المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مسألة القول بالموجَب لـ د. خالد العروسي، مع تسجيل الفوائد.



د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-05-22 ||, 02:15 PM
مسألة القول بالموجَب




إعداد




الدكتور خالد بن محمد العروسي



الأستاذ المشارك بقسم الشريعة - جامعة أم القرى

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-05-22 ||, 02:26 PM
وهذه بعض الفوائد التي سجلتها من هذه الرسالة القيمة، والتي تفيد طالب العلم في تصور طريقة الاعتراض على المخالف، مضافاً إلى ما فيها من الفوائد واللطائف، أنبه فقط إلى أن هذه الفوائد إنما سجلتها لنفسي، ولم أكن أحسب أني سأنزلها هنا، ولذا لم أراعي فيها في بعض المواضع الترتيب الموضوعي والمنطقي للرسالة، ولذا فهي لا تغني بحال عن قراءة أصل الرسالة.
أسأل الله عز وجل أن ينفع بهذه الرسالة وأن يبارك في صاحبها وفي قارئها، وفي كل من قصد الحق وجرَّد نفسه إليه وصفاها عن كل ما يشوبها دون تحصيله، والموفق من وفقه الله والمهتدي من هداه الله، ومن يضله الله فمن يهديه؟ رحماك ربنا رحماك.
كما أنبه إلى أنه في بعض المواضع القليلة رجعت إلى أصل المصدر الذي أحال عليه الشيخ خالد العروسي حفظه الله.



- يقول الزركشي في البحر المحيط:
أدوات المعاني وإنما احتاج الأصولي إليها ؛ لأنها من جملة كلام العرب ، وتختلف الأحكام الفقهية بسبب اخت لاف معانيها .
قال ابن السيد النحوي يخبر عمن تأمل غرضه ومقصده فإن الطريقة الفقهية مفتقرة إلى علم الأدب ، مؤسسة على أصول كلام العرب ، وأن مثلها ومثله قول أبي الأسود :


فإن لا يكنها أو تكنه فإنه أخوها غذته أمه بلبانها

قال ابن فارس في كتاب " فقه العربية " :
رأيت أصحابنا الفقهاء يضمنون كتبهم في أصول الفقه حروفا من حروف المعاني ، وما أدري ما الوجه في اختصاصهم إياها دون غيرها ، فذكرت عامة المعاني رسما واختصارا .ا هـ .
- يقول البابرتي في شرح التلخيص:
والفقيه وإن برز على الأقران في الفتاوى والأحكام والمتكلم وإن ندَّ أهل الدنيا في صنعة الكلام، وحافظ القصص وإن كان من ابن القرية أحفظ، والواعظ وإن كان من الحسن البصري أوعظ ، والنحوي وإن كان أنحى من سيبويه، واللغوي وإن علَكَ اللغات بقوة لحييه، لا يتصدى أحد منهم لسلوك تلك الطرائق، ولا يغوص على شيء من تلك الحقائق، إلا رجل قد برع في علميين مختصين بالقرآن وهما المعاني والبيان.
- القول بالموجَب يسمى الأسلوب الحكيم، وهو نوع من أنواع البديع.
- لابن أبي الأصبغ تصنيف أفرده في بدائع القرآن أورد فيه نحو مئة نوع منها القول بالموجَب، وعرَّفه ثمة: "رد كلام الخصم من فحوى لفظه".
- هذا التعريف هو أحد أنواع القول بالموجَب.
- الصحيح الذي عليه أكثر أهل البيان أنه ضربان:
الأول: أن تقع صفة من كلام الغير كناية عن شيء أثبتَ له حكم، فتثبتَ في كلامك تلك الصفة لغير ذلك الشيء، من غير تعرض لثبوت ذلك الحكم، وانتفائه كقوله تعالى: {يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل}
فإن المنافقين كنوا بالأعز عن فريقهم، وبالأذل عن فريق المؤمنين، وأثبتوا كذلك لفريقهم إخراج المؤمنين من المدينة، وحين رد عليهم القرآن الكريم هذه الدعوى، اكتفى بإثبات صفة العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، لكنه لم يتعرض البتة لثبوت حكم الإخراج للموصوفين بصفة الإيمان، ولا نفاه عنهم، لكنا عرفنا بطريق الموجَب أن الإخراج سيكون لله ولرسوله وللؤمنين لأن العزة لهم.
الثاني: حمل لفظ الغير على خلاف مراده مما يحتمله بذكر متعلقه وهذا القسم يسمى في الأغلب بـ (الأسلوب الحكيم) عند المعانيين، وهو أكثر تداولا بينهم من القسم الأول.
مثاله: قول القبعثري للحجاج حين قال له متوعدا: "لأحملنك على الأدهم"
فرأى القبعثري أن الأدهم يصلح للقيد والفرس فقال: مثل الأمير يحمل على الأشهب.
فصرف بذكائه وحسن تصرفه الوعيد بالهوان إلى الوعيد بالإحسان.
كذلك حين قال له الحجاج: إنه الحديد.
فأجابه القبعثري: لأن يكون حديدا خير من أن يكون بليدا.
- يقول السيوطي في الإتقان في علوم القرآن:
ولم أر من أورد له مثالاً من القرآن، وقد ظفرت بآية منه وهي قوله تعالى ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هوأذن قل أذن خير لكم
0000000000
- الموجِب: الدليل
- الموجَب: ما أوجبه الدليل واقتضاه.
- حقيقة القول بالموجَب: هو تسليم مقتضى الدليل مع بقاء النزاع.
- مسألة القول بالموجَب: ليست من قواعد أصول الفقه في شيء ، ولا يبنى عليها شيء من الفقه بل هي سلاح ماض من الأسلحة التي يستعين بها المعترض في مناظراته وجداله، والأصوليون يذكرونها في باب القوادح من كتاب القياس ويعدونها من مكملات القياس الذي هو من أصول الفقه ومكمل الشيء من ذلك الشيء.
- هذا ما حمل بعض الأصوليين كالغزالي على الإعراض عن ذكرها وذكر بقية أخواتها من القوادح....
- هذا التعليل من الشيخ أبي حامد غريب فإنه أول من مزج علم المنطق – بغثه وسمينه – بأصول الفقه، ناهيك عن مسائل علم الكلام التي طفح بها كتابه (المستصفى)، وليست هذه بأولى من علم المناظرة والجدل.....
- أعجبني ما قاله التاج السبكي عن هذه القوادح، فأحسن البيان:
"إنما وضعوها – أي الاعتراضات- واستكثروا منها لينتحل الصحيح من الفاسد، فيلوح لراكب بحار النظر تجنبها، وتنفتح الأبواب لذي الفطنة فيسلخها، ويظهر من حقائق الأمور أبلجها، وينهض في جحافل الأقيسة على أحسن الطرق حججها."(1)
- يقول أبو المظفر السمعاني:
وقد استكثر الأصحاب في ذكر الأمثلة لهذه الأسئلة وذكروا عنا أجوبة جدلية، وكتب الجدل مشحونة بذلك، واعلم أنه لا يجوز للفقيه أن يعتمد على جميع هذه الأسئلة ولا يعتقد صحة هذه الاعتراضات، فإن هذه اعتراضات أرباب الظاهر، اقتنع بها من يقتنع بظاهر من الكلام، وقل وقوفه على حقائق المعاني في المسائل.
- للأصوليين وثبات من الخيال في وصف حال المتناظرين واستمع إلى المثل الذي ضربه الطوفي لحالهما:
(المعترض مع المستدل كسلطان في بلاده وقلاعه وحصونه دهمه سلطان آخر يريد أخذ بلاده منه، فالملك الذي هو صاحب تلك البلاد يتوصل إلى الاعتصام من الملك الوارد عليه إما بأن يمنعه من دخول أرضه بمانع يجعله بين يديه من إرسال ماء أو نار أو خندق أو غير ذلك أو بأن يعارض جيشه بجيش مثله أو أقوى منه ليمنع استيلاءها أو يطرده)
وقال:
"وللمستدل والمعترض منت المحسوس مثال آخر، وهما المتضاربان بالسيف أو غيره، فإن كل واحد منهما إذا ضرب فإما أن يمنع تاثير ضرب صاحبه فيه، بأن يلقاها في مجنّ أو غيره أو يقابل صاحبه على ضربته بضربة مثلها مانعة أو مقتضية.
- اختلفت ترجمة الأصوليين لأصل الباب الذي ترد فيه هذه المسألة وبقية أخواتها:
فطائفة من الأصوليين: ترجموا لها بـ (قوادح العلة)
وترجم لها الأكثرون: بـ (الاعتراضات)
--------
القوادح:
الاستفسار: هو طلب معنى لفظ المستدل لإجماله وغرابته.
فساد الاعتبار: مخالفة القياس نصا أو إجماعاً.
فساد الوضع: اقتضاء العلة نقيض ما علِّق بها.
المنع: منع حكم الأصل.
التقسيم: احتمال لفظ المستدل لأمرين فأكثر على السواء أحدها أو بعضها ممنوع.
منع وجود المدعى علة في الأصل.
سؤال المطالبة: منع كون الوصف المدعى علة.
عدم التأثير: دعوى المعترض بأن الوصف لا مناسبة له.
دعوى عدم التأثير: إما أن تكون في الأصل أو في الوصف أو في الحكم أو في الفرع.
القدح في مناسبة الوصف: بما يلزم فيه من مفسدة راجحة أو مساوية لها.
القدح في إفضاء الحكم إلى المقصود.
كون الوصف المعلل به خفيا.
كون الوصف غير منضبط: بأن يكون مضطربا.
النقض: إبداء العلة بدون الحكم.
الكسر: عدم تأثير أحد الجزئين ونقض الآخر.
وهذا بأن تكون العلة مركبة فيبين المعترض عدم تأثير أحد جزئيها، ثم ينقض الجزء الآخر.
وهذا القادح حاصله إلى النقض.
عدم العكس: وهو وجود الحكم بدون الوصف في صورة أخرى بعلة أخرى.
الفرق: إبداء المعترض معنى يحصل به الفرق بين الأصل والفرع حتى لا يلحق به في حكمه.
القلب: تعليق نقيض الحكم أو لازمه على العلة إلحاقا بالأصل.
المعارضة في الأصل: أن يبدي المعترض معنى آخر يصلح للعلية غير ما علل به المستدل.
- القول بالموجَب قد انتزع شبها من بعض هذه القوادح، يقول الكمال بن الهمام:
- القول بالموجَب يشبه الاستفسار في عمومه وفساد الاعتبار في عدم القياس القول بالموجب.
وقول الكمال: إنه يشبه الاستفسار في عمومه بمعنى أنه لا يختص بالقياس بل بتوجه على سائر الأدلة من قياس وغيره.
- وليس الاستفسار وحده الذي يشبه القول بالموجب في عمومه، كما يظهر من كلام الشيخ، بل هناك قوادح أخرى شابهت القول بالموجَب في العموم وهي: المعارضة، والقلب، والنقض والمنع.
- أما وجه شبهه بـ "فساد الاعتبار":
فإن القول بالموجَب هو دعوى نصب الدليل في غير محل النزاع وكذلك الأمر في فساد الاعتبار إذ هو دعوى نصب الدليل في غير محل النزاع لأن ما يخالف النص والإجماع باطل بلا نزاع.
- لكن الشبه الأعظم انتزعته المسألة من مسألة: القلب: لذا أورد ابن قاسم إشكالا على الآية التي استشهد بها الأصوليون على مسألة القول بالموجَب في قوله تعالى: {لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منا الأذل} المارّ ذكرها في المبحث الأول، فقال: ولقائل أن يقول ما في الآية من قبيل القلب، لصدق معنى القلب عليه.
ووجه كونه قلبا: أن الله تعالى قلب دليلهم ودعواهم عليهم، حيث أثبت الإخراج والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين.
- وأحسن العلامة البناني البيان والتفريق فقال ما محصله:
( إن القلب يراد منه إثبات نقيض الحكم الذي أثبته المستدل للمحكوم عليه، بخلاف القول بالموجَب، فإن الغرض منه إثبات نفس الحكم الوارد في كلام المستدل لكن لغير المحكوم عليه الذي أراده المستدل، والآية الكريمة لم تثبت نقيض الحكم – وهو الإخراج – بل أثبتت نفس الحكم لكن لغير المحكوم عليه من المستدل – وهم المنافقون – فأثبتت الإخراج والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين.
ثم إن المقول بالموجَب فيه تسليم لمقتضى الدليل، وليس الأمر كذلك في القلب، فإن مقتضى الدليل غير مسلَّم كما عرفت قبل.)
- ومن آثار هذا التشابه: الخلاف الذي نقله الألوسي عن بعض المفسرين في قوله تعالى: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي إنما إلهكم واحد} فزعموا أن هذا جواب من النبي صلى الله عليه وسلم من قبيل القول بالموجَب على المشركين الذين قالوا كما أخبر التنزيل عنهم في الآية التي سبقت هذه {وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون}
وحاصل هذا الجواب:
أني بشر فلا أقدر أن أخرج قلوبكم من الأكنة وأرفع الحجاب من البين والوقر من الآذان ولكني أوحي إلي وأمرت بالتبليغ {إنما إلهكم إله واحد}
- وعاب الألوسي هذا التوجيه: وعده غير واف بجزالة النظم الكريم، وحُقَّ له، فإن القول بالموجب يقتضي التسليم بمقتضى دليل أو دعوى المستدل، وأنّى أن يقرّ القرآن الكريم لهم هذه الدعوى الباطلة.
- ثم ارتضى جوابا نقله عن الزمخشري يقوم على القلب، وحاصله:
إن المشركين طالما يتمسكون في رد النبوة بأن مدعيها بشر ويجب أن يكون ملكا ولا يجوز أن يكون بشرا فقلب عليهم التنزيل هذه الدعوى فجعل الدليل الذي استندوا إليه دليلا على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
- يقول الألوسي:
"فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني لست بملك وإنما أنا بشر، من باب القلب عليهم، لا القول بالموجَب، ولا من الأسلوب الحكيم في شيء، كما قيل كأنه صلى الله صلى الله عليه وسلم قال: ما تمسكتم به في رد نبوتي من أني بشر هو الذي يصحح نبوتي إذ لا يحسن في الحكمة أن يرسل إليكم الملَك.
- والتقت مسألة القول بالموجَب بقادح آخر وهو:
المعارضة، فتشابهتا من حيث أن كل واحد منهما فيه تسليم لمقتضى الدليل لكنهما اختلفتا من حيث كون القول بالموجَب حاصله يرجع إلى حيد الدليل الصحيح عن محل النزاع، أما المعارضة ففيها اعتراف بمساس الدليل لمحل النزاع. (2)
- القول بالموجَب يرد من المعترض على الأحكام والدعاوى إما إبطالا لمذهب المستدل وما نقل عن إمامه في الحكم، أو إبطالا لما يظنه مَدركا لمذهب خصمه.
- لذلك قسم كثير من الأصوليين موارد المسألة إلى ثلاثة أقسام:
الأول: أن يرد القول بالموجَب من المعترض إبطالا لمذهب المستدل حين يستنتج المستدل ما يتوهمه محلا للنزاع أو لازمه.
الثاني: أن يستنتج المستدل ما يتوهم أنه مأخذ مذهب المعترض.
ويجيبه المعترض بمنع كونه مأخذا.
وذكر السيف الآمدي وابن الحاجب وغيرهما:
أن هذا القسم هو الأغلب في المناظرات والأكثر ، وإنما كان أكثر وأغلب لخفاء المآخذ، وقلة العارفين بها، وكثرة مداركها وتشعيبها، بخلاف محال الخلاف فإنه قلما يتفق الذهول عنها، ولهذا قد يشترك في معرفة مواضع الخلاف المنقول عن الإمام الخواص والعوام دون معرفة المآخذ. (3)
ونفث التاج السبكي في هذا الموضع بعد أن نقل كلام ابن الحاجب نفثة مصدور فقال متحسرا:
"فكم من فقيهين يعرفان مذهب الشافعي وأبي حنيفة، ثم إذا سئلا عن مآخذهما لم يحيرا جوابا، ووجدا حاملي فقه، وليسا بفقيهين وأكثر أبناء زماننا كذلك، فواها على الفقه، فإنه لم يبق من سحابه إلا اليسير من ظله، والله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور العلماء ولكن يقبض أهله."
ولا أدري ما عساه لو رأى أبناء زماننا؟! ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وشغب الأصوليون على هذا القسم خلافا:
هل يجب على المعترض أن يبدي مستند القول بموجبه أم يصدق إذا قال: ليس هذا مأخذ إمامي؟
فقال الأكثرون: إنه يصدق لأنه عدل وهو أعرف بمذهبه ومأخذه
وقال آخرون: إنه لا يصدق، ويجب عليه أن يذكر مستند القول بالموجب إذ ربما رد المأخذ عنادا ونكدا قصدا لإيقاف كلام خصمه.
ولعله بان لك مناط الخلاف: هل المعترض عدل أم لا؟
وهذا ما حمل الطوفي إلى مذهب فصل فيه بين المعترض العدل وغير العدل، فإن العدل لا يطالب بمستند القول بالموجَب.
أما إذا لم يكن عدلا أو كان معروفا بحب الانتصار، راكبا مركب العناد لقطع خصمه، فلا بد من مطالبته بالمستند والدليل لئلا يفضي إلى إفحام المستدل بغير وجه حق.
- ومراعاة هذا التفصيل هو الحق، فإنه ليس العناد هو الداء الوحيد، فقد يقع المرء على جاهل يدعي العلم فيهرف بما لا يعرف، فحشره والتضييق عليه وإظهار جهله هو الأولى، وهذه آفة اشتكى منها العلماء قديما.
- واسمع إلى ما يقوله الصيرفي:
"وما رأيت أحسن من صبر الخصم على الخصم، حتى إذا فرغ من هذيانه، قال له: لم أفهم ما كنت فيه، فأعد عليّ كلامك في مهل ، وأرني موضع النكتة لأفهمها عنك، وأفهمك الجواب ، فهذا أقطع من الحديد للخصوم."
وقال:
"ولا تخاطب من لا يفهم عنك، إلا أن يكون مرشدا وهذه سياسة فاستوصى بها."
وحق الجاهل أن يبكت لا أن يناظر فيقال له ما قاله الأصوليون لأمثاله: "قم فتعلم...ثم ارجع فتكلم."
القسم الثالث: أن يكون دليل المستدل مقتصرا فيه على المقدمة الكبرى، ويسكت عن الصغرى في حال كونها غير مشهورة.
وأجاب التاج السبكي والمرداوي وغيرهما عن هذا الثالث بقولهم:
"إن الحذف لإحدى المقدمتين سائغ عند العلم بالمحذوف، والمحذوف مراد معلوم، فلا يضر حذفه، والدليل هو المجموع لا المذكور وحده، وكتب الفقه مشحونة بذلك، بلا لا ترى قياسا مصرحا فيه بالمقدمتين والأصل إلا على الندرة، وما ذلك من الفقهاء الذين هم أساطين الأقيسة إلا اختصارا وتركا لما هو مشهور أو معلوم بحيث يصير ذكره تطويلا وتضييعا للزمان بلا فائدة".


- وهذا الذي عزوه إلى كتب الفقه هو في الحقيقة طريقة قرآنية شريفة فإن الأمثلة والأقيسة في القرآن تحذف منها المقدمة الجلية لأن في ذكرها تطويلا وعيا، وكذلك في ذكر النتيجة المقصودة بعد ذكر المقدمتين يعد تطويلا.

أرأيت إلى قول الله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} فلو قيل بعد: وما فسدتا، فليس فيهما آلهة إلا الله، لكان هذا من الغث الذي لا يناسب بلاغة القرآن.
- أما رتبتها بين القوادح فهذا يعود إلى تقسيم آخر للأسئلة، وجميعها يعود عند التحقيق إما إلى منع أو معارضة.
- لا ينشأ هذا الإشكال إلا على قول من أوجب الترتيب بين القوادح على وجه لا يفضي بالمعترض إلى المنع بعد التسليم لأن المنع بعد التسليم قبيح وهذا مذهب أكثر أهل المناظرة والجدل كما نسبه إليهم الآمدي وابن مفلح والمرداوي.
- يقول الطوفي:
- "المقصود إفحام الخصم وهو حاصل مع الترتيب وعدمه كما أن المحارب لما كان قصده قتل غريمه أو هزيمته لم يكن فرق بين أن يبدأ قتاله بسيف أو رمح أو سهم، أو نار محرقة أو ماء مغرق أو غير ذلك ثم إن نفس الأسئلة ليست مقصودة لذاتها إنما المقصود إفحام الخصم."
- وما أحسن وألطف قياس الخوارزمي حين قاس جواز رجوع المعترض في موقع المناظرة عن قوله على جواز رجوع الشاهد في مجلس القضاء فقال:
"صار جماعة من أئمة العصر إلى أن الجمع بين سؤالين لا يتصور لأنه إذا منع ثم سلم يكون أيضا منع بعد التسليم، وهو غير مسموح جدلا، وهو فاسد أي دعواهم أنه غير مسموح – لأن المطالبة بعد المنع اعتراف بعد إنكار، وهو مسموح في مجلس القضاء في أمر الفروج والدماء فلأن يسمع ذلك ههنا أولى."
- القول بالموجب من الأسئلة التي لم يقع فيها خلاف لكن الحنفية حصروا إيرادها في العلل الطردية دون سواها، والعلل الطردية ليست بحجة عندهم وهي كل وصف اعتبر لدوران الحكم من غير نظر إلى مناسبته وملائمته وإنما تمسكوا باطرادها لا بتأثيرها إذ المنظور عندهم نفس الاطراد لا غير.
- والتعليل بالطرد فاسد عند الحنفية بنوعيه وخصوا هذا النوع بأربع اعتراضات صحيحة لدفعها وردها وهي:
1- القول بالموجَب.
2- الممانعة.
3- فساد الوضع.
4- النقض.
اعتراض صحيح يرد على أصل فاسد!؟
إذ الفاسد فاسد في ذاته ولا يحتاج إلى إبطال أو رد.
فأجاب الأحناف متعذرين:
القول بالموجَب يلجئ أصحاب الطرد إلى القول بالمعاني الفقهية المؤثرة لأنه إذا سلم موجَب علته في المتنازع فيه مع بقاء الخلاف احتاج إلى معنى مؤثر ضرورة.
- تخصيص الحنفية القول بالموجب بالعلل الطردية تحكم.
- قد تصدى للرد عليهم الكمال الحنفي.
- حسب المعترض أن يبين خيبة المستدل.
- القول بالموجب حقيقته: إثبات انحراف الدليل عن محل النزاع فإن ثبت انحراف الدليل فقد انقطع المستدل، وإن ثبت عدم انحرافه لم ينقطع المعترض، بل له أن يورد عليه ما يليق من الأسئلة.
- الآثار الفقهية المترتبة على القول بالموجَب:
اعترض ابن دقيق العيد بالقول الموجَب على استدلال الظاهرية بحديث: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة إلا زكاة الفطر في الرقيق" على عدم وجوب زكاة التجارة.
وقدح في هذا...يقول ابن رجب:
"وقد استدل بهذا الحديث الظاهرية على عدم وجوب زكاة التجارة، وقيل: إنه قول قديم للشافعي من حيث إن الحديث يقتضي عدم وجوب الزكاة في الخيل والعبيد مطلقا"
- ويجيب الجمهور على استدلالهم بوجهين:
أحدهما: القول بالموجب، فإن زكاة التجارة متعلقها القيمة لا العين، فالحديث يدل على عدم التعليق بالعين، فإنه لو تعلقت الزكاة بالعين من العبيد والخيل، لثبتت ما بقيت العين، وليس كذلك، فإنه لو نوى القنية لسقطت الزكاة والعين باقية، وإنما الزكاة متعلقة بالقيمة بشرط نية التجارة وغير ذلك من الشروط."
- قدح القرافي في دليل الشافعية والحنفية القائلين بأن أفضل الأضحية هي الإبل ثم البقر ثم الغنم لحديث: "من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة... بقرة.....كبشا..."
ورجح القرافي مذهب مالك بأن أفضلها الغنم ثم البقر ثم الإبل واعترض على دليلهم بالقول بالموجب فقال:
" والجواب على الأول القول بالموجب، لأنه عليه الصلاة والسلام قال: "فكأنما قرب بدنة" ولم يقل في أي باب فيحمل على الهدايا وهو مجمع عليه."
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــ
1) رفع الحاجب.

2) البحر المحيط 5/299

3) الإحكام 3/170، مختصر ابن الحاجب مع شرح رفع الحاجب 4/370، كشف الأسرار 3/264

عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
09-09-01 ||, 04:34 AM
يقول البابرتي في شرح التلخيص:
والفقيه وإن برز على الأقران في الفتاوى والأحكام والمتكلم وإن ندَّ أهل الدنيا في صنعة الكلام، وحافظ القصص وإن كان من ابن القرية أحفظ، والواعظ وإن كان من الحسن البصري أوعظ ، والنحوي وإن كان أنحى من سيبويه، واللغوي وإن علَكَ اللغات بقوة لحييه، لا يتصدى أحد منهم لسلوك تلك الطرائق، ولا يغوص على شيء من تلك الحقائق، إلا رجل قد برع في علميين مختصين بالقرآن وهما المعاني والبيان.


نفس العبارات توجد في أول تفسير الكشاف للعلامة الزمخشري !

فاتن حداد
13-04-10 ||, 05:47 PM
جزاكم الله خيراً