المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أمثلة في مراعاة المقاصد عند الفاروق عمر - رضي الله عنه -



بومدين مختار ديداني
11-02-23 ||, 11:07 PM
لقد كان عمر t بصيرا بالمسالك الشرعية، و عارفا بما فيه المصلحة الدينية العائدة على العباد بأعظم الفائدة، و يظهر ذلك من خلال الوقائع التي اجتهد فيها t و من هذه الوقائع ما يلي:
1 ـ إمضاء الطلاق الثلاث بلفظ واحد طلاقا ثلاثا، بعدما كان في عهد رسول الله r و عهد أبي بكر t يعد طلقة واحدة، فقد جاء في صحيح مسلم([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=49#_ftn1)) عن ابن عباس t قال: (( كان الطلاق على عهد رسول الله r وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة فقال عمر بن الخطاب t: إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم ))
و المقصد من ذلك هو زجر الناس عن التساهل بكثرة إيقاع الطلاق الثلاث دون أن يمضي ثلاثا.
2 ـ جمع الناس على إمام واحد في صلاة التراويح، فقد جاء في صحيح البخاري([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=49#_ftn2)) عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال: (( خرجت مع عمر بن الخطاب t ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل. ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب t ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم قال عمر نعم البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله )).
و المقصد من ذلك هو المحافظة على الجماعة و تحقيق الوحدة، و تيسير العبادة بأدائها جماعة.
3 ـ توقف عمر t في قسمة أرض العراق بين الفاتحين غنيمة، بل رأى أن يجعلها وقفا، و قال: (( لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر ))([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=49#_ftn3)).
و وجه اجتهاد عمر t هنا أنه نظر إلى مصلحة الأجيال القادمة، و أنه لو قسمت الأرض لا يتصور بقاء شيء لهم، و ينحصر المال في أيدي فئة قليلة تتوارثه دون الآخرين، و هذا مناف لمقصد العدل الذي أنزلت الشرائع و أرسلت الرسل لأجل تحقيقه، إذن فامتناع عمر t عن تقسيم أرض العراق بين الفاتحين حتى تكون عدة لنوائب المسلمين إذا قلت الفتوح
4 ـ إراقة اللبن المغشوش بالماء تأديبا للغشاش و حفظا لحقوق المشترين([4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=49#_ftn4)) و سدا لذريعة الغبن و الغرر بالناس([5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=49#_ftn5))
5 ـ قتل الجماعة بالواحد إذا اشتركوا في قتله، و المقصد هو حفظ النفوس و ردع المخالفين في ذلك، إذ أن ترك الاقتصاص من الجماعة التي اشتركت في قتل واحد سيفتح الباب للتهاون و الاستخفاف بأرواح الناس و نفوسهم، ذلك " أن الزاجر الأعظم هو القتل لا الدية، فإن ذلك يسهل على أهل الأموال ويسهل أيضا على الفقراء لأنهم يعذرون عن الدية بسبب فقرهم، فإذا كان القتيل ثبت قتله بفعلهم جميعا فالاقتصاص منهم هو الذي تقتضيه الحكمة الشرعية الثابتة في كتاب الله عز وجل ولهذا شبه الله سبحانه قاتل النفس بمن قتل الناس جميعا، فقال سبحانه ﴿ من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ﴾([6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=49#_ftn6)). و لذلك قال عمر t (( لو اشترك فيها أهل صنعاء لقتلتهم ))([7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=49#_ftn7))
6 ـ عدم إعطاء المؤلفة قلوبهم سهمهم من الزكاة، لانتفاء علة ذلك و حكمته " حيث رأى عمر t أنه لم يعد هناك حاجة لتأليفهم و قد أعز الله الإسلام و أغنى عنهم "([8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=49#_ftn8))
فعدم الإعطاء ليس تعطيلا للنص، و إنما هو تطبيق له، و ذلك بالوقوف على علته و مقصده وجودا و عدما، " ذلك أن التأليف ليس وضعا ثابتا دائما يظل في كل عصر، بل إن تحديده يرجع إلى أولي الأمر و تقديرهم لما فيه خير الإسلام و مصلحة المسلمين ".
7 ـ منع عمر t الصحابة التزوج بالكتابيات قائلا: " إني لا أحرمه و لكني أخشى الإعراض عن الزواج بالمسلمات ))، فاعتبر t أن الأولية في الزواج هو اختيار الزوجة المسلمة، و المقصد من ذلك عفة المجتمع الإسلامي، فضلا عن سلامة اعتقاده و آدابه([9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=49#_ftn9)).
8 ـ فصله بين الأقارب في الجوار، و المقصد هو حفظ صلة الرحم، و دفع التنازل و المشاكل و الاختلاف بينهم بسبب الاقتراب و الاحتكاك، إذ في تباعدهم تشوف إلى اللقاء و إحسان في التعامل([10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=49#_ftn10)).
9 ـ نهي عمر t عن إقامة الحدود في أرض العدو إذا كانت دون القتل، خوفا من أن تحدث المحدود نفسه بالشر فيلحق بالعدو، و يكون عونا على المسلمين و دالا على عوراتهم، فقد كتب عمر t: (( لا يجلدن أمير جيش و لا سرية رجلا من المسلمين حتى يطلع الدرب قافلا، فإني أخشى أن تحمله الحمية على أن يلحق بالمشركين ))([11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=49#_ftn11)).
10 ـ جلد عمر t شارب الخمر في آخر عهده ثمانين جلدة([12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=49#_ftn12))، بعدما رأى انهماك الناس في الخمر و احتقارهم للعقوبة، فقد جاء في مصنف عبد الرزاق " أن عمر بن الخطاب t شاور الناس في جلد الخمر وقال إن الناس قد شربوها واجترؤوا عليها فقال له علي t: إن السكران إذا سكر هذى وإذا هذى افترى فاجعله حد الفرية فجعله عمر حد الفرية ثمانين ))([13] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=49#_ftn13)).
و المقصد من ذلك هو ضمان التأديب و حفظ العقول من الضياع و الهلاك و حفظ المال و الأعراض و غير ذلك مما يترتب على شرب الخمر من مفاسد.
هذه بعض الفتاوى التي راعى فيها عمر t المقاصد الشرعية، و التي تدل على معرفته بالمصلحة الشرعية العائدة على العباد بالفائدة، و التي كان يعتبرها عمر t و يعمل بها في كل اجتهاداته، الأمر الذي جعل اجتهادات عمر t ذات قيمة خاصة في الإسلام لا يعلو عليها إلا قول الله و قول رسوله r.


[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=49#_ftnref1)ـ كتاب الطلاق – باب طلاق الثلاث – رقم 1472 : 2/1099

[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=49#_ftnref2)ـ كتاب صلاة التراويح - باب فضل من قام رمضان – رقم 1906 : 2/707

[3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=49#_ftnref3)ـ صحيح البخاري: أبواب الخمس - باب الغنيمة لمن شهد الوقعة – رقم 2957 : 3/1136

[4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=49#_ftnref4)ـ الشاطبي، " الاعتصام: 2/622 " ؛ أبو زهرة، أصول الفقه: ص 263

[5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=49#_ftnref5)ـ الخادمي، نور الدين، المصلحة المرسلة حقيقتها و ضوابطها: ص 43

[6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=49#_ftnref6) ـ سورة المائدة، الآية: 32

[7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=49#_ftnref7)ـ صحيح البخاري: كتاب الديات - باب إذا أصاب قوم من رجل هل يعاقب أو يقتص منهم كلهم – 6/2527

[8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=49#_ftnref8)ـ القرضاوي، فقه الزكاة: 2/71

[9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=49#_ftnref9)ـ الخادمي، المصلحة المرسلة: ص 42

[10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=49#_ftnref10)ـ المرجع نفسه

[11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=49#_ftnref11) ـ مصنف عبد الرزاق: كتاب الجهاد – باب هل يقام الحد على المسلم في بلاد العدو – رقم 9370 : 5/197

[12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=49#_ftnref12)ـ ابن قدامة، المغني: 9/142

[13] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=49#_ftnref13)ـ مصنف عبد الرزاق: باب حد الخمر رقم 13542 : 7/378 ؛ البيهقي، السنن الكبرى: كتاب الأشربة و الحد فيها - باب ما جاء في إقامة الحد في حال السكر – رقم 17317 : 8/320

منيب العباسي
11-02-24 ||, 10:50 AM
بارك الله فيك ..ونفع بك..وجزاك خيرا
الحقيقة أن واضع علم الأصول بسلوكه واجتهاداته ,لا بالتأليف, في نظرية يمكن استقصاء حيز كبير من معالمها هو العبقري عمر بن الخطاب رضي الله عنه

بوزيان إبن محمد إبن بغداد
11-03-19 ||, 01:25 AM
جزاك الله خيرا
كثيرا مااستوقفتني مواقف الخليفة عمر رضي الله عنه
يعتبر بحق علامة فارقة في علم المقاصد