ 3 و3/ 377"، والمنذري في "الترغيب والترهيب" "1/ 78"، وابن حجر كما قال المناوي في "فيض القدير" "1/ 518"
نرجع إلى كلام الشاطبي وهو يواصل استدلاله على أن العمل هو روح العلم:
12- وروي أنه عليه السلام كان يستعيذ من علم لا ينفع.
13- وقالت الحكماء: "من حَجب الله عنه العلم؛ عذَّبه به على الجهل، وأشد منه عذابا من أقبل عليه العلم فأدبر عنه، ومن أهدى الله إليه علما فلم يعمل به".
14- وقال معاذ بن جبل: "اعلموا ما شئتم أن تعلموا؛ فلن يأجُركم الله بعلمه حتى تعملوا".
15- وروي أيضا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفيه زيادة: "إن العلماء همتهم الرعاية، وإن السفهاء همتهم الرواية".
يقول الشيخ مشهور بعد ضعف الحديث مرفوعاً:
والزيادة التي في آخره: إنما هي من قول الحسن؛ كما عند الخطيب في "الاقتضاء" "رقم 39"، وأرسلها في رواية عند ابن عساكر "19/ 78/ 2"، وهي خطأ، ومدارها على أبي محمد الأطرابلسي، وهو مجهول.
ثم قال الشاطبي:
16- وروي موقوفا أيضا عن أنس بن مالك، وعن عبد الرحمن بن غَنْم؛ قال: حدَّثني عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: كنا نتدارس العلم في مسجد قُباء؛ إذ خرج علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "تعلَّموا ما شئتم أن تعلَّموا؛ فلن يأجركم الله حتى تعملوا".
علق الشيخ مشهور آل سلمان فقال:
ذكره ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" "1/ 694/ رقم 1228" عن مكحول عن عبد الرحمن بن غنم مثله، وقال ابن السبكي في "طبقات الشافعية الكبرى" "6/ 289": "لم أجد له إسنادا". وانظر: "إتحاف السادة المتقين" "1/ 373".
ثم قال الشاطبي:
17- وكان رجل يسأل أبا الدرداء؛ فقال له: كل ما تسأل عنه تعمل به؟ قال: لا. قال: فما تصنع بازدياد حُجَّة الله عليك؟.
18- وقال الحسن: "اعتبروا الناس بأعمالهم، ودعوا أقوالهم؛ فإن الله لم يدع قولا إلا جعل عليه دليلا من عمل يصدّقه أو يكذّبه، فإذا سمعت قولا حسنا؛ فَرويدا بصاحبه، فإن وافق قوله عمله؛ فنِعْم ونعمةَ عَين".
19- وقال ابن مسعود: "إن الناس أحسنوا القول كلهم, فمن وافق فعله قوله؛ فذلك الذي أصاب حظه، ومن خالف فعله قوله؛ فإنما يُوبِّخ نفسه".
20- وقال الثوري: "إنما يطلب الحديث ليُتَّقى به الله عز وجل فلذلك فُضِّل على غيره من العلوم، ولولا ذلك كان كسائر الأشياء".
21- وذكر مالك أنه بلغه عن القاسم بن محمد؛ قال: "أدركت الناس وما يعجبهم القول، إنما يعجبهم العمل".(2) (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn 2)
والأدلة على هذا المعنى أكثر من أن تُحصى
وكل ذلك يُحقق أن العلم وسيلة من الوسائل، ليس مقصودا لنفسه من حيث النظر الشرعي، وإنما هو وسيلة إلى العمل، وكل ما ورد في فضل العلم؛ فإنما هو ثابت للعلم من جهة ما هو مكلف بالعمل به.
فلا يقال:
إن العلم قد ثبت في الشريعة فضله، وإن منازل العلماء فوق منازل الشهداء، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن مرتبة العلماء تلي مرتبة الأنبياء.
وإذا كان كذلك
وكان الدليل الدال على فضله مطلقا لا مقيَّدا
فكيف يُنكر أنه فضيلة مقصودة لا وسيلة؟
هذا وإن كان وسيلة من وجه؛ فهو مقصود لنفسه أيضا، كالإيمان؛ فإنه شرط في صحة العبادات، ووسيلة إلى قبولها، ومع ذلك؛ فهو مقصود لنفسه.
لأنا نقول:
لم يثبت فضله مطلقا بل من حيث التوسل به إلى العمل، بدليل ما تقدَّم ذكره آنفا، وإلا تعارضت الأدلة، وتناقضت الآيات والأخبار، وأقوال السلف الأخيار؛ فلا بد من الجمع بينها
وما ذُكر آنفا شارح لما ذُكر في فضل العلم والعلماء
وأما الإيمان؛ فإنه عمل من أعمال القلوب، وهو التصديق، وهو ناشئ عن العلم، والأعمال قد يكون بعضها وسيلة إلى البعض، وإن صح أن تكون مقصودة في أنفسها، أما العلم؛ فإنه وسيلة، وأعلى ذلك العلم بالله، ولا تصح به فضيلة لصاحبه حتى يصدِّق بمقتضاه، وهو الإيمان بالله.
فإن قيل:
هذا متناقض؛ فإنه لا يصح العلم بالله مع التكذيب به.
قيل:
بل قد يحصل العلم مع التكذيب:
1- فإن الله قال في قوم: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} [النمل: 14].
2- وقال: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 146].
3- وقال: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 20].
فأثبت لهم المعرفة بالنبي صلى الله عليه وسلم ثم بيَّن أنهم لا يؤمنون، وذلك مما يوضح أن الإيمان غير العلم؛ كما أن الجهل مُغايرٌ للكفر.
نعم، قد يكون العلم فضيلة، وإن لم يقع العمل به على الجملة:
كالعلم بفروع الشريعة والعوارض الطارئة في التكليف، إذا فُرض أنها لم تقع في الخارج؛ فإن العلم بها حسن، وصاحب العلم مُثابٌ عليه وبالغ مبالغ العلماء
لكن من جهة ما هو مظنَّة الانتفاع عند وجود محله:
ولم يُخرجه ذلك عن كونه وسيلة، كما أن في تحصيل الطهارة للصلاة فضيلة وإن لم يأت وقت الصلاة بعد، أو جاء ولم يمكنه أداؤُها لعذر، فلو فُرض أنه تطهَّر على عزيمة أن لا يُصلي؛ لم يصح له ثواب الطهارة، فكذلك إذا علم على أن لا يعمل؛ لم ينفعه علمه، وقد وجدنا وسمعنا أن كثيرا من اليهود والنصارى يعرفون دين الإسلام، ويعلمون كثيرا من أصوله وفروعه، ولم يكن ذلك نافعا لهم مع البقاء على الكفر باتفاق أهل الإسلام.
فالحاصل:
أن كل علم شرعي ليس بمطلوب إلا من جهة ما يتوسل به إليه، وهو العمل.


فصل

ولا يُنكر فضل العلم في الجملة إلا جاهل، ولكن له:
1- قصد أصلي.
2- وقصد تابع.
فالقصد الأصليُّ : ما تقدم ذكره.
وأما التابع: فهو الذي يذكره الجمهور من كون صاحبه شريفا، وإن لم يكن في أصله كذلك، وأن الجاهل دنيء، وإن كان في أصله شريفا، وأن قوله نافذ في الأشعار والأبشار(3) وحكمه ماض على الخلق وأن تعظيمه واجب على جميع المكلفين، إذ قام لهم مقام النبي؛ لأن العلماء ورثة الأنبياء، وأن العلم جمال ومال ورتبة لا توازيها رتبة، وأهله أحياء أبد الدهر... إلى سائر ما له في الدنيا من المناقب الحميدة، والمآثر الحسنة، والمنازل الرفيعة.
فذلك كله:
غير مقصود من العلم شرعا، كما أنه غير مقصود من العبادة والانقطاع إلى الله تعالى، وإن كان صاحبه يناله وأيضا؛ فإن في العلم بالأشياء لذة لا توازيها لذة؛ إذ هو نوع من الاستيلاء على المعلوم والحوز له، ومحبة الاستيلاء قد جُبلت عليها النفوس ومُيلت إليها القلوب، وهو مطلبٌ خاص، برهانه التجربة التامة والاستقراء العام؛ فقد يُطلب العلم للتفكه به، والتلذذ بمحادثته، ولاسيما العلوم التي للعقول فيها مجال، وللنظر في أطرافها مُتسع، ولاستنباط المجهول من المعلوم فيها طريق متبع.
ولكن كل تابع من هذه التوابع:
1- إما أن يكون خادما للقصد الأصلي.
2- أو لا.
فإن كان خادما له:
فالقصد إليه ابتداء صحيح، وقد قال تعالى في معرض المدح: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74].
وجاء عن بعض السلف الصالح:
اللهم اجعلني من أئمة المتقين.
وقال عمر لابنه حين وقع في نفسه أن الشجرة التي هي مثل المؤمن النخلة: "لأن تكون قلتها أحب إليّ من كذا وكذا".
وفي القرآن عن إبراهيم, عليه السلام: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} [الشعراء: 84].
فكذلك:
إذا طلبه لما فيه من الثواب الجزيل في الآخرة، وأشباه ذلك.
وإن كان غير خادم له:
فالقصد إليه ابتداء غير صحيح:
1- كتعلمه رياء.
2- أو ليُماري به السفهاء.
3- أو يُباهي به العلماء.
4- أو يستميل به قلوب العباد.
5- أو لينال من دنياهم.
6- أو ما أشبه ذلك.
فإن مثل هذا إذا لاح له شيء مما طلب زهد في التعلم، ورغب في التقدم، وصعب عليه إحكام ما ابتدأ فيه، وأنف من الاعتراف بالتقصير؛ فرضي بحاكم عقله، وقاس بجهله؛ فصار ممن سُئل فأفتى بغير علم؛ فضَلَّ وأضلَّ، أعاذنا الله من ذلك بفضله.
وفي الحديث:
"لا تعلَّموا العلم لُتباهوا به العلماء، ولا لتُماروا به السفهاء، ولا لتحتازوا به المجالس، فمن فعل ذلك؛ فالنار النار"
وقال:
"من تعلم علما ما يُبتغى به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به غرضا من الدنيا؛ لم يجد عَرف الجنة يوم القيامة".
وفي بعض الحديث:
سئل عليه السلام عن الشهوة الخفية؛ فقال: ( هو الرجل يتعلم العلم يريد أن يُجلس إليه ) الحديث.
وفي القرآن العظيم:
{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ} [الآية] [البقرة: 174].
والأدلة في المعنى كثيرة.
----------------------------------
1) الموافقات - (ج 1 / ص 73)
2) مشهور آل سلمان: أخرج ابن عبد البر في "الجامع" "رقم 2062، 2063" عن ابن وهب؛ قال: "قال لي مالك: أدركت أهل هذه البلاد، وإنهم ليكرهون هذا الإكثار الذي في الناس اليوم". قال ابن وهب: "يريد المسائل".
قال: "وقال مالك: إنما كان الناس يفتون بما سمعوا وعلموا، ولم يكن هذا الكلام في الناس اليوم".

3) أي البشر كما في لسان العرب "تحقيق مشهور"

سليم المصمودي
08-07-04 ||, 03:45 PM
لم أقرأ الموضوع كاملا..لكن يبدوا انه دسم للغاية..نكمله إن شاء الله...
جزاك الله خيرا أخي الكريم..

خالد محمد المرسي
08-10-27 ||, 05:01 PM
يعنى هذه المقدمات الان عليها تعليقات حضرتك ؟
وهل لو قرأناها وعندها اشكالات تتاح لنا الفرصة لعرضها على حضرتك ؟
ثم نود نبذة عن مجمل موضوع تلك المقدمات وهل اى طالب يستطيع الاستفادة منها ام هى مقصورة على طائفة معينة ؟

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-10-30 ||, 12:02 PM
حياكم الله وبياكم
بالنسبة لأخي خالد: فنعم، ذكرتُ بعض التعليقات والوقفات على هذه المقدمات، وإن كان الغالب عليها التقرير والتنسيق وإضافة تعليقات أهل العلم.
وبالنسبة للإشكالات التي تعرض عند قراءة هذه المقدمات فأرحب بها، فإن كان عندنا تكلمنا، وإلا سكتنا وسألنا أو بحثنا، فلا غضاضة عليك أخي بالسؤال، ولا غضاضة علينا لو لم نعرف الجواب؛ فإنه يسعنا السكوت، ولن نضجر - بإذن الله - من ذلك.
بالنسبة لهذه المقدمات فنصيحتي للطلاب عموما قراءة هذه المقدمات مع عدم لزوم الوقوف على عقدها، لاسيما مَنْ كان في الدرجات الأولى للطلب.
فيكفي أن تمرَّ على قراءتها سريعا أو أنك تقرأها ملخصة من تهذيب الموافقات للشيخ محمد حسين الجيزاني.
ولا أحب للإخوة المستجدين في الطلب أن يقفوا عندها كثيرا، بل يكفي أن تعرف أن هناك مقدمات نفيسه للإمام أبي إسحاق الشاطبي في مقدمة موافقاته ويكفي أن تمر عليها وتسجل بعض الفوائد، وتستفسر عن بعض المسائل من غير مكث ولا طول، فإن بعض مباحثها فيه وعورة وربما يكون بقاء طالب العلم وهو ما زال في أول درجاته عند كل حرف مشكل بالنسبة له مضيعة للزمان.
بينما لو أنه مشى في دراسة العلم خطوات ملحوظة فإنه إذا قرأها بعد ذلك قراءة متأنية فإنه سيعرف مغزى أبي إسحاق وسيتلذذ كثيرا باعتراضاته وبأجوبته وتبقى عنده بعض الأحرف اليسيرة فهذا يمكن التكلف لحلها ببحث أو سؤال.
بارك الله فيك أخي خالد، ونفع الله بك وفتح الله علينا وعليك وعلى طلبة العلم من فيض رحمته ومن واسع فضله إنه هو الجواد.

محمد بن حسين الأنصاري
08-11-02 ||, 11:01 PM
[quote=فؤاد يحيى هاشم;5483]
ووجوه الاستدلال التي ذكرها الشاطبي لا تخلو من تكلف لذا أعرضت عنها.
أعلم.[/font]

لا أدري ما هو وجه التكلف في استدلال الشاطبي..!

خاصة مع اعتبار الرأي الذي يقول: الأصول القطعية هذه هي "أصول الفقه" بمعناها اللغوي

الإضافي لا بمعناها اللقبي المعروف عند بعض الفقهاء.

فالشاطبي هنا قد لا يقصد آحاد المسائل الأصولية كما قد يظن.. بل يقصد كليات الأصول

ولا شك أنها كذلك..

ما رأيكم؟

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-11-13 ||, 09:20 PM
المقصود بالتكلف هو طريقة الإثبات وذلك شاملٌ للأدلة الثلاثة التي استدل بها، ولو سقناها هنا لصعب علينا فهمها فضلا عن مناقشتها.
ولا أقصد القول نفسه، فإن للأصوليين مسلكان اثنان في قطعية أصول الفقه، مثَّل الشاطبي أحدهما.


ويقول الدكتور الريسوني:
الخلاف في هذه القضية يبدو أنه راجع إلى عدم تحرير محل النزاع فقط، فالقائلون بأن أصول الفقه قطعية لا تحتمل الظنيات ومنهم الشاطبي يقصدون أصول الأدلة والقواعد الكلية للشريعة، ويعتبرون ما سوى ذلك من المباحث التفصيلية والاجتهادات التطبيقية ليس من أصول الفقه وإن بحث في علم أصول الفقه حيث أدرجت فيه كثير من الظنيات، ودليل ظنيتها كثرة الخلاف فيها وهو ما سعى الشاطبي إلى إقصائه من أصول الفقه وافتتح كتابه على أن أصول الفقه قطعية لا ظنية.
قال أبو فراس:
والذي يبدو لي والعلم عند الله أن هذه المسألة ليست بذاك التعقيد، وأن الأمر كما ذكر د. الريسوني وأن الخلاف فيها راجع إلى عدم تحرير محل النزاع
فمن نظر إلى القواعد والأصول الكلية حكم على أصول الفقه بالقطع
ومن نظر إلى أصول الفقه بجملته وما احتواه من مسائل وتفريعات محسوب كثير منها على الظن بل والوهم جزم بعدم القطع .
ولكن كانت نظرة الطاهر بن عاشور عميقة وبعيدة الغور فهو يقول:
إن سبب الخلاف راجع إلى الحيرة بين ما أَلِفوه من اشتمال الأصول على الظن، وبين ما راموا أن يصلوا إليه من جعل أصول الفقه قطعية كقطعية أصول الدين.
فالواقع في أصول الفقه – حسب ابن عاشور – أنها مشتملة على ما هو من الظنون.
وكان الواجب في أصول الفقه أن يقصر على المقطوع به فهي ( يجب أن تكون قطعية، أي من حق العلماء أن لا يدونوا إلا ما هو قطعي بالضرورة أو بالنظر القوي.)
ثم رأى ابن عاشور:
أن تبقى أصول الفقه على حالته من اشتمالها على الظنون ويستمد منه طرق تركيب الأدلة الفقهية.
ثم يعاد صياغة القدر المقطوع منه وذلك عن طريق :
1- إذابة أصول الفقه في بوتقة التدوين
2- ثم تعير بمعيار النظر والنقد.
3- فننفي عنها الأجزاء الغريبة التي غلثت بها.
4- ونضع فيها أشرف معادن مدارك الفقه والنظر.
5- ثم نعيد صوغ ذلك العلم ونسميه علم مقاصد الشريعة.

قلت:
كلام ابن عاشور جميل جدا ولكن المعاني الفاضلة التي رام تصفيتها من شوائب أصول الفقه لا تقتصر على ما أراد أن يكون منزويا تحت سرادق علم المقاصد، فهي أعم من علم المقاصد.



.


[quote=فؤاد يحيى هاشم;5483]
ووجوه الاستدلال التي ذكرها الشاطبي لا تخلو من تكلف لذا أعرضت عنها.
أعلم.[/font]

لا أدري ما هو وجه التكلف في استدلال الشاطبي..!

خاصة مع اعتبار الرأي الذي يقول: الأصول القطعية هذه هي "أصول الفقه" بمعناها اللغوي

الإضافي لا بمعناها اللقبي المعروف عند بعض الفقهاء.

فالشاطبي هنا قد لا يقصد آحاد المسائل الأصولية كما قد يظن.. بل يقصد كليات الأصول

ولا شك أنها كذلك..

ما رأيكم؟
ثم ما رأيك عن اعتذار الجويني وجواب ابن عاشور:
"بينما اعتذر الجوينيُّ :
عن إدخاله في الأصول بأن التفاصيل المبنية على الأصول المقطوع بها داخلة بالمعنى فيما دل عليه الدليل القطعي.([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1))
وحكم الطاهر بن عاشور على هذا الاعتذار:
بأنه : اعتذار واهٍ
لأنَّا : لم نرهم دونوا في أصول الفقه أصولا قواطع يمكن توقيف المخالف عند جريه على خلاف مقتضاها، كما فعلوا في أصول الدين، بل لم نجد القواطع إلا نادرة مثل ذكر الكليات الضرورية: حفظ الدين والنفس والعقل والنسب والمال والعرض، وما عدا ذلك فمعظم أصول الفقه ظنية."

خالد محمد المرسي
08-11-14 ||, 08:19 PM
تلك المقدمات صعبة على جدا لذا فانا أعتذر عن المشاركة

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-11-14 ||, 09:43 PM
تلك المقدمات صعبة على جدا لذا فانا أعتذر عن المشاركة
نعم، وبعد مراجعتها، تبين لي أنه وقع في الموضوع طول واستطراد، مما عقَّد من فكرة المقدمات.
ولهذا فإنه إن شاء الله بعد تمام الموضوع سوف ألخص المقدمات في مشاركة واحدة بحيث تكون من السهولة بمكان قراءتها في جلسة واحدة.