المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قواعد المقاصد عند الإمام الشاطبي



د. خلود العتيبي
11-02-16 ||, 04:28 PM
قواعد المقاصد عند الإمام الشاطبي

د. عبد الرحمن بن إبراهيم الكيلاني
اسم الرسالة: قواعد المقاصد عند الإمام الشاطبي عرضاً ودراسة وتحليلاً
المؤلف: د. عبد الرحمن بن إبراهيم الكيلاني
الناشر: المعهد العالمي للفكر الإسلامي / دار الفكر بدمشق
عدد الصفحات:488


قسم المؤلف كتابه إلى مقدمة وبابين وخمسة فصول وثلاثة وعشرين مبحثاً وخاتمة .
ذكر في المقدمة أهمية البحث ،والأسباب الداعية لاختياره ،والجهود السابقة ،ومنهجيته في هذا البحث ،ثم تعريف بالإمام الشاطبي رحمه الله .
بعد ذلك شرع في الباب الأول ،والذي عقده لبيان مفهوم القاعدة المقصدية ومرتبتها، جاعلاً هذا الباب في فصلين خصص الأول في حقيقة القاعدة المقصدية ،فتناول معنى القاعدة لغة واصطلاحاً
وأنواع القواعد،وتعريف المقاصد لغة واصطلاحاً،ثم إظهار ما بين مقاصد الشريعة وغيرها من المصطلحات القريبة من صلة،ثم حقيقة القاعدة المقصدية وفائدتها وطبيعتها.
وفي الثاني تحدث عن أقسام القاعدة المقصدية ومكانتها في التشريع ،ومدى صلاحيتها للاحتجاج بها في
مقام الاستدلال.
ثم انتقل للباب الثاني والذي خصصه لعرض ودراسة قواعد المقاصد من خلال موضوعاتها ، عارضاً إيه في ثلاثة فصول في الأول تكلم عن القواعد المقاصدية المتعلقة بموضوع المصلحة والمفسدة ، من حيث العلاقة بين قصد الشارع وإقامة المصالح ،و القواعد المقاصدية المحددة لضوابط المصلحة المعتبرة شرعاً،
والقواعد المقاصدية المبينة لأقسام المصالح ، من حيث أهميتها ، وقوة أثرها في تحقيق هذه المصالح ،
،والمتعلقة بمكملات المراتب الثلاث ( الضروريات والحاجيات والتحسينيات) والمنظمة للعلاقة بينها ، ومن حيث مجالات النظر في علل الأحكام وفق ما تقرره القواعد المقاصدية،ثم القواعد المقاصدية التي تلزم المجتهد بالالتفات إلى معاني الأحكام ، وما تتضمنه هذا المعاني من مقاصد .
وفي الفصل الثاني تكلم عن القواعد المقاصدية المتعلقة بمبدأ رفع الحرج من خلال الباحث التالية : الأول في القواعد المبينة للعلاقة بين قصد الشارع من جهة ، وبين الحرج من جهة أخرى ، والثاني في القواعد المقاصدية التي تربط بين مبدأ رفع الحرج وقصد المكلف ،والثالث في ضوابط المشقة المعتبرة وفق ما تكشف عنه القواعد المقاصدية،والرابع في طبيعة العلاقة بين قصد الشارع وأسباب التيسير، وفق ما تحدده قواعد المقاصد،والخامس في العلاقة بين قصد المكلف وبين أسباب الرخص .
أما الفصل الثالث فتكلم فيه عن القواعد المقاصدية المتعلقة بمآلات الأفعال ومقاصد المكلفين .
وفي نهاية البحث سجل الباحث أهم النتائج والتوصيات التي وقف عليها :
أولاً : للقواعد المقاصدية تميز واستقلال عن كل من القواعد الأصولية والفقهية ، من حيث : الحقيقة ، والحجية ، والمضمون ، ومدى الاتفاق والاختلاف عليها ، إذ إن مفهوم القاعدة المقصدية يختص بتلك التي تعبر عن معنى تشريعي عام مستفاد من أدلة الشريعة المختلفة اتجهت إرادة الشارع إلى إقامتها من خلال الأحكام .
ولا ينفي هذا التميز للقواعد المقصدية أن تجمع بعض القواعد وصفاً مقصدياً وفقهياً ، أو مقصدياً وأصولياً في آن واحد .
ثانياً : القواعد المقاصدية وإن كانت تختلف عن كل من القاعدة الأصولية والفقهية حجية ومضموناً ، فإنها كلها تلتقي في غاية واحدة ، وهي : إسعاف المجتهد بالقواعد العامة التي يتحتم عليه مراعاتها والإحاطة بها عند بيانه للأحكام ، وتقف هذه القواعد جنباً إلى جنب لإثراء المجتهد بمجموعة كبيرة من الأدلة ، التي تعينه عند النظر والاستدلال والترجيح بين المصالح في حال تعارضها .
ثالثاً : منشأ الزلل في بعض الاجتهادات المعاصرة يعود إلى عدم مراعاة الكليات التشريعية عند دراسة النصوص ، والاكتفاء بتحكيم القواعد الأصولية لاستفادة الحكم ، دون أن يقترن بذلك نظر إلى المعاني التشريعية العامة التي تعتبر قطب رحى الشريعة ، فلا يصح إذن دراسة الجزئيات بمعزل عن الكليات التي توجه تلك الجزئيات .
رابعاً : اعتمد السابقون من العلماء كثيراً من القواعد المقاصدية في سبيل بيان الحكم الشرعي ، واعتبروا تلك القواعد بمثابة أدلة مستقلة ، يمكن أن يستند عليها لتأييد الحكم ، وبدت هذه النظرة واضحة في القواعد المقاصدية المتعلقة بالمصلحة والمفسدة ، والنظر إلى المآل ، وقواعد رفع الحرج .
خامساً : قيام الشريعة على أساس جلب المصالح ودفع المفاسد مبدأ مقرر معتبر ، لا تنحصر الأدلة التي تنهض به وتفضي إليه ، وكليات الشريعة وجزئياتها ترشد إلى هذا المعنى وتدل عليه .
سادساً : لوسائل حفظ مقاصد الشريعة من جانبي الوجود والعدم ، أثر بين في استيعاب بعض القضايا المعاصرة التي يظهر فيها التأثير على الضروريات الخمس : ( الدين و النفس والنسل والعقل والمال ) سواءً أكان ذلك التأثير سلباً أم إيجاباً ، ويتحدد الحكم المناسب لتلك الوقائع الطارئة على ضوء نوع التأثير الذي يصيب هذه المقاصد .
سابعاً : إن لارتباط الكبيرة والصغيرة بمفهوم المصلحة والمفسدة دوراً في توسيع نطاق الكبائر ، بحيث لا تقتصر على تلك التي ورد بها النص ، وإنما تتعدى ذلك لتشمل كل فعل تزيد مفسدته مفسدة الكبائر المنصوص عليها أو تساويها ، وتتناول جميع المعاصي ذات المفاسد العظيمة ، سواءً أكان مجالها أخلاقياً أم اجتماعياً أم سياسياً أم اقتصادياً .
ثامناً : لا ينحصر مجال مرتبة الحاجيات على المسائل التي ذكرها الفقهاء ، والتي تيسر على الإنسان وجوده المادي في الحياة ، وإنما تتناول أيضاً العناصر المعنوية للشخصية الإنسانية ، من مثل : الكرامة ، وحرية الرأي ، والمساواة ، ذلك أن انعدام مثل هذه العناصر مظنة لإيقاع الإنسان في الحرج الشديد أو ترتيب مشقة بالغة غير معتادة تصبح الحياة معها عبئاً ثقيلاً لا يطاق.
تاسعاً : ترتبط مراتب المقاصد الثلاث : الضروريات والحاجيات والتحسينيات ببعضها برباط وثيق ، ولا تقوم المصالح الضرورية حق القيام إلا بالحفاظ على المرتبتين الأخريتين : الحاجية والتحسينية ، وإن الإخلال بالمصالح الحاجية أو التحسينية بإطلاق آيل إلى الإخلال بالمصالح الضرورية بوجهٍ ما .
ولذا لا بد من الحفاظ على جميع أقسام المصالح إذا تحققت فيها الشروط المعتبرة بقطع النظر عن نوعها : ضرورياً كان أو حاجياً أو تحسينياً ، لأن الإخلال بأي من هذه المراتب مؤد إلى الإخلال بغيره من المراتب الأخرى ، عاجلاً أم آجلاً .
عاشراً : إن من مظاهر رعاية الشريعة الإسلامية للمصلحة أنها لم تكتف بتقرير مراتب المصالح الثلاث : الضروريات والحاجيات والتحسينيات ، وإنما ألحقت بكل مرتبة من هذه المراتب مكملات توثق إقامة المصلحة في الواقع والوجود ، وتؤكد حكمتها واعتبارها ، حيث إن فوات المصالح المكمِّلة يضعف من قوة المصالح المكمَّلة .
الحادية عشرة : أرشدت القواعد المقاصدية إلى بعض قواعد الموازنة بين المصالح ، بحيث إذا تعارضت مصلحة ضرورية مع مصلحة حاجية قدِّمت الضرورية ، أو مصلحة حاجية مع تحسينية قدّمت التحسينية .
كذلك إذا تعارضت مصلحة مكمِّلة مع مصلحة مكمَّلة قدمت المكمَّلة ، عملاً بسنن الشارع قي تقديم المصالح الأولى اعتباراً على المصالح الأدنى .
الثانية عشرة : ظهر من خلال البحث : أن الأصل في أحكام الشريعة كلها المعقولية ، سواء أكانت من قبيل العبادات أم من قبيل المعاملات والعادات ، وخفاء بعض الحكم والمعاني الخاصة لا يعود إلى موضوع ذاك الحكم عبادياً أو عادياً ، وإنما يعود إلى طبيعة الفعل ذاته من كونه مما استأثر الله إخفاء حكمته عن الناس .
وإن ارتباط الأحكام بمعان معقولة ومدركة يشكل بدوره حافزاً للمكلفين على امتثال هذه الأحكام ، نظراً لتكوينها قناعات بجدوى هذا التشريع وفائدته ، وتنفي هذه المعقولية صبغة التحكم والتسلط عن هذه الأحكام ، إذ مقصود الشارع أن يكون المكلف عبداً لله اختياراً كما هو عبد له اضطراراً .
الثالثة عشرة : تتابعت القواعد التي تشكل حقائق مطردة ، على تأكيد : أن الشارع لم يقصد إلى التكليف بالشاق والإعنات فيه ، وإنما ينجم عن بعض التكاليف من مشاق معتادة ، فمقصود الشارع من التكليف بها ما يلزم عنها من المصالح العائدة على المكلفين ، لا تلك المشاق المصاحبة لأصل التكليف ، وإذا ظهر في أول الأمر التكليف بما لا يدخل تحت قدرة المكلف ، فذلك راجع عند التحقيق إلى سوابق ذلك الفعل أو لواحقه أو قرائنه .
الرابعة عشرة : تبين من خلال البحث ، العلاقة والصلة بين الاستحسان كمنهج أصولي معتبر ، وبين رفع الحرج كمبدأ كلي مقرر ، وأن القواعد المقاصدية تكشف عن هذه العلاقة بين المناهج الأصولية والمبادئ الكلية ، وتظهر أن مراعاة تلك المبادئ ، التي اطردت أصولاً ثابتة ، تحتم اعتبار منهج الاستحسان ، وبناء الأحكام عليه ، لأن كل أصل أدى القول بحمله على عمومه إلى الحرج ، فهو غير جارٍ على استقامة ولا اطَّراد .
الخامسة عشرة : كما تضمنت القواعد المقاصدية ضوابط بعض المبادئ العامة ، من مثل : تعبيرها عن ضوابط المصلحة المعتبرة شرعاً، وأنها المصلحة التي تقيم الحياة الدنيا من أجل الأخرى ، لا المصالح التي تقام من حيث أهواء النفوس .
كما عبرت ضوابط الحرج الذي توجهت إرادة الشارع إلى رفعه ، وأنه الحرج الذي يخرج عن معتاد المكلفين ومألوفهم ، كما بينت القواعد المقاصدية مظاهر الاختلاف بين المشقة المعتادة وغير المعتادة ، عملاً لضبط المشقة بقدر الإمكان ، وحتى لا يبقى الحرج والمشقة تعبيراً فضفاضاً سياباً .
السادسة عشرة : أكد البحث أهمية النظر إلى مآل الفعل ، وما يترتب عليه من مصالح ومفاسد ، ودور ذاك المآل في تكييف الحكم الشرعي ، كما أظهرت إدراك الأصوليين والفقهاء لهذا المعنى ، من خلال ما أصَّلوه من قواعد كسد الذريعة ، والاستحسان ، ومنع التحيل ، ومراعاة الخلاف ، والتي تراعي هذا المبدأ العام وتلتفت إليه ، إضافة إلى الفروع الكثيرة التي تبنى على هذه القواعد العامة . والتي يلحظ فيها معنى النظر إلى المآل .
السابعة عشرة : تبين من خلال البحث : أن الشارع قد وضع من الوسائل والآليات ما يكفل الحفاظ على مقاصده في الخلق ، وكان من ضمن هذه الآليات اشتراط وجوب التوافق بين مقصد الشارع ، ومقصد المكلَّف ، بحيث يكون قصد المكلف من العمل موافقاً لقصد الشارع من التكليف ، وألاّ يقصد خلاف ما قصد .
وازدادت مظاهر الحرص على قصد الشارع من خلال القواعد التي تكشف عن الحكم الشرعي المترتب في حال مناقضة قصد المكلف لقصد الشارع ، وأن كل فعل يبتغى به غير ما قصد الشارع ، فحكمه البطلان .
الثامنة عشرة : كما ثبت لي من خلال البحث تأثر الإمام (الشاطبي) بسابقيه من الأصوليين والفقهاء ، خاصة الإمام (الجويني) و(الغزالي) و(العز بن عبد السلام) و( المقّري) و(القرافي) ، إذ استفاد (الشاطبي) من المعاني التي قررها هؤلاء الأئمة الأعلام في كتبهم ، وأضاف إليها ، لإتمام بناء علم المقاصد .

المصدر: لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد

د. خلود العتيبي
11-02-16 ||, 04:29 PM
يمكن تحميل الكتاب من هنا
لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد

الدرَة
11-02-23 ||, 10:07 PM
بارك الله فيك وجزاك الله خيرا

عمرو بن الحسن المصري
13-05-25 ||, 10:18 PM
السلام عليكم

بارك الله فيكم،،

،،

لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد
لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد

قال الأستاذ مُحَمَّد أَمين سُهَيْلي في كتابه "قاعدة درء المفاسد أولى من جلب المصالح - دراسة تحليلية" ص(63- وما بعدها):
المَطْلَبُ الثَّالِثُ
القَاعِدَةُ المَقْصَدِيَّةُ

يُبحث مفهومُ القاعدة المقصدية من خلال الفروع الآتية:
1- تعريف القاعدة المقصدية.
2- مصادرها وطرق تقعيدها.
3- مكانتها في التشريع.
4- الوفق والفرق بينها وبين القاعدة الفقهية والأصولية.

وسأُلخص في هذه المُداخلة -بمشيئة الله تعالى- ما أفاد به صاحب كتاب قواعد المقاصد عند الإمام الشاطبي وغيره من العلماء والأساتذة مع مناقشة المسائل والدلائل، وبيان ما أميل إليه أو عنه.
-صاحب كتاب قواعد المقاصد عند الإمام الشاطبي: عبدالرحمن إبراهيم زيد الكيلاني، قواعد المقاصد عند الإمام الشاطبي "عرضًا ودراسةً وتحليلًا".. (الأردن/ المعهد العالمي للفكر الإسلامي، دمشق، دار الفكر، ط1، 1421هـ/ 2000م)، وهي على حد علمي الدراسة الوحيدة التي احتوت تنظيرًا للقواعد المقاصدية، وقد سبق الأستاذ في الاعتناء بالقواعد المقاصدية -عرضًا وتصنيفًا- كلٌّ من: أحمد الريسوني في "نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي ص(343- 349)، ومُحمد سعد بن أحمد اليوبي في "مقاصد الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالأدلة الشرعية" (الرياض/ دار الهجرة، ط1، 1418هـ/ 1998م)، ص(447- 466)، وقد جعل الأستاذ الريسوني تقديم الشاطبي لـ(ثروة من القواعد) من جوانب التجديد في نظريّته، وقال: "وللشاطبي ولع وعناية بتحرير القواعد، وصياغتها صياغة دقيقة مركزة. ومعلوم أن القواعد الجامعة -في أي علم من العلوم- هي الركائز التي قوم عليها، وينضبط بها، وفي إطارها تنتظم جزئياته، وتنمو نظرياته". اهـ. ص(343).

...
الفرع الرابع: الوفق والفرق بينها وبين الأصولية والفقهية.
أولًا/ الوفق والفرق بين القاعدة المقصدية والأصولية:
تجتمع القاعدة في أنه لا يقوم الاستنباط إلا بهما، وأن الإحاطة بهما من شرط الاجتهاد - يُنظر: قواعد المقاصد عند الإمام الشاطبي ص(75- 77).
وتفترقان في أن القواعد الأصولية "تدور معظمها حول منهج الاستنباط والاستخراج للأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، دون إشارة إلى الغاية التي تسعى تلك الأجكام لإقامتها في الواقع الإنساني.. وهذا ظاهر في جُلّ القواعد الأصولية؛ مثل: (النهي يقتضي الفور والدوام) و(النهي المُطلق يُفيد التحريم)" - قواعد المقاصد عند الإمام الشاطبي ص(77).
أمّا القواعد المقاصدية فإضافة إلى كونها "العنصر المرعي بالأساس في استنباط الأحكام فإنها تكون العنصر الأساسي في ضبط الكيفية التي تطبق بها تلك الأحكام من حيثُ إن تطبيق الأحكام غايته تحقق المقاصد فيكون تحقق المقاصد هو المكيّف الأكبر للتطبيق" - عبدالمجيد عمر النجار، فصول من الفكر الإسلامي بالمغرب (بيروت/ دار المغرب الإسلامي، ط1، 1992م)، القسم الثاني: في الفكر الأصولي الفقهي، الفصل الرابع: فقه التطبيق لأحكام الشريعة عند الإمام الشاطبي، ص(176)، والأستاذ يتكلّم عن المقاصد عمومًا، ويدخل ضمنها -طبعًا- القواعد المقاصدية.
وأكثر القواعد المقاصدية ارتباطًا بفقه التطبيق تلك المتعلقة بقصد المكلف كقاعدة: (قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده من الفعل موافقًا لقصده في التشريع)، وقاعدة: (ليس للمكلف أن يقصد المشقة لعظم أجرها، ولكن له أن يقصد العمل الذي يعظم أجره لعظم مشقته)، وقاعدة: (ليس للمكلف إيقاع أسباب الرخص بغية الانحلال من العزائم)، وكذا القواعد المتعلقة بمآلات الأفعال: (النظر في مآلات الأفعال مُعتبر مقصود شرعًا، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة) - تُنظر القواعد الأربع في "قواعد المقاصد عند الإمام الشاطبي" لعبدالرحمن الكيلاني، الصفحات على الترتيب (384، 311، 354، 362).
ويترتب على هذا الفرقِ فرقٌ آخر وهو أن مصدر القاعدة الأصولية هو علم اللسان العربي في معظمها -يُنظر: الفروق لأحمد بن إدريس القرافي (1/ 2)-؛ لأن غرضها استكشاف مراد الشارع من خطابه، ومصدر المقصدية أدلة الشريعة الكلية والجزئية؛ لأنها استكشاف لمراد الشارع من أحكامه، وهي لذلك محتاجة إلى القواعد الأصولية.
وفرّق الأستاذ الكيلاني بينهما بأمرٍ آخر: وهو أنّ القواعد الأصولية ليست كلُّها محل اتفاق، "أما القاعدة المقصدية، التي تعبر عن معانٍ عامة، فمن المفترض أن تكون موضع اعتبار من الجميع، إذ أنها في رُتبة النص العام.." -قواعد المقاصد عند الإمام الشاطبي ص(80، 81)-، وكان يكفيه القول بأن الخلاف فيها أقل منه في الأصولية.
وأوْلى من هذا الفرقِ فرقٌ آخر عمليٌّ مُيّزت به القاعدة الفقهية عن الأصولية، وهو أن تعرّف حكم الجزئيات يتم في القاعدة الأصولية بواسطة، وهو الدليل الشرعي، أما القاعدة المقصدية فتنطبق على جزئياتها دون واسطة، فمثلًا قاعدة: (الشارع لا يقصد التكليف بالشاق) نتعرّف منها عدم مشروعية كل فعل خرجت فيه المشقة عن المعتاد دون حاجة إلى واسطة، بينما تحتاج قاعدة: (النهي يقتضي التحريم) إلى قوله تعالى: (وَلَا يَغْتَب بَعْضُكُم بَعْضًا..) [الحجرات: 12] حتى تفيد حرمة الغيبة مثلًا.

ثانيًا/ الوفق والفرق بين القاعدة الفقهية والقاعدة المقصدية:
تلتقي القاعدتان في المصدر والغاية؛ فمصدرهما أدلة الشريعة الجزئية والكلية، وغاية ما كان منهما حجة التعاضد مع النصوص الجزئية لتعرف الأحكام الشرعية في الجزئيات، وكشف حكم الشارع في الوقائع والمستجدات التي لم يرد فيها نص جزئي.
وتفترقان في أن القاعدة الفقهية هي حكم فقهي كلي، أما المقصدية فمعنى وغاية شرعية.
ومعلوم أن لكل مقصد حكمًا شرعيًّا يحقق وجوده واقعًا، ووراء كل حكم شرعي مقصد يراد تحقيقه، فهل يلزم من هذا أن لكل قاعدة مقصدية قاعدة فقهية، ووراء كل قاعدة فقهية قاعدة مقصدية؟
إذا بحثنا الأمر من الجانب النظري قلنا: إن التلازم صحيح.
لكن إذا تجاوزنا البحث النظري إلى الواقع التطبيقي ألفينا الأمر أصعب وأكثر تعقيدًا.. ولا يمنعنا هذا كم التمثيل:
فالقاعدة المقصدية: (الشارع لا يقصد التكليف بالشاق والإعنات فيه) تقابلها في القواعد الفقهية: (المشقة تجلب التيسير) التي تقرر وجوب التسهيل متى وجدت المشقة الخارجة عن المعتاد ليتحقق واقعًا عدم قصد الشارع إلى التكليف بالشاق، وقاعدة: (المقاصد معتبرة في التصرفات من العبادات والعادات) تقابل -ولعلها تطابق- قاعدة: (الأمور بمقاصدها)، وقاعدة: (لا ضرر ولا ضرار) فقهية من جهة إيجابها رفع الضرر، ومقصدية من جهة بيانها أن الشارع قاصد إلى رفع الضرر، وقد يقال: إن قاعدة: (اليقين لا يزول بالشك) تقصد إلى تحقيق الاستقرار في العبادات والمعاملات.
ولا مانع من أن يكون للقاعدة الفقهية الواحدة أكثر من مقصد -أو أكثر من قاعدة مقصدية- ولا أن يكون للقاعدة المقصدية الواحدة أكثر من حكم شرعي كلي -أو أكثر من قاعدة فقهية-.
وفي تعريف الأستاذ الكيلاني للقاعدة المقصدية متسع لهذا التقابل بين القاعدتين لمَّا قال: "هي ما يُعبَّر به عن معنى عام.. اتجهت إرادة الشارع إلى إقامته من خلال ما يُبنى عليه من أحكام"-قواعد المقاصد عند الإمام الشاطبي ص(55)-؛ لأن الأحكام الجزئية التي بتنى على المعنى الكلي يجمعها الحكم الكلي المصوغ في القاعدة الفقهية.
ويتسع كلامه أكثر لهذا التقابل حينما يمثل لهذه الأحكام بالحكم الكلي: "كل من ابتغى في التكاليف ما لم تشرع له فعمله باطل" الذي أريد منه تحقيق القاعدة المقصدة: (قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقًا لقصده في التشريع، وألّا يقصد خلاف ما قصد) -قواعد المقاصد عند الإمام الشاطبي ص(59، 60)-، وظاهر في الحكم الكلي الذي ذكره اندراجه في مسمى القاعدة الفقهية.
وقال بعد هذا التمثيل: "فالمعنى العام الذي تعبّر عنه القاعدة المقصدية يحتاج إلى حكم عام ليؤيد إقامة هذا المعنى، وتحقيقه، وعدم الإخلال به" - قواعد المقاصد عند الإمام الشاطبي ص(60).
وقد أبعد الأستاذ حينما فرق بينهما من حيث الحجية، فأثبتها للمقصدية، ونفاها عن الفقهية مستندًا إلى بعض النقول -انظر: قواعد المقاصد عند الإمام الشاطبي ص(69- 71)-، مع أن التكييف الشرعي لحجيتها واحد، والشاطبي لم يُنط حجية العام المستقرأ بكونه قاعدة مقصدية أو قاعدة فقهية، بل متى حصل تضافر الأدلة قام ذلك المعنى قيام العام على أفراده.
وأكثر من هذا: فإنه إذا تقرر أن القواعد الفقهية هي وسائل تحقيق القواعد المقاصدية المقابلة لها (على الأقل في القواعد الكبرى) -صرّح الأستاذ الكيلاني بأن القاعدة الفقهية من قبيل الوسائل، والقاعدة المقصدية من قبيل المقاصد، لا ليصل إلى التقابل، ويوظفه في الحجية، بل ليصل إلى أن: "مراعاة القواعد التي تجسد المقاصد والغايات مقدمة على مراعاة القواعد الفقهية التي تجسد وسائل إقامة المقاصد؛ لأن الغاية مقدمة على الوسيلة وما الوسيلة إلا خادم للمقصد"، وقد جعل هذا فارقًا بينهما من حيث الأهمية والاعتبار. قواعد المقاصد عند الإمام الشاطبي ص(71- 72)- تقرر معه أن أدلة ثبوت القاعدة الفقهية هي نفسها أدلة ثبوت القاعدة المقصدية المقابلة لها، سواء علينا أسلكنا في ثبوتها مسلك الاستنباط، أم مسلك الاستقراء، أم سلكناهما معًا: كما في قوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ ف\ي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ..) [الحج: 78]، فإنّا نفيد منه وجوب التيسير إذا وقعت المشقة، كما نفيد منه عدم قصد الشارع إلى المشقة، وهكذا في سائر الأدلة الكلية والجزئية المستقرأة.
قد أثبت الأستاذ فرقًا آخر بين القاعدتين من حيث الاتفاقُ والاختلافُ على مضمونهما -كما في قواعد المقاصد عند الإمام الشاطبي ص(72- 74)-: أكد فيه أن القواعد الفقهية ليست كلها محل اتفاق، خلافًا للقواعد المقاصدية التي "لا يسع الفقهاء والمجتهدين مخالفتها، أو إهمالها، أو عدم الاعتداد بها"؛ "نظرًا لكثرة تأكدها وانتشارها في أبواب الشريعة المختلفة"، "وإذا ما وجدنا أن بعض الفقهاء يخالف معنى إحدى هذه القواعد المقاصدية في مسألة جزئية فليس معنى ذلك: أنّ ذاك الفقيه لا يعتبر تلك القاعدة في الاستدلال، وإنما يرجع الأمر إلى عدم تحقق مناط القاعدة المقصدية في تلك الواقعة الجزئية..".
وقد خالف الأستاذ -وقبله الأستاذ الريسوني- الشاطبي في بعض القواعد، كما ذكر خلافًا للأصوليين في بعضها.
ولو أن الأستاذ قال: إن الخلاف في القواعد المقاصدية أقل منه في القواعد الفقهية لكان لمذهبه وجهٌ؛ ذلك أن الخلاف في الفقهيات يتناقص كلما اتجهنا من الأسفل إلى الأعلى: أي إن دائرة الاتفاق تزداد اتساعًا كلما تدرجنا من الجزئيات الظنية إلى الضوابط الفقهية إلى القواعد الفقهية والمقاصدية الأقل استيعابًا للجزئيات إلى القواعد الفقهية والمقصدية الكبرى.
ومعلوم أن القواعد المقاصدية أعلى درجة من الفقهية؛ لأن المقاصد أشرف من الوسائل، فيكون الخلاف فيها أقل من الخلاف في القواعد الفقهية.

خلاصة ما يُقال في مفهوم القاعدة المقصدية إذن أنها:
-غاية شرعية عامة لا تدخل ضمنها المقاصد الخاصة والجزئية، ولا القواعد الكاشفة عن المقاصد.
-وأن مصدرها هي الأدلة الشرعية المختلفة، وطرق تقعيدها هي الاستنباط والاستقراء.
-وأن حكم القواعد المقاصدية المستنبطة من النصوص الكلية أو المستقرأة استقراءً تامًّا أو قريبًا منه ينطبق على جزئياته انطباق العام على أفراده، ولا يستقل بالنظر فيها عن النصوص الجزئية -إذا وجدت- كما لا تستقل هي عنه.
-وتلتقي القاعدة المقصدية مع الأصولية في توقّف الاستنباط عليهما، وتفترقان في كون الأصولية لا تشير إلى الغاية الشرعية، وتتجاوز المقصدية فقه الاستنباط إلى فقه التطبيق، فتضبط أقسام منها كيفية تطبيق الأحكام على الوقائع، ومصدر القاعدة الأصولية هو علم اللسان العربي في معظمها؛ لأن غرضها استكشاف مراد الشارع من خطابه، ومصدر المقصدية أدلة الشريعة الكلية والجزئية؛ لأنها استكشاق لمراد الشارع من أحكامه، وهي لذلك محتاجة إلى القواعد الأصولية.
وتعرّف حكم الجزئيات يتم في القاعدة الأصولية بواسطة، وهو الدليل الشرعي، أما القاعدة المقصدية فتنطبق على جزئياتها دون واسطة.
-وتجتمع مع القاعدة الفقهية في المصدر والغاية، وتفترقان في أن المقصدية معنى شرعي والفقهية حكم فقهي، وبهذا تكون القواعد الفقهية هي وسائل تحقيق المقاصدية.
ويُمكن للتعبير عن هذا المفهوم اعتماد تعريف الأستاذ الكيلاني مع استبدالِ (الغاية) بـ(المعنى)؛ لأنها أوضح، وذكر طريقي التقعيد، وإغفال عبارة:
"ما يعبر به عن.."؛ إذ لا حاجة فيها، فالقاعدة المقصدية إذن هي: غاية عامة مستنبطة أو مستقرأة من أدلة الشريعة المختلفة اتّجهت إرادة الشارع إلى إقامتها من خلال ما بُنِيَ عليها من أحكام.
***

يُراجع: كتاب "قاعدة درء المفاسد أولى من جلب المصالح"، الصفحات(63- 82).

والله أعلم.

عمرو بن الحسن المصري
13-10-06 ||, 11:41 PM
السلام عليكم

شكر الله لكم شيخنا الدكتور د. الأخضر بن الحضري الأخضري (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد) وجزاكم خيرًا.

عمرو بن الحسن المصري
13-10-12 ||, 06:04 PM
السلام عليكم

(إتمامًا للفائدة)؛ يُنظر:
مُصْطَلَحُ ’’الأُصُولِ‘‘ - عِنْدَ الإِمَامِ الشَّاطِبِيِّ (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)

حنان عبدالله الصالح
13-10-14 ||, 01:53 AM
بارك الله فيكم