نظرية التسوية بين المتماثلين و الفرق بين المختلفين
قال ابن القيم رحمه الله تعالى على لسائن القياسيين دائما:و قد ركّز الله في فطر النّاس و عقولهم التسوية بين المتماثلين, و إنكار التفريق بينهما, و الفرق بين المختلفين و إنكار الجمع بينهما.
قلت: و هذا باطل لا شكّ في بطلانه, و يقال لمن أثبت هذا القول: ما هما المتماثلان, قإن قالوا: هو الشيء و شيء آخر من نفس الجنس, قيل لهم هذا لا ينكر أي التسوية بين الشيء و آخر من نفس الجنس, فالبر له نفس حكم البر, و العدس له نفس حكم العدس, و لكن ليس هذا ما يقصدونه.
و إن قالوا: هو الشيء المثيل للشيء و لكن ليس من جنسه, قيل لهم: كيف عرفتم أنّه مثيله؟ فسيقولون: لصفة كانت مؤثرة في الحكم المنصوص, وجدث في المسكوت عنه, أو لصفة وجدت في الشيئين المتماثلين, قيل لهم: سنبيّن لكم أنّ الله فرّق بين المتماثلين.
قال عزّ و جلّ" ألم تر أنّ الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها", فكلّ الثمرات خلقت من ماء واحد,و بنص القرآن كان الماء مؤثرا في الأثر, إلّا أنّ قدرة الله عزّ و جلّ جعل من شيئين متماثلين -من حيث أنهما سقيا من ماء واحد- أحكاما متعددة, فجعل منهما واحدة لونها أصفر و الأخرى أحمر, واحدة أخضر و الأخرى أبيض, بل أكثر من ذلك, واحدة أكلها حلال و الأخرى أكلها حرام.
فهذا المثال يبين أنّ التشابه في الأشياء و التماثل لا يوجب التساوي في الأحكام,
فإن قال قائل: ليس هذا التشابه و التماثل الذي ذكرتموه في المثال الأول هو الذي يوجب تساوي الأحكام,
قيل لهم: سنبيّن هذا , من التماثل الذي أقررتموه, و هو التماثل الذي ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى, و سأترك ابن حزم يبيّن هذا.
قال ابن القيم: فقاس النشأة الثانية على النشأة الأولى في الإمكان, و جعل النشأة الأولى أصلا و الثانية فرعا عليها.
قلت: تقدّم الجواب على هذا, و سيبين ابن حزم أن التماثل الذي أقررتموه لم يوجب تساوي الأحكام,
قال ابن حزم في الإحكام:لو كان إنشاء الله تعالى للعظام أولا يوجب أن يحييها ثانية, لوجب ضرورة إذا أفناها أيضا بعد أن أنشأها أولا, أن يفنيها ثانية بعد أن أنشأها ثانية, و هذا ما لا يقولونه, و لا يقول به أحد من المسلمين إلا جهم بن صفوان وحده, و لو كان ذلك أيضا لوجب أن يعيدهم إلى الدنيا ثانية كما ابتدأهم و أنشأهم فيها أول مرة, و هذا كفر مجرّد لا يقول به إلا أصحاب التناسخ. انتهى كلامه
قلت: فالنشأتين متماثلتين في نظر أهل القياس, لكن كان حكم الأولى الفناء, و كان حكم الثانية الخلود, و كان حكم الأولى أن ينشأوا للدنيا و كان حكم الثانية أن ينشأوا للآخرة, فليس بعاقل من يقول أنّ بعد النشأة الثانية سنفنى, فيقال له: و ما هو دليلك؟ فيجيب: إن الذي أفنانا بعد النشأة الأولى سيفنينا بعد النشأة الثانية قياسا على فناءها بعد النشأة الأولى,
فبهذا يتبين أنّ الله عزّ و جلّ سوّى بين المتماثلين في حكم إمكانيتهما, و فرّق بينهما في حكم مآلهما , و حكم مكانهما.
ثمّ قال ابن القيم: و قاس حياة الأموات بعد الموت على حياة الأرض بعد موتها بالنبات,
قلت: يرى أهل القياس أن حياة الأموات بعد الموت و حياة الأرض بعد موتها شيئان متماثلان,
فسيبين ابن حزم أن هذان الشيئان المتماثلين لم يجعل الله عز و جل لها نفس الحكم.
قال ابن حزم في الإحكام:و لو كان هذا قياسا لوجب أن يحي الله الموتى كل سنة في أول الربيع, ثم يموتون في أول الشتاء, كما تفعل الثمار و جميع النبات. انتهى.
فتماثل حياة الأموات بعد الموت مع حياة الأرض بعد موتها لم يمنع أن يجعل الله عز و جل لهما أحكاما مختلفة, فبهذا تبطل مقولة أن الله ركّز في فطر الناس و عقولهم التسوية بين المتماثلين و إنكار التفرقة بينهما,إن كان التماثل بهذه الصورة.
أمّا قوله أن الله عز و جل فرّق بين المختلفين و أنكر الجمع بينهما, فلا شكّ أنّ الشيء ليس هو غيره, أمّا حكم الشيء و حكم غيره فلا شكّ في أنّهما يختلفان أحيانا و يتفقان أحيانا.
يقول عزّ و جلّ:"و ما يستوي البحران, هذا عذب فرات سائغ شرابه و هذا ملح أجاج, و من كل تأكلون لحما طريّا و تستخرجون حلية تلبسونها", فهذان بحر العذب الزلال, و الآخر مختلف عنه أجاج, أي مرّ, لكن من كليهما تأكل اللحوم الطّرية و تستخرج الحليّ, فاختلاف ذوق البحار, لم يمنع من أن يتفقا في حلية أكل لحومها و طراوتها و استخراج حلّيها.
فبهذا يتبين أنّ الاختلاف و أكثر من ذلك التضاد الموجود في الشيئين, لا يوجب التفرقة بين أحكامها,
فإن قال قائل ليس هذا الاختلاف الذي ذكرتموه في المثال الثاني هو الذي يوجب التفريق بين المختلفين, قيل لهم: سنبين هذا من المختلفين الذي أقررتموه أنهما مختلفين,
قال ابن القيم: و قد نفى الله سبحانه عن حكمه و حكمته التسوية بين المختلفين في الحكم فقال تعالى"أفنجعل المسلمين كالمجرمين", قلت: فالمسلم غير المجرم فلم يساوي بينهما الله عز و جل في الجزاء, و هذا لا يكون إلا في الدار الآخرة, و هذا لا ينكر, و لكن كما أنه عز و جل لم يساوي بينهما في الجزاء في الدار الآخرة و في أشياء كثيرة في دنيانا, فلقد سوى بينهما في الخلقة, فالمسلم لم يخالف المجرم في خلقته, فالمرتد عندما ارتد لم تقلع عيناه, و لم تنزع أعضاؤه, و المسلم لم يخالف المجرم , فهذا مسلم وجهه لا يستحسنه الناس, و هذا مجرم قبيح الوجه, وهذا مسلم حسن الوجه, و هذا مجرم حسن الوجه, و المسلم لم يخالف المجرم في صحته, فهذا مسلم صحيح, و هذا مجرم صحيح, و هذا مسلم عليل, و هذا مجرم عليل, و المسلم لم يخالف المجرم في معيشته, فهذا مسلم غني, و هذا مجرم غني, و هذا مسلم فقير, و هذا مجرم فقير, فهل خالف الله عز و جل بينهما؟ و هذا كله مشاهد لا ينكره إلا معاند, و هذه كلها في الدنيا, و هي الدار التي يجري فيها القياسيون القياس, و ليست في الدار الآخرة, أين فرّق فيها الله عز و جل بين المسلم و المجرم, و لكن بالمقابل في هذه الدار سوى بين الحمر و اللبن, فالخمر محرم في دنيانا, و اللبن حلال في دنيانا, فهما شيئان مختلفان, إلا أن الله عز و جل سوّى بينهما في الآخرة و جعلهما شرابا لعباده.
فقام البرهان على بطلان أن الشريعة سوّت بين المتماثلين و فرّقت بين المخلفين.