الموضوعات المميزة النشرات الشهرية احصائيات وأرقام تواصل معنا

بنرات متحركة

آخر مواضيع الملتقى

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 1 2
النتائج 16 إلى 26 من 26

الموضوع: مَوْقِفُ المُحَدِّثِينَ مِن الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَة.. (دِراسةٌ مُنصِفة!)

  1. #1
    :: نـشـيــط ::
    تاريخ التسجيل
    Sep 2012
    الدولة
    مصر
    المدينة
    القاهرة
    المؤهل
    طالب بكالوريوس
    التخصص
    طالب جامعي
    المشاركات
    686
    شكر الله لكم
    4,371
    تم شكره 892 مرة في 426 مشاركة

    افتراضي مَوْقِفُ المُحَدِّثِينَ مِن الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَة.. (دِراسةٌ مُنصِفة!)

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    الحَمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، وصلوَاته وسَلامه على سيّدنا محمّد خير خلقه وعلى سائرِ النبيّينَ، وعلى آل كلِّ وسائرِ الصالحينَ، وأشهدُ أنْ لا إِله إلا الله وحده لا شَريكَ له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسوله، صلى الله وسلم عليه، وزاده شرفًا لديه.
    أما بعد:
    (محتوى الدِراسَة)
    فقد بدأتُ هذا البحث ببيانِ الخلاف بين الفقهاء والمحدثين، وذكرتُ بداية وكيفية نشأة المذاهب الفقهية، وأن لهذه المذاهب جذورًا ممتدة منذ عصر الصحابة رضي الله عنهم ثم التابعين وتابعيهم، وكيف تكوّنت مدرستا أهل الرأي وأهل الحديث، والعوامل التي ساعدت على نشأتهما وخصائص كلٍّ منهما، والخلاف الدائم بين المدرستين على مرِّ العصور؛ إذ إن هذا له علاقة بالبحث كتمهيدٍ وتوطئة له.
    وأوضحتُ بعدُ موقف المحدثين من الإمام أبي حنيفة، وبيّنتُ أسباب تحامل بعض المحدثين عليه، ثم اخترتُ ثلاثة منهم لتجلية موقفهم منه، ثم ختمت هذا الباب بذكر ثناء جماهير المحدثين المتأخرين على أبي حنيفة، والاتفاق على جلالته وفضله. وأكثر كتاب استفدت منه في هذا الموضوع عمومًا -خاصة عناوين الفقرات الأول وغيرها-: هو كتاب الدكتور/ كيلاني محمد خليفة ((منهج الحنفية في نقد الحديث)) الباب الأول منه كاملاً [ص 29-89].
    ثم أتبعتُ بعدَ هذا كله نقولًا مطولة مستفيضة، كملحق للموضوع في مشاركات تالية، إتمامًا للفائدة وحتى يكون جامعًا، استفدتها من كتابَيْ: ((قواعد في علوم الحديث)) -للعلاّمة ظفر أحمد التهانوي الحنفي رحمه الله، مع تعليقات الشيخ أبو غدّة-، و((الرَّفع والتكميل في الجرح والتعديل)) -للعلاّمة اللكنوي رحمه الله، مع تعليقات الشيخ عبدالفتاح أيضًا-.
    نسأل الله التوفيق والسداد،،


    (بَـيْنَ الفُقَـهَاءِ وَالمُحَـدِّثِينَ)

    أَوَّلًا: نَشْأَةُ المّذَاهِبِ الفِقْهِيَّةِ
    كان الصحابة -رضي الله عنهم- في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخذونه أسوةً حسنة، ومرجعًا في جميع أمورهم، ومُرشدًا في كل شؤونهم، كانوا يترسمون خطواته، ويتّبعون إرشاداته، ويأخذون منه أحكام الله وآياته؛ امتثالًا لقوله تعالى: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُواْ اللهَ وَاليَومَ الأَخِرَ} [الأحزاب: 21].
    وكانوا إن نزلتْ بهم نازلة أو عرضتْ لهم مشكلة، يهرعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبينون منه حكم الله في ذلك؛ تحقيقًا لقوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الأَخِرِ} [النساء: 59].
    فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتيهم ويُشرّع لهم ويبيّن لهم حكم الله في ذلك بآيات من القرآن العزيز ينزل عليه الوحي، أو بسنة من قولِ يبلغه لهم أو فعلٍ يفعله أمامهم فيقتدون به، أو يُقرّهم على ما فعلوا إن كان صوابًا؛ فالسنة تشمل ما أضيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير.
    وأيًّا كان طريق البيان، فلا يخرج عن الوحي من الله -سبحانه وتعالى-؛ إذ إن الوحي تارة يكون قرآنًا وهو الوحي المتلو، وتارة يكون سنة للنبي صلى الله عليه وسلم وهو الوحي غير المتلوّ، وقد قال الله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى*إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3، 4]، وقال تعالى: {وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113] والحكمة هي السنة.
    قال الإمام الشافعي -رحمه الله- في الرسالة (ص78): "فذكر الله الكتاب وهو القرآن، وذكر الحكمة، فسمعتُ من أرضى أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمةُ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا يُشْبِه ما قال والله أعلم؛ لأن القرآن ذُكِرَ وأُتبِعَتهُ الحكمةُ، وذَكَرَ الله مَنَّهُ على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة [أي في قوله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتِهِ وَيُزَكِيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} (آل عمران: 164)] فلم يجز -والله أعلم- أن يقال الحكمة هاهنا إلا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم". اهـ.
    وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما إن يتعرفوا حكم الله عن طريق كتاب أو سنة حتى يبادروا إلى الانصياع إلى أمر الله عن رضًا من غير تردد؛ تحقيقًا لقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36].
    هكذا كانت حال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غير أنهم ما كانوا يفزعون إلى السؤال إلا عند الحاجة القصوى المُلحّة إليه، فلم يكونوا يفترضون المسائل افتراضًا، ثم يسألون عنها؛ إذ كانت كثرة السؤال مما لا يُحمد عليه فاعله؛ بل قد ورد النهي عنه، والتشنيع على مرتكبه، قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: 101].
    وجاء فيما رواه البخاري (7289) ومسلم (6265): (إن أعظم المسلمين في المسلمين جُرْمًا من سأل عن شيء لم يحرَّم على المسلمين فحرَّم عليهم من أجل مسألته). وجاء في صحيح مسلم (6259): (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم). وفي البخاري (1477) ومسلم (4582): (إِن الله كَرِهَ لكم ثلاثًا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال).
    ولقد صوَّر لنا ولي الله الدهلوي في كتابيه ((حجة الله البالغة)) ص15 ، و((الإنصاف في بيان أسباب الخلاف)) ص140-141 صوَّر لنا حالتهم هذه تصويرًا دقيقًا؛ حيث قال: "اعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن الفقه في زمانه الشريف مدونًا، ولم يكن البحث في الأحكام يومئذ مثل بحث هؤلاء الفقهاء؛ حيث يبنون بأقصى جهدهم الأركان والشروط والآداب، كل شيء ممتاز عن الآخر بدليله، ويفرضون الصور من صنائعهم، ويتكلمون على تلك الصور المفروضة، ويحدون ما يقبل الحدَّ، ويحصرون ما يقبل الحصر إلى غير ذلك، أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يتوضأ فيرى أصحابه وضوءه، فيأخذون به من غير أن يبين هذا ركن وذلك أدب، وكان يصلي فيرون صلاته فيصلون كما رأوه يصلي، وحج فرَمَقَ الناس حجَّه ففعلوا كما فعل، وهذا كان غالب حاله صلى الله عليه وسلم، ولم يبين أن فروض الوضوء ستة أو أربعة، ولم يفرض أنه يحتمل أن يتوضأ إنسان بغير موالاة، حتى يحكم عليه بالصحة والفساد إلا ما شاء الله، وفلما كانوا يسألونه عن هذه الأشياء.
    عن ابن عباس قال: ما رأيت قومًا خيرًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سألوه إلا ثلاث عشرة مسألة حتى قُبض، كلهن في القرآن؛ منهن: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} [ البقرة: 217]، {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} [البقرة: 222] قال: وما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم.
    قال ابن عمر: لا تسأل عما لم يكن، فإني سمعت عمر بن الخطاب يلعن من سأل عما لم يكن. قال القاسم: إنكم تسألون عن أشياء ما كنا نسأل عنها، وتُنقِّرون عن أشياء ما كنا ننقر عنها، وتسألون عن أشياء ما أدري ما هي ولو علمناها ما حل لنا أن نكتمها.
    عن عمرو بن إسحاق قال: لمن أدركت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ممن سبقني منهم، فما رأيت قومًا أيسر سيرة ولا أقل تشديدًا منهم.
    وعن عبادة بن نُسَيِّ الكندي: سُئِل عن امرأة ماتت مع قوم ليس لها ولي فقال: أدركت أقوامًا ما كانوا يشدِّدون تشديدكم، ولا يسألون مسائلكم. [أخرج هذه الآثار كلها الدارمي في سننه (1/ 62، 63)].
    وكان صلى الله عليه وسلم يَستفتيه الناس في الوقائع فيفتيهم، وتُرفع إليه القضايا فيقضي فيها، ويرى الناس يفعلون معروفًا فيمدحه، أو منكرًا فينكر عليه، وما كل ما أفتى به مستفتيًا عنه، وقضى به في قضية أو أنكره على فاعله كان في الاجتماعات". انتهى كلام الدهلوي.
    وقد أوضح ابن القيم مراد ابن عباس في قوله: ((ما سألوه إلا ثلاث عشرة مسألة)) فقال -كما في إعلام الموقعين (1/ 71)، ط. دار الجيل-: "هي المسائل التي حكاها الله في القرآن عنهم، وإلا فالمسائل التي سألوه عنها وبيَّن لهم أحكامها بالسنة لا تكاد تحصى، ولكن إنما كانوا يسألونه عما ينفعهم من الواقعات ولم يكونوا يسألونه عن المقدرات والأغلوطات وعضل المسائل، ولم يكونوا يشتغلون بتفريع المسائل وتوليدها؛ بل كانت هممهم مقصورة على تنفيذ ما أمرهم به، فإذا وقع بهم أمر سألوه عنه فأجابهم". اهـ.
    فهذه هي حال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اتباع واقتداء وعمل بكتاب الله سبحانه، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم والكتاب والسنة هما المرجع للصحابة، وهما مصدرا الفقه والتشريع في عهده صلى الله عليه وسلم.
    ثم انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، ولبَّى نداء ربه تاركًا لأمته شيئين ما إن تمسكوا بهما لن يضلوا بعده أبدًا: كتاب الله الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تركه محفوظًا في الصدور، ومكتوبًا جميعه على ما تيسر من وسائل الكتابة آنذاك، وسنته الشريفة محفوظة في صدور أصحابه، وإن كان قد كُتِبَ شيء منها -كما كتب عبدالله بن عمرو بن العاص الصحيفة الصادقة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره من الصحابة، راجع تفصيل ذلك في السنة قبل التدوين ( ص 348 ) وما بعدها-. مصداقًا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تركت فيكم أمرين لن تضلو ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه) - الموطأ (1628) .
    ولكنه إلى جانب ذلك قد رك أصحابًا له عاشروه في حياته، وفي سفره وفي حضره، وشاهدوا أفعاله، واستمعوا إلى أقواله، وشاهدوا نزول الوحي، واطلعوا على أسبابه ومقتضياته، فحصل لهم بذلك ملكة فقهية يتعرفون بها حكم الله فيما يجدُّ من أمور، من خلال كتابه وسنة نبيه.
    وكان عدد أولئك الصحابة الذين تخرجوا على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عددهم كثيرًا، وإن كانوا يختلفون في الفقه والفتوى قلة وكثرة، والذين حُفِظَتْ عنهم الفتوى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة ونيف وثلاثون نفسًا ما بين رجل وامرأة، وكان المكثرون منهم سبعة: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبدالله بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبدالله بن عباسَ، وعبدالله بن عمر، ويمكن أن يُجمع من فتوى كل واحد منهم سفر ضخم.
    والمتوسطون منهم فيما روي عنهم من الفتيا: أبو بكر الصديق، وأم سلمة، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وعثمان بن عفان، وعبدالله بن عمرو بن العاص، وعبدالله بن الزبير، وأبو موسى الأشعري، وسعد بن أبي وقاص، وسلمان الفارسي، وجابر بن عبدالله، ومعاذ بن جبل؛ فهؤلاء ثلاثة عشر يمكن أن يجمع من فُتيا كل واحد منهم جزء صغير.
    والباقون منهم مقلون في الفتيا لا يُروى عن الواحد منهم إلا المسألة والمسألتان والزيادة اليسيرة على ذلك، ويمكن أن يجمع من فتيا جميعهم جزء صغير فقط بعد التقصي والتحري؛ ومنهم: أبو الدرداءَ، وأبو عبيدة بن الجراح، وأبو ذر، والنعمان بن بشير، وأُبيّ بن كعب - وراجع: الإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم (5/ 92)، وإعلام الموقعين (1/ 21) طبعة دار الجيل.
    قال أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء (ص17): "اعلم أن أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين صحبوه ولازموه كانوا فقهاء؛ وذلك أن طريق الفقه في حق الصحابة خطاب الله عز وجل وخطاب رسوله صلى الله عليه وسلم وما عقل منها؛ فخطاب الله عز وجل هو القرآن، وقد أنزل ذلك بلغتهم، على أسباب عرفوها، وقصص كانوا فيها، فعرفوها مسطورة ومفهومة، ومنطوقة ومعقولة؛ ولهذا قال أبو عبيدة في كتاب المجاز لم يُنقل أن أحدًا في الصحابة رجع في معرفة شيء من القرآن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضًا بلغتهم، يعرفون معناه، ويفهمون منطوقه وفحواه، وأفعاله هي التي فعلها من العبادات والمعاملات والسير والسياسات، وقد شاهدوا ذلك كله وعرفوه، وتكرر عليهم وتحرّوه". اهـ.
    ولم يكن هناك خلاف في المسائل الفقهية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان هو المرجع لهم في أحكامهم وقضاياهم.
    ولكن لم يكد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفرغون من دفنه في قبره المطهر، حتى رأوا أنفسهم أمام مسائل كثيرة لم يرد في الإجابة عنها نصٌّ صريح من كتاب أو سنة، ولقد كان في طليعة هذه المسائل والمشكلات قضية منصب إمامة المسلمين والخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فكان الأنصار يرون أنفسهم أحق بالخلافة من غيرهم؛ لأنهم آووا الرسول ونصروه، وإليهم كانت هجرته، وفيهم كانت إقامته ووفاته.
    وكان المهاجرون يرون أنفسهم أحق بها؛ لأنهم من قريش قوم النبي صلى الله عليه وسلم وعشيرته، وأوسط العرب دارًا، وأعربهم أحسابًا، وتمسكوا بحديث (الأئمة من قريش) -رواه النسائي في الكبرى (3/ 467)، وأحمد في مسنده (2/ 129، 183)، ومن طريقه أخرجه الضياء المقدسي في المختارة (4/ 408) من حديث أنس بن مالك، وقد جمع طرقه وشواهده الحافظ ابن حجر في جزء سماه ((لذة العيش في طرق حديث الأئمة من قريش)) أشار إليه في فتح الباري (6/ 530) كما ذكر مقاصد هذا الكتاب في الفتح أيضًا (13/ 114)-. وكان أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَرون أنهم أَوْلَى الناس بذلك لما لهم من القرابة والعصوبة -راجع صحيح البخاري (4240)، ومسلم (4679)-.
    حتى حسم أبو بكر الخلاف وقام فيهم خطيبًا يوم السقيفة، وذكرهم بأحقية قريش بهذا الأمر، فقام عمر فبايعه وبايعه المهاجرون ثم الأنصار -راجع صحيح البخاري (6830)-.
    ثم تتابعت المسائل مسألة تلو الأخرى، وكل مسألة تطلب الحل العاجل لها، فلم يكد أبو بكر يفرغ من مبايعة الناس له حتى واجه مسألة الردَّة، فرأى قومًا يمتنعون عن أداء الزكاة مع إقرارهم بالإسلام وإقامتهم الصلاة، فماذا يصنع بهم، وهل تجوز مقاتلتهم، فقال له عمر: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قالها فقد عَصَمَ مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله) فقال أبو بكر: والله لأُقاتلن مَن فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو مَنَعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على مَنْعِهِ. فقال عمر: فما هو إلا أن رأيت الله عز وجل قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعلمت أنه الحق. - أخرجه البخاري (1399)، ومسلم (133) .
    وكذلك عُرضت فكرة جمع القرآن الكريم في صُحف لما استحر القتل بالقراء يوم اليمامة، فخشى عمر أن يذهب شيء من القرآن فأشار على أبي بكر بجمع القرآن فشرح الله صدر أبي بكر لذلك، وأمر زيد بن ثابت بجمع القرآن، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك، إلى غير ذلك من المشكلات والمسائل مما لم يرد جواب عنه في نص كتاب أو سنة -راجع البخاري (4986)-.
    كان من جرَّاء ذلك أنهم لا بد من أن يستعملوا الاجتهاد والرأي ليتوصلوا إلى معرفة الحكم في هذه الأمور؛ فاللجوء إلى الاجتهاد والرأي ضرورة مُلحَّة لتبين الأحكام لهذه القضايا، ولقد نبغ في هذه الحقبة جملة من أصحاب الرأي، يحمل لواءهم عمر ابن الخطاب، وعبدالله بن مسعود، وممن اشتهر بالاجتهاد والرأي في الفتوى أبو بكر الصديق، وزيد بن ثابت، وأُبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنهم أجمعين.
    إلى جانب هذه الفئة من الصحابة ممن كان يستنجد بالاجتهاد والرأي إذا أعوزها وجود الحكم في نص من كتاب أو سنة، كانت فئة أخرى تمتنع عن الإفتاء بالرأي تورعًا وإنما تقتصر في فتواها على ما رأته أو سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي مقدمة هذه الفئة كان عبدالله بن عمر بن الخطاب؛ فقد روى الدارمي في سننه (1/ 70) عن جابر بن زيد أن ابن عمر لقيه في الطواف فقال له: يا أبا الشعثاء إنك من فقهاء البصرة فلا تفتِ إلا بقرآنٍ ناطق، أو سنة ماضية، فإنك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت.
    وكان يُسأل عن المسألة فيجيب بما رآه أو سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أخرج الترمذي في سننه (1588) -وقال: حسن صحيح- عن جبلة بن سُحَيْمٍ: أن رجلاً سأل ابن عمر عن الأضحية أَواجبة هي؟ قال: ضَحى النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون. فأعادها فقال: أَتُعقل؟ ضحى النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون.
    وروى الترمذي في سننه أيضًا (871) -وقال: حسن صحيح- عن الزبير بن عربي أن رجلاً سأل ابن عمر عن استلام الحجر فقال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يستلمه ويُقبله. فقال الرجل: أرأيت إن غُلبت عليه أرأيت إن زُوحمت. فقال ابن عمر: اجعل أرأيت باليمن رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبله.
    وفي مسند الإمام أحمد (2/ 60) عن زياد بن جبير: أن رجلًا سأل ابن عمر عن رجل نَذَر أن يصوم يومًا فوافق يومئذٍ عيد أضحى أو يوم فطر؟ فقال ابن عمر: أمر الله بوفاء النذر، ونهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم هذا اليوم.
    وروى أبو داود (2885)، وابن ماجه (54) عن عبدالله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (العلم ثلاثة وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة).
    ومع وجود هذين الاتجاهين وضعتُ بذرة مدرسة الرأي ومدرسة الحديث اللتين نَمَتا وترعرعتا فيما بعد، وأصبح لكل مدرسة خصائص ومميزات وأتباع.
    لقد كان الفقه زمن الصحابة يدور في البحث عن أحكامه على الكتاب ثم السنة، ثم إعمال الرأي إن لم يوجد في المسألة نص من كتاب وسنة.
    ولقد كان المفتون في ذلك العصر على طرائق قدد؛ فمنهم من كان يتوسع في الرأي، ويتعرف المصالح فيبني الأحكام عليها؛ كعمر بن الخطاب، وعبدالله بن مسعود، ومنهم من كان يحمله التورع والاحتياط على الوقوف عند النصوص، والتمسك بالآثار، كعبدالله بن عمر، وعبدالله بن عمرو بن العاص.
    فلمَّا تفرَّق الصحابة في الأمصارِ قضاةً ومفتين ومعلمين، ورَّثو علمهم وطرائقهم في البحث والاستنباط من خلفهم، ممن حمل لواء العلم.
    فكان من التابعين وتابعيهم من يتحاشى القو بالرأي والاجتهاد، فرُوي عن ابن سيرين أنه كان لا يقول برأيه إلا شيئًا سمعه.
    وذُكر عن عطاء: أنه سُئِل عن شيء فقال: لا أدري. فقيل له: أَلا تقول فيها برأيك؟ قال: إني أستحي من الله أن يدان في الأرض برأيي.
    وذُكر عن الشعبي قال: إياكم والمقايسة، والذي نفسي بيده لَئِن أخذتم بالمقايسة لتحلّن الحرام، ولتحرّمن الحلال، ولكن ما بلغكم عمن حفظ من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فاعملوا به.
    ونُقل عن الشعبي أيضًا أنه قال: ما حدثوك هؤلاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذ به، وما قالوه برأيهم فألقه في الحشِّ - روى هذه الآثار كلها الدارمي في سننه (1/ 60، 78) .
    كما كان منهم من اشتهر بالقول بالرأي؛ كربيعة الرأي وعلقمة بن قيس النخعي وإبراهيم بن يزيد النخعي، فكان هذا وذاك أول نبتة لِما جاء فيما بعد من اختلاف المدارس الفقهية - راجع: دراسة تاريخية للفقه وأصوله (ص 26-29)، والفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي (1/ 310).

    ***


    ثَانِيًا: مَدْرَسَةُ أَهْلِ الرَّأْيِ وَأَهْلِ الحَدِيثِ
    علمنا فيما سبق كيف كانت النزعة الحديثية أو الفقهية لدى بعض الصحابة رضي الله عنهم وانتقال ذلك إلى مَن بعدهم من التابعين، ومع استمرار الزمن أخذ الخلاف يتعمق بين الاتجاهين، حتى ظهر إثر ذلك ما يسمى بمدرسة الحديث ومدرسة الرأي، ونَمَتْ كل واحدة منهما نماءً ظاهرًا، وآتَتْ ثمارها وخيراتها، وأضحى لكل مدرسة من هاتين المدرستين مميزات وخصائص معينة.

    أ- مدرسة الحديث وعوامل نشأتها:
    ظهرتْ مدرسة الحديث أول ما ظهرت في الحجاز، واتخذت مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم موطنًا لها، وكان واضع الحجر الأساس لهذه المدرسة -كما سبق- عبدالله بن عمر وأمثاله، ثم ساهم برفع هذا الأساس مَن أَتى بعد ذلك من التابعين؛ كسعيد بن المسيب، وعُروة بن الزبير، والقاسم بن محمد.. وغيرهم، ثم اكتمل بُنيانها وبلغتْ ذروتها في عصر الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة.
    وكان من أهم أسباب وعوامل نشأة مدرسة أهل الحديث واستمرارها:
    1- وفرة ما بأيدي أهل المدينة من الأحاديث والآثار وفتاوى الصحابة رضي الله عنهم.
    2- قِلَّةُ مَا يُعرَضُ عليهم من الحوادثِ التي لم يكن لها مثيل في عهد مَن سبقهم.
    3- عدمُ اتِّساعِ مظاهر الحضارة عندهم وقربهم من حياة البداوة.
    _ خصائص مدرسة الحديث:
    لقد كان لمدرسة الحديث خصائص يمكن تلخيصها فيما يلي:
    أولاً: اتجاه فقهاء هذه المدرسة إلى حفظ أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وفتاوى الصحابة، ووقوفهم في الفتوى عند الرواية، وعدم استعمالهم الرأي في الأحكام غالبًا.
    ثانيًا: قلة تفريعهم الفروع، وكراهيتهم السؤال عن مسائل لم تقع بعد.
    ثالثًا: صِحَّة ما يروونه من الحديث لاستيثاقهم منها؛ ولذلك يرون أن الأحاديث التي يروونها هم تُقدم على الأحاديث التي يرويها علماء العراق والشام.
    وكان الإمام مالك يُسمى العراق "بدار الضرب" يعني أنها تصنع الأحاديث وتضعها كما يخرج دار الضرب الدراهم والدنانير، قال منصور بن سلمة: كنت عند مالك فقال له رجل: يا أبا عبدالله أقمتُ على بابك يومًا حتى كتبت ستين حديثًا. فقال: ستون حديثًا وجعل يستكثرها، فقال الرجل: ربما كتبت بالكوفة أو بالعراق في المجلس الواحد ستين حديثًا. فقال: وكيف بالعراق دار الضرب يُضرب بالليل وينفق بالنهار. ورد في ((سير أعلام النبلاء)) [8/ 114].
    وقال ابن شهاب الزهري: يا أهل العراق يخرج الحديث من عندنا شبرًا ويصير عندكم ذراعًا - المرجع السابق (5/ 344) . وزاد ابن سعد في الطبقات الكبرى، القسم المتمم (1/ 171): وأشار بيده إذا وغل الحديث هناك فرويدًا به.
    وسبب ذلك أن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ وختم في الحجاز، وقد كانت المدينة منبع الحديث ومجتمع الصحابة، ومنها انطلقوا إلى سائر أقطار الأرض، فيتعذر وقوع الوضع في الحديث بها، وليس الشأن كذلك في العراق، فبُعدُهُ عن الحجاز يجعل اصطناع القول ممكنًا، إضافةً إلى أن أخلاط المسلمين من الأمم المختلفة كانوا في العراق أكثر منهم في الحجاز، وفيهم من لم يصل الإيمان إلى أعماق نفسه، فلا يتحرج من اختلاق حديث ما دام يرفع من شأنه ويؤيد دعواه! .
    وعامل آخر هو ظهور المذاهب المختلفة في العراق، من معتزلة ومرجئة وأصناف من المتكلمين، وفي كل صنف مِن هؤلاء مَن رأى تأييد بدعته ورأيه بتأويل آيات القرآن واختلاق الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    رابعًا: وقوفهم عند ظواهر النصوص، من غير بحث عن عللها في الأعم الأغلب، ومن هنا قال سعيد بن المسيب لربيعة في سؤاله عن الحكمة، عندما سأله عن عقل أصابع المرأة، ما عقل الأصبع الواحدة؟ قال: عشرة من الإبل. قال: فأصبعان؟ قال: عشرون. قال: فثلاث؟ قال: ثلاثون. قال: فأربع؟ قال: عشرون. قال ربيعة: فعندما عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها؟ فقال له سعيد: أعراقيٌّ أنت؟ قال ربيعة: عالم متثبت أو جاهل متعلم. قال: يا ابن أخي إنها السنة - الموطأ (1571)، وراجع: السنن الكبرى للبيهقي (8/ 96)، ومصنف ابن أبي شيبة (5/ 412)، ومصنف عبدالرزاق (9/ 394). وراجع كذلك "دراسة تاريخية للفقه وأصوله" (ص 49-53)، والفكر السامي (1/ 315، 319).

    ب- مدرسة الرأي وعوامل نشأتها:
    لقد بدأَ ظهور بذرة الرأي في عهد الصحابة كما سبق، فكان منهم من يستعمل الرأي والاجتهاد حيث لا نص، وكان حامل لواء الرأي والاجتهاد عمر بن الخطاب، وكان عبدالله بن مسعود من أبرز تلاميذ عمر في الرأي.
    يقول ابن مسعود: لو سلك الناس واديًا وشعبًا وسلك عمر واديًا وشعبًا لسلكت وادي عمر وشعبه. وقال محمد بن جرير: لم يكن أحد له أصحاب معروفون حرروا فتياه ومذاهبه في الفقه غير ابن مسعود، وكان يترك مذهبه وقوله لقول عمر، وكان لا يكاد يخالفه في شيء من مذاهبه، ويرجع من قوله إلى قوله. وقال الشعبي: كان عبدالله لا يقنت، وقال: لو قنت عمر لقنت عبدالله. راجع: إعلام الموقعين (1/ 20).
    ويعدُّ عبدالله بن مسعود مؤسس مدرسة الرأي في الكوفة، منذ أن أرسله عمر إليها معلمًا، وقد كتب لهم: إني قد بعثت إليكم عمار بن ياسر أميرًا، وعبدالله بن مسعود معلمًا ووزيرًا، وهما من النجباء من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من أهل بدر فاسمعوا، وقد جعلت عبدالله بن مسعود على بيت مالكم، فاسمعوا فتعلموا منهما واقتدوا بهما، وقد آثرتكم بعبدالله بن مسعود على نفسي -أخرجه الحاكم في المستدرك (3/ 438)، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يُخرجاه-.
    فقد عُني ابن مسعود بتفقيه أهل الكوفة ونشر علمه فيها فكان ذلك أول بذرة لمدرسة الرأي في الكوفة، ثم نمتْ هذه البذرة عندما انتقل إلى العراق في عهد الإمام علي ابن أبي طالب جملة من الصحابة؛ كسعد ابن أبي وقاص، وعمار بن ياسر، وأبي موسى الأشعري، وأنس بن مالك، وحذيفة بن اليمان، وعمران بن حصين، وكثير من فقهاء الصحابة، ثم انتقل علي ابن أبي طالب إلى الكوفة وجعلها عاصمة الخلافة وتولى تفقيه الصحابة، ثم انتقل علي بن أبي طالب إلى الكوفة وجعلها عاصمة الخلافة وتولى تفقيه أهلها، حتى أصبحت الكوفة لا مثيل لها في أمصار المسلمين في كثرة فقهائها، لكثرة مَن انتقل إليها من فقهاء الصحابة. راجع: فقه أهل العراق وحديثهم [ص 52].
    وكان عَلْقمة بن قيس النخعي من أبرز تلاميذ عبدالله بن مسعود، وعن علقمة أخذ إبراهيم بن يزيد النخعي الذي رُوي عنه أنه كان لا يعدل بقول عمر وابن مسعود إذا اجتمعا، فإذا اختلفا كان قول عبدالله أعجب إليه؛ لأنه ألطف. انظر: إعلام الموقعين (1/ 17).
    ومن إبراهيم أخذ الفقه حماد بن أبي سليمان، وعن حماد أخذ الفقه الإمام أبو حنيفة النعمان، وبه تُوجت مدرسة الرأي.
    وهكذا نرى أن العراق هو المهد الذي تربت فيه مدرسة الرأي، ونمتْ وترعرعتْ وآتتْ تمراتها وخيراتها.
    ويمكن أن نجعل العوامل التي ساعدت في نمو مدرسة الرأي بالعراق فيما يلي:
    1- تأثرهم بمؤسِّس هذه المدرسة الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود الذي كان يعتمد كثيرًا على الرأي والاجتهاد في فتاواه.
    2- قلة الحديث في العراق؛ قال ابن خلدون في ((مقدمته)) [2/ 127-129]: "وكان الحديث قليلًا في أهل العراق، فاستكثروا من القياس ومهروا فيه؛ فلذلك قيل أهل الرأي، وكان أهل الحجاز أكثر روايةً للحديث من أهل العراق؛ لأن المدينة دار الهجرة ومَأْوى الصحابة، ومَن انتقل منهم إلى العراق كان شغلهم بالجهاد أكثر، والإمام أبو حنيفة إنما قلَّتْ روايته للحديث لما شدد في شروط الرواية والتحمل". انتهى.
    3- كثرة المسائل التي يُحتاج إلى معرفة أحكامها؛ إذ إن بيئة العراق تختلف كُليًّا عن بيئة الحجاز؛ لأن دولة الفُرس قد خلَّفت في العراق أنواعًا من المعاملات والعادات والنُظُم مما لا يُعهد مثله في الحجاز.
    4- شيوع وضع الحديث لظهور المبتدعة ووقوع الفتن، وقد كان هذا من أسباب قلة حديث أهل الرأي؛ لأن ذلك دعاهم إلى التشدد في قبول الأخبار، والتوقف عن الأخذ بها ولزوم إعمال الرأي.
    _ خصائص مدرسة الرأي:
    تميزت مدرسة الرأي على مدرسة الحديث بخصائص نُجملها فيما يلي:
    أولاً: كثرة تفريعهم الفروع حتى ما يندر حدوثه منها.
    ثانيًا: قلة روايتهم للحديث بسبب اشتراطهم فيه شروطًا لا يسلم معها إلا القليل.
    ثالثًا: عنايتهم بالبحث عن العلل والمقاصد في الفقه والتشريع، وعن معقولية كل حكم من الأحكام.
    وفي هذه الخصوصية يقول الشاطبي -كما في الموافقات (4/ 230)-: "فأصحاب الرأي جرَّدوا الرأي جردوا المعاني، فنظروا في الشريعة بها، واطَّرحوا خصوصيات الألفاظ، والظاهرية جرّدوا الألفاظ، فنظروا في الشريعة بها، واطَّرحوا خصوصيات المعاني القياسية، ولم تتنزل واحدة من الفرقتين إلى النظر فيما نظرت به الأخرى، بناءً على كل ما اعتمدته في فهم الشريعة". اهـ.
    ومما يحسُن الإشارة إليه أنه ليس معنى هذا الانقسام بين المدرستين أن مدرسة الحديث لا يصدرون في الفقه عن الاجتهاد بالرأي مطلقًا، وأن أهل الرأي لا يصدرون في اجتهادهم وفقههم عن الحديث مطلقًا؛ بل معنى ذلك أن أهل الرأي أمعنوا النظر في مقاصد الشريعة، وفي الأُسس التي بُني التشريع عليها، فتبين لهم أن الأحكام الشرعية معقولة المعنى، ومقصود بها مصلحة الناس، وأنها بُنيت على علل ضابطة، فكانوا يستحثون عقولهم بحثًا عن تلك العلل التي شُرِعت الأحكام على وقفها، ويجعلون الحكم دائرًا عليها وجودًا وعدمًا، وربما ردوا بعض الأحاديث لمخالفتها هذه العلل، بينما نرى أهل الحديث قد عُنوا بحفظ الحديث وفتاوى الصحابة، واتجهوا في فقههم إلى فهم الآثار حسبما تدل عليه عباراتها، ولا يلجأون إلى استعمال الرأي إلا عند اشتداد الحاجة إلى ذلك. وراجع: دراسة تاريخية للفقه وأصوله (74/ 80)، والفكر السامي (ص 318).

    جـ- الشافعي ومدرسة الحديث ومدرسة الرأي:
    تفقَّه الشافعي أول ما تفقه على أهل الحديث، من علماء مكة؛ كمسلم بن خالد الزنجي وسفيانَ بن عُيَيْنَةَ، ثم ذهبَ إلى إمامِ أهل الحديث مالك بن أنس في المدينة المنورة، فأقام بها إلى أن تُوفي مالك بن أنس.
    وقد رحل الشافعي إلى العراق سنة أربع وثمانين ومائة، لما تولى ولاية في اليمن فاتُّهم بالتشيع لشيعة العلويين زمن الرشيد فأُشخص إلى العراق، ثم عفا عنه الرشيد لبراءته، فاختلط بمحمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة، واطَّلع على كتب الحنفية وفقههم بعد ما كان منه من الاطلاع على فقه مالك وحفظه لموطئه، فوقعت مناظرات بينه وبين محمد بن الحسن مذكورة في كتب الشافعي وتناقلها رواة الأخبار، كان في معظمها يرفع من شأن الاعتماد على الآثار، ويضعف من شأن الاعتماد على القياس. راجع: الشافعي لأبي زهرة (ص 23)، ومناقب الشافعي للبيهقي (1/ 107)، ومناقب الشافعي للرازي (ص246).
    ورأى الشافعي تحامل أهل الرأي على أهل الحديث، وبخاصة على أستاذه مالك وعلى مذهبه، فكان بديهًا أن يدافع الشافعي عن أستاذه وعن مذهبه.
    فذكر ابن عبدالبر (المالكي) في التمهيد (1/ 57) عن محمد بن الحكم قال: سمعت الشافعي يقول: قال لي محمد بن الحسن: صاحبنا أعلم من صاحبكم -يعني أبا حنيفة ومالكًا- وما كان على صاحبكم أن يتكلم، وما كان لصاحبنا أن يسكت. قال: فغضبت وقلت: نشدتك الله، من كان أعلم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك أو أبو حنيفة؟ قال: مالك، لكن صاحبنا أقيس. فقلت: نعم، ومالك أعلم بكتاب الله تعالى وناسخه ومنسوخه وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبي حنيفة، فمن كان أعلم بكتاب الله وسنة رسوله كان أَوْلَى بالكلام. [وذكرها الرازي في مناقب الشافعي (ص 246) بألفاظٍ مختلفة].
    ثم إن الشافعي عاد إلى مكة واختلط بعلمائها ومن يفد إليها من علماء الأقطار للحج، وفي سنة خمس وتسعين ومائة عاد إلى العراق، فأخذ عنه فيها أحمد بن حنبل وغيره من علمائها، وهناك صنَّفَ كتابه القديم وسماه كتاب ((الحجة)) وأقام هناك سنتين، وكان خلالها كثير الرد على مذهب أهل الرأي، قريبًا من مذهب أهل الحديث، حتى سُمِّيَ ببغداد "ناصر الحديث" ثم رجع إلى الحجاز.
    ثم في سنة ثمان وتسعين ومائة عاد إلى العراق وبقي بعض أشهر، ومنها توجَّه إلى مصر وأقام بها وصنَّف فيها كتابه الجديد إلى أن مات سنة أربع ومائتين. وراجع: الشافعي حياته وعصره لأبي زهرة (23-27)، ومناقب الشافعي للرازي (ص39، 40)، والفكر السامي (1/ 396، 397).
    روى الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (2/ 68) عن أبي الفضل الزجّاج قال: لما قَدِمَ الإمام الشافعي إلى بغداد، وكان في الجامع إما نيف وأربعون حلقة أو خمسون حلقة، فما دخل بغداد ما زال يقعد في حلقة حلقة، ويقول لهم: قال الله وقال الرسول. وهم يقولون: قال أصحابنا. حتى ما بقي في المسجد حلقة غيره. وراجع: تهذيب الكمال (24/ 375).
    ورُوي عن أحمد بن حنبل أنه قال: ما أحدٌ مسَّ محبرةً ولا قلمًا إلا وللشافعي في عنقه منَّة. وقال كلمته العجيبة: كان الشافعي كالشمس للدنيا والعافية للبدن. وانظر: سير أعلام النبلاء (10/ 479)، وتهذيب الكمال (24/ 371).
    وقال الحُميدي: كنا نريد أن نرد على أصحاب الرأي فلا نحسن حتى جاءنا الشافعي ففتح لنا. وقال البويطي: ما عرفنا قدر الشافعي حتى رأيت أهل العراق يذكرونه ويصفونه ما نحسن نصفه، فقد كان حذاق العراق بالفقه والنظر وكل صنف من أهل الحديث وأهل العربية والنظار يقولون: إنهم لم يروا مثل الشافعي. وانظر: تهذيب الأسماء واللغات (1/ 81).
    وقال أحمد: ما كان أصحاب الحديث يعرفون معاني حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قدم الشافعي فبيَّنها لهم.
    وقال الحسين بن علي الكرابيسي: رحمة الله على الشافعي ما فهمنا أكثر السنن إلا بتعليم الشافعي أبي عبدالله إيَّانا. انظر: مناقب الشافعي للبيهقي (1/ 299).
    قال الربيع بن سليمان: إن أصحاب الرأي كانوا يهزؤون بأصحاب الحديث حتى علمهم الشافعي وأقام الحجة عليهم. انظر: الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء (ص 129).
    ولقد أوضح الرازي سبب محبة أهل الحديث للشافعي فقال في مناقب الشافعي (ص 62، 63): "الناس كانوا قبل زمان الشافعي فريقين: أصحاب الحديث وأصحاب الرأي؛ أما أصحاب الحديث فكانوا حافظين لأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنهم كانوا عاجزين عن النظر والجدل، وكلما أورد عليهم أحد من أصحاب الرأي سؤالاً أو إشكالاً بقوا في أيديهم عاجزين متحيرين؛ وأما أصحاب الرأي فكانوا أصحاب النظر والجدل، إلا أنهم كانوا عاجزين عن معرفة الآثار والسنن.
    وأما الشافعي فكان عارفًا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم محيطًا بقوانينها، وكان عارفًا بآداب النظر والجدل قويًّا فيه، وكان فصيح الكلام، قادرًا على قهر الخصوم بالحجة الظاهرة، وآخذًا في نصرة أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل من أورد عليه سؤالاً أو إشكالاً أجاب عنه بأجوبة شافية كافية، فانقطع بسببه استيلاء أهل الرأي على أصحاب الحديث، وسقط رفعهم، وتخلص بسببه أصحاب الحديث عن شبهات أصحاب الرأي؛ فلهذا انطلقت الألسنة بمدحه والثناء عليه، وانقاد له علماء الدين وأكابر السلف". اهـ.
    ولقد أتاح للشافعي مقامه في بغداد النظر في كتب أهل الرأي، والتأمل فيها بعمق بعد اطلاعه على مذهب مالك، فكان هذا مدعاة أن يسير في طريق وسط بين أهل الرأي وأهل الحديث، حينما وضع مذهبه الجديد في مصر، فأخذ بالحديث ولم يشترط فيه إلا الصحة، وقال قولته المشهورة: إذا صح الحديث فهو مذهبي. ولم يأخذ بتلك القواعد التي تُرِدُّ بها الأحاديث؛ كعمل أهل المدينة عند المالكية وعموم البلوى عند الحنفية، وأخذ بالقياس حيث لا نص، فكان بذلك جامعًا بين المدرستين، فالتلفَّ حوله أهل الحديث وأهل الرأي جميعًا.
    قال ابن خلدون في مقدمته (2/ 130): "ثم كان من بعد مالك بن أنس محمد بن إدريس الشافعي، رحل إلى العراق من بعد مالك، ولقي أصحاب الإمام أبي حنيفة وأخذ عنهم، ومزج طريقة أهل الحجاز بطريقة أهل العراق، واختصَّ بمذهب، وخالف مالكًا في كثيرٍ من مذهبه". انتهى. وراجع: الفكر السامي (1/ 401)، ودراسة تاريخية للفقه وأصوله (ص 81- 89).
    جاء في ترتيب المدارك للقاضي عياض (1/ 91)، (3/ 181): "يُريد أنه تمسك بصحيح الآثار واستعملها، ثم أراهم أن من الرأي ما نحتاج إليه، وتُبنى أحكام الشرع عليه، وأنه قياس على أصولها ومنتزع منها، وأراهم كيفية انتزاعها والتعلُّق بعللها وتنبيهاتها، فعلم أصحاب الحديث أن صحيح الرأي فرع للأصل، وعلم أصحاب الرأي أنه لا فرع إلاّ بعد أصل، وأنه لا غنى عن تقديم السنن وصحيح الآثار أولاً". اهـ.
    وقد ساهم كلٌّ من أهل الحديث وأهل الرأي في إحداث الفجوة المعروفة بينهم؛ فهؤلاء المحدثون ممن لا قدرة لهم على النظر العقلي، لم يكن في استطاعتهم الثبات أمام المدرسة العقلية الافتراضية الحنفية، إذا حدثت مناظرة أو نقاش في المسائل الخلافية؛ بل كانوا يصدمون بما يرونه من اعتزاز هذه العقلية بنفسها، وجرأتها في النقد والموازنة، فيسرع إلى نفوسهم الظن بمخالفة هؤلاء للحديث والسنة، وتضيق بذلك صدورهم، فيطلقون فيها ألسنتهم بالاتهام والتشنيع وتنشر التهمة، وتتناقلها المجالس العلمية دون تحقيق، ودون اتحكاك عملي بالمتهم؛ فالأوزاعي يتهم أبا حنيفة بالبدعة، وسنده في ذلك ما نُقِل إليه عنه، لكنه يرجع عن ذلك عندما يطلعه عبدالله بن المبارك على مسائل أبي حنيفة فيعجب بها، ثم يلتقي بأبي حنيفة في مكة ويناظره، ثم يقول: غبطت الرجل لكثرة علمه ووفور عقله، استغفر الله، لقد كنت في لغط ظاهر ألزمه، فإنه بخلاف ما بلغني عنه. انظر: مناقب الإمام الأعظم للكَرْدَري (ص 39)، ويُراجع: تاريخ بغداد (13/ 338).
    وعندما ظهر الشافعي -الذي درس مذهب الفريقين وتمرس بمنهجيهما وأخذ يناقش العراقيين مستعملاً طريقتهم متمكنًا من منهجهم العقلي- لاقى ارتياحًا وإعجابًا من المحدثين الذين لقبوه بناصر السنة، على الرغم من أنه خالف مالكًا في كثير من الأمور، وعلى الرغم من أنه كان يقدر أبا حنيفة وأصحابه، ويذكر فضلهم وأياديهم على الفقه حتى قال: الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة. انظر: تهذيب الكمال (29/ 433)، وتاريخ بغداد (13/ 346)، وتهذيب الأسماء واللغات (2/ 504).
    وقد كان لظهور فرقة المعتزلة وبعض الفرق الأخرى في القرن الثاني دور مؤثر في تعميق الخلاف بين أهل الرأي وأهل الحديث؛ فقد انتسب بعض هؤلاء المعتزلة إلى المذهب الحنفي؛ كبشر المريسي -هو بِشْر بن غياث المرّيسي مبتدع ضآل لا ينبغي أن يُروى عنه، تفقه على أبي يوسف القاضي فبرع، وأتقن علم الكلام وقال بخلق القرآن، توفي سنة (218 هـ) راجع ترجمته في ميزان الاعتدال (2/ 35) ولسان الميزان (2/ 29)- فضاعف ذلك من الحملة عليه والتشهير به.
    اتهم المحدثون فقهاء أهل الرأي بجهل السنة والرغبة عنها، والاغترار بالعقل وإعطائه من التقدير فوق ما يستحق، واتهم أهلُ الرأي المحدثين بالجمود وقلة الفقه وضعف الفكر والاشتغال بجمع الغرائب والشواذ، والواقع أن حملة المحدثين على أصحاب الرأي -أو بعبارة مساوية، على أصحاب أبي حنيفة- كانت عنيفة ملتهبة، يشوبها شيء من الجور، ويقودها كثير من التَّزَمُّت وعدم التسامح، حتى إن بعضهم ما كانوا يسمحون لأصحاب الرأي بالجلوس إليهم والاستماع منهم، وقد نلتمس لهم العذر إذا تذكرنا ما سبق أن أشرنا إليه، من سلوك أهل الرأي طريق الجدل والمناقشة التي قد تدفع المحدثين إلى مضايق الكلام أو مجاهله، فيحصرون أو يفحمون، ولكن هذا لا يعني أننا نؤيد هذا السلوك من بعض المحدثين، فإن العلم الذي يحملونه مأمورون بتبليغه، وليس لهم الحق في منعهم من شاءوا منه.
    وقد ذكر لنا الخطيب البغدادي بعض أخبار هؤلاء المتشددين، فروى عن أبي مسهر قال: قدم علينا إبراهيم بن محمد الفزاري واجتمع الناس يسمعون منه، فقال لي: اخرج إلى الناس فقل لهم: مَنْ كان يرى رأي القدر فلا يحضر مجلسنا، ومَن كان يرى رأي أبي حنيفة فلا يحضر مجلسنا، ومَن كان يأتي السلطان فلا يحضر مجلسنا. قال: فخرجت فأخبرت الناس.
    وروي أن أبا يوسف جاء إلى شُريك فسأله أن يحدثه بحديث فأبى شُريك أن يحدثه. وروي أن شُريكًا قال في مجلس تحديثه: مَن كان هاهنا من أصحاب يعقوب فأخرجوه. يعني أبا يوسف. [أخرج هذه الأخبار الخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (1/ 335)].
    ويحكي أبو زُرعة الرازي -كما في شرف أصحاب الحديث (ص 93 أ)- صورة من الصراع بين المحدثين والفقهاء، فينقل عن عبدالله ابن الحسن الهجاني أنه قال: كنت في مصر فرأيت قاضيًا لهم في المسجد الجامع وأنا مريض فسمعت القاضي يقول: مساكين أصحاب الحديث لا يُحسنون الفقه. فحبوت إليه فقلت له: اختلف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في جراحات الرجال والنساء، فأيُّ شيء قال علي بن أبي طالب، وأيُّ شيء قال زيد بن ثابت، وأيُّ شيء قال عبدالله بن مسعود؟ فأفحم. فقلت له: زعمت أن أصحاب الحديث لا يحسنون الفقه، وأنا من أخس أصحاب الحديث سألتك عن هذه فلم تُحسنها، فكيف تنكر على قوم أنهم لا يحسنون شيئًا وأنت لا تحسنه؟.
    فهذه صورة فيها انتصار لأهل الحديث تبين لون نشاطهم ومجال براعتهم؛ إذ لم يفخر المناظر بدقة استنباط أو براعة تطبيق، بل بحفظ آثار ومعرفة اختلاف.
    وإذا نظرنا إلى الطرف الآخر نجد صورة تبرز مكانة الفقهاء وفضلهم على أهل الحديث باستنباطهم للمعاني الدقيقة، يقول هلال الرأي -هو هلال بن يحيى البصري الحنفي الفقيه، أخذ الفقه عن أبي يوسف وزفر، وحدث عن أبي عوانة وابن مهدي، وإنما لُقِّبَ بالرأي لسعة علمه وكثرة فقهه، له مصنف في الشروط، وآخر في أحكام الوقف. مات سنة خمس وأربعين ومائتين. وقد ضعفه ابن حبان كعادته في الطعن في أهل الرأي فقال: روى عنه أهل بلده، وكان يخطيء كثيرًا على قلة روايته، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد. راجع: الجواهر المضية (3/ 572)، والفوائد البهية (ص294)، وكتاب المجروحين (3/ 87)، وميزان الاعتدال (4/ 317)-: كنت أختلف إلى غُنْدَر أكتب عنه، وكان يستثقلني للمذهب، فأتيت يومًا وأصحاب الحديث عنده، فلما رآني أظهر استثقالاً وأقبل على أصحاب الحديث يحدثهم لكراهته لي، فسلمت وجلست، فقلت: أصلحك الله، حديث عسال بن صفوان المرادي أن يهوديينِ نظرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فمالا إليه فقالا: نشهد أنك نبي. قال: (فما يمنعكما أن تسلما). قالا: نخاف أن تقتلنا يهود. فقال: نعم، حدثني شعبة عن الحكم، فأي شيء لصاحبك في هذا؟ قلت: إنهما قالا: نشهد أنك نبي، ثم رجعا إلى اليهودية فلم يجعل ذلك ردة منهما. فالتفت إلى أصحاب الحديث، فقال: أتحسنون أنتم من هذا شيئًا؟ ثم أقبل عليَّ فقال: أحب أن تلزمني، وتبسط إليَّ. ثم قمت من عنده وتركته. انظر: المحدث الفاصل (83، 84).
    والواقع أن فئة ممن كانوا ينتسبون إلى الحديث كانوا يمثلون الثغرة التي أُتي المحدثون من قبلها، والتي أتاحت للمتكلمين ولأهل الرأي ولكل من عادى المحدثين، أن يتسوروا حصنهم، ويتمكنوا من طعنهم، هذه الفئة كان يغلب عليها التَّزمُّت، وضيق الأفق، وسطحية التفكير، مما كان يحملها على التسرع في الحكم، ويحول بينها وبين الفهم الصحيح، كان الشافعي يتناشد مع بعض معاصريه شعر هذيل، فأتي عليه الشافعي حفظًا. وقال لمن كان يتناشد معه: لا تُعلم بهذا أحدًا من أصحاب الحديث فإنهم لا يحتملون ذلك. ["الشافعي" لأبي زهرة (ص 35) ].
    وعلى الجانب الآخر نجد أن بعض أهل الرأي غالوا في الاعتزاز بالرأي حتى طرحوا العمل ببعض الأحاديث، مما أغرى أهل الحديث بالوقيعة والكلام في حقهم، وهؤلاء كانوا الثغرة التي أُتي أهل الرأي من قبلها، وعلى ذلك فإن كلاًّ من أهل الرأي وأهل الحديث قد ساهم في إحداث الفجوة بين الفريقين فلا يعفي أحدهما من المسؤولية عن ذلك. راجع: الاتجاهات الفقهية عند أصحاب الحديث ( ص 70، 105).
    يقول ابن خلدون في ((مقدمته)) (2/ 129): "ثم عظمت أمصار الإسلام، وذهبت الأمية من العرب بممارسة الكتاب، وتمكن الاستنباط وكمل الفقه وأصبح صناعةً وعلمًا، وانقسم الفقه فيهم إلى طريقتين: طريقة أهل الرأي والقياس وهم أهل العراق، وطريقة أهل الحديث وهم أهل الحجاز، وكان الحديث قليلاً في أهل العراق فاستكثروا من القياس ومهروا فيه؛ فلذلك قيل: إمام أهل الرأي ومقدم جماعتهم الذي استقر المذهب فيه وفي أصحابه أبو حنيفة، وإمام أهل الحجاز مالك بن أنس والشافعي من بعده". اهـ.
    ويقول الخطابي في ((معالم السنن)) (1/ 3) [ط. دار الكتب العلمية 1416هـ/1996م]: "ورأيت أهل العلم في زماننا قد حصلوا حزبين وانقسموا إلى فرقتين: أصحاب حديث وأثر وأهل فقه ونظر، وكل واحدة منهما لا تتميز عن أختها في الحاجة ولا تستغني عنها في درك ما تنحوه من البغية والإرادة؛ لأن الحديث بمنزلة الأساس الذي هو الأصل، والفقه بمنزلة البناء الذي هو له كالفرع، وكل بناء لم يوضع على قاعدة وأساس فهو مُنهار، وكل أساس خلا عن بناء وعمارة فهو قفر وخراب.
    ووجدت هذين الفريقين على ما بينهم من التداني في المحلين، والتقارب في المنزلتين، وعموم الحاجة من بعضهم إلى بعض، وشمول الفاقة اللازمة لكل منهم إلى صاحبه - إخوانًا متهاجرين، وعلى سبيل الحق بلزوم التناصر والتعاون غير متظاهرين، فأما هذه الطبقة الذين هم أهل الأثر والحديث، فإن الأكثرين منهم إنما وَكْدهم [أي: همُّهم ومرادهم الروايات. راجع: لسان العرب مادة ((وَكَدَ))] الروايات وجمع الطرق، وطلب الغريب والشاذ من الحديث الذي أكثره موضوع أو مقلوب، لا يراعون المتون، ولا يتفهمون المعاني، ولا يستنبطون سرها، ولا يستخرجون ركازها وفقهها، وربما عابوا الفقهاء وتناولهم بالطعن، وادعوا عليهم مخالفة السنن، ولا يعلمون أنهم عن مبلغ ما أوتوه من العلم قاصرون، وبسوء القول فيهم آثمون.
    وأما الطبقة الأخرى وهم أهل الفقه والنظر، فإن أكثرهم لا يعرجون من الحديث إلا على أقله، ولا يكادون يميزون صحيحه من سقيمه، ولا يعرفون جيده من رديئه، ولا يعبئون بما بلغهم منه أن يحتجوا به على خصومهم إذا وافق مذاهبهم التي ينتحلونها، ووافق آراءهم التي يعتقدونها، وقد اصطلحوا على مواضعة بينهم في قبول الخبر الضعيف والحديث المنقطع إذا كان ذلك قد اشتهر عندهم، وتعاورته الألسن فيما بينهم، من غير ثبت فيه أو يقين علم به". انتهى كلام الخطابي.
    ويقول ابن القيم في ((إعلام الموقعين)) (1/ 8): "ولما كانت الدعوة إلى الله والتبليغ عن رسوله شعار حزبه المفلحين، وأتباعه من العالمين، كما قاله تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُواْ إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اْتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَآ أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ) [يوسف: 108]، وكان التبليغ عنه من عين تبليغ ألفاظه وما جاء به وتبليغ معانيه، كان العلماء من أمته منحصرين في قسمين:
    أحدهما/ حفاظ الحديث وجهابذته، والقادة الذي هم أئمة الأنام وزوامل الإسلام [زوامل جمع زاملة، وهي البعير الذي يحمل عليه الطعام والمتاع، والمراد حملة علم الإسلام، والله أعلم]، الذين حفظوا على الأئمة معاقد الدين ومعاقله، وحموا من التغيير والتكدير موارده ومناهله، حتى ورد من سبقت له من الله الحسنى تلك المناهل صافية من الأدناس، لم تشبها الآراء تغييرًا، ووردوا فيها عينًا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرًا.
    القسم الثاني/ فقهاء الإسلام، ومَن دارتْ الفُتيا على قولهم بين الأنام، الذين خصوا باستنباط الأحكام، وعنوا بضبط قواعد الحلال والحرام، فهم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء، بهم يهتدي الحيران في الظلماء، وحاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتهم أفرض عليهم من الأمهات والآباء بنص الكتاب، قال تعالى: (يَاءَيُّها الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُم) [النساء: 59]. قال ابن عباس في إحدى الروايتين عنه وجابر بن عبدالله والحسن البصري وأبو العالية وعطاء بن أبي رباح والضحّاك ومجاهد في إحدى الروايتين عنه: أولو الأمر: هم العلماء". اهـ.
    ويقول عبدالحي اللكنوي في ((الأجوبة الفاضلة)) (ص 31، 34): "إن الله جعل لكل مقام مقالاً، ولكلِّ فنٍّ رجالاً، وخصَّ كل طائفة من مخلوقاته بنوع فضيلة لا تجدها في غيرها، فمن المحدثين من ليس لهم حظ إلا رواية الأحاديث ونقلها من دون التفقه والوصول إلى سرِّها، ومن الفقهاء من ليس لهم حظٌّ إلا ضبط المسائل الفقهية من دون المهارة في الروايات الحديثية؛ فالواجب أن نُنزل كُلاًّ منهم في منازلهم ونقف عند مراتبهم.
    فأجلِّةُ الفقهاء إذا كانوا عارين من تنقيد الأحاديث، لا نسلم الروايات التي ذكروها من غير سند ولا مُستند إلا بتحقيق المحدثين، ونقلة الأحاديث إذا كانوا عارين عن الفقاهة، لا نقبل كلامهم في الفقه ككلام الفقهاء المعتبرين، وقِسْ على هذا صاحب كلِّ فنٍّ بكلِّ فنٍّ". انتهى.

    ***


    ثَالِثًا: مَوْقِفُ المُحَدِّثِينَ مِنَ الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ

    أ- أسباب طعن المحدثين في الإمام أبي حنيفة:

    علمنا فيما سبق كيف نشأ الخلاف بين المحدثين والفقهاء، والأسباب التي أدتْ إلى تعميق الخلاف بينهم، وما نتج عنه من جفوة بين الفريقين، وما ترتب عليه من تحامل كلا الطرفين على الآخر، لا سيما من جهة المحدثين على أهل الرأي، وكان من الطبيعي أن ينال الإمام أبا حنيفة قسط وافر من هذا التحامل، باعتباره إمام أهل الرأي ومؤسس مذهبهم، ومن خلال هذا الفصل سأحاول تجلية موقف المحدثين من الإمام أبي حنيفة، وتوضيح الأسباب التي أدت إلى طعن بعضهم فيه.
    يقول ابن عبدالبر في ((الانتقاء)) (ص 276): "كثير من أهل الحديث استجازوا الطعن على أبي حنيفة لردِّه كثيرًا من أخبار الآحاد العدول؛ لأنه كان يذهب في ذلك إلى عرضها على ما اجتمع عليه من الأحاديث ومعاني القرآن، فما شذَّ عن ذلك ردَّه وسماه شاذًّا، وكان مع ذلك أيضًا يقول: الطاعات من الصلاة وغيرها لا يُسمى إيمانًا، وكل مَن قال من أهل السنة: الإيمان قول وعمل. ينكرون قوله ويبدعونه بذلك، وكان مع ذلك محسودًا لفهمه وفطنته". اهـ.
    لخًّص الإمام ابن عبدالبر في هذه الكلمات القليلة: أسباب الطعن في الإمام أبي حنيفة ممن طعن فيه من أهل الحديث، وهذه الأسباب هي/
    1- منهج أبي حنيفة في العمل بأخبار الآحاد.
    2- مذهب أبي حنيفة في الإرجاء.
    3- حسد الناس لأبي حنيفة لفهمه وفطنته.
    وسوف نعرض لكل سبب من هذه الأسباب بشيء من التفصيل في مطلب مستقل.
    الْمَطْلَبُ الأَوَّلُ_ منهج أبي حنيفة في العمل بأخبار الآحاد:
    لقد كان منهج أبي حنيفة في العمل بأخبار الآحاد، وما نتج عنه من رد لبعضها، وما أُشيع عن أبي حنيفة من تقديم القياس عليها، أهمَّ الأسباب التي دعت لأن يطلق المحدثون ألسنتهم في أبي حنيفة، والحق أنه لم يكن يقدم القياس على الخبر، وأن السبب الحقيقي في رده بعض أخبار الآحاد أنه كان يشترط لصحة الأخبار شروطًا زائدة على شروط الصحة عند المحدثين، فعدم أخذه بتلك الأخبار كان لعدم اكتمال شروط الصحة فيها (عنده)، فهو يحتاط في قبول الأخبار ولا يردها، وفق منهج علمي رصين (على التحقيق).
    [للفائدة _ولمزيد من التفصيل في ذلك_؛ يُراجع: (مذهب أبي حنيفة في تقديم الخبر على القياس)]
    ولمعرفة مدى تأثير ذلك على صفوف المحدثين، انظر إلى رد فعل ابن أبي ذئب عندما بلغه أن الإمام مالكًا ترك العمل بحديث (البيعان بالخيار) -أخرجه البخاري (2109)، ومسلم (3932)- لمعارض راجح عنده؛ إذ قال ابن أبي ذئب: يُستتاب مالك، فإن تاب وإلا ضربت عنقه. ["العلل" لأحمد بن حنبل (1/ 193)].
    وفي ذلك عبرة بالغة في شدة حمل المحدثين على الفقهاء؛ فقد أباح دمه إذ حكم بكفره وردته لتركه العمل بالحديث، فإن تاب يحقن دمه وإلا يقتل! سبحان الله! فإذا كان هذا الحكم الجائر الخاطئ، صدر من ابن أبي ذئب المحدث المدني بلديِّ الإمام مالك، والمعاصر للإمام مالك، والعارف كل المعرفة بالإمام مالك لمسألة واحدة، فكيف يكون حكم كثير من المحدثين المعاصرين لأبي حنيفة وغير المعاصرين له، القريبين منه بلدًا والبعيدين عنه، كيف يكون حكمهم عليه لرده كثيرًا من أخبار الآحاد على حد تعبير ابن عبدالبر، ولقوله الطاعات والأعمال لا تدخل في مسمى الإيمان، وهم يعتقدون دخولها اعتقادًا، فإذا اعتبرنا بذلك علمنا أن أغلب ما قيل في أبي حنيفة لا يعدو أن يكون ردود أفعال قوية لما أُشيع عنه، فيكون من باب الجرح غير المقبول؛ لأنه صدر عن حمية وعصبية، ولزم علينا أن نزن ما قالوه بميزان العقل والعدل. راجع: التعليق على الانتقاء (ص 280).
    قال أبو عمر ابن عبدالبر في جامع بيان العلم وفضله (2/ 181): "أفرط أصحاب الحديث في ذم أبي حنيفة، وتجاوزوا الحد في ذلك، والسبب الموجب لذلك عندهم: إدخاله الرأي والقياس على الآثار واعتبارهما، وأكثر أهل العلم يقولون: إذا صح الأثر بطل القياس والنظر، وكان رده لما رده من أخبار الآحاد بتأويل محتمل، وكثير منه قد تقدمه عليه غيره وتابعه عليه مثله ممن قال بالرأي وجُلُّ ما يُؤخَذُ له من ذلك ما كان منه اتباعًا لأهل بلده كإبراهيم النخعي وأصحاب ابن مسعود، إلا نه أغرق وأفرط في تنزيل النوازل هو وأصحابه، والجواب فيها برأيهم واستحسانهم، فأتى منهم في ذلك خلاف كثير للسلف، وشُنَعٌ هي عند مخالفيهم بدع، وما أعلم أحدًا من أهل العلم إلا وله تأويل في آية أو مذهب في سنة، رد من أجل ذلك المذهب سنة أخرى بتأويل سائغ أو ادعاء نسخ، إلا أن لأبي حنيفة من ذلك كثيرًا وهو يوجد لغيره قليل".
    ثم قال أبو عمر [المصدر السابق (2/ 182)]: "ليس أحد من علماء الأمة يثبت حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم يردُّه دون ادعاء نسخ عليه بأثر مثله أو بإجماع، أو بعمل يجب على أصله الانقياد إليه، أو طعن في سنده، ولو فعل ذلك أحد سقطت عدالته فضلاً عن أن يُتَّخذ إمامًا ولزمه اسم الفسق، ولقد عافاهم الله عز وجل من ذلك.
    ونقموا أيضًا على أبي حنيفة الإرجاء، ومن أهل العلم من يُنسب إلى الإرجاء كثير، لم يُعْن أحد بنقل قبيح ما قيل فيه كما عُنُوا بذلك في أبي حنيفة لإمامته.
    وكان أيضًا مع هذا يُحسَد، وينسب إليه ما ليس فيه، ويختلق عليه ما لا يليق به، وقد أثنى عليه جماعة من العلماء وفضلوه".
    ثم قال [المصدر السابق (2/ 183)]: "الذين رَوَوْا عن أبي حنيفة ووثّقوه وأثنوا عليه أكثر من الذين تكلموا فيه، والذين تكلموا فيه من أهل الحديث أكثر ما عابوا عليه الإغراق في الرأي والقياس والإرجاء".
    وقال في مقدمة فضائل أبي حنيفة: "وأذكر في هذا الجزء إن شاء الله بعض ما حضرني ذكرُه من أخبار أبي حنيفة وفضائله، وذكر بعض مَن أثنى عليه وحمده، ونبذًا مما طُعن فيه عليه لردّه بما أصَّله لنفسه في الفقه، وردَّ بذلك كثيرًا من أخبار الآحاد الثقات إذا لم يكن في كتاب الله أو ما أجمعت الأُمَّة عليه: دليل على ذلك الخبر وسماه الخبر الشاذ وطرحه.
    وكان مع ذلك أيضًا لا يرى الطاعات وأعمال البر من الإيمان، وعابه بذلك أهل الحديث، فهذا القول يستوعب معنى ما لهج به من طعن عليه من أهل الأثر.
    وقد أثنى عليه قوم كثير لفهمه وفطنته وحسن قياسه وورعه ومجانبته السلاطين، فنذكر في هذا الكتاب عيونًا من المعنيينِ جميعًا إن شاء الله وهو حسبنا ونعم الوكيل". اهـ. من الانتقاء لابن عبدالبر (ص 184).
    وأما ما قاله بعض المحدثين من قلة حديث أبي حنيفة وضعفه فهو كلام ساقط، يرده شهادة الحفاظ له بكثرة حديثه وسعة حفظه؛ قال الحافظ الذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) (6/ 396): "إن الإمام أبا حنيفة طلب الحديث وأكثر منه في سنة مائة وبعدها". فهذه شهادة الحافظ الذهبي له بالإكثار من الحديث في سنة مائة وبعدها، ثم عاش أبو حنيفة إلى سنة خمسين ومائة، فهل يكون نقص علمه وحفظه من الحديث أم زاد.
    وعقد الحافظ محمد بن يوسف الصالحي بابًا في كتابه عقود الجمان في بيان كثرة حديث أبي حنيفة، وكونه من أعيان الحفاظ من المحدثين، والرد على من زعم قلة اعتنائه بالحديث، وبيان المسانيد التي خرَّجها له الحفاظ من حديثه ومما قاله:
    "اعلم -رحمك الله- أن الإمام أبا حنيفة -رحمه الله تعالى- من كبار حفاظ الحديث، وقد تقدم أنه أخذ عن أربعة آلاف شيخ من التابعين وغيرهم، وذكره الحافظ الناقد أبو عبدالله الذهبي في كتابه ((الممتع)) و((طبقات الحفاظ من المحدثين)) -تذكرة الحفاظ (1/ 168)-، ولقد أصاب وأجاد. ولولا كثرة اعتنائه بالحديث، ما تهيّأ له استنباط مسائل الفقه، فإنه أول ما استنبطه من الأدلة، وعدم ظهور حديثه في الخارج، لا يدل على عدم اعتنائه بالحديث، كما زعم بعض من يحسُدُه، وليس كما زعم، وإنما قلّت الرواية عنه وإن كان متّسع الحفظ لأمرين:
    أحدهما/ اشتغاله عن الرواية باستنباط المسائل من الأدلة، كما كان أجلاء الصحابة؛ كأبي بكر وعمر وغيرهما يشتغلون بالعمل عن الرواية، حتى قلّت روايتهم بالنسبة إلى كثرة اطلاعهم، وكثرة رواية من دونهم بالنسبة إليهم، وكذا الإمام مالك والإمام الشافعي لم يرويا إلا القليل بالنسبة إلى ما سمعاه، كل ذلك لاشتغالهما باستخراج المسائل من الأدلة.
    الأمر الثاني/ أنه كان لا يرى الرواية إلا لما يحفظ، روى الطحاوي عن أبي يوسف قال أبو حنيفة: لا ينبغي للرجل أن يحدث من الحديث إلا بما حفظه من يوم سمعه إلى يوم يحدث به. وروى الخطيب [في تاريخ بغداد (13/ 339)] عن إسرائيل عن يونس قال: نِعْمَ الرجل نعمان، ما كان أحفظه لكل حديث فيه فقه، وأشد فحصه عنه، وأعلمه بما فيه من الفقه". انتهى. [ورد في "عقود الجمان في مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان" (ص 319)].
    [للفائدة أيضًا _ولتوضيح المقصود من هذه الجُزئية_؛ يُنظر: (طرق الحفظ عند الحنفية)]
    وقد صنف الشيخ محمد عبدالرشيد النعماني كتابًا ماتعًا سمَّاه ((مكانة الإمام أبي حنيفة في الحديث)) جمع فيه ثناء العلما القدامى والمتأخرين على الإمام أبي حنيفة من ناحية مكانته الرفيعة في علم الحديث والسنة خاصة، إيضاحًا لما له من المنزلة السامية والمرتبة المنيعة في ذلك، وقد رد فيه على دعوى الألباني -سلسلة الأحاديث الضعيفة (1/ 390، 465)- بتضعيف الإمام في الحديث أبلغ رد -انظر: مكانة الإمام أبي حنيفة في الحديث (ص 112-125)-.
    وعلى منهج الألباني صنَّف أحدهم [وهو (المُحدِّث) مُقبل بن هادي الوادعي، من أهل اليمن، توفي سنة (1422هـ) رحمه الله وغفر الله له، وقد طبع كتابه بدار الحديث بدماج (1418هـ/1997م)] كتابًا سماه ((نشر الصحيفة في ذكر الصحيح من أقوال أئمة الجرح والتعديل في أبي حنيفة)) سوَّد صفحاته وملأها بذكر من جرَّح الإمام أبي حنيفة ورتبهم على حروف المعجم، ولم يعرج على أقوال المعدلين قصدًا؛ لأنهم في نظره إما أن يكونوا ممن لا يُعتدّ بكلامهم مع كبار أئمة الجرح والتعديل، وإما أن يكونوا من الغلاة في أبي حنيفة، وإما أن يكونوا من الأئمة؛ كسفيان الثوري وكعبدالله ابن المبارك ومن جرى مجراهما، ولكنه قد رجع وتبرأ مما حصل منه من الثناء، وحذَّر من أبي حنيفة بل طعن فيه.
    وهكذا صادر على كلام المعدلين للإمام أبي حنيفة، ثم غمز جميع علماء الأمة الذين أثنوا على أبي حنيفة بأنهم كانوا يخافونمن علماء الحنفية؛ لأن سلطة القضاء كانت لهم في كثير من الأزمنة! ..
    وبعض الناس لا يتحاشون ذكر الأئمة بالمخازي، وإثبات الطعون في الأئمة، ويشيعون قالة السوء، نسأل الله السلامة والعافية، والتوفيق لتعظيم أئمة الدين والعلماء؛ ومنهم: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد - رضي الله عنهم أجمعين. راجع: تبيين كذب المفتري (ص 96).
    الْمَطْلَبُ الثَّاني_ مذهب أبي حنيفة في الإرجاء:
    http://feqhweb.com/vb/showthread.php...l=1#post115816
     اقتباس: المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عمرو بن الحسن المصري مشاهدة المشاركة
    (أما السبب الثاني) من أسباب الطعن (طعن المحدثين) على الإمام أبي حنيفة ما نُقِلَ عنه من القول بالإرجاء، والإرجاء له عدة معانٍ، وعند التحقيق وُجِدَ أن الإمام لا يقول بالمعنى المذموم عند أهل السنة؛ ولنبدأ الآن في تفصيل تلك المسألة:تعريف الإرجاء: الإرجاء في اللغة/ هو التأخير.
    قال ابن منظور -كما في لسان العرب مادة (رجا)-: المرجِئة صنف من المسلمين يقولون: الإيمان قول بلا عمل، كأنهم قدَّموا القول وأرجئوا العمل أي أخّروه؛ لأنهم يرون أنهم لو لم يصلوا ولم يصوموا لنجاهم إيمانهم. اهـ.
    وقال ابن الأثير في النهاية (2/ 206): ورد في الحديث ذكر المرجئة: هم فرقة من فرق الإسلام يعتقدون أنه لا يضر مع الإيمان معصية كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة، سُمُّوا مرجئة؛ لأن الله أَرْجَأَ تعذيبهم على المعاصي. اهـ.
    وقال ابن منظور مُعلِّقًا على كلام ابن الأثير: ولو قال ابن الأثير هُنا: سموا مرجئة؛ لأنهم يعتقدون أن الله أرجأ تعذيبهم على المعاصي. كان أجود. اهـ.
    وقال شارح الطحاوية -كما في شرح العقيدة الطحاوية ص(356)-: ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله ردًّا على المرجئة فإنهم يقولون لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة. اهـ.
    ويقول الشهرستاني في الملل والنحل (1/ 139): الإرجاء على معنيين: أحدهما/ بمعنى التأخير، كما في قوله تعالى: {قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ} [الشعراء: 36] أي أمهِلْه وأَخِّره. والثاني/ إعطاء الرجاء.
    أما إطلاق اسم المرجئة على الجماعة بالمعنى الأول فصحيح؛ لأنهم كانوا يؤخرون العمل عن النية والعقد، وأما بالمعنى الثاني فظاهر؛ لأنهم كانوا يقولون: لا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة. اهـ.
    هذا هو المعنى الشائع المشهور للإرجاء وهو المعنى المذموم، ويُطلق الإرجاء على معانٍ أخرى مشروعة، وعلى هذه الإطلاقات فليس كل من أطلق عليه الإرجاء متهمًا في دينه وخارجًا من السنة؛ بل يُنظر في المعنى الذي أطلق عليه، فإن كان بالمعنى المشروع فهو من أهل السنة والهداية، وإن كان بالمعنى المذموم فهو من أهل الضلالة والغواية. راجع: التعليق على الانتقاء ص(293).
    وهذه المعاني المشروعة يمكن حصرها في ثلاثة معانٍ:
    1- المعنى الأول من معاني الإرجاء المشروعة:
    يطلق الإرجاء على تأخير القول في الحكم في تصويب إحدى الطائفتينِ المتقاتلتينِ بعد مقتل عثمان بن عفان -رضي الله عنه-.
    يقول الحافظ ابن حجر في هدي الساري ص(459): منهم من أراد بالإرجاء تأخير القول في تصويب إحدى الطائفتينِ اللتين تقاتلتا بعد عثمان. اهـ.
    ويقول الشيخ ظفر أحمد التهانوي في قواعد علوم الحديث ص(232- 234): ولا يخفى أن الإِرجاءَ بالمعنى الأول -هذا المعنى- ليس من الضلالة في شيء؛ بل هو -والله- الورَعُ والاحتياط، والسكوتُ عمَّا جرى في الصحابة وشجَرَ بينهم أَوْلى، فليس كل من أُطلِقَ عليه الإِرجاءُ متهمًا في دينه وخارجًا عن السنة؛ بل لا بُدَّ من الفحص عن حاله، فإن كان لإرجائه أَمْرَ الصحابة -الذين تقاتلوا فيما بينهم- إلى الله، وتوقُّفِهِ عن تصويب إحدى الطائفتينِ، فهو من أهل السنة ومن حزب الورعين حتمًا، ومن أُطِلقَ عليه ذلك لقوله بعدم إضرار المعاصي، فهو الذي يُتَّهَمُ في دينه. اهـ.
    وأول من قال بالإرجاء بهذا المعنى المشروع هو التابعي الجليل أبو محمد الحسن ابن محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي المدني المتوفى سنة مائة المعروف والده بابن الحنفية - تهذيب الكمال (6/ 316).
    قال الحافظ الذهبي في تاريخ الإسلام (3/ 358): الإرجاء الذي تكلم به معناه أن يرجأ أمر عثمان وعليٍّ إلى الله تعالى فيفعل فيهم ما يشاء، ولقد رأيت أخبار الحسن بن محمد في مُسند عليٍّ ليعقوب ابن شيبة، فأورد في ذلك كتابه في الإرجاء، وهو نحو ورقتين فيها أشياء حسنة، وذلك أن الخوارج تولت الشيخين وبَرِئت من عثمان وعلي، وعارضهم السبيئِّة فبرئت من أبي بكر وعمر وعثمان وتولت عليًّا وأفرطت فيه. وقالت المرجئة: الأولى نتولى الشيخينِ ونُرجِئ عثمان وعليًّا فلا نتولاهما ولا نتبرأ منهما. اهـ.
    وقال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب (2/ 321): المراد بالإرجاء الذي تكلم الحسن بن محمد فيه غير الإرجاء الذي يعيبه أهل السنة المتعلق بالإيمان، وذلك أني وقفت على كتاب الحسن بن محمد المذكور أخرجه ابن أبي عمر العدني في كتاب الإيمان له في آخره: قال حدثنا إبراهيم ابن عُيينة عن عبدالواحد بن أيمن قال: كان الحسن بن محمد يأمرني أن أقرأ هذا الكتاب على الناس: أما بعد؛ فإنا نوصيكم بتقوى الله، فذكر كلامًا كثيرًا في الموعظة والوصية بكتاب الله واتباع ما فيه، وذكر اعتقاده، ثم قال في آخره: ونوالي أبا بكر وعمر -رضي الله عنهما- ونجاهد فيهما؛ لأنهما لم تقتتل عليهما الأمة ولم تشك في أمرهما، ونرجئ من بعدهما ممن دخل في الفتنة، فنكل أمرهم إلى الله تعالى. إلى آخر الكلام.
    فمعنى الذي تكلم فيه الحسن: أنه كان يرى عدم القطع على إحدى الطائفتين المقتتلتين في الفتنة بكونه مُخطئًا أو مُصيبًا، وكان يرى أنه يرجأ الأمر فيهما، وأما الإرجاء الذي يتعلق بالإيمان، فلم يعرج عليه، فلا يُلاحقه بذلك عاب. اهـ.
    2- المعنى الثاني من معاني الإرجاء المشروعة:
    ويُطلق الإرجاء على من اعتقد الإيمان بالله تعالى بقلبه وأقر به بلسانه وأخل بالعمل، بأن ضيَّع شيئًا من الفرائض أو ارتكب بعض الكبائر، كان مؤمنًا مذنبًا يستحق العذاب بالنار، وأمره مرجأ، أي مؤخَّرٌ إلى اللهِ تعالى، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذَّبه، وهذا ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة مع اختلافهم في التعبير عنه.
    يقول الشهرستاني في الملل والنحل (1/ 139): وقيل: الإرجاء تأخير حكم صاحب الكبيرة إلى يوم القيامة، فلا يقضى عليه بحكم ما في الدنيا، من كونه من أهل الجنة أو من أهل النار، فعلى هذا المرجئة والوعيدية فرقتان متقابلتان، وقيل: الإرجاء تأخير علِيٍّ عن الدرجلة الأولى إلى الرابعة فعلى هذا المرجئة والشيعة فرقتان متقابلتان. اهـ.
    ويقول سعد الدين التفتازاني في شرح المقاصد (2/ 238): اشتهر من مذهب المعتزلة أن صاحب الكبيرة بدون التوبة مُخلَّدٌ في النار وإن عاش على الإيمان والطاعة مائة سنة، ولم يُفرِّقوا بين أن تكون الكبيرة واحدة أو كثيرة، واقعة قبل الطاعات أو بعدها أو بينهما، وجعلوا عدم القطع بالعقاب وتفويض الأمر إلى الله -يغفر إن شاء ويعذب إن شاء على ما هو مذهب أهل الحق- إرجاءً بمعنى أنه تأخير للأمر وعدم جزم بالعقاب والثواب، وبهذا الاعتبار جُعِلَ أبو حنيفة وغيره من المرجئة. اهـ.
    وقال الطحاوي -كما في العقيدة الطحاوية ص(416)-: وأهل الكبائر من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- في النار لا يخلدون، إذا ماتوا وهم موحدون، وإن لم يكونوا تائبين، بعد أن لقوا الله عارفين، وهم في مشيئته وحكمه، إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله كما ذكر -عز وجل- في كتابه {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} [النساء: 48] وإن شاء عذبهم في النار بعدله، ثم يُخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته ثم يبعثهم إلى جنته.
    قال ابن أبي العز في الشرح: ردًّا لقول الخوارج والمعتزلة القائلين بتخليد أهل الكبائر في النار لكن الخوارج تقول بتكفيرهم، والمعتزلة بخروجهم عن الإيمان لا بدخولهم في الكفر؛ بل لهم منزلة بين المنزلتين. اهـ.
    ويقول أبو الحسنات اللكنوي في الرفع والتكميل ص(366): قد يُطلق الإرجاء على أهل السنة والجماعة من مُخالفهم المعتزلة الزاعمين بالخلود الناري لصاحب الكبيرة. اهـ.
    قال أبو الصلت عبدالسلام بن صالح الهروي في تهذيب الكمال (2/ 111) [وورد في "تاريخ بغداد" -كذلك- (6/ 109، 110)]: سمعتُ سُفيان ابن عُيَيْنَةَ يقولُ: ما قدم علينا خراساني أفضل من عبدالله بن واقد الهروي. قلتُ له: فإبراهيم بن طهمان؟ قال: كان ذلك مُرجئًا. قال أبو الصلت: لم يكن إرجاؤهم هذا المذهب الخبيث: إن الإيمان قول بلا عمل، وإن ترك العمل لا يضر مع الإيمان؛ بل كان إرجاؤهم أنهم يرجون لأهل الكبائر الغفران، ردًّا على الخوارج وغيرهم الذين يكفرون الناس بالذنوب وكانوا يُرجئون ولا يُكفرون بالذنوب ونحن كذلك. اهـ.
    3- المعنى الثالث من معاني الإرجاء المشروعة:
    ويطلق الإرجاء على إرجاء العمل من أن يكون من أركان الإيمان الأصلية وهو إرجاء الحنفية الذين هم مرجئة أهل السنة.
    يقول اللكنوي في الرفع والتكميل ص(367): قد يُطلق الإرجاء على الأئمة القائلين بأن الأعمال ليست بداخلة في الإيمان وبعدم الزيادة والنقصان، وهو مذهب أبي حنيفة وأتباعه، من جانب المحدثين القائلين بالزيادة والنقصان وبدخول الأعمال في الإيمان. اهـ.
    وقال ابن حزم في الفصل في الملل والأهواء والنحل (3/ 106): ذهب قوم إلى أن الإيمان هو المعرفة بالقلب والإقرار باللسان معًا، فإذا عرف المرء الدين بقلبه وأقرّ بلسانه فهو مسلم كامل الإيمان والإسلام، وأن الأعمال لا تسمى إيمانًا، ولكنها شرائع الإيمان، فهذا قول أبي حنيفة النعمان بن ثابت الفقيه وجماعة من الفقهاء. اهـ.
    وذهب سائر الفقهاء وأصحاب الحديث والمعتزلة والشيعة وجميع الخوارج إلى أن الإيمان هو المعرفة بالقلب بالدين والإقرار به باللسان والعمل بالجوارح، وإن كل طاعة وعمل خير فرضًا كان أو نافلة فهي إيمان، وكل ما ازداد الإنسان خيرًا ازداد إيمانه، وكلّما عصى نقص إيمانه.
    وقال في موضع آخر -ابن حزم في الفصل في الملل والأهواء والنحل (2/ 88)-: أقرب فرق المرجئة إلى أهل السنة من ذهب مذهب أبي حنيفة الفقيه إلى أن الإيمان هو التصديق باللسان والقلب معًا، وأن الأعمال إنما هي شرائع الإيمان وفرائضه فقط. اهـ.
    وذكر الشهرستاني -كما في الملل والنحل (1/ 141)- فرق المرجئة ومقالتهم، وذكر منهم الغسَّانية فقال: الغسانية أصحاب غسَّان الكوفي، زعم أن الإيمان هو المعرفة بالله تعالى وبرسوله، والإقرار بما أنزل الله، وبما جاء به الرسول في الجُملة دون التفصيل، والإيمان لا يزيد ولا ينقص.
    ثم قال: ومن العجيب أن غسان كان يحكي عن أبي حنيفة مثل مذهبه ويعده من المرجئة، ولعله كذب كذلك عليه، لعمري كان يُقال لأبي حنيفة وأصحابه مرجئة السنة وعده كثير من أصحاب المقالات من جُملة المرجئة، ولعل السبب فيه أنه لما كان يقول: الإيمان هو التصديق بالقلب وهو لا يزيد ولا ينقص، ظنُّوا أنه يُؤخِّر العمل عن الإيمان، والرجل مع تخريجه في العمل كيف يُفتي بترك العمل.
    وله سبب آخر: وهو أنه كان يُخالف القدرية والمعتزلة الذين ظهروا في الصدر الأول، والمعتزلة كانوا يلقبون كل من خالفهم في القدر مرجئًا، وكذلك الوعيدية من الخوارج، فلا يُعد أن اللقلب إنما لزمه من فريقي المعتزلة والخوارج. والله أعلم. اهـ.
    يقول ابن حجر الهيتمي في الخيرات الحسان ص(234): قد عد جماعة الإمام أبي حنيفة من المرجئة، وليس هذا الكلام على حقيقته:
    أما أولاً: فلأنه قال شارح المواقف: كان غسان المُرجِئ ينقل الإرجاء عن أبي حنيفة ويعده من المرجئة وهو افتراء عليه، قصد به غسان ترويج مذهبه بنسبته إلى هذا الإمام الجليل.
    وأما ثانيًا: فقد قال الآمدي: إن المعتزلة كانوا في الصدر الأول يُسمُّون مَنْ خالفهم في القدر مرجئًا، أو لأنه لما قال: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ظُنَّ به الإرجاء بتأخير العمل من الإيمان. اهـ.
    قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (1/ 46): قال السلف: الإيمان اعتقاد بالقلب ونطق باللسان وعمل وبالأركان، وأرادوا بذلك أن الأعمال شرط في كماله، ومن هنا نشأ لهم القول بالزيادة والنقص، والمرجئة قالوا هو اعتقاد ونطق فقط. اهـ.
    قال النووي -كما في شرحه مسلم (1/ 148)-: الإيمان يزيد وينقص، وهذا مذهب السلف والمحدثين وجماعة من المتكلمين، وأنكر أكثر المتكلمين زيادته ونقصانه، وقالوا: متى قبل الزيادة كان شكًّا وكفرًا. قال المحققون من أصحابنا المتكلمين: نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص، والإيمان الشرعي يزيد وينقص بزيادة ثمراته وهو الأعمال ونقصانها. قالوا: وفي هذا توفيق بين ظواهر النصوص التي جاءت بالزيادة وأقاويل السلف، وبين أصل وضعه في اللغة وما عليه المتكلمون.
    وهذا الذي قاله هؤلاء وإن كان ظاهرًا حسنًا؛ فالأظهر -والله أعلم- أن نفس التصديق يزيد بكثرة النظر وتظاهر الأدلة؛ ولهذا يكون إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم، بحيث لا تعتريهم الشبهة ولا يتزلزل إيمانهم بعارض؛ بل لا تزال قلوبهم منشرحة وإن اختلفت عليهم الأحوال، وأما غيرهم من المؤلفة ومن قاربهم ونحوهم فليسوا كذلك فهذا مما لا يمكن إنكاره، ولا يتشكك عاقل في أن نفس تصديق أبي بكر الصديق لا يُساويه تصديق آحاد الناس.
    ولهذا قال البخاري في صحيحه -عقب حديث(47)-: قال ابن أبي مليكة: أدركتُ ثلاثين من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- كلهم يخاف النفاق على نفسه، وما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبريل وميكائيل.
    وأما إطلاق اسم الإيمان على الأعمال فمتفق عليه عند أهل الحق، ودلائله في الكتاب والسنة أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تشهر، قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143] أجمعوا على أن المراد: صلاتكم. اهـ.
    وقال ابن أبي العزّ الحنفي -كما في شرح العقيدة الطحاوية ص(373)-: ذهب مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وإسحاق ابن راهويه وسائر أهل الحديث وأهل المدينة وأهل الظاهر وجماعة من المتكلمين: إلى أن الإيمان تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان. وذهب كثير من أصحابنا إلى ما ذكره الطحاوي: أنه الإقرار باللسان والتصديق بالجنان.
    ثم قال: والاختلاف الذي بين أبي حنيفة والأئمة الباقينَ من أهل السنة اختلاف صوري، فإن كون أعمال الجوارح لازمة لإيمان القلب أو جزءًا من الإيمان، مع الاتفاق على أن مرتكب الكبيرة لا يخرج من الإيمان؛ بل هو في مشيئة الله إن شاء عذّبه وإن شاء عفا عنه - نزاع لفظي لا يترتب عليه فساد اعتقاد، والقائلون بتكفير تارك الصلاة ضمُّوا إلى هذا الأصل أدلة أخرى، وإلا فقد نفى النبي -صلى الله عليه وسلم- الإيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر والمنتهب، ولم يُوجب زوال اسم الإيمان عنهم بالكليَّة اتِّفاقًا.
    ولا خلاف بين أهل السنة أن الله تعالى أراد من العباد القول والعمل، وأعني بالقول: التصديق بالقلب والإقرار باللسان، وهذا الذي يعني به عند إطلاق قولهم: الإيمان قول وعمل. لكن هذا المطلوب من العباد، هل يشمله اسم الإيمان، أم الإيمان أحدهما وهو القول وحده، والعمل مُغاير له لا يشمله اسم الإيمان عند إفراده بالذكر، وإن أُطلِق عليهما كان مجازًا، هذا محل النزاع. اهـ.
    ثم قال -كما في شرح العقيدة الطحاوية أيضًا ص(379)-: إذا كان النزاع في هذه المسألة بين أهل السنة نزاعًا لفظيًّا، فلا محذور فيه سوى ما يحصل من عدوان إحدى الطائفتينِ على الأخرى، والافتراق بسبب ذلك، وأن يصير ذلك ذريعة إلى بدع أهل الكلام المذموم من أهل الإرجاء ونحوهم، وإلى ظهور الفسق والمعاصي بأن يقول: أن مؤمن مسلم حقًّا كاملُ الإيمان والإسلام وليٌّ من أوليا الله، فلا يُبالي بما يكون منه من المعاصي، وبهذا المعنى قالت المرجئة: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله! وهذا باطل قطعًا، فالإمام أبو حنيفة نظر إلى حقيقة الإيمان لغة مع أدلة من كلام الشارع، وبقية الأئمة -رحمهم الله- نظروا إلى حقيقته في عُرف الشارع، فإن الشارع ضمّ إلى التصديق أوصافًا وشرائط كما في الصلاة والصوم والحج ونحو ذلك. اهـ.
    قال الكوثري في التأنيب ص(66، 67): كان في زمن أبي حنيفة وبعده أُناس صالحون يعتقدون أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ويرمون بالإرجاء من يرى أن الإيمان هو العقد والكلمة، مع أنه الحق الصراح بالنظر إلى حجج الشرع، قال الله تعالى: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14] وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره). أخرجه مسلم -(102)- عن عمر، وعليه جمهور أهل السنة.
    وهؤلاء الصالحون باعتقادهم ذلك الاعتقاد، أصبحوا على موافقة المعتزلة أو الخوارج حتمًا إن كانوا يعدون خلاف اعتقادهم هذا بدعة وضلالة؛ لأن الإخلال بعمل من الأعمال -وهو ركن الإيمان في نظرهم- يكون إخلالًا بالإيمان، فيكون من أخلَّ بعمل خارجًا من الإيمان، إما داخلًا في الكفر كما يقوله الخوارج، وإما غير داخل فيه بل في منزلة بين المنزلتين: الكفر والإيمان، كما هو مذهب المعتزلة.
    وهم من أشد الناس تبرؤًا من هذين الفريقين، فإذا تبرؤا أيضًا مما كان عليه أبو حنيفة وأصحابه وباقي أئمة هذا الشأن، يبقى كلامهم متهافتًا غير مفهوم، وأما إذا عدوا العمل من كمال الإيمان فقط فلا يبقى وجهٌ للتنابز والتنابذ [التنابز: التعاير بالألقاب. والتنابذ: الاختلاف الوفرقة عن عداوة. راجع: "لسان العرب" مادة (نبز ونبذ)]، لكن تشددهم هذا التشدد يدل على أنهم لا يعدون العمل من كمال الإيمان فحسب؛ بل يعدونه ركنًا منه أصلًا ونتيجة ذلك كما ترى.
    فإرجاء العمل من أن يكون من أركان الإيمان الأصلية هو السنة، وأما الإرجاء الذي يُعدُّ بدعة فهو قول من يقول لا تضر مع الإيمان معصية، وأصحابنا أبرياء من مثل هذا القول براءة الذئب من دم يوسف -عليه السلام-، ولولا مذهب أبي حنيفة وأصحابه في هذه المسألة، للزم إكفار جماهير المسلمين غير المعصومين لإخلالهم بعمل من الأعمال في وقت من الأوقات، وفي ذلك الطآمة الكبرى. اهـ.
    وقد غفل الكوثري أو تغافل عندما ظنَّ أن الإخلال بالأعمال يستلزم نفي الإيمان؛ لأن الإخلال بالعمل يستلزم نقصان الإيمان وليس نفيه، وبعبارة أخرى يستلزم الفسق لا الكفر، ثم إني وجدتُ كلامًا لابن حزم كالنص في الرد على الكوثري.
    قال ابن حزم في الفصل (3/ 118): الإيمان اسم مشترك يقع على معانٍ شتَّى، فمن تلك المعاني شيء يكون الكفر ضدًّا له؛ ومنها ما يكونا لفسق ضدًّا له لا الكفر؛ ومنها ما يكون الترك ضدًّا له لا الكفر ولا الفسق، فأما الإيمان الذي يكون الكفر ضدًّا له فهو العقد بالقلب والإقرار باللسان فإن الكفر ضدًّا لهذا الإيمان، وأما الإيمان الذي يكون الفسق ضدًّا له لا الكفر، فهو ما كان من الأعمال فرضًا، فإنَّ تركَه ضدٌّ للعمل وهو فسقٌ لا كفر، وأما الإيمان الذي يكون الترك له ضدًّا فهو كل ما كان من الأعمال تطوعًا، فإنَّ تركَه ضدُّ العمل به وليس فسقًا ولا كفرًا. اهـ.
    ثم وجدتُ تفصيلًا حسنًا لأنور شاه الكشميري قال فيه -كما في فيض الباري (1/ 53، 54)-: الإيمان عند السلف عِبارة عن ثلاثة أشياء: اعتقاد وقول وعمل، وقد مرَّ الكلام على الأولين، أي التصديق والإقرار، بقي العمل هل هو جزء للإيمان أم لا؟ فالمذاهب فيه أربعة:
    قال الخوارج والمعتزلة: إن الأعمال أجزاء للإيمان؛ فالتارك للعمل خارج عن الإيمان عندهما، ثم اختلفوا: الخوارج أخروجه عن الإيمان وأدخلوه في الكفر، والمعتزلة لم يدخلوه في الكفر بل قالوا بالمنزلة بين المنزلتينِ.
    والثالث: مذهب المرجئة فقالوا: لا حاجة إلى العمل، ومدار النجاة هو التصديق فقط، فصار الأولون والمرجئة على طرفي نقيض.
    والرابع: مذهب أهل السنة والجماعة، وهم بين بين، فقالوا: إن الأعمال أيضًا لا بد منها، لكن تاركها مُفسق لا مكفَّر، لم يشددوا فيها كالخوارج والمعتزلة، ولم يهونوا أمرها كالمرجئة.
    ثم هؤلاء -أي أهل السنة- افترقوا فرقتين، فأكثر المحدثين إلى أن الإيمان مركب من الأعمال، وإمامنا الأعظم وأكثر الفقهاء والمتكلمين إلى أن الأعمال غير داخلة في الإيمان، مع اتفاقهم -جميعًا- على فاقد التصديق كافر، وفاقد العمل فاسق، فلم يبق الخلاف إلا في التعبير، فإن السلف وإن جعلوا الأعمال أجزاءً لكن لا بحيث ينعدم الكل بانعدامها بل يبقى الإيمان بانتفائها.
    وإمامنا -أبو حنيفة- وإن لم يجعل الأعمال جزءًا لكنه اهتم بها وحرص عليها، وجعلها أسبابًا سارية في نماء الإيمان، فلم يهدرها هدر المرجئة، إلا أن تعبير المحدثين القائلين بجُزئيَّة الأعمال، لما كان أبعد من المرجئة المنكرين جزئية الأعمال، بخلاف تعبير إمامنا الأعظم، فإنه كان أقرب إليهم من حيث نفي جزئية الأعمال، رمى الحنفية بالإرجاء، وهذا -كما ترى- جورٌ علينا؛ فالله المستعان. اهـ.
    ويقول الشيخ عبدالحي اللكنوي في الرفع والتكميل ص(360) إيقاظ(22): جُملة التفرقة بين اعتقاد أهل السنة وبين اعتقاد المرجئة: أن المرجئة يكتفون في الإيمان بمعرفة الله ونحوِهِ، ويجعلون ما سوى الإيمان من الطاعاتِ، وما سوى الكفرِ من المعاصي - غيرَ مضرةٍ ولا نافعة، ويتشبَّثون بظاهر حديث: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة) -أخرجه مُسلم (145)-.
    وأهل السنة يقولون: لا تكفي في الإيمان المعرفةُ؛ بل لا بُدَّ من التصديق الاختياري مع الإقرار اللساني، وإن الطاعاتِ مُفيدة، والمعاصي مضرّة مع الإيمان، توصِل صاحبها إلى دار الخسران.
    والذي يجب علمُهُ على العالم المشتغِلِ بكتب التواريخ وأسماء الرجال - أن الإرجاء يُطلق على قسمين:
    أحدهما/ الإرجاء الذي هو ضلال وهو الذي مرَّ ذكره آنفًا.
    وثانيهما/ الإرجاء الذي ليس بضلال، ولا يكون صاحبه عن أهل السنة والجماعة خارجًا؛ ولهذا ذكروا أن المرجئة فرقتان: مرجئة الضلالة، ومرجئة أهل السنة، وأبو حنيفة وتلاميذه وشيوخه وغيرُهم من الرواةِ الأثبات إنما عُدُّوا من مرجئة أهل السنة لا مرجئة أهل الضلالة. اهـ.
    الْمَطْلَبُ الثَّالِثُ_ حسد الناس لأبي حنيفة لفهمه وفطنته:
    وهذا من الأسباب المهمة التي أطلقت ألسنة شانئيه بالطعن فيه، فقد كان أبو حنيفة ممن يُحسد لنباهة ذهنه وكمال عقله، وهكذا شأن النبهاء في كل عصر، يقول ابن عبدالبر في جامع بيان العلم وفضله (2/ 183): "وكان يقال: يُستدل على نباهة الرجل من الماضين بتباين الناس فيه. قالوا: ألا ترى إلى علي بن أبي طالب أنه هلك فيه فئتان: محب أفرط ومبغض فرَّط، وهذه صفة أهل النباهة، ومن بلغ في الدين والفضل الغاية". اهـ.
    يقول العلاّمة أبو زهرة: "وإن هذه الكلمة الصادقة كل الصدق، تنطبق على أبي حنيفة؛ فقد تعصب له ناس حتى قاربوا به منازل المرسلين، فزعموا أن التوراة بشرت به، وتعصب ناس عليه فرموه بالزندقة والخروج عن الجادة، وإفساد الدين وهجر السنة؛ بل مناقضتها، ثم الفتوى في الدين بغير حجة ولا سلطان مبين، فتجاوزوا في طعنهم حد النقد السليم، ولم يتجهوا إلى آرائه بالفحص والدراسة، ولم يكتفوا بالتزييف لها من غير حجة ولا دراسة؛ بل عدوا عدوانًا شديدًا، فطعنوا في دينه وشخصه وإيمانه.
    ولمَ كان ذلك الخلاف بشأنه؟ لذلك أسباب قد نعرض لها في بحثنا ببعض التفصيل ولكن نسارع هنا بذكر سبب منها قد يُعدُّ أساسًا لغيره، وذلك أن أبا حنيفة كان له من قوة الشخصية ما وجه به الفقه توجيهًا جاوز حلقة درسه؛ بل تجاوز إقليمه إلى غيره من الأقاليم الإسلامية، فتحدث الناس بآرائه في أكثر نواحي الدولة الإسلامية.
    وتلقاها المخالف والموافق، فاستنكرها المخالف، وناصرها الموافق، ورأى فيها الأول وهو المستمسك بالنص لا يعدوه بدعًا من الآراء في الدين، فشدد في النكير، وربما لا يكون رَأى أبا حنيفة وما اتصف به من ورع وتقى، فأطلق لسانه فيه؛ لأنه رأى رأيًا بدعًا، ولم يعرف دليله ولا قائله، وربما كانت تحف حدة لسانه إذا رآه أو علم وجه الدليل؛ بل ربما أجله ووافقه.
    يُروى في ذلك أن الأوزاعي فقيه الشام الذي كان معاصرًا لأبي حنيفة، قال لعبدالله ابن المبارك؛ مَنْ هذا المبتدع الذي خرج بالكوفة ويُكنى أبا حنيفة؟ فلم يجبه ابن المبارك، بل أخذ يذكر مسائل عويصة، وطرق فهمها والفتوى فيها، فقال: مَنْ صاحب هذه الفتاوى؟ فقال: شيخ لقيته بالعراق. فقال الأوزاعي: هذا نبيل من المشايخ اذهب فاستكثر منه. قال: هذا أبو حنيفة.
    ثم اجتمع الأوزاعي وأبو حنيفة بمكة، فتذاكرا المسائل التي ذكرها ابن المبارك فكشفها فلما افترقا قال الأوزاعي لابن المبارك: غبطتُ الرجل بكثرة علمه، ووفور عقله، واستغفر الله تعالى، لقد كنت في غلط ظاهر، الزم الرجل فإنه بخلاف ما بلغني عنه [انظر: "الخيرات الحسان" (ص 33)، وراجع: "تاريخ بغداد" (13/ 338)].
    ولقد كان أبو حنيفة مع قوة شخصه، وعمق تأثيره، وبعد نفوذه، صاحب طريقة جديدة في الإفتاء والتخريج، وفهم الحديث واستنباط الأحكام منه، وقد أخذ يبث طريقته في تلاميذه ومَن يتصل بهم نحوًا من ثلاثين عامًا أو يزيد، ومن كان كذلك لا بد أن يُستهدف للنقد المُرّ؛ بل التجريح لشخصه والتزييف لرأيه، والتعصب عليه.
    ولقد كانت الملاحاة بين أنصاره وخصومه في القرن الرابع الهجري، يوم ساد التعصب المذهبي، وصار الفقه مجادلة بين المتعصبينَ، وكانت الملاحاة أشد ما تكون بين الحنفية والشافعية؛ ولذلك اشتهدف هذان الإمامان للطعن المُرِّ.
    ولقد كان أبو حنيفة أشد استهدافًا للطعن؛ لأن كثرة إفتائه بالرأي كانت منفذًا للنيل منه في علمه بالحديث، وفي ورعه، وفي حُسْنِ إفتائه، وغير ذلك مما يتصل بمذهبه في الاستنباط والتخريج، وقد رماه المتعصبون بكل رمية -أي بكل نقيصة وقبيحة- حتى لقد استنكر الأمر بعض الشافعيينَ، ورأوا ذلك تجانفًا لإثم، وخروجًا عن الجادة، فكان من هؤلاء من أنصف أبا حنيفة وكتب في مناقبه، ورد قول المتعصبينَ من الشافعية.
    فرأينا السيوطي وهو شافعي يكتب رسالة يسميها ((تبييض الصحيفة في مناقب الإمام أبي حنيفة)) ورأينا ابن حجر الهيتمي وهو شافعي أيضًا يكتب رسالة يسميها ((الخيرات الحسان في مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان))، ورأينا الشعراني في ((الميزان)) يخص أبا حنيفة بالذكر والدفاع عنه، واستقامة طريقة تخريجه، ويذكره في طبقاته على أنه من أولياء الله والواصلين بحبل ولايته". انتهى.
    وقال العلاّمة ابن عابدين في ((رد المحتار على الدر المختار)) (1/ 37): "إن الإمام أبا حنيفة لما شاعتْ فضائله، وعمتْ الخافقين فواضله، جرتْ عليه العادة القديمة، من إطلاق ألسنة الحاسدين فيه، حتى طعنوا في اجتهاده وعقيدته بما هو مبرَّأٌ منه قطعًا". انتهى كلامه.
    وقال عبدالعزيز البخاري في ((كشف الأسرار)) (3/ 69) كلامًا بليغًا: "وقد طعن الحساد في الإمام أبي حنيفة حتى صنفوا في طعنه كتبًا ورسائل، ولكن لم يزده طعنهم إلا شرفًا وعلوًّا، ورفعةً بين الأنام وسموًّا، فذاع مذهبه في الدنيا واشتهر، وبلغ أقطار الأرض نور علمه وانتشر، وقد عرف مَن له أدنى بصيرة وإنصاف، وجانب التعسف والاعتساف، أن كل ما قالوه افتراء، ومثله عنه براء". اهـ.
    وقال عبدالله بن داود: الناس في أبي حنيفة رجلان: جاهل به وحاسد له، وأحسنهم عندي حالاً الجاهل. انظر: تاريخ بغداد (13/ 368)، وتهذيب الكمال (29/ 441).
    وقال وكيع: دخلت على أبي حنيفة فرأيته مطرقًا مفكرًا، فقال لي: من أين أقبلت؟ من عند شريك. ورفع رأسه وأنشأ يقول:
    إن يحسدوني فإني غير لائمهم _ قبلي مِنَ الناس أهل الفضل قد حُسِدوا
    فدام لي ولهم ما بي وما بهم _ ومات أكثرنا غيظًا بما يجد
    انظر: تاريخ بغداد (13/ 367)، وتهذيب الكمال (29 /442).
    وقيل لعبدالله بن المبارك: فلان تكلم في أبي حنيفة، فأنشد:
    حسدًا إذ رأوك فضَّلك الله _ بما فُضِّلَتْ به النُّجباء
    وقال أبو الأسود الدؤلي:
    حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه _ فالقوم أعداء له وخصوم
    كضرائر الحسناء قلن لوجهها _ حسدًا وبغيًا إنه لذميم
    انظر: جامع بيان العلم وفضله (2/ 162).

    ب- موقف بعض المحدثين من أبي حنيفة:
    لقد اخترتُ ثلاثة من أعلام المحدثين ممن شتهر أن لهم تحاملاً ضد أبي حنيفة، وقد كان السبب في تحديد الأعلام الثلاثة ذيوع موقفهم من أبي حنيفة، وتأثيرهم في الأوساط العلمية لعلمهم وفضلهم، إضافةً إلى أن كلَّ عَلَمٍ منهم يمثل مرحلة زمنية مختلفة وسأحاول استكشاف أسباب هذا الموقف وتوضيحه وتحليله، وهؤلاء الأعلام الثلاثة هم:
    1- الإمام الحافظ الحجة أمير المؤمنين في الحديث أبو عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري، صاحب أصح كتاب بعد كتاب الله عز وجل، المتفق على إمامته وفضله، المولود سنة (194هـ) أي بعد وفاة الإمام أبي حنيفة بأربعة وأربعين عامصا والتوفى سنة (256هـ) - راجع ترجمته في سير أعلام النبلاء (12/ 391)، وتذكرة الحفاظ (2/ 555)، وطبقات الشافعية الكبرى (2/ 212)، وتهذيب الكمال (24/ 430)، وتاريخ بغداد (2/ 4) .
    2- الإمام الحافظ الناقد أبو حاتم محمد بن حاتم بن حبان البستي، أحد كبار المحدثين الذين تكلموا وألفوا في الرجال جرحًا وتعديلاً، صاحب الصحيح والثقات والمجروحين، المولود سنة (280هـ)، والمتوفى سنة (354هـ) - راجع ترجمته في سير أعلام النبلاء (16/ 92)، وتذكرة الحفاظ (3/ 920)، والأنساب (1/ 348)، ومعجم البلدان (1/ 415) .
    3- الإمام الحافظ الناقد أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي، صاحب تاريخ بغداد والمصنفات الكثيرة في علوم الحديث، فقلَّ فن من فنون الحديث إلا وقد صنف فيه كتابًا مفردًا، وكان كما قال الحافظ أبو بكر بن نقطة -كما في التقييد (1/ 170)، وتكملة الإمال (1/ 103)-: "كل من أنصف علم أن المحدثين بعد الخطيب عيال على كتبه". ولد الخطيب سنة (392هـ)، وتوفي سنة (463هـ) - راجع سير أعلام النبلاء (18/ 270)، وتذكرة الحفاظ (3/ 1135)، وطبقات الشافعية (4/ 29) .
    وسأعرض موقف كلِّ عَلَمٍ منهم في مطلب مستقل.
    الْمَطْلَبُ الأَوَّلُ_ موقف الإمام البخاري:
    صنَّف الإمام البخاري كتابه ((الصحيح)) وأبرز فيه إمامته الباهرة في الحديث الشريف وعلومه، وأبرز إلى جانب ذلك فقهه الذي تميز به على سائر المحدثين، وذلك في تراجم كتابه وعناوين أبوابه، فبوَّب كتابه أبوابًا أودع عناوينها فقهه وفهمه للأحاديث بحسب ما أداه إليه اجتهاده؛ ومن ثَمَّ اشتهر أن فقه البخاري في تراجمه.
    فوافق في فقهه وعناوين مباحثه بعض الأئمة السابقين وخالف بعضهم، وقد أشار في كثير من الترجمات وعناوين الأبواب إلى الرد على مَن رأى غيررأيه في تلك المسائل أو الأبواب، واكتفى بالرد دون أن يذكر أحدًا باسمه، وبيَّن الشرح ذلك في مواضعه، وقال في مواضع معدودة بلغت نحو خمسة وعشرين موضعًا عقب ذكر ترجمة الباب: "وقال بعض الناس" [تجد هذه المسائل في صحيح البخاري عقب الأحاديث التالية: (1498)، (2634)، (2635)، (2647)، (2748)، (5299)، (6684)، (6946)، (6950)، (6956)، (6958)، (6959)، (6960)، (6961)، (5656)، (6968)، (6970)، (6971)، (6974)، (6977)، (6978)، (6980)، (7161)، (7195)]. واشتهر أن الإمام البخاري يعني بجميع ذلك القول الإمام أبا حنيفة أو بعض أتباعه.
    نقل الزيلعي عن ابن عبدالهادي كلامًا طويلاً قال فيه: "فالبخاري -رحمه الله تعالى- مع شدة تعصبه وفرط تحامله على مذهب أبي حنيفة لم يودع صحيحه منها حديثًا واحدًا" [يعني أحاديث الجهر بالبسملة]. ثم قال: "والبخاري كثير التتبع لما يرد على أبي حنيفة من السنة، فيذكر الحديث ثم يعرض بذكره فيقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، وقال بعض الناس: كذا وكذا، ويشير ببعض الناس إليه، ويشنع لمخالفته الحديث عليه، وكيف يخلي كتابه من أحاديث الجهر بالبسملة، وهو يقول في أول كتابه: الصلاة من الإيمان [صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب الصلاة من الإيمان وقول الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} (البقرة: 143) يعني صلاتكم عند البيت. ثم ساق حديث البراء في قصة تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة وفي آخره قال البراء: إنه مات على القبلة قبل أن يحول رجال وقتلوا فيم ندر ما نقول فيهم فأنزل الله : {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} قال ابن حجر في الفتح (1/ 98): "في هذا الحديث من الفوائد الرد على المرجئة في إنكارهم تسمية أعمال الدين إيمانًا"]. ثم يسوق أحاديث الباب، ويقصد الرد على أبي حنيفة قولَه: إن الأعمال ليست من الإيمان، مع غموض ذلك على كثير من الفقهاء". اهـ. انظر: نصب الراية (1/ 355، 356).
    مع العلم أن البخاري كان في نشأته متفقهًا بالمذهب الحنفي السائد في تلك البلاد بخارى وما حولها، فقد ذُكر أن الإمام البخاري وهو صغير كان يختلف إلى أحمد ابن حفص أبي حفص الكبير الفقيه الحنفي [الطبقات السنية (1/ 342)، والفوائد البهية (ص 24)، وسير أعلام النبلاء (10/ 157)]، وسمع منه ((جامع سفيان الثوري)) وقد أثنى عليه أبو حفص الكبير، لِمَا رأى فيه من علامات النبوغ وجودة الحفظ، فقال: "هذا شاب كيس، أرجوا أن يكون له صيت وذكر" [سير أعلام النبلاء (12/ 425)، وتاريخ بغداد (2/ 11)]. وقد كان ما قال.
    وقال الإمام البخاري: فلما طعنتُ في ست عشرة سنة حفظتُ كتب ابن المبارك ووكيع وعرفت كلام هؤلاء -يعني أصحاب الرأي- [سير أعلام النبلاء (12/ 393)، وتاريخ بغداد (2/ 7)]؛ فالإمام البخاري حنفي النشأة في الفقه، محدث فقيه مجتهد في مقتبل حياته، فمن البديهي أن يخالف من سبقوه -الحنفية وغيرهم- في كثير من المسائل، فهذه الخمسة والعشرون مسألة ليست بشيء في جانب المسائل الفقهية مجال الاجتهاد والنظر.
    وقد رد بعض المحدثين الحنفية على البخاري في المسائل التي عرض فيها بأبي حنيفة بمؤلفات مستقلة؛ كالعلامة عبدالغني الغنيمي الميداني في كتابه: ((كشف الالتباس عما أورده البخاري على بعض الناس))، كما استوفى الرد عليها أيضًا الإمام البدر العيني في ((عمدة القاري شرح صحيح البخاري)).
    "كما عرض لهذا الموضوع الدكتورعبدالمجيد محمود في كتابه الاتجاهات الفقهية عند أصحاب الحديث في القرن الثالث الهجري" [الاتجاهات الفقهية (577- 660)]، ودرس المسائل مسألة مسألة دراسة بحث وتمحيص وجلاها خير تجلية.
    ولا شك في أن موضوعات الخلاف بين الإمام البخاري وأهل الرأي ليست مقصورة على هذه المسائل؛ بل توجد مسائل أخرى لم يرضَ البخاري عن مسلك أهل الرأي إزاءها، وأثبت في صحيحه مذهبه فيها، وإن لم يُعْنَ ببيان رأي مخالفيه؛ بل إنه قد أفرد بعضًا من هذه المسائل بمؤلفات خاصة؛ مثل جزء ((رفع اليدين في الصلاة)) وجزء ((القراءة خلف الإمام)).
    وقد استهلَّ البخاري جزء رفع اليدين في الصلاة بقوله -كما في (ص 21) منه-: "الرد على من أنكر رفع الأيدي في الصلاة عند الركوع وإذا رفع رأسه من الركوع، وأَبهَم على العَجَم في ذلك، تكلفًا لما لا يعنيه فيما يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه فعله وروايته... على ضَغِينَة صَدْرِهِ وحَرْجَةِ قلبه، ونفارًا عن سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يحمله، واستكنانَ عدواة لأهلها لشُربِ البدعة لحمُهُ وعظامُهُ ومُخُّه، واكتسبه باحتفاف العَجَم حوله اغترارًا". اهـ.
    قال البخاري في التاريخ الصغير: "سمعت الحميدي يقول: قال أبو حنيفة قدمت مكة فأخذت من الحجام ثلاث سننلما قعدت بين يديه، قال لي استقبل القبلة، فبدأ بشق رأسي الأيمن وبلغ إلى العظمين. قال الحميدي: فرجل ليس عنده سنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه في المناسك وغيرها، كيف يقلد أحكام الله في المواريث والفرائض والزكاة والصلاة وأمور الإسلام".
    وقال: "حدثنا نُعيم بن حمَّاد قال: حدثنا الفزاري قال: كنتعند سفيان فنُعي النعمان فقال: الحمد لله، كان ينقض الإسلام عروة عروة، ما ولد في الإسلام أشأم منه". [التاريخ الصغير (2/ 43، 100)]. وانظر: الرفع والتكميل (ص 393-398).
    وقال في التاريخ الكبير (8/ 81): "كان مرجئًا سكتوا عنه وعن رأيه وعن حديثه". اهـ.
    وقد قرر العلماء أن عبارة "سكتوا عنه" عند الإمام البخاري تعدِلُ عبارة "تركوا حديثه" عند غيره، وأنها تعتبر من أشدّ عبارات الجرح (المُفسّر) عنده (من وجه أن الخطأ غالب عليه)؛ لأنه لورعه قلَّ أن يقول كذاب أو وضاع، وربما يقول: كذبه فلان ورماه فلان بالكذب، وبذلك يكون البخاري قد جرح أبا حنيفة بعبارة شديدة عنده. [الرفع والتكميل (ص 402)، وفتح المغيث (2/ 122)].
    فتحامل البخاري على أبي حنيفة ثابت لا ريب فيه، ويرى الشيخ ظفر أحمد التهانوي أن سبب ذلك: أن البخاري صعب نعيم بن حماد الذي اتهمه الدولابي بوضع حكايات في مثالب أبي حنيفة كلها زور، كما جاء ذكره في تهذيب التهذيب والميزان، فلعل ذلك هو منشأ انحراف البخاري عن الإمام أبي حنيفة. [قواعد في علوم الحديث (ص 380)].
    قال أبو الفتح الأزدي: "كان نعيم ممن يضع الحديث في تقوية السنة، وحكايات مزورة في ثلب النعمان -أبي حنيفة- كلها كذب". [ميزان الاعتدال (4/ 269)، تهذيب التهذيب (10/ 462)].
    وما قاله التهانوي لا يبعد أن يكون صحيحًا، لا سيما إذا علمنا أن الحميدي شيخ البخاري كان من المتحاملين أيضًا على أهل الرأي كما يتضحك ذلك من كلامه السابق [ومن ذلك ما رواه ابنحبان في كتاب ((المجروحين)) (3/ 70) من طريق محمد بن منصور الجوار قال: رأيت الحميدي يقرأ كتاب الرد على أبي حنيفة في المسجد الحرام، فكان يقول: "قال بعض الناس". فقلت له: فكيف لا تسميه؟ قال: "أكره أن أذكره في المسجد الحرام"]، والتأثر بما يسمعه الرجل من مشايخه أمر واقع، لا سيما وتحامل المحدثين على أهل الرأي كان هو الاتجاه السائد في ذلك العصر.
    ويرى الكوثري سببًا آخر لتحامل البخاري على أبي حنيفة وهو: أن البخاري لما ارتحل لطلب العلم وعاد إلى بخارى حسده علماء بلده، شأن كل من يرتحل للعلم ويعود لأهله بالجم منه، حتى أمسكوا له فتوى أخطأ فيها فأخرجوه بسببها من بخارى، فلما أخرجه انقلب عليهم، وجرى بينه وبينهم ما جرى، كما سبق للبخاري مثيله مع المحدثين في نيسابور، فأخذ بيدي بعض تشدد نحوهم في كتبه، مما هو من قبيل نفثه مصدور لا تقوم بها الحجة، ويُرجى عفوها له ولهم سامحهم الله تعالى. ["شروط الأئمة الخمسة" للحازمي (ص 56)، وحسن التقاضي (ص 86، 89)].
    وحكاية إخراج البخاري مشهورة في كتب الحنفية وهي: أن البخاري لما قدم بخارى في زمن أبي حفص الكبير وجعل يفتي بها، فنهاه أبو حفص، وقال: لست بأهل لها فلم ينتهِ، حتى سُئل عن صبيين شَرِبا لبن شاة أو بقرة فأفتى بثبوت الحرمة، فاجتمع الناس وأخرجوه. [ذُكرت هذه الحكاية في ترجمة أبي حفص الكبير من الجواهر المضية (1/ 166)، والطبقات السنية (1/ 343)، وراجع: المبسوط (30/ 294)، وفتح القدير (3/ 457)، وأبو حفص الكبير هو أحمد بن حفص الإمام المشهو، أخذ العلم عن محمد بن الحسن، وله أصحاب لا يُحْصَوْنَ].
    وقد استبعد أبو الحسنات اللكنوي وقوع هذه الحكاية، بالنسبة إلى جلالة قدر البخاري ودقة فهمه وسعة نظره وغور فكره، مما لا يخفى على من انتفع بصحيحه، وعلى تقدير صحتها فالبشر يخطئ. [ الفوائد البهية (ص 25)].
    ومما يبعد صحة هذه الحكاية أن أبا حفص الكبير تقدمت وفاته؛ إذ توفي سنة مائتين وسبعة عشر، والبخاري ظل متنقلاً بين المدن الإسلامية في طلب العلم، ولم يرجع إلى بخارى إلا قبيل وفاته بزمن يسير، إلا إن كان صاحب القصة هو ابنه محمد بن أحمد ابن حفص أبو حفص الصغير -راجع ترجمته في سير أعلام النبلاء (12/ 617)، والفوائد البهية (ص 25)، والجواهر المضية (3/ 29)- رفيق البخاري في الطلب.
    والمشهور في قصة إخراج البخاري: أنه خرج من نيسابور إلى بلده بخارىعلى إثر اختلاف وقع بينه وبين محمد بن يحيى الذهلي من علماء نيسابور، ولكن لم تكن بخارى بأحسن من نيسابور في احتضانه والاستفادة منه؛ حيث اضطهده أميرها خالد بن أحمد بسبب كتاب وصله من محمد بن يحيى الذهلي، حتى أخرجه محمد بن أحمد بن حفص إلى بعض رباطات بخارى. راجع: سير أعلام النبلاء (12/ 463، 617).
    وبعيدًا عن هذه الحكايات، فإننا إذا نظرنا لما قاله البخاري في ضوء ذلك الصراع المحتدم بين المحدثين وأهل الرأي في تلك الأعصار، وأن البخاري فقيه غلب عليه الحديث والأثر، ويرى أن الإيمان قول وعمل، وأن أبا حنيفة محدث غلب عليه الفقه والرأيولا يرى ذلك، وقد كان بين هذين الفريقين جفوة معروفة كما سبق بيانه، علمنا أن ذلك هو السبب في تحامل البخاري على أبي حنيفة، ولم نستعظم صدور ذلك من البخاري في أبي حنيفة، واعتبرناه أمرًا هيِّنًا، فجرح البخاري لأبي حنيفة لم يُقلِّل من شأن أبي حنيفة كإمام فقيه، كما لم يقلل من مكانة البخاري كإمام ناقد للرجال.
    الْمَطْلَبُ الثَّانِي_ موقف ابن حبان البستي:
    ألَّف ابن حبان ثلاثة كتب في الرد على أبي حنيفة والطعن فيه؛ وهي:
    1- ((كتابُ عِلَلِ مَنَاقِبِ أَبي حَنِيفَةَ ومَثَالِبِهِ)) في عشرة أجزاء.
    2- كتابُ عِلَلَ مَا أسْنَدَهُ أَبُو حَنِيفَةَ)) في عشرة أجزاء أيضًا.
    3- ((كتابُ التَّنْبِيهِ على التَّمْوِيهِ)) [ذكر الكتابين الأول والثاني ياقوت الحموي في معجم البلدان (1/ 415)، والثالثذكره ابن حبان أثناء ترجمته لأبي حنيفة في كتاب المجروحين (3/ 64)] ذكر فيه ما رُوي عن أئمة المسلمين، وأهل الورع والدين، في جميع الأمصار وسائر الأقطار، في جرح أبي حنيفة والقدح فيه،وذكر من هذا الكتاب جُمَلًا يُستدَلُّ بها على ما وراءها -على حد تعبيره- في ((كتاب المجروحين)) له.
    وقد أورَد تلك الجُمَل فيه بالأسانيد، التي في أغلبها الضعفاء والمتروكون، أو من اشتُهر بتحامله على أهل الرأي، وقد أطال ابن حبان في الترجمة، حتى كانت أطول ترجمة في الكتاب، فقد ترجم في الكتاب لألف ومئتين وواحد وثمانين رجلاً، وذكر فيه الضعفاء والمتروكين والكذابين، وترجم لكلِّ واحدٍ منهم ترجمة، تبلغ بعضها خمسة أسطر أو دونها، وبعضها تبلغ عشرة أسطر أو تزيد عليها، والقليل منها هي التي تبلغ الصفحة أو الصفحتين، إلا ترجمة الإمام أبي حنيفة، فقد بلغت اثتني عشرة صفحة [كتاب المجروحين (3/ 61-73)]، ولم يكتفِ ابن حبان بما نقله عن غيره من طعن في أبي حنيفة، بل أطلق لسانه فيه فوصفه بأسوأ الأوصاف، وإليك نص كلامه بحروفه.
    قال ابن حبان في كتابه المجروحين (3/ 61): "كان أبو حنيفة جَدِلاً ظَاهِرَ الورع [أي لا وجود للورع في باطنه، والدليل على أن هذا جرح من ابن حبان ما جرت به عادته من وصف العلماء الذينيثني عليهم بقوله: وله ورع خفي. كما حقق ذلك الشيخ عبدالفتاح أبو غدة في تعليقه على الانتقاء (ص 233)، وأوضح أن هذا تدخل من ابن حبان في الباطن الذي لا يعلمه إلا الله، وأنه لو جاز ذلك لمن رآه لما جاز لمن أتى بعده بدهور!]، لم يكن الحديث صناعته، حدث بمائة وثلاثين حديثًا مسانيد، ما له حديث في الدنيا غيرها، أخطأ منها في مائة وعشرين حديثًا، إما أن يكون أقلب إسناده أو غير متنه من حيث لا يعلم، فلما غلب خطؤه على صوابه استحق ترك الاحتجاج به في الأخبار.
    ومن جهة أخرى: لا يجوز الاحتجاج به؛ لأنه كان داعيًا إلى الإرجاء، والداعي إلى البدع لا يجوز أن يحتج به عند أئمتنا قاطبة، لا أعلم بينهم فيه خلافًا، على أن أئمة المسلمين وأهل الورع في الدين، في جميع الأمصار وسائر الأقطار، جرحوه وأطلقوا عليه القدح إلا الواحد بعد الواحد، قد ذكرنا ما روى فيه من ذلك في ((كتاب التنبيه على التمويه)) فأغنى ذلك عن تكرارها في هذا الكتاب، غير أني أذكر منها جملاً يُستدَلُّ بها على ما وراءها". اهـ.
    وإليك جملة مما ساقه ابن حبان بالأسانيد مع بيان حال بعض رواتها.
    1- عن سفيان الثوري قال: استتيب أبو حنيفة من الكفر مرتين. [كتاب المجروحين (3/ 64)، تاريخ بغداد (13/ 391). وفي إسناده زكريا بن يحيى الساجي، قال ابن عبدالبر -كما في الانتقاء (ص 287)-: "الساجي ممن كان ينافس أصحاب أبي حنيفة"].
    2- عن يوسف بن أسباط قال: قال أبو حنيفة: لو أدركني رسول الله صلى الله عليه وسلم لأخذ بكثير من قولي، وهل الدين إلا الرأي الحسن. [المصدران السابقان (3/ 65)، (13/ 407) وفي إسناده محبوب بن موسى، وهو وإن كان ثقة إلا أن أبا داود قال فيه: لا يُلتفت إلى حكاياته إلا من كتاب. راجع: تهذيب الكمال (27/ 266)، ويوسف بن أسباط: وثقه يحيى ابن معين والعجلي، وقال أبو حاتم: لا يحتج بحديثه. وقال البخاري: كان قد دفن كتبه فكان لا يجيء بحديثه كما ينبغي. الجرح والتعديل (9/ 218)، والتاريخ الكبير (8/ 385)، وميزان الاعتدال (4/ 462)، وتاريخ الثقات (ص 485)].
    3- عن سفيان الثوري -وجاء نعي أبي حنيفة- فقال: الحمد لله الذي أراح المسلمين منه، لقد كان ينقض الإسلام عروة عروة. [كتاب المجروحين (3/ 66)، تاريخ بغداد (13/ 418) وفي إسناده نعيم بن حماد شيخ الإمام البخاري، وقد سبق ذكر اتهامه بوضع حكايات مزورة في ثلب أبي حنيفة كلها كذب].
    4- عن أبي إسحاق الفزاري قال: كنت عند أبي حنيفة فجاءه رجل فسأله عن مسألة فقال فيها فقلت: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال كذا وكذا، قال: هذا حديث خرافة. [المصدران السابقان (3/ 70)، (13/ 403)، وفي إسناده أبو صالح الفراء محبوب بن موسى، وقد سبق كلام أبي داود السجستاني في حكاياته].
    5- عن بشر بن المفضل قال: حدثنا عبدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا). وقال أبو حنيفة: هذا رجز. [المصدران السابقان (3/ 70)، (13/ 403)، وسبق تخريج الحديث، على أن المذهب الحنفي له فيه تفصيل، راجعه من هُنا: (خيار التصرية عند الحنفية)].
    6- عن سويد بن عبدالعزيز قال: جاء رجل إلى أبي حنيفة فقال: ما تقول فيمن أكل لحم الخنزير؟ قال: لا شيء عليه.[كتاب المجروحين (3/ 73)،
    وسويد بن عبدالعزيز قال فيه أحمد: متروك الحديث. وقال يحيى بن معين: ضعيف. وفي رواية: ليس بشيء. وفي أخرى: ليس بثقة. وقال محمد بن سعد: كان يروي أحاديث منكرة. وقال البخاري: في حديثه مناكير أنكرها أحمد. وقال في موضع آخر: في حديثه نظر لا يُحتمل. وقال النسائي: ضعيف. وفي موضع آخر: ليس بثقة. وقال أبو حاتم: لين الحديث. وقال ابن حبان: كان كثير الخطأ فاحش الوهم، حتى يجيء في أخباره من المقلوبات أشياء تتخايل إلى من سمعها أنها عملت عمدًا.
    ولا أدري كيف احتج ابن حبان بكلام سويد في الإمام أبي حنيفة وهو يعلم حاله، ولكن هكذا يفعل التعصب بأهله حتى ألجأهم للاحتجاج بما لا يقبلونه من غيرهم. وكأنه تذكر ذلك فعاد وقال: "والذي عندي في سويد تنكب ما خالف الثقات من حديثه، والاعتبار بما روي مما لم يخالف الأثبات والاحتجاج بما وافق الثقات، وهو ممن أستخير الله فيه؛ لأنه يقرب من الثقات". راجع تهذيب الكمال (12/ 255)، الجرح والتعديل (4/ 238)، التاريخ الكبير (4/ 148)، ميزان الاعتدال (2/ 251)، كتاب المجروحين (1/ 350)].
    7- عن يحيى بن حمزة وسويد بن عبدالعزيز قالا: سمعنا أبا حنيفة يقول: لو أن رجلاً عَبَدَ هذا البغل [(البغل) جاءت هذه اللفظة في تاريخ بغداد (النعل)] تقربًا إلى الله جل وعلا، لم أرَبذلك بأسًا. [كتاب المجروحين (3/ 73) تاريخ بغداد (13/ 375) وقد تحرفت (سويد) في الكتابين إلى (سعيد) ولعل الصواب ما أثبته، وعبدالأعلى بن مسهر يروي عن سعيد بن عبدالعزيز التنوخي فقيه أهل الشام وعن سويد ابن عبدالعزيز، ويرجح ما أثبته أن سويد بن عبدالعزيز كان شريكًا في القضاء ليحيى بن حمزة الحضرمي، كما في ترجمة سويد من تهذيب الكمال، فإذا كان الأمر كذلك فهو المتهم بهذا الخبر أيضًا].
    وإذا نظرنا في جرح ابن حبان لأبي حنيفة نجده يتلخص في أمرين:
    الأول/ قلة حديث أبي حنيفة مع كثرة أخطائه فيما رواه.
    الثاني/ أن أبا حنيفة كان مرجئًا داعية لبدعته.
    ولهذين الأمرين استحق ترك الاحتجاج به في الأخبار (عنده).
    وقد بيَّنتُ في السابق بطلان الأمرين، وذكرتُ شهادة الأئمة له بالإكثار من الحديث وجودة الحفظ، كما أوضحت أن أبا حنيفة لم يكن مرجئًا بالمعنى المذموم عند أهل السنة، وإنما كان من مرجئة أهل السنة، فلينظر تفصيل أعلاه.
    وأما الأخبار التي ذكرها ابن حبان، وشاركه في رواية أغلبها الخطيب البغدادي، فقد بيَّنتُ حال بعض رواة أسانيدها دون تتبع أو استقصاء؛ لأن في حكايتها غنًى عن البحث في عللها، فقد اشتملت على أباطيل واتفراءات يصعب تصديقها على آحاد الناس، فضلاً عن إمام من كبار أئمة المسلمين، فمن ذا الذي يصدق أن أبا حنيفة كان يستهزِئ بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ويردها بسخرية وازدراء، ويستهزئ بأحكام الشرع حتى أَحَلَّ أكلَ الخنزير، وعبادةَ غيرِ الله تقربًا إليه، ثم بعد ذلك كله يصير إمامًا متبوعًا على مدى اثنى عشر قرنًا من الزمان، لا أحسب أن أحدًا يصدق ذلك، إلا من حمله الحسد والبغضاء والعصبية عليه.
    وفي منْأَى عن نقد الأخبار فإن السبب في تحامل ابن حبان على أبي حنيفة هو ذاته سبب تحامل البخاري بل وأهل الحديث عمومًا على أهل الرأي، بَيْدَ أن ابن حبان ينفرد بسبب آخر، وهو التعصب المذهبي الذي ساد في القرن الرابع الهجري، وكانت الملاحاة أشد ما تكون بين الشافعية والحنفية، وكان ابن حبان شافعيَّ المذهب فكاد لهم وكادوا له فكان ذلك من أسباب تحامله على أبي حنيفة.
    أضف إلى ذلك ما كان يتصف به ابن حبان من حدة في الطبع وصلابة فثي الرأي كما يُعلم ذلك من مطالعة ترجمته، يقول الحافظان الذهبي وابن حجر: "ابن حبان ربما جرح الثقة حتى كأنه لا يدري ما يخرج من رأسه". [ميزان الاعتدال (1/ 274) والقول المسدد (ص 33)].
    هذا، وقد استوقى الشيخ عبدالفتاح أبو غدة الرد على ابن حبان، ومجمل الرد أن أبا حنيفة عند كبار علماء عصره ومَنْ بعدهم إمام مجتهد من كبار أئمة الإسلام، وقد اتبعه وقلده أكثر الأمة المحمدية من عصره إلى يومنا هذا في أغلب أقطار الإسلام، ولو كان ما نقله ابن حبان صحيحًا للزم أن يكون هؤلاء العلماء مغفلين، وأن تكون الأمة اجتمعت على ضلالة. [التعليق على الانتقاء (ص 232-240)].
    المَطْلَبُ الثَّالِثُ_ موقف الخطيب البغدادي:
    ترجم الخطيب البغدادي للإمام أبي حنيفة في كتابه ترجمة طويلة استغرقت حوالي مائة وعشرية صفحة -تاريخ بغداد (13/ 323- 454)- ابتدأها بقوله: النعمان بن ثابت أبو حنيفة التيمي إمام أصحاب الرأي وفقيه أهل العراق رأى أنس بن مالك. ثم ذكر طائفة من شيوخه وتلاميذه، وما رُوي من الاختلاف في نسبه، ثم قسم الترجمة إلى عناوين، وأدرج تحت كل عنوان طائفة من الأخبار المسندة، وهذه العناوين هي:
    -ذكر إرادة ابن هبيرة أبا حنيفة على ولاية القضاء وامتناع أبي حنيفة من ذلك.
    -ذكر قدوم أبي حنيفة بغداد وموته بها.
    -صفة أبي حنيفة وذكر السنة التي ولد فيها.
    -ذكر خبر ابتداء أبي حنيفة بالنظر في العلم.
    -مناقب أبي حنيفة _ ما قيل في فقه أبي حنيفة.
    -ما ذُكر من عبادة أبي حنيفة وورعه.
    -ما ذُكر من جود أبي حنيفة وسماحته وحسن عهده.
    -ما ذُكر من نور عقل أبي حنيفة وفطنته وتلطفه.
    ثم قال الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (3/ 369): "قد سقنا عن أيوب السختياني وسفيان الثوري وسفيان ابن عُيينة وأبي بكر بن عياش.. وغيرهم من الأئمة، أخبارًا كثيرة تتضمن تقريظ أبي حنيفة والمدح له والثناء عليه، والمحفوظ عند نقلة الحديث عن الأئمة المتقدمين -وهؤلاء المذكورون منهم- في أبي حنيفة خلاف ذلك، وكلامهم فيه كثير لأمور شنيعة حفظت عليه، متعلقة بعضها بأصول الديانات وبعضها بالفروع، نحن ذاكروها بمشيئة الله، معتذرون إلى من وقف عليها وكره سماعها، بأن أبا حنيفة عندنا مع جلالة قدره، أسوة غيره من العلماء الذين دَوَّنَّا ذكرهم في الكتاب، وأوردنا أخبارهم وحكينا أقوال الناس فيهم على تباينها، والله الموفق للصواب". انتهى.
    وبهذا الاعتذار الباهت (إن صحَّ التعبير)، والإقرار بجلالة قدر الإمام أبي حنيفة، مَهَّدَ الخطيب البغدادي لما ذكره بَعْدُ من جرح وتشنيع واتهامات للإمام أبي حنيفة، حتى يُلْقِي عن نفسه التبعة، إلا أن إطالته المملة في تقصي كل ما قيل في الإمام أحدثت ريبة عند الحنفية وغيرهم في صدق ما اعتذر به، حتى قال أبو المظفر الحنفي: "وأما قول الخطيب هذا فإنا إن شاء الله نُبَيِّنُ أن قصده خلاف ما ذكر من المعذرة، وإنما قصد الشناعة جرأة منه وافتراء". اهـ. [ملحق الجزء الثالث عشر من تاريخ بغداد (ص 51)]، وإنَّا لمُقتضى إحسان الظن نُحسن الظن به - رحمهم الله تعالى جميعًا .
    ثم أكمل الخطيب البغدادي الترجمة فذكر:
    -ما حُكي عن أبي حنيفة في الإيمان.
    -ذكر الروايات عمن حكي عن أبي حنيفة القول بخلق القرآن.
    -ذكر ما ُحكي عن أبي حنيفة من رأيه في الخروج على السلطان.
    -ذكر ما حُكي عنه من مستشنعات الألفاظ والأفعال.
    -ذكر ما قاله العلماء في ذم رأيه والتحذير منه إلى ما يتصل بذلك من أخباره.
    وسأنقل جملة مما ذكره يستدل بها على ما سواها، وقد سبق جملة منها فيما نقلناه من المجروحين لابن حبان أشرت إلى إخراج الخطيب لها في كتابه.
    1- عن شريك بن عبدالله قال: إن أبا حنيفة استُتِيبَ من الزندقة مرتين. [تاريخ بغدادي (13/ 391)].
    2- عن سفيان بن عُيينة قال: ما رأيت أجرأ على الله من أبي حنيفة، كان يضرب الأمثال لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيرده، بلغه أني أروي (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) -سبق تخريجه-. فجعل يقول: أرأيت إن كنا في سفينة، أرأيت إن كنا في سجن، أرأيت إن كنا في سفر، كيف يفترقان. [تاريخ بغداد (13/ 405)، وقد سبق العزو لتفصيل هذه المسألة عند الحنفية فلتُراجع (خيار المصراة في المذهب الحنفي)].
    3- عن وكيع قال: وجدنا أبا حنيفة خالف مائتي حديث. [المصدر السابق (13/ 407)].
    4- عن حماد بن سلمة قال: إن أبا حنيفة استقبل الآثار والسنن فردها برأيه. [المصدر السابق (13/ 408)].
    5- عن إبراهيم بن محمد الفزاري قال: كنا عند سفيان الثوري؛ إذ جاء نعي أبي حنيفة. فقال: الحمد لله الذي أراح المسلمين منه، لقد كان ينقض عُرى الإسلام عروة عروة، ما ولد في الإسلام مولود أشأم على أهل الإسلام منه. [المصدر السابق (13/ 418)].
    6- عن أبي مصعب الأصم قال: سُئِلَ مالك عن قول عمر في العراق: بها الداء العضال. قال: الهلكة في الدين ومنهم أبو حنيفة. [المصدر السابق (13/ 421) والخبر المشار إليه (أن بالعراق الداء العضال) أخرجه مالك في الموطأ بلاغًا (1792) أن عمر بن الخطاب أراد الخروج إلى العراق فقال له كعب الأحبار: لا تخرج إليها يا أمير المؤمنين، فإن بها تسعة أعشار السحر، وبها فسقة الجن، وبها الداء العضال. وذكر أبو الوليد الباجي تفسيره عن مالك في المنتقى شرح الموطأ (7/ 299) من طريق عبدالملك ابن حبيب قال: أخبرني مطرف: أنهم سألوا مالكًا عن تفسير الداء العطال في هذا الحديث، فقال: أبو حنيفة وأصحابه، وذلك أنه ضلل الناس بوجهين: بالإرجاء وبنقض السنن بالرأي!].
    7- عن إسحاق بن إبراهيم الحربي قال: سمعت أحمد بن حنبل وسئل عن مالك فقال: حديث صحيح ورأي ضعيف، وسئل عن الأوزاعي فقال: حديث ضعيف ورأي ضعيف، وسئل عن أبي حنيفة فقال: لا رأي ولا حديث. وسئل عن الشافعي فقال: حديث صحيح ورأي صحيح. [تاريخ بغداد (13/ 445)].
    هذا غيض من فيض وقطرة من بحر مما ذكره الخطيب من المثالب والطعون في أبي حنيفة فقد اجتهد -رحمه الله وغفر له- في جميع ما قيل فيه حتى استوعبه، بحيث يصدق وصفها بأنها مثالب أبي حنيفة، وليس ترجمة أبي حنيفة، وتأخير الخطيب حكاية جرح أبي حنيفة على حكاية مناقبه يدل على اعتماده لها، فقد نقل الذهبي بالسند إلى الخطيب أنه قال: "كل مَنْ ذكرتُ فيه أقاويل الناس من جرح أو تعديل فالتعويل على ما أخَّرْتُ". اهـ. [سير أعلام النبلاء (18/ 278)، وتذكرة الحفاظ (3/ 1139)].
    وقد استعدى بذلك الخطيب البغدادي أتباع الإمام أبي حنيفة وغيرهم من المنصفين للإمام من أهل المذاهب الأخرى، فصنفوا كتبًا في الرد عليه؛ منها:
    -((السهم المصيب في كبد الخطيب)) [!!!] للسلطان الملك أبي المظفر عيسى بن أبي بكر ابن أيوب الحنفي المتوفى سنة (624هـ)، طبع ضمن ذيول تاريخ بغداد.
    -((الانتصار لإمام أئمة الأمصار)) لسبط ابن الجوزي.
    -كما رد عليه أبو المؤيد الخوارزمي في مقدمة ((جامع المسانيد)).
    -((تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب)) للشيخ محمد زاهد الكوثري، وكان قد علق على الترجمة تعليقات مختصرة لطبعها بهامش الترجمة، فلما طبعت بتصرف وحذف صنف ((التأنيب)) لاستيفاء الرد على الخطيب، وقد تتبع فيه كل الأسانيد التي ذكرها الخطيب وتكلم عليها جرحًا وتعديلاً وتصحيحًا وإعلالاً، وهو جهد مشكور في الدفاع عن الإمام الأعظم، لولا ما شانه به مصنفه من التعصب الظاهر والتحامل على الأئمة، فوقع فيما أنكره على الخطيب البغدادي.
    كما وقع في أوهام وأغلاط في تعيين وتضعيف الرواة، مما دعا الشيخ القاضي (المحدّث) عبدالرحمن ابن يحيى المعلمي اليماني إلى الرد عليه، في كتاب سماه: ((التنكيل لما ورد في تأنيب الكوثري من الأباطيل))، تعقب فيه ما انتقده منكتاب تأنيب الخطيب، مما يتعلق بالكلام في أئمة السنة ورواتها، غير عامد إلى ذبٍّ عن الإمام أبي حنيفة ولا خلافه. [التنكيل (ص 3)].
    والعجب من الخطيب كيف عوَّل على هذه الأخبار، مع علمه باعتلال أسانيد كثير منها، ولكن من أسند لك فقد أحالك، والخطيب كان محدثًا شافعيًّا فلعل ذلك غلب عليه.
    وما أورده الخطيب في كتابه؛ بل وكل ما ورد في أبي حنيفة من جرح، يمكن تقسيمه إلى قسمين:
    الأول/ ما لم يثبت لضعف رواته، وهذا مردود اتفاقًا.
    الثاني/ ما ثبت، وهذا يجب اعتباره من الجرح غير المقبول؛ لأنه ناشئ إما عن حسد أو عداوة أو منافرة أو تعصب؛ فقد اتفق أهل العلم على عدم قبول الجرح إذا كان ناشئًا عن عداوة وعصبية، لا سيما فيمن اشتهرت عدالته واتُّفِقَ على إمامته.
    وقد عقد ابن عبدالبر بابًا في جامعه أورد فيه طائفة من أقوال العلماء بعضهم في بعض؛ ومنها ما ورد في أبي حنيفة، واعتبر ذلك كله من الجرح غير المقبول، فقال: "هذا باب قد غلط فيه كثير من الناس، وضلت به نابتة جاهلة لا تدري ما عليها في ذلك.
    والصحيح في هذا الباب: أن مَنْ صَحَّتْ عدالتُه، وثَبَتَتْ في العلم أمانتُه، وبَانَتْ ثقتُه وعنايتُه بالعلم، لم يُلتفت فيه إلى قول أحد، إلا أن يأتي في جرحته ببينة عادلة، تصح بها جرحتُه على طريق الشهادات والعملِ فيها، من المشاهدة والمعاينة لذلك بما يوجب قوله من جهة الفقه والنظر. وأما من لم تثبت إمامتُه ولا عُرفت عدالتُه، ولا صحت لعدم الحفظ والإتقان روايتُه، فإنه يُنظر فيه إلى ما اتفق أهل العلم عليه، ويُجتهد في قبول ما جاء به على حسب ما يؤدي النظر إليه.
    والدليل على أنه لا يُقبل فيمن اتخذه جمهور من جماهير المسلمين إمامًا في الدين قول أحد الطاعنينَ: إن السلف -رضي الله عنهم- قد سبق من بعضهم في بعض كلام كثير في حال الغضب ومنه ما حمل عليه الحسد، ومنه على جهة التأويل مما لا يلزم القول فيه ما قاله القائل فيه، وقد حمل بعضهم على بعض بالسيف تأويلاً واجتهادًا، لا يلزم تقليدهم في شيء منه دون برهان ولا حجة توجبه.
    ونحن نورد في هذا الباب من قول الأئمة الجلة الثقات السادة بعضهم في بعض مما يجب أن لا يُلتفت فيهم إليه ولا يُعرج عليه، ما يوضح لك صحة ما ذكرنا وبالله التوفيق". انتهى. [جامع بيان العلم وفضله (2/ 186)].
    ثم قال أبو عمر في آخر هذا الباب: "وقد جماع الناس فضائلهم وعنوا بسيرهم وأخبارهم فَمَنْ قرأ فضائل مالك وفضائل الشافعي وفضائل أبي حنيفة بعد الصحابة والتابعين وعُنِي بها، ووقف على كريم سيرهم وهديهم، كان ذلك له عملاً زاكيًا، نفعنا الله بحب جميعهم. قال الثوري: عند ذكر الصالحين تتنزل الرحمة.
    وَمَنْ لَمْ يَحْفَظْ من أخبارهم إلا ما بَدَر من بعضهم في بعض عليه الحسد والهفوات والشهوات دون أن يُعْنَى بفضائلهم، حُرم التوفيق ودخل في الغيبة وحاد عن الطريق، جعلنا الله وإياك ممن يسمع القول فيتبع أحسنه. وقد افتتحنا بقوله صلى الله عليه وسلم: (دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء)". اهـ. [جامع بيان العلم وفضله (2/ 199)، والحديث أخرجه الترمذي (2699)].
    ويقول الشيخ عبدالحي اللكنوي في الرفع والتكميل (ص 406): "الجرح إذا صدر من تعصب أو عداوة أو منافرة أو نحو ذلك فهو جرح مردود ولا يؤمن به إلا المطرود... ومن ثم قالوا: لا يقبل الجرح المعاصر على المعاصر أي إذا كان بلا حجة؛ لأن المعاصرة تفضي غالبًا إلى المنافرة". اهـ.
    وقال الحافظ الذهبي في ترجمة الحافظ أبي نُعيم أحمد بن عبدالله الأصفهاني [في ميزان الاعتدال (1/ 111)]: "كلام الأقران بعضهم في بعض لا يُعْبَأُ به، لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد وما ينجو منه إلا من عصمه الله، وما علمت أن عصرًا من الأعصار سلم أهله من ذلك سوى الأنبياء والصديقين، ولو شئت لسردت من ذلك كراريس، اللهم فلا تجعل في قلوبنا غِلاًّ للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم". انتهى.


    ***

    رَابِعًا: ثَنَاءُ جَمَاهِيرَ المُحَدِّثِينَ عَلَى الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ
    بعد أن عرضنا للموقف المتحامل على الإمام أبي حنيفة من قِبَل بعض المحدثين يحسُنُ بنا أن نعرض بعض عبارات الثناء عليه مما ذكره المحدثون المتأخرون، فقد اجتمعت كلمتهم على جلالته وعظيم قدره، ولو كان ذلك الطعنَ يُحرز عندهم أقل القبول لأشاروا إليه، ولكنهم أسقطوه بإغفاله والإعراض عنه؛ بل وصنفوا كتبًا كثيرةً في مناقبة وفضائله، ومنها:
    -((مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه أبي يوسف ومحمد)) للحافظ الذهبي.
    -((تنوير الصحيفة بمناقب الإمام أبي حنيفة)) للحافظ يوسف بن عبدالهادي [ذكره ونقل عنه ابن عابدين في حاشيته ((رد المحتار على الرد المختار)) (1/ 37)].
    -((تبييض الصحيفة في مناقب الإمام أبي حنيفة)) للحافظ السيوطي.
    -((عقود الجمان في مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان)) للحافظ محمد بن يوسف الصالحي.
    -((الخَيْرَات الحسَان في مناقب الإمام أبي حنيفة النعمان)) للمحدث ابن حجر المكي الهيتمي.
    -((تنوير بصائر المقلدين في الأئمة المجتهدين)) للمحدث مَرْعي بن يوسف الكَرْمي المقدسي.
    وكثيرٌ غيرُ هؤلاء من الأئمة الحُفَّاظ النُقَّاد ترجموا للإمام أبي حنيفة في كتبهم ترجمةً مستفيضة، وذكروا مناقبه وفضائله وإمامته؛ كالإمام المحدث الحافظ أبي سعيد السمعاني في كتابه ((الأنساب)) (6/64-66) -ط. المعلمي-، وكالإمام المحدث اللُّغوي ابن الأثير في آخر كتابه ((جامع الأصول في أحاديث الرسول)) (15/ 432-436)؛ وكالإمام المحدث الفقيه الربناي محيي الدين النووي في كتابه ((تهذيب الأسماء واللغات)) (2/ 216-223)؛ وكالإمام المحدث الناقد الحافظ المزي في كتابه ((تهذيب الكمال في أسماء الرجال)) (29/ 417-445) وأطال الترجمة أيَّما إطالة؛ وكالإمام المحدث الحافظ الناقد شمس الدين الذهبي في كتابه ((سير أعلام النبلاء)) (6/ 390-403)؛ وكالإمام المحدث الناقد الحافظ ابن كثير في كتابه ((البداية والنهاية))؛ وكالإمام الفقيه أمير المؤمنين في الحديث الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه ((تهذيب التهذيب)) (10/ 402).
    وإليك طائفة من أقوالهم في الثناء على أبي حنيفة نختم بها هذه الفقرة:
    قال الحافظ أبو سعد السمعاني الأنساب (6/ 64-66) ط. المعلمي: "أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، صاحب الرأي، وإمام أصحاب الرأي، وفقيه أهل العراق.
    ولد بالكوفة، ونقله أبو جعفر المنصور إلى بغدا، فسكنها إلى حين وفاته، وكلَّمه ابن هُبَيرة على أن يلي القضاء فأبى، فضربه مائة سوط وعشرة أسواط، كل يوم عشرة أسواط، فصبر وامتنع، فلما رأى ذلك خلى سبيله. واشتغل بطلب العلم وبالغ فيه، حتى صلى له ما لم يحصل لغيره.
    رأى أبو حنيفة في المنام أنه يَنْبُشُ قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل لمحمد بن سيري فقال: صاحب هذه الرؤيا رجل يُثَوِّرُ -أي يُخرج- علمًا لم يسبقه إليه أحد قبله.
    وكان مسعر بن كدام يقول: ما أحسد أحدًا بالكوفة إلا رجلين: أبا حنيفة في فقهه والحسن بن صالح في زهده.
    وقال مسعر أيضًا: من جعل أبا حنيفة بينه وبين الله، رجوت أن لا يخاف، ولا يكون فرط في الاحتياط لنفسه.
    وقال الفضيل بن عياض: كان أبو حنيفة رجلاً فقيهًا معروفًا بالفقه، مشهورًا بالورع واسع المال، معروفًا بالإفضال على كل من يطيف به، صبورًا على تعليم المتعلم بالليل والنهار، حسن الدين، كثير الصمت، قليل الكلام حتى ترد مسألة في حلال أو حرام، وكان يحسن يدل على الحق، هاربًا من مال السلطان، وإذا أوردت عليه مسألة فيها حديث صحيح اتبعه، وإن كان عن الصحابة والتابعين، وإلا قاس فأحسن القياس.
    وكانت ولادته بالكوفة سنة ثمانين، ومات في رجب سنة خمسين ومائة، ودفن بمقبرة الخَيْزُرَان ببا الطَّاق في بغداد، وصُلِّيَ عليه ست مرات من كثرة الزحام، آخرهم صلَّى عليه ابنُهُ حمَّاد، وغسَّله الحسَنُ بن عُمَارَة ورجل آخر. وزُرْتُ قبرَه غيرَ مرة". اهـ.
    وقال الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء (6/ 390-403): "أبو حنيفة الإمام فقيه الملة، عالم العراق، عُنِيَ بطلب الآثار وارتحل في ذلك، وأما الفقه والتدقيق في الرأي وغوامضه فإليه المنتهى، والناس عليه عيال في ذلك، طلب الحديث وأكثر منه في سنة مائة وبعدها.
    قال محمد بن سعد العوفي: سمعت يحيى بن معين يقول: كان أبو حنيفة ثقة، لا يحدث بالحديث إلا بما يحفظه ولا يحدث بما لا يحفظ. وقال صالح بن محمد: سمعت يحيى بن معين يقول: كان أبو حنيفة ثقة في الحديث. وروى أحمد بن محمد ابن القاسم بن محرز عن ابن معين: كان أبو حنيفة لا بأس به [قال ابن معين: إذا قلت لا بأس به فهو ثقة. راجع: قواعد في علوم الحديث (ص 250)]، ولقد ضربه ابن هُبَيرة على القضاء، فأبى أن يكون قاضيًا.
    وقال الشافعي: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة. قلت -القائل الذهبي-: الإمامة في الفقه ودقائقه مسلمة إلى هذا الإمام. وهذا أمر لا شك فيه.
    وسيرة الإمام أبي حنيفة تحتمل أن تُفرد في مجلدين". اهـ.
    وقال الحافظ الذهبي أيضًا في أول ((مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه أبي يوسف ومحمد بن الحسن)) (ص 7): "أما بعد فهذا كتاب في أخبار فقيه العصر، وعالم الوقت، أبي حنيفة، ذي الرتبة الشريفة، والنفس العفيفة، والدرجة المنيفة، النعمان بن ثابت مفتي أهل الكوفة.
    ولد رضي الله عنه وأرضاه، وأنفذ ما أوضحه من الدين الحنيفي وأمضاه، في سنة ثمانين، في خلافة عبدالملك بن مروان بالكوفة، وذلك في حياة جماعة الصحابة -رضي الله عنهم- وكان من التابعين لهم إن شاء الله بإحسان". انتهى.
    ثم عقد فصلاً في الاحتجاج بحديثه قال فيه:
    "اختلفوا في حديثه على قولين: فمنهم من قبله ورآه حجة،ومنهم من لينه لكثرة غلطه في الحديث ليس إلا. قال عليُّ بن المديني: قيل ليحيى بن سعيد القطان: كيف كان حديث أبي حنيفة؟ قال: لم يكن بصاحب حديث.
    قلت -القائل الذهبي-: لم يصرف الإمام همته لضبط الألفاظ والإسناد، وإنما كانت همته القرآن والفقه، وكذلك حال كل من أقبل على فن، فإنه يقصر عن غيره، وقال ابن معين: أبو حنيفة ثقة، وقال أبو داود: رَحِم الله مالكًا كان إمامًا، رَحِم الله أبا حنيفة كان إمامًا". اهـ. [مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه (ص 27، 28)].
    وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (10/ 123): "الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، فقيه العراق، وأحد أئمة الإسلام، والسادة الأعلام، وأحد أركان العلماء، وأحد الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبوعة، وهو أقدمهم وفاةً؛ لأنه أدرك عصر الصحابة، ورأى أنس بن مالك، وذكر بعضهم أنه روى عن سبعة من الصحابة فالله أعلم.
    قال يحيى بن معين: كان ثقة، وكان من أهل الصدق، ولم يتهم بالكذب، ولقد ضربه ابن هبيرة على القضاء، فأبى أن يكون قاضيًا، وقد كان يحيى بن سعيد القطان يختار قوله في الفتوى، وكان يحيى يقول: لا نكذب الله ما سمعت أحسن من رأي أبي حنيفة، وقد أخذنا بأكثر أقواله.
    وقال عبدالله بن مبارك: لولا أن الله أعانني بأبي حنيفة وسفيان الثوري لكنت كسائر الناس. وقال فيه مالك: رأيت رجلاً لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبًا لقام بحجته. وقال الشافعي: من أراد الفقه فهو عيال على أبي حنيفة.
    وقال عبدالله بن داود الخريبي: ينبغي للناس أن يدعوا في صلاتهم لأبي حنيفة لحفظه الفقه والسنن عليهم. وقال سفيان الثوري وابن المبارك: كان أبو حنيفة أفقه أهل الأرض في زمانه. وقال أبو نعيم: كان أبو حنيفة صاحب غوص في المسائل. وقال مكي ابن إبراهيم: كان أبو حنيفة أعلم أهل الأرض". اهـ.
    وقال الإمام ابن الأثير في آخر كتابه ((جامع الأصول في أحاديث الرسول)) (15/ 432-436) وقد ترجم فيه للإمام أبي حنيفة ترجمةً حافلةً فقال ما مختصره بحروفه: ولو ذهبنا إلى شرح مناقبه وفضائله لأطلنا الخطب، ولم نصل إلى الغرض منها، فإنه كان عالمًا عاملاً، زاهدًا عابدًا ورِعًا تقيًّا، إِمامًا في علوم الشريعة مرضيًّا.
    وقد نُسب إليه ونُقل عنه من الأقاويل المختلفة، التي يجل قدره عنها ويتنزه منها، من القول بخلق القرآن، القول بالقدر، والقول بالإرجاء، وغير ذلك مما نُسب إليه، ولا حاجة إلى ذكرها ولا إلى ذكر قائلها، والظاهر أنه كان منزهًا عنها.
    ويدل على صحة نزاهته عنها: ما نشر الله تعالى له من الذكر المنتشر في الآفاق، والعلم الذي طبق الأرض، والأخذ بمذهبه وفقهه، والرجوع إلى قوله وفعله، وإن ذلك لو لم يكن لله سبحانه وتعالى فيه سر خفي، ورضًا إلهي وَفَّقَهُ الله له، لما اجتمع شطر الإسلام أو ما يقاربه على تقليده والعمل برأيه ومذهبه، حتى قد عُبِدَ اللهُ سبحانه ودِينَ بفقهه، وعُمِلَ برأيه ومذهبه، وأُخِذَ بقوله إلى يومنا هذا، ما يقارب أربعمائة وخمسين سنة، وفي هذا أدل دليل على صحة مذهبه وعقيدته، وأن ما نُقل عنه هو منزه منه.
    وقد جمع أبو جعفر الطحاوي كتابًا سماه: ((عقيدة أبي حنيفة رحمه الله تعالى))، وهي عقيدة أهل السنة والجماعة، وليس فيها شيء مما نُسب إليه وقيل عنه، وأصحابه أخبر بحاله وبقوله من غيرهم؛ فالرجوع إلى ما نقلوه عنه أَوْلَى مما نقله غيرهم عنه، وقد ذكر أيضًا سبب قول من قال عنه ما قال، والحامل له على ما نَسبه إليه، ولا حاجة بنا إلى ذكر ما قالوه، فإن مثل أبي حنيفة ومحله في الإسلام، لا يحتاج إلى دليل يُعتذر به عما نُسب إليه". انتهى.

    ***

    خَامِسًا: مُلْحَقٌ هَامٌّ لِلْمَوضُوعِ

    أ- نقولات من كتاب ((قواعد في علوم الحديث)) للعلاّمة ظفر أحمد التهانوي:
    واقتصر هُنا على نقل فقرتين منه فقط لبيان سبب تأليفه بالأصل كتمهيدٍ للنقل منه، ثم أُكمل النقل منه في مشاركات قادمة إن شاء الله تعالى.
    1- من (ص 4) / مقدمة المحقق الشيخ عبدالفتاح أبوغدّة، في (سبب تأليف هذا الكتاب)..

    ((من حوالي منتصفِ هذا القرن، قامت في الهند نغمةٌ من بعض الناس المسمِّين أنفسَهم (أهلَ الحديث) ، زعموا فيها أن مذهب السادة الحنفية -الذي هو مذهب جمهور المسلمين في تلك البلاد الواسعة العريضة-: يُخالِفُ الأحاديث النبوية في كثير من مسائله، كما زعموا أيضًا أن الحنفية يقدمون القياس على الحديث، كما أنكروا أيضًا تقليد الأئمة المتبوعين، وأطالوا لسانهم في جَنْب فقه الحنفية والإمام أبي حنيفة بوجه خاص.
    فتصدّى لردّ هذه المزاعم الزائفةِ فُحولُ العلماء في تلك الديار، وأبطلوا هذه الدعوى بالتآليف الكثيرة المحقَّقة، وبيّنوا فيها استنادَ الحنفية في فقههم إلى الأحاديث، وأنهم يقدمون الحديث -حتى الحديث الضعيف- على القياس، وأن القياس بشروطه: من الأدلة الشرعية التي يجب العمل بها، وأن الحنفية لا ينقصون استدلالاً بالسنة وتمسكًا بها عن غيرهم من الأئمة، إن لم يكونوا أقوى من سواهم.
    وكان من خيار ما ألّفوه -شكر الله صنيعَهم- لهذه الغاية: هذا الكتابُ الذي ألّفه شيخنا حفظه الله تعالى في سنة 1344 ، أي من نحو نصف قرن ... وجعَلَه مقدمةً لكتابه النافع العُجَاب الكبير: ((إعلاء السنن)) ، البالغ بمُقَدّمَتَيْه عشرين جزءًا، تبلغ من مثل صفحات كتابنا هذا أكثر من خمسة آلاف صفحة، وقد رَتّبه على أبواب الفقه، واستوفى فيه أدلة كل من الأبواب على مذهب السادة الحنفية، من باب الطهارة إلى ختام الأبواب.
    والمقدّمتان إحداهما في علوم الحديث وهي هذه، والثانية في مباحث الاجتهاد والتقليد والتلفيق وإثبات العمل بالقياس، وما إلى ذلك من أبحاث الفقه والأصول، وسَمّى كلاً من المقدّمتين: ((إنهاء السَّكَن إلى من يطالع إعلاء السنن)) ، وجعل هذه: الجزء الأول، والمقدمة الفقهية: الجزء الثاني ، وهي في مجلد كبير، وفيها نفائس الغوالي)).
    2- وفي (ص 18) / أول كتاب (قواعد في علوم الحديث)..
    ((أَما بعدُ فإِنَّ أَولَى ما صُرِفَتْ فيه نفائس الأَيام، وأَعلى ما خُصَّ بمزيد الاهتمام: الاشتغالُ بالعلوم الشرعية، المتلقَّاةِ عن خير البرية. ولا يرتابُ عاقل في أَن مدارها على كتاب الله المقتفَى، وسُنَّة نبيه المصطفى، وأَنَّ باقي العلوم إِما آلات لفهمها، وهما الضالَّة المطلوبة، أَو أَجنبية عنهما وهي الضارَّة المغلوبة.
    وكان من فِتَن هذا الزمان سَعْيُ بعض المتشددين في إِماتة السنن التي هي أُصول لفروع الإِمام أَبي حنيفة النعمان، وأَطالوا أَلسنتهم فيه بالطعن والفتراءِ والبهتان، وفي مذهبه بأَن لا دليل له ولا برهان من السنة الصحيحة والقرآن، وأَيمُ الله إِنَّ هذه فِرية بلا مِرية، ودعوى لا أَساس لها ولا بُنْية.
    فمسَّت الحاجةُ إِلى إِقامة الدلائل الحديثيَّة، على مُهماتِ الفروع من مذهب السادة الحنفية،...
    وإذا علمتَ ذلك تنكشفُ لك حقيقةُ طعنِ الطاعنين على معشرنا الحنفية، بأَنهم يحتجون بالشعاف في زعمهم، وأَنَّ منشأَه الغفلةُ عن أُصولهم والجهلُ بقواعدهم، فرُبَّ ضعيف عند المحدثين صحيحٌ عند غيرهم وكذا بالعكس)).
    وسيأتي النقل منه بعدُ.

    ب- نقولات من كتاب ((الرفع والتكميل في الجرح والتعديل)) للعلاّمة عبدالحي اللكنوي:
    وسيأتيكم أيضًا النقل منه لاحقًا إن شاء الله.

    ***

    فلي عودة بمشيئة الله تعالى لطرح النقولات المُشار إليها أعلاه.
    أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.
    وجزاكم الله خيرًا.
    والله أعلم.


  2. #16
    :: نـشـيــط ::
    تاريخ التسجيل
    Sep 2012
    الدولة
    مصر
    المدينة
    القاهرة
    المؤهل
    طالب بكالوريوس
    التخصص
    طالب جامعي
    المشاركات
    686
    شكر الله لكم
    4,371
    تم شكره 892 مرة في 426 مشاركة

    افتراضي رد: مَوْقِفُ المُحَدِّثِينَ مِن الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَة.. (دِراسةٌ مُنصِفة!)

     اقتباس: المشاركة الأصلية كتبت بواسطة حسام الدين بن رامي السعراتي مشاهدة المشاركة
    كفيت ووفيت وأجرى الله الخير بين يديك ..
    آمين، وإيَّاك.

  3. #17
    :: نـشـيــط ::
    تاريخ التسجيل
    Sep 2012
    الدولة
    مصر
    المدينة
    القاهرة
    المؤهل
    طالب بكالوريوس
    التخصص
    طالب جامعي
    المشاركات
    686
    شكر الله لكم
    4,371
    تم شكره 892 مرة في 426 مشاركة

    افتراضي رد: مَوْقِفُ المُحَدِّثِينَ مِن الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَة.. (دِراسةٌ مُنصِفة!)

    يأتيكم النقل من كتاب ((الرفع والتكميل في الجرح والتعديل)) قريبًا إن شاء الله تعالى.

    والله الموفق.

  4. الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ عمرو بن الحسن المصري على هذه المشاركة:


  5. #18
    :: نـشـيــط ::
    تاريخ التسجيل
    Sep 2012
    الدولة
    مصر
    المدينة
    القاهرة
    المؤهل
    طالب بكالوريوس
    التخصص
    طالب جامعي
    المشاركات
    686
    شكر الله لكم
    4,371
    تم شكره 892 مرة في 426 مشاركة

    افتراضي رد: مَوْقِفُ المُحَدِّثِينَ مِن الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَة.. (دِراسةٌ مُنصِفة!)

     اقتباس: المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عمرو بن الحسن المصري مشاهدة المشاركة
    ...
    (محتوى الدِراسَة)
    ...
    ثم أتبعتُ بعدَ هذا كله نقولًا مطولة مستفيضة، كملحق للموضوع في مشاركات تالية، إتمامًا للفائدة وحتى يكون جامعًا، استفدتها من كتابَيْ: ((قواعد في علوم الحديث)) -للعلاّمة ظفر أحمد التهانوي الحنفي رحمه الله، مع تعليقات الشيخ أبو غدّة-، و((الرَّفع والتكميل في الجرح والتعديل)) -للعلاّمة اللكنوي رحمه الله، مع تعليقات الشيخ عبدالفتاح أيضًا-.
    نسأل الله التوفيق والسداد،،
    ...

    ***

    خَامِسًا: مُلْحَقٌ هَامٌّ لِلْمَوضُوعِ

    ...

    ب- نقولات من كتاب ((الرفع والتكميل في الجرح والتعديل)) للعلاّمة عبدالحي اللكنوي:
    وسيأتيكم أيضًا النقل منه لاحقًا إن شاء الله.

    ***
    1- من (ص 66-67) / عيبُ الذهبي لصنيع ابن الجوزي في ((الضعفاء)) لذكره فيه الجرح دون التوثيق، وتنديد المؤلف بعادات علماء عصره إذ ينقلون تضعيف الراوي دون تعديله، وعيبه عادتهم إذ يذكرون في تراجم الفضلاء المثالث والمعايب..
    ((وقال الذهبي في ((ميزانه)) في ترجمة (أبانِ بن يزيد العطار) (1/ 9): "قد أورده أيضًا العلامة ابن الجوزي في ((الضعفاء)) ولم يَذكر فيه أقوالَ من وثَّقه، وهذا من عيوب كتابه: يَسرُدُ الجَرْحَ ويسكت عن التوثيق". انتهى [ وقال أيضاً في ((الميزان)) (2/ 660) في ترجمة (عبدالملك بن عُمَير اللخمي): "وأما ابن الجوزي فذكره فحكى الجرح، وما ذكر التوثيق!". ].
    قلت: هذه النصوص لعلها لم تقرع صماخَ أفاضل عصرنا وأماثل دهرنا؟ فإن شِيمتهم أنهم حين قصدِهم بيان ضعف روايةٍ، ينقلون من كتب الجرح والتعديل الجرح دون التعديل، فيقعون العوامَ في المَغْلَطَة، لظنهم أن هذا الراوي عارٍ عن تعديل الأجلَّة. والواجبُ عليهم أن ينقلوا الجرح والتعديل كليهما، ثم يُرجِّحوا -سبما يلوح لهم- أَحدَهما. ولَعَمْري تلك شيمة مُحرَّمة، وخَصلة مخرِّمَة.
    [قول ابن سيرين: ظلمٌ لأخيك أن تَذكر منه أسوأ ما تعلم وتكتم خيرَه]..
    [قال التابعي الجليل محمد بن سيرين: ظُلْمٌ لأخيك أن تذكرَ منه أسوأ ما تعلم، وتكتمَ خَيْرَه. كما في ((البداية والنهاية)) لابن كثير (9/ 275). ورواه الخطيب في ((الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع)) بلفظ: "ظَلمتَ أخاك إذا ذكرتَ مَساوِءَه ولم تَذكر مَحاسِنَه". ]
    [تقعيدُ ابن المبارك قاعدةً في ذكر المحاسن أو المساوئ للرجل، وذكر اتِّفاق أهل العلم عليها]..
    [وقد قعَّد الإِمام عبدالله بن المبارك قاعدةً في هذا الباب، ما أجملَها من قاعدة، وما أحسنَها من سلوكٍ، قال الحافظ الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (1/ 276)، في ترجمة (ابن المبارك): "قال عبدانُ: قال ابنُ المبارك: إذا غلَبَتْ محاسنُ الرجل -على المساوي- لم تُذكَر المساوي، وإذا غلَبَتْ المساوي على المحاسن لم تُذكَر المحاسن". وهذا المعنى تواردَتْ عليه أقوالُ الأئمة الكبار، قال سعيد بن المسيَّب: ليس من شريفٍ ولا عالمٍ ولا ذي سُلطان إلا وفيه عيبٌ لا بُدّ، ولكن من الناس من لا تُذكَر عيوبُه، من كان فضلُه أكثرَ من نقصِه وُهِب نقصُه لفضلِه. وقال الشافعيُّ: إذا كان الأغلبُ الطاعةَ فهو المعدَّل، وإذا كان الأغلبُ المعصيةَ فهو المجرَّح. رواهما الخطيب في ((الكفاية)) (ص 79).
    وروى الخطيب أيضًا في ((الجامع لأخلاق الراوي وآداب السماع)) (2/ 260) عن الشعبي قال: كانت العرب تقول: إذا كانت محاسنُ الرجل تَغِلبُ مساوِءَهُ فذلكم الرجلُ الكامل، وإذا كانا متقارِبَيْنِ فذلكم المتمَاسِك، وإذا كانت المساوئُ أكثرَ من المحاسنِ فذلكم المتهتِّك. ]
    ومن عادتهم السيئة أيضاً: أنهم كلَّما ألَّفوا سِفرًا في تراجم الفضلاء، ملأوه بما يستنكف عنه النبلاء، فذكروا فيه المعايب والمثالب، في ترجمة من هو عندهم من المجروحين المقبوحين، وإن كان جامعًا للمفاخر والمناقب. وهذا من أعظم المصائب، تفصد به ظنون العوام، وتسري به الأوهام في الأعلام.
    .. وقد نبّهتُ على قبح هذه العادات، بأوضح الحجج والبيانات، في رسالتي ((تذكرة الراشد برد تبصرة الناقد)). )).


    2- وفي (ص 69-70) / قول صاحب ((فواتح الرحموت)) لا بد للمزكي أن يكون عدلاً عارفًا، ونقدُه قول الدارقطني: أبو حنيفة ضعيفٌ في الحديث، ونقده أيضًا مزاعمَ الطاعنين في الإمام أبي حنيفة زعمًا زعمًا..
    ((وفي ((فواتح الرحموت شرح مسلَّم الثبوت)) [لعبدالعلي بن ملاّ اللكنوي -رحمه الله-، المتوفى سنة 1225] (2/ 154): "لا بد للمزكِّي أن يكون عدلاً عارفًا بأسباب الجرح والتعديل، وأن يكون منصفًا ناصحًا، لا أن يكون متعصبًا ومُعجَبًا بنفسه؛ فإنه لا اعتداد بقول المتعصب، كما قَدَح الدارقطنيُّ في الإِمام الهُمام أبي حنيفة رضي الله عنه بأنه ضعيف في الحديث [زَعَمَ ذلك الدارقطني في ((سننه)) في (باب ذكر قوله صلى الله عليه وسلم: من كان له إمام فقراءة الإِمام له قراءة واختلاف الروايات في ذلك) (1/ 123). _كلام عبدالفتاح_ وتعصُّبُ الدارقطني على الإِمام أبي حنيفة معروف، وتعصُّبُه لمذهب الإمام الشافعي مكشوف، نصَّ على ذلك غيرُ واحدٍ من العلماء. وقد استوفى العلامة الناقد المحقق الشيخ محمد عبدالرشيد النعماني الهندي، نقضَ زعم الدارقطني في الإِمام أبي حنيفة أفضلَ استيفاء، وكشفَ عن تعصبه لمذهب الشافعي بجلاء وبرهان، في تعليقه النفيس على كتاب ((ذَبّ ذُبَابات الدراسات، عن المذاهب الأربعة المتناسبات)) للعلامة الشيخ عبداللطيف السِّنْدي (284-297)، فانظره لزامًا. وانظر أيضًا تعليق العلامة المحدث عبدالعزيز الفنجابي على ((نصب الراية)) للزيلعي (3/ 7-9). وانظر ما يأتي تعليقًا في (ص 78) عن ابن عبدالهادي الحنبلي في الدارقطني] . وأيُّ شناعةٍ فوق هذا؟! فإنه إمامٌ وَرِعٌ تقيّ نَقِيّ خائفٌ من الله، وله كرامات شهيرة، فبأيِّ شيء تطرَّق إليه الضعف؟!
    فتارة يقولون: إِنه كان مشتغلاً بالفقه. انظر بالإِنصاف أيُّ قبحٍ فيما قالوا؟! بل الفقيهُ أولى بأن يؤخذ الحديث منه [انظر مصداق هذا هذا في الباب الذي عقده الإِمام ابن أبي حاتم الرازي في كتابه ((الجرح والتعديل)) (1/ 25-27)، وفيه: "كان حديثُ الفقهاء أحبَّ إليهم من حديث المشيخة". وجاء في ((منهاج السنة النبوية)) لشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى (4/ 115) "قال أحمد بن حنبل: معرفةُ الحديثِ، والفقهُ فيه: أحبُّ إليَّ من حفظه. وقال علي بن المديني: أشرفُ العلم: الفقهُ في متون الأحاديث، ومعرفةُ أحوال الرواة" انتهى. وفي ((تدريب الراوي)) للسيوطي (ص 8) ما يلي: "وقال ال‘مش: حديثٌ يتداوله الفقهاء، خيرٌ من حديث يتداوله الشيوخ. ولامَ إنسانٌ أحمدَ بن حنبل في حضوره مجلسَ الشافعي، وتركِهِ مجلسَ سفيان بن عُيَينة، فقال له أحمد: اسكُتْ، فإن فاتك حديثٌ بَعُلُوٍّ تجده بنُزُولٍ ولا يَضرُّك، وإن فاتك عقلُ هذا الفتى، أخافُ أن لا تجدَه" انتهى. وقد أوعَبَ الكلامَ في هذا المعنى الحافظُ الخطيب البغدادي في رسالته ((نصيحة أهل الحديث)) (ص 30-34)، وذكره في آخر ((الكفاية في علم الرواية)) (ص 436)، وذكره الحاكم في ((معرفة علوم الحديث)) (ص 11) . (وفي ذلك يُنظر: (تَحْرِيرُ مَسْأَلَةِ ’’الْتَرْجِيحُ بِفِقْهِ الرَّاوِي‘‘ .. عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ،،))].
    وتارة يقولون: إنه لم يُلاق أئمة الحديث إِنما أَخَذ ما أَخَذ من حَمَّاد. وهذا أيضًا باطل، فإنه رَوَى عن كثير من الأئمة كالإِمام محمد الباقر والأعمش وغيرهما. مع أن حمَّادًا كان وِعاءً للعلم، فالأخذُ منه أغناه عن الأخذ عن غيره. وهذا أيضًا آيةٌ على وَرَعه وكمالِ تقواه وعلمِه، فإنه لم يُكثر الأَساتذةَ لئلا تتكثَّر الحقوقُ، فيَخاف عجزَه عن إِفائها.
    وتارة يقولون: إِنه كان من أصحاب القياس والرأي [قال الكوثري رحمه الله تعالى في كتاب (( فقه أهل العراق وحديثهم)) (ص 15-21) وهو تقدمة ((نصب الراية)):
    [بيان معنى الرأي، وأنه ليس كلُّه مذمومًا، وأخذُ الأئمة الكبار به. فقهاء الصحابة والتابعين حُفِظت عنهم الفتوى بالرأي والقياس]..
    "وردت في الرأي آثار تذمه، وآثار تمدحه، والمذموم: هو الرأي عن هوى، والممدوح هو استنباط حكم النازلة من النص، على طريقة فقهاء الصحابة والتابعين وتابعيهم بردِّ النظير إلى نظيره في الكتاب والسنة، وقد خرَّج الخطيبُ غالب تلك الآثار في ((الفقيه والمتفقه)) (1/ 178-216)، وكذا ابن عبدالبر في ((جامع بيان العلم)) -فقد عَقد فيه (باب اجتهاد الرأي على الأصول عند عدم النصوص) (2/ 55-63)، وساق فيه الأحاديث والآثار الداعية إلى العمل بالرأي عند فقد النص، ثم ساق أسماء طوائف من علماء التابعين من مختلف الأمصار حُفظتْ عنهم الفتوى بالرأي والقياس-. مع بيان موارد تلك الآثار.
    والقولُ المحتم في ذلك: إن فقهاء الصحابة والتابعين وتابعيهم جَرَوْا على القول بالرأي بالمعنى الذي سبق، أعني استنباط حكم النازلة من النص، وهذا من الإِجماعات التي لا سبيل إلى إنكارها... فالرأيُ بهذا المعنى وصفٌ مادح يوصف به كل فقيه، ينبيء عن دقةِ الفقهم وكمالِ الغوص، ولذلك تجد ابنَ قتيبة يذكر في كتاب ((المعارف)) الفقهاءَ بعنوان (أصحاب الرأي)، ويَعُدُّ فيهم الأوزاعي وسفيانَ الثوري ومالك بن أنس رضي الله عنهم.
    وكذلك تجد الحافظَ محمدَ بن الحارث الخُشَني يذكر أصحاب مالك في كتاب ((قضاة قرطبة)) باسم (أصحاب الرأي)، وهكذا يفعل أيضًا الحافظُ أبو الوليد الفرضي في كتاب ((تاريخ علماء الأندلس))، وكذلك الحافظ أبو الوليد الباجي في ((المنتقى)): شرحه على ((الموطأ)) (7/ 300) والحافظ ابن عبدالبر أيضًا -حتى إنه حينما شَرَح كتاب الموطأ سمَّاه ((الاستذكار لمذاهب علماء الأمصار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار))-
    [تخطئة تنزيل الآثار الواردة في ذم الرأي عن هوى، في الرأي المشروع]..
    وبهذا يتبين أن تنزيل الآثار الواردة في ذم الرأي عن هوى، في فقه الفقهاء وفي رَدِّهم النوازل -التي لا تنتهي إلى انتهاء تاريخ البشر- إلى المنصوص في كتاب الله وسنة رسوله: إنما هو هوًى بشعٌ تنبذه حُجَج الشرع.
    [تخصيصُ الحنفية بأصحاب الرأي لا يصح إلا بمعنى البراعة في الاستنباط]..
    وأما تخصيص الحنفية بهذا الاسم فلا يصح إلا بمعنى البراعة البالغة في الاستنباط، فالفقهُ حيثما كان يصحبه الرأي، سواء كان في المدينة أو في العراق. وطوائف الفقهاء كلهم إنما يختلفون في شروط الاجتهاد بما لاح لهم من الدليل، وهم متفقون في الأخذ بالكتاب والسنة والإجماع والقياس، ولا يقتصرون على واحد منها...
    [دفاع الطوفي الحنبلي عن الرأي وعن أبي حنيفة ممّا رماه به أعداؤه]..
    قال سليمان بن عبدالقوي الطوفي الحنبلي في ((شرح مختصر الروضة)) في أصول الحنابلة: "واعلم أن أصحاب الرأي بحسب الإِضافة هم كل من تصرَّف في الأحكام بالرأي، فيتناول جميعَ علماء الإِسلام، لأن كل واحدٍ من المجتهدين لا يستغنى في اجتهاده عن نظر ورأي، ولو بتحقيق المناط وتنقيحهِ الذي لا نزاع في صحته.
    وأما بحسب العَلَمية فهو في عرف السلف من الرواة بعد محنة خلق القرآن: عَلَمْ على أهل العراق، وهم أهل الكوفة أبو حنيفة ومن تابعه منهم... وبالغَ بعضُهم في التشنيع عليه... وإني واللهِ لا أرى إلا عصمتَهُ مما قالوه، وتنزيهَهُ عما إليه نسبوه".
    وجملةُ القول فيه: أنه قطعًا لم يُخالِف السنة عنادًا، وإنما خالفَ فيما خالف منها اجتهادًا، بحُجَج واضحة، ودلائلَ صالحة لائحة، وحُجَجُه بين أيدي الناس موجودة، وقلَّ أن يَنتصف منها مخالفوه، وله بتقدير الخطأ أجر، وبتقدير الإِصابة أجران، والطعنون عليه إما حُسّاد، أو جاهلون بمواقع الاجتهاد، وآخرُ ما صح عن الإِمام أحمد رضي الله عنه إحسانُ القول فيه والثناءُ عليه، ذكرة أبو الورد من أصحابنا في كتاب (((أصول الدين))". انتهى مختصرًا. من كتاب ((فقه أهل العراق وحديثهم)).
    وانظره لزامًا ففيه من الفوائد والتحقيقات النادرة ما لا تجده في كتاب آخر... وانظر لزامًا أيضًا ما كتبه شيخنا الكوثري رحمه الله تعالى، في ((تأنيب الخطيب)) (ص 105-106)، في بيان من عَمِلَ بالرأي من الأئمة الفقهاء، وخاصةً أئمة السادة المالكية رضي الله عنهم وعن سائر أئمة الدين. ]،
    [نقد دعوى ابن عدي وابن خلدون أنَّ أبا حنيفة لم يرو إلا ثلاَ مئة حديث، أو ما بَلَغَتْ روايتهُ إلا سبعةَ عشر حديثًا، وذكرُ أن مسانيد أبي حنيفة تزيد على سبعة عشر مسندًا، واستيفاءُ اللكنوي لنقض هذه الدعوي]..
    وكان لا يعمل بالحديث [مِثلُ هذه الدعوى الباطلة: دعوى ابنِ عدي أن الإِمام أبا حنيفة لم يَرو إلا ثلاث مئة حديث، ودعوى ابن خلدون في ((مقدمته)) إذ قال فيها عن أبي حنيفة: "يقال إنه إنما بلغت روايته إلى سبعة عشر حديثًا أو نحوها إلى خمسين". كما في النسخة المخطوطة المحفوظة بالأستانة، وقد صححها المؤلف بخط يده، وتوجد نسخة مصورة عنها بدار الكتب المصرية. وجاء في المقدمة المطبوعة بمطبعة بولا ص 217 وغيرَهما من الطبعات: "ويقال: بلغت روايته إلى سبعة حديثًا أو نحوِها"!!
    في حين أن مسانيد أبي حنيفة تزيد على سبعة عشر مسندًا، كما في ((تأنيب الخطيب)) للكوثري ص 156 وغيره.. وقد استوفى المؤلفُ الإِمام اللكنوي رحمه الله تعالى إبطالَ دعوى ابن خلدون في مقدمة كتابه ((عمدة الرعاية في حل شرح الوقاية)) (1/ 34-37)، وفي كتابه ((تذكرة الراشد)) (ص 223-228) أفضل استيفاء فانظرهما. وانظر معهما لزامًا ما علقه شيخنا الكوثري رحمه الله تعالى على ((شروط الأئمة الخمسة)) للحازمي (ص 50). ] ، حتى وضع أبو بكر ابن أبي شيبة في كتابه للرد عليه [في كتابه المعروف بـ((المصنَّف)).. والباب المشارة إليه هو في آخره]، ترجَمةُ: (باب الرد على أبي حنيفة) [سَعَى بعض الحانقين على مذهب الإمام أبي حنيفة بنشر هذا الباب خاصة من ((مصنف ابن أبي شيبة)) وطُبع في الهند بقصد التهويش على علماء المذهب الحنفي هناك، إذ المذهب الحنفي مذهب جمهور المسلمين في تلك البلاد الواسعة.
    فنهض شيخنا العلامة الكوثري، وكيل شيخ الإسلام في الدولة العثمانية رحمه الله تعالى، وألف شرحًا حافلاً لتلك المسائل التي أوردها ابن أبي شيبة، وهي (125) مسألة من أمهات المسائل الاجتهادية، ادعى ابنُ أبي شيبة مخالفةِ أبي حنيفة فيها لأحاديثَ صحيحة، فأورد شيخنا أدلة الإِمام أبي حنيفة فيه، وبيَّن من وافق أبا حنيفة عليها من الأئمة الأعلام، واستوفى الكلام على كل مسألة منها في كتابٍ بلغ قُرابة ثلاثمائة صفحة، سماه ((النُّكت الطريفة في التحديث عن ردود ابن أبي شيبة على أبي حنيفة)). وطُبع هذا الكتاب الحافل الجليل في مصر سنة 1365 .
    وكان هذا الكتابُ بحقٍ مفخرة من مفاخر العلم، لما حواه من المحاكمات البارعة على طريقة المحدثين الفقهاء النقاد، حتى قال فيه وفي كتابه الآخر ((تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب)) شيخنا آخرُ شيوخ الإِسلام على الدولة العثمانية الشيخ مصطفى صبري رحمه الله تعالى، في كتابه الفريد العُجَاب ((موقف العقل والعلم والعالَم من رب العالمين وعبادة المرسلين)) (3/ 393): "هما الكتابان الجديران بأن تُباهي بهما معاهدُ الفاتح بدار الخلافة السابقة معاهدَ الأزهر بمصر الأخيرة، حيث كان مؤلف هذين الكتابين الجليلين خريجَ معاهد الآستانة، ثم مدرِّسَ طبقات الفقهاء والمحدثين بها، إلى أن ألغى مصطفى كمال تلك المعاهد!! وهاجر المؤلف إلى مصر"].
    وهذا أيضًا من التعصب! كيف وقد قَبِلَ المراسيل؟!
    [قبول الإمام أبي حنيفة المراسيل، تمسكًا بالسنة ورفضُه تخصيصَ خبر الآحاد العامَّ بالقياس، ورفضُه العمل بالإخالة والمصالح المرسلة]..[دفاع الإمام ابن تيمية عن أبي حنيفة وقولُه: إنه يقدِّم الحديثَ الضعيف على القياس، وذكرُه نماذج من ذلك]..
    [قال (شيخ الإسلام) الإِمام ابن تيمية الحنبلي رحمه الله تعالى، في ((مجموع الفتاوى)) (20/ 304): "ومن ظَنَّ بأبي حنيفة أو غيره من أئمة المسلمين، أنهم يتعمدون مخالفة الحديث الصحيح لقياس أو غيره، فقد أخطأ عليهم، وتكلَّم إما بظن وإما بهوى، فهذا أبو حنيفة يعمل بحديث التوضي بالنبيذ في السفر مع مخالفته للقياس، وبحديث القهقهة في الصلاة مع مخالفته للقياس، لاعتقاده صحتهما، وإن كان أئمة الحديث لم يصححوهما".
    [قول الإمام ابن القيم: أصحابُ أبي حنيفة مجمعون على أن ضعيف الحديث عنده أولى من القياسِ والرأي، وذكرُهُ خمسة شواهد قدَّم فيها الحديثَ الضعيف على الرأي]..
    وقال تلميذُه الشيخ ابن القيم الحنبلي رحمه الله تعالى في (إعلام الموقعين)) (1/ 77): "وأصحاب أبي حنيفة رحمه الله مجمعون على أن مذهب أبي حنيفة أن ضعيف الحديث عنده أولى من القياس والرأي، وعلى ذلك بنى مذهبه، كما قدَّم حديثَ القهقهة -مع ضعفه- على القياس والرأي، وقدَّم حديث الوضوء بنبيذ التمر في السفر -مع ضعفه- على الرأي والقياس، ومَنَع قطع السارق بسرقةِ أقلّ من عشرة دراهم، والحديث فيه ضعف، وشَرَط في إقامة الجمعة المصر، والحديث فيه كذلك، وتَرَك القياس المحض في مسائل الآبار، لآثار فيها غير مرفوعة. فتقديمُ الحديثِ الضعيف وآثارِ الصحابة على القياس والرأي قولُه وقولُ الإِمام أحمد". انتهى. وكأن ابن القيم أخذ هذا من كلام الحافظ القرشي في ((الجواهر المضيَّة في طبقات الحنفية)) (2/ 427)، فقد صَرَّح فيها بذلك مع الأمثلة.
    [قول ابن حزم: جميعُ أصحاب أبي حنيفة مجمعون على أنَّ مذهبه ضعيفُ الحديث أولى عنده من القياسِ والرأي]..
    وقال ابن حزم: "جميع أصحاب أبي حنيفة مجمعون على أن مذهب أبي حنيفة أن ضعيف الحديث أولى عنده من القياس والرأي" كما ذكره في كتابه ((مُلَخَّص إيطال الرأي والقياس والاستحسان..." (ص 68)، وكتابه ((الإِحكام في أصول الأحكام)) (7/ 54). وكما نقله عنه الذهبي في كتابه ((تاريخ الإسلام)) (6/ 139)، وفي ترجمة الإِمام أبي حنيفة، وفي الجزء الذي ألفه في ((مناقب الإِمام أبي حنيفة)) (ص 21)، وطُبع بمصر سنة 1367 مع جزئيه أيضًا في مناقب الإِمام أبي يوسف والإِمام محمد بن الحسن رحمهم الله تعالى.
    [قول ابن حجر: ترَك أبو حنيفة القياسَ الجلي لأحاديث ضعيفة ذكرها]..
    وقال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) (4/ 305)، في (باب النهي للبائع أن لا يُحفِّل...) من كتاب البيوع: "وقد ترك أبو حنيفة القياسَ الجَلِيَّ، لرواية أبي هريرة وأمثالِه، كما في الوضوء بنبيذ التمر، ومن القهقهة في الصلاة، وغيرِ ذلك".
    [قول الشبخ ابن تيمية: قولنا الحديث الضعيف خير من الرأي، المرادُ به الحديثُ الحَسَنُ..]..
    ومما ينبغي ذكره هنا ما قاله الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى في ((منهاج السنة النبوية)) (2/ 191): "قولنا إن الحديث الضعيف خير من الرأي، ليس المراد به الضعيفَ المتروك، لكن المراد به الحسَنُ، كحديثِ عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وحديث إبراهيم الهَجَري، وأمثالهما ممن يحسِّنُ الترمذي حديثَه أو يصححه.
    وكان الحديث في اصطلاح مَنْ قبل الترمذي: إما صحيحًا، وإما ضعيف؟ً؟ا. والضعيف نوعان: ضعيف متروك، وضعيف ليس بمتروك. فتكلَّم أئمة الحديث بذلك الاصطلاح، فجاء من لا يعرف إلا اصطلاح الترمذي فسمع قول بعض الأئمة: (الحديثُ الضعيف أحبُّ إلىَّ من القياس). فظَنَّ أنه يَحتَجُّ بالحديث الذي يضعفه مثل الترمذي. وأخذ يرجّحُ طريقة من يرى أنه أتبع للحديث الصحيح، وهو في ذلك من المتناقضين الذي يرجحون الشيء على ما هو أولى بالرجحان منه إن لم يكن دونه". انتهى.
    وانظر للاستزادة والاستيفاء في هذا الموضوع ما علقته على ((الأجوبة الفاضلة للأسئلة العشرة الكاملة)) للمؤلف اللكنوي رحمه الله تعالى (ً 47-49).
    هذا، وقد بَحَثَ بعضُ أصحابي، وهو الأستاذ الشيخ محمد عَوَّامة، بحثًَا جيدًا في دعوى الحافظ الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى، من أن المراد بالضعيف في كلام الإِمام أحمد هو الحديث الحس، وأدرجتُ بحثه هذا فيما علَّقته على كتاب ((قواعد في علوم الحديث)) لشيخنا المحقق التهانوي رحمه الله تعالى، (ص 100-108)، فانظره لزامًا ففيه الفوائد.
    _روابط في ذلك: (الرابط الأول)، (الرابط الثاني). ].
    [ردُّ الإمام الشافعي المراسيلَ، وتخصيصُه عامَّ الكتاب بالقياس وعملُه بالإِخالة]..
    وقال: ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فبالرأسِ والعين، وما جاء عن أصحابه فلا أتركه، ولم يخصِّص بالقيا عامَّ خبر الواحد -فضلاً عن عامَّ الكتاب-، ولم يَعْمَل بالإِخالةِ [بالخاء المعجمة مع كسر الهمزة، كما جاءت في الأصلينِ وفي ((فواتح الرحموت شرح مسلَّم الثبوت)) المنقول عنه، في الطبعة الهندية، وهي الصواب. ووقعت في ((فواتح الرحموت)) في طبعة بولاق (2/ 154) وفي ((الإِحكام في أصول الأحكام)) للآمدي (3/ 387)، (4/ 5) (الإِحالة) أي بالحاء المهملة، وهو تحريف!
    و(الإِخالة): مسلك من مسالك العلة، التي ذكرها الأصوليون في مباحث أصول الفقه، لا يقول به الحنفية، ويقول به الشافعية. وقال الشوكاني في ((إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول)) (ص 199): "المسلك السادس: المُناسَبة، ويعبر عنها بالإِخالة، وبالمصلحة، وبالاستدلال، وبرعاية المقاصد، ويسمى استخراجُها: تخريج المَناط. وهي عمدة كتاب القياس ومحل غموضه ووضوحه".
    وانظر لتفصيل القول والمذاهب في قبول (الإِخالة) أو ردِّها من كتب أصول الشافعية: ((الإِحكام في أصول الأحكام)) للآمدي (3/ 378-423)، و((شرح جمع الجوامع)) للمحلي بحاشية البَنَّاني (2/ 174). ومن كتب أصول الحنفية: ((التقرير والتحبير في شرح كتاب التحرير)) لابن أمير الحاج (3/ 159)، و((فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت)) للشيخ محب الله (2/ 300)]، والمصالح المرسلة.
    والعجب أنهم طَعَنوا في هذا الإِمام مع قبولهم الإِمامَ الشافعي رحمه الله، وقد قال في أقوال الصحابة: كيف أتمسك بقول من لو كنتُ في عصره لحاججته؟ ورَدَّ المراسيل، وخصَّصَ عامَّ الكتاب بالقياس، وعَمِلَ بالإِخالة... [الحقُّ أن الأقوال التي تطعن في أبي حنيفة صدرَتْ من تعصُّب فلا يُلتَفت إليها]". انتهى. )).

    3- من (ص 77-78) / تحذير ابن عبدالهادي (الحنبلي) من الاغترار بكلام الخطيب في الإمام أبي حنيفة.. وتحذيرُهُ أيضًا من متابعة ابن الجوزي للخطيب، وإشارته إلى تعصُّب الدارقطني وأبي نعيم الأصفهاني على الإمام أبي حنيفة..
    ((وفي ((تنوير الصحيفة بمناقب الإِمام أبي حنيفة)) [للشيخ العلامة المتفنن الفقيه يوسف بن حسن بن أحمد بن عبدالهادي الحنبلي، التوفى سنة 909، في مجلد كبير ما يزال مخطوطًا]: "لا تغترَّ بكلام الخطيب، فإن عنده العصبية الزائدة على جماعة من العلماء كأبي حنيفة وأحمد وبعض أصحابه، وتحامَلَ عليهم بكل وجه، وصنَّفَ بعضُهم ((السهم المصيب في كَبِد الخطيب)) [مؤلفهُ هو الملِك العظيم أبو المظفر عيسى بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب الحنفي، المولود سنة 578 والمتوفى سنة 624 رحمه الله تعالى، وكتابه هذا طبع في الهند في دهلي بمطبعة الجامعة الملية سنة 1350، ثم طبع بمصر سنة 1351 في نحو مئتي صفحة.
    وقد صنَّف في الرد على الخطيب سوى الملك المعظم غيرُ واحد من العلماء، منهم ابن الجوزي، وسماه ((السهم المصيب في الرد على الخطيب))، وسبط ابن الجوزي وسماه ((الانتصار لإِمام أئمة الأمصار)) في مجلدين كبيرين، وأبو المؤيد الخوارزمي في مقدمة كتابه ((جامع مسانيد الإمام الأعظيم)) (1/ 38-69)، والسيوطي وسماه ((السهم المصيب في نحر الخطيب))، وشيخنا الأستاذ الكوثري رحمه الله تعالى وسماه ((تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب))، وهو كتاب كبير جامع واف نحو مئتي صفحة من القطع الكبير، طبع بمصر سنة 1361، وقد تقدمت كلمة شيخ الإِسلام مصطفى صبري رحمه الله تعالى في الثناء عليه (ص 74)].
    وأما ابن الجوزي فقد تابَع الخطيب [قال شيخنا العلامة ظَفَر أحمد التهانوي رحمه الله تعالى في كتابه ((قواعد في علوم الحديث)) (ص194): "واتِّباعُ ابن الجوزي للخطيب عجيب! فقد نَقَل السَّرُوجيُّ عن ابن الجوزي أنه قال: والخطيبُ لا ينبغي أَن يُقبَل جَرْحُه ولا تعديلهُ، لأن قولَه ونقلَه يدل على قِلَّة دين، كذا قال العيني في ((البناية)) (1/ 628)"]! وقد عَجِب سِبطُه [هو المحدث الفقيه المؤرخ أبو المظفر جمال الدين يوسف بن قِزُغُلي بن عبدالله البغدادي سبط ابن الجوزي، ولد سنة 581 وتوفي سنة 654، ومن مؤلفاته ((الانتصار لإِمام أئمة الأمصار)) في مجلدين كبيرين كما سبقت الإِارة إليه قريبًا، و((الانتصار والترجيح للمذهب الصحيح)) وقد طبع هذا بمصر سنة 1360، وكلاهما في الدفاع عن أبي حنيفة ومذهبه] منه حيث قال في ((مرآة الزمان)): "وليس العَجَب من الخطيب فإنه طعن في جماعة من العلماء، وإِنما العَجَب من الجَدّ كيف سلك أسلوبَه وجاء بما هو أعظم؟!" انتهى [نقل الشيخ ابن عابدين في حاشيته ((رد المحتار)) (1/ 37) هذا النصَّ عن ابن عبدالهادي، وفيه زيادة على ما هنا في "قال -أي ابن عبدالهادي- ومن المتعصبين على أبي حنيفة: الدارقطني، وأبو نعيم، فإنه لم يذكره في ((الحلية))، وذكر من دونه في العلم والزهد!"].
    [ردُّ الجرح إذا عُلِم بالقرائن أنه صادر بسبب التعصب، واجتراحُ الجارح بذلك]..
    قلت: الحاصل أنه إذا عُلم بالقرائن المقالية أو الحالية أن الجارح طَعَن على أحد بسبب تعصب منه عليه، لا يُقبل منه ذلك الجرح، وإِن عُلِم أنه ذو تعصب على جمع من الأكابر، ارتفع الأمانُ عن جَرحه، وعُدَّ من أصحاب القَرْح. وسيأتي لهذا مَزِيدُ بسطٍ في (المرصد الرابع) إِن شاء الله [في الإيقاط الخامس والعشرين]، فانتظره مفتشًا. )).

    4- وفي (ص 81-83) / من أمثلة الجرح غير القادح: أن القائلين بكون العمل جزءًا من الإيمان يُطلقون على من أنكَر ذلك: الإِرجاءَ، ويتركون الرواية عنه..
    ((اعلم أن التعديل -وكذا الجرح- قد يكن مفسَّرًا وقد يكون مبهَمًا، فالأول ما يَذْكُر فيه المعدِّلُ أو الجارحُ السبب، والثاني ما لا يُبَيِّن السببَ فيه.
    واختلفوا -بعدما اتفقوا على قبول الجرح والتعديل المفسَّرين بشروطهما المذكورة في موضعه..- في قبول الجرح المبهَم والتعديل المبهَم على أقوال:
    [القول الأول: قبول التعديل مبهمًا دون الجرح فلا يُقبَل إلا مفسرًا]..
    الأول/ أنه يُقبل التعديل من غير ذكر سببه، لأن أسبابه كثيرة فيثقل ذكرها، فإن ذلك يُحوج المعدِّل إِلى أن يقولَ: (ليس يفعَلُ كذا ولا كذا) ويَعُدَّ ما يجب تركه، و(يفعَلُ كذا وكذا) فيعُدَّ ما يجب عليه فعلهُ.
    وأما الجرح فإنه لا يُقبَلُ إِلا مفسَّرًا مبيَّنَ سبب الجرح، لأن الجرح يحصل بأمرٍ واحد، فلا يشق ذكره، ولأن الناس مختلفون في أسباب الجرح، فيُطلِق أحدُهم الجرحَ بناءً على ما اعتقده جَرحصا، وليس بجَرح في نفس الأمر، فلا بد من بيان سببه ليظهر أهو قادح أم لا. وأمثله كثيرة ذكرها الخطيب البغدادي في ((الكفاية)) (ص 110-114).
    .. ومنها: أن القائلين بكون العمل جزءًا من الإِيمان كانوا يطلقون على من أنكر ذلك -وهم أهل الكوفة غالبًا- الإِرجاء [قال شيخنا الإِمام الكوثري رحمه الله تعالى في كتابه ((تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب)) (ص 44-45): "كان في زمن أبي حنيفة وبعده أناس صالحون يعتقدون أن الإِيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ويرمون بالإِرجاء من يرى الإِيمان: العَقد والكلمة. مع أنه الحقُّ الصُّراح بالنظر إلى حُجج الشرع، قال الله تعالى: {ولمَّا يَدخُلِ الإيمانُ في قلوبكم} وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الإِيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره )، أخرجه مسلم عن عمر بن الخطاب، وعليه جمهور أهل السنة.
    وهؤلاء الصالحون باعتقادهم ذلك الاعتقاد، أصبحوا على موافقة المعتزلة أو الخوارج حتمًا إن كانوا يعدّون خلافَ اعتقادهم هذا بدعةً وضلالة، لأن الإخلال بعمل من الأعمال -وهو ركنُ الإيمان في نظرهم- يكون إخلالاً بالإيمان، فيكون من أخلّ بعملٍ خارجًا من الإيمان، إمَّا داخلاً في الكفر كما يقوله الخوارج، وإمَّا غيرَ داخل فيه بل في منزلةٍ بين المنزلتين: الكفر والإيمان، كما هو مذهب المعتزلة.
    وهم -أي أولئك الناس الصالحون- من أشد الناس تبؤًا من هذين الفريقين، فإذا تبرؤا أيضًا مما كان عليه أبو حنيفة وأصحابُه وباقي أئمة هذا الشأن، يبقى كلامُهم متهافتًا غيرَ مفهوم. وأما إذا عَدُّوا العمل من كمال الإيمان فقط فلا يبقى وجهٌ للتنابز والتنابذ، لكن تشددهم هذا التشدد يدل على أنهم لا يَعدُّون العملَ من كمال الإيمان فحسب، بل يعدّونه رُكنًا منه أصليًا، ونتيجةُ ذلك كما تَرى.
    ...
    فإرجاء العمل من أن يكون من أركان الإيمان الأصلية: هو السنة. وأما الإرجاء الذي يعد بدعة فهو قول من يقول: لا تضر مع الإيمان معصية. وأصحابُنا أبرياءُ براءة الذئب من دم يوسف عليه السلام. ولولا مذهب أبي حنيفة وأصحابه في هذه المسألة للزم إكفارُ جماهير المسلمين غير المعصومين، لإخلالهم بعملٍ من الأعمال في وقتٍ من الأوقات، وفي ذلك الطامةُ الكبرى". انتهى.
    وبعد هذا البيان الشافي الذي أفاده شيخنا الكوثري رحمه الله تعالى يتجلى لك واضحًا ما قاله الإِمام الأعظم أبو حنيفة رضي الله عنه في ((رسالته إلى عثمان البَتيِّ)) عالم أهل البصرة، وقد كتب إلى أبي حنيفة: أنه بلغه أنه من المرجئة، فكتب إليه أبو حنيفة: "وأمَّا ما ذكرتَ من اسم المرجئة، فما ذنب قومٍ تكلموا بعدل وسمَّاهم أهلُ البدع بهذا الاسم؟ ولكنهم أهل العدل وأهل السنة، وإنما هذا اسمٌ سمَّاهم به أهلُ شنآن". كما في (ص 37-38( من الرسالة المذكورة.
    وسيأتي للمؤلف توسعٌ طويل جداً في بيان الإِرجاء والمرجئة في الإيقاظ الثاني والعشرين من هذا الكتاب، ولكن كلام شيخنا هذا يقع منه موقعَ التاج من الحِلية، رحمهما الله تعالى وإيانا، وسيأتي هناك تعليقًا كلامٌ حسنٌ في هذا المقام للإِمام أنور شاه الكشميري، فانظره لزامًا. ]، ويتركون الرواية عنهم، وكانوا لا يقبلون شهادتهم. وهذا ليس بجرح موجب لتركهم. )).

    5- (ص 83-91) / ومن شواهد دعم القول الأول: جرحُ الرواة الكوفيين بأنهم أصحابُ الرأي، وتركُ رواياتِهم لذلك، وهو ليس بجرح..
    ((ومنها: أن كثيرًا منهم يُطلِق على أبي حنيفة وغيرِه من أهل الكوفة: (أصحابَ الرأي) ولا يلتفتون إلى رواياتهم، وهو أمرٌ باطلٌ عند غيرهم. ونظائره كثيرة.
    [قول البزدوي: أصحابُنا هم أصحابُ الحديث والمعاني، وشرحُه ذلك، وبيانُهُ أنَّ الرأيَ اسمٌ للفقه، وتُسمَّى كتب الفقه كتبَ الرأي، وقولُ محمد بن الحسن: لا يستقيم الحديثُ إلا بالرأي، ولا يستقيم الرأيُ إلا بالحديث]..
    [قال الإِمام فخر الإِسلام البَزْدَوي في مقدمة كتابه ((أصول الفقه)): "وأصحابنا هم السابقون في هذا الباب -أي الفقه-، وهم الربانيون في علم الكتاب والسنة وملازمةِ القُدْوَة، وهم أصحابُ الحديث والمعاني.
    أما المعاني فقد سلَّم لهم العلماء، حتى سمَّوْهم أصحابَ الرأي، والرأيُ اسمٌ للفقه. -وتُسمَّى كتب الفقه: كتب الرأي، قاله ابن تيمية في ((مجموع الفتاوى)) (18/ 74)-.
    وهم أولى بالحديث أيضًا، ألا تَرى أنهم جوَّزوا نسخ الكتاب بالسنة، لقوة منزلةِ السنة عندهم، وعَمِلُوا بالمراسيل متسكًا بالسنة والحديث، ورأوا العمل بها مع الإِرسال أولى من الرأي، ومن رَدَّ المراسيل فقد رَدَّ كثيرًا من السنة، وعَمِلَ بالفرع بتعطيل الأصل، وقدَّموا روايةَ المجهول على القياس، وقدَّموا قولَ الصحابي على القياس. وقال محمد رحمه الله تعالى في كتاب أدب القاضي: لا يستقيمُ الحديثُ إلا بالرأي، ولا يستقيمُ الرأيُ إلا بالحديث". انتهى كلام البزدوي.
    [منشأ إطلاق لقب (أصحاب الرأي) على علماء الكوفة، وحالُ من أطلقوه عليهم، وجرحُهم جملةً من الشيوخ الثقات الأثبات بسبب قولهم بالرأي]..
    وقد أُطلِقَ هذا اللقب: (أصحابُ الرأي) على علماء الكوفة وفقهائها مِن قِبَلِ أناسٍ من رواة الحديث، كان جُلُّ علمهم أن يخدموا ظواهر ألفاظ الحديث، ولا يرومون فهمَ ما وراء ذلك من استجلاء دقائقِ المعاني وجليلِ الاستنباط، وكان هؤلاء الرواةُ يضيقون صدرًا من كل من أعملَ عقله في فهم النص وتحقيق العلة والمناط، وأخذَ يبحث في غير ما يبدو لأمثالهم من ظاهر الحديث، ويرونه قد خرج عن الجادَّة، وترك الحديثَ إلى الرأي، فهو بهذا -في زعمهم- مذمومٌ منبوذ الرواية.
    وقد جرحوا بهذا اللقب طوائف من الرواة الفقهاء الأثبات، كما تراه في كثير من تراجم رجال الحديث. وخذ منها بعضَ الأمثلة:
    1- جاء في ترجمة (محمد بن عبدالله بن المثنى الأنصاري) عند الحافظ ابن حجر في ((هدي الساري)) (2/ 161) قولُ الحافظ: "من قدماء شيوخ البخاري، ثقة وثَّقَه ابنُ معين وغيرُه قال أحمد: ما يُضَعِّفهُ عند أهل الحديث إلا النظرُ في الرأي وأما السمَاع فقد سَمِعَ". انتهى. قلت: انظر ترجمته في ((تذكرة الحفاظ)) للذهبي (1/ 371)، و((تهذيب التهذيب)) (274-276).
    2- وقال الحافظ أيضًا في ((هدي الساري)) في ترجمة (الوليد بن كثير المخزومي) (2/ 170): "وثَّقه إبراهيمُ بن سعد وابنُ معين وأبو داود، وقال السَّاجيُّ: قد كان ثقةً ثَبْتًا، يُحتَجُّ بحديثه، لم يضعِّفه أحد، إنما عابوا عليه الرأي".
    3- وقال الحافظ الذهبي في ((المغني)) (2/ 670)، ما يلي: "مُعَلَّى بن منصور الرازي، إمام مشهور موثَّق، قال أبو داود: كان أحمد لا يروي عنه للرأي. وقال أبو حاتم: قيل لأحمد: كيف لم تكتب عنه؟ قال: كان يكتبُ الشُّروط، من كتَبَها لم يَخْلُ من أن يكذب". انتهى. قلت: وانظر ترجمته في ((تذكرة الحفاظ)) (1/ 377)، و((تهذيب التهذيب)) (10/ 238-240).
    [مناقشة الإمام أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي لمن قال: لا يُروَى عن أهل الرأي، وتوجيهُ أبي يَعْلَى لهذه الكلمة، وتوجيهُ ابن تيمية لها أيضًا]..
    وقد كَثُر هذا النَّبزُ لأهل الرأي، والنَّبذُ لرواياتٍ كثير منهم، حتى أثار مثلَ الإِمام أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي وغيره من أئمة الحنابلة، أن يتكلَّم بسبب هذا القول فيهم، أو تأويله على وجهٍ يُحتمل، جاء في ((مسوَّدة آل تيمية في أصول الفقه)) (ص 265): "وقال والدُ شيخنا: في قولِ أحمد: (لا يُروَى عن أهل الرأي)، تكلَّم عليه ابنُ عقيل بكلام كثير. قال في رواية عبدالله: (أصحابُ الرأي لا يُروَى عنهم الحديث). قال القاضي -أبو يعلى-: وهذا محمول على أهل الرأي من المتكلمين كالقَدَريَّة ونحوهم.
    قلتُ -أي ابن تيمية-: ليس كذلك، بل نصوصُه في ذلك كثيرة، وهو ما ذكرتُه في (المبتدع) -ص 264 في ((المسوَّدة))-: أنه نوعٌ من الهجرة، فإنه قد صَرَّح بتوثيق بعض من تَرَك الروايةَ عنه كأبي يوسف ونحوه، ولذلك لم يُروَ لهم في الأُمَّهات كالصحيحين". انتهى.
    [إنكار العلامة القاسمي على المحدِّثين موقفَهم من أهل الرأي، وإنكارُهُ على من ليَّن الإمامين أبا يوسف ومحمَّد بن الحسن، وقولُهُ: آثارُهما تشهد بتقدمهما على كثير من الحفاظ، وإنكارُه على بعض المحدِّثين صنيعَهم المخجِل في تارجمة أئمة أهل الرأي، وبيانُ أن السبب تخالُفُ المشرب ورفضُ النظر في الآخِذِ والمدارك]..
    قال العلامة الشيخ جمال الدين القاسمي رحمه الله تعالى، في كتابه ((الجرح والتعديل) ) (ص 24): "وقد تجافَى أربابُ الصحاح الروايةَ عن أهل الرأي، فلا تكاد تجد اسمًا لهم في سَنَدٍ من كتب الصحاح أو المسانيد أو السنن، كالإِمام أبي يوسف والإِمام محمد بن الحسن، فقد ليْنَهما أهل الحديث! كما تَرى في ((ميزان الاعتدال))! ولعمري لم ينصفوهما، وهما البحران الزاخران، وآثارُهما تَشهدُ بسعة علمهما وتبحَّرِهما، بل بتقدُّمِهما على كثير من الحُفَّاظ، وناهيك كتابَ ((الخراج)) لأبي يوسف، و((موطأ الإِمام محمد)). وإن كنتُ أَعُدُّ ذلك في البعض تعصُّبًا، إذ يَرى المُنصِفُ عند هذا البعض من العلم والفقه، ما يَجدُرُ أن يُتحمَّلَ عنه، ويُستفادَ من عقله وعلمه، ولكن العصبيَّة!
    ولقد وُجِدَ لبعض المحدِّثين تراجمُ لأئمة أهل الرأي، يَخجَلُ المرءُ من قراءتها! فضلاً عن تدوينها! وما السبَبُ إلا تخالُفُ المشرب، على توهُّمِ التخالُف، ورَفْضُ النظر في المآخذِ والمدارك، التي قد يكون معهم الحقُّ في الذهاب إليها، فإن الحقَّ يستحيلُ أن يكون وَقْفًا على فئةٍ دون غيرها، والمنصِفُ من دقَّق في المدارك غايةَ التدقيق ثم حكم.
    نعم، كان وَلَعُ جامعي السُّنَّة بمن طَوَّف البلاد، واشتهر بالحفظ، والتخصُّص بعلم السنة وجمعِها، وعلماءُ الرأي لم يشتهروا بذلك، وقد أُشيع عنهم! أنهم يُحكِّمون الرأيَ في الأثر! وإن كان لهم مروَّيات مسنَدَةٌ معروفة، رضي الله عن الجميع، وحشرنا وإياهم مع الذين أنعم الله عليهم". انتهى.
    [كلام طويل ماتع لابن تيمية في توجيه ما وَرَد في ذمّ الرأي، وبيانُه أن الرأي المذموم ما خالف الكتاب والسنّة وما كان عليه السلف.. ثم كيف تتحقق هذه المخالفةُ وكيف تنتفي ومتى يُعذَرُ المخالِف]..
    قال عبدالفتاح: وقد رأيتُ للشيخ ابن تيمية كلامًا حسنًا جلَّى فيه شأنَ الرأي، وما يُذمُّ منه وما لا يُذَمَ، فأحببتُ إيراده هنا استيفاءٌ للمقام وإن طالت هذه التعليقة.
    قال رحمه الله تعالى، في كتابه ((إقامة الدليل على إبطال التحليل)) (3/ 227) ضمن ((الفتاوى الكبرى)): "ما وَرَد في الحديث والأثر من ذمّ الرأي وأهلِه، فإنما يتناولُ الحِيَل، فإنها أُحدِثت بالرأي، وإنها رأي محض، ليس فيه أثر عن الصحابة، ولا له نظير من الحِيَل ثَبَت بأصل فيقاس عليه بمثله، والحكم إذا لم يَثبت بأصل ولا نظير كان رأيًا محضًا باطلاً.
    وفي ذمِّ الرأي آثار مشهورة عن عمر وعثمان وعلي وابن عباس وابن عمر وغيرِهِم، وكذلك عن التابعين بعدَهم بإحسان، فيها بيانُ أن الأخذ بالرأي يُحلِّلُ الحرام، ويُحرِّمُ الحلال.
    ومعلوم أن هذه الآثار الذامَّة للرأي، لم يُقصَد بها اجتهادُ الرأي على الأصول من الكتاب والسنة والإِجماع، في حادثةٍ لم توجد في كتاب ولا سنة ولا إجماع، ممن يَعرِف الأشباهَ والنظائر، وفِقهَ معاني الأحكام، فيَقيسُ قياسَ تشبيهٍ وتمثيل، أو قياسَ تعليل وتأصيل، قياسًا لم يعارضه ما هو أولى منه، فإن أدلة جوازِ هذا للمفتي لغيرَه والعامِلِ لنفسه، ووجوبِهِ على الحاكم والإِمامِ أشهَرُ من أن تُذكَر هنا، وليس في هذا القياس تحليل لما حرَّمه الله سبحانه، ولا تحريمٌ لما حلَّله الله.
    وإنما القياسُ والرأيُ الذي يَهدم الإِسلام، ويُحلِّل الحرام، ويُحرِّمُ الحلالَ، ما عارَضَ الكتابَ والسنة، أو ما كان عليه سَلَفُ الأمة، أو معانيَ ذلك المعتبرة. ثم مخالفتُه لهذه الأصول على قسمين:
    أحدهما/ أن يُخالِف أصلاً مخالفةً ظاهرةً، بدون أصل آخر. فهذا لا يقع من مُفْتٍ إلا إذا كان الأصل مما لم يَبلغه عِلمُه، كما هو الواقع من كثير من الأئمة، لم يَبلغهم بعضُ السنن، فخالفوها خطأ. وأما الأصولُ المشهور، فلا يخالفها مسلم خلافًا ظاهرًا، من غير معارضةٍ بأصلٍ آخر، فضلاً عن أن يخالفها بعضُ المشهورين بالفُتْيَا.
    الثاني/ أن يُخالِف الأصلَ بنوع تأويلٍ وهو فيه مخطيء، بأن يضع الاسم على غيرِ موضعه، أو على بعض موضعه، ويُراعيَ فيه مجرَّدَ اللفظ دون اعتبار المقصود لمعنى أو غير ذلك.
    وإنْ من أكثر أهل الأمصار قياسًا وفقهًا أهلَ الكوفة، حتى كان يقال: فقهٌ كوفي، وعبادةٌ بصرية. وكان عِظَمُ علمهم مأخوذًا عن عمر وعلي وعبدالله بن مسعود رضي الله عنهم، وكان أصحابُ عبدالله، وأصحابُ عمر، وأصحابُ علي، من العلم والفقه بالمكان الذي لا يَخفى.
    ثم كان أفقهَهم في زمانه إبراهيمُ النخعي، كان فيهم بمنزلة سعيد بن المسيّب في أهل المدينة، وكان يقول: إني لأسمَعُ الحديث الواحد، فأقيسُ به مئةَ حديث. ولم يكن يَخرج عن قول عبدِالله وأصحابِه. وكان الشعبيُّ أعلم بالآثار منه. وأهلُ المدينة أعلم بالسُّنَّة منهم.
    وقد يوجد لقدماء الكوفيين أقاويلُ متعددة، فيها مخالفةٌ لسنةٍ لم تبلغهم، ولم يكونوا مع ذلك مطعونًا فيهم، ولا كانوا مذمومين، بل لهم من الإِسلام مكان لا يَخفى على من عَلِمَ سيرة السلف، وذلك لأنَّ مِثلَ هذا قد وُجِدَ لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الإِحاطة بالسنة كالمتعذِّر على الواحِدِ أو النفرِ من العلماء. ومن خالَفَ ما لم يَبلغه فهو معذور". انتهى.
    [وضوح أن جرح الراوي بأنه من أهل الرأي ليس مقبولاً، وبيانُ مأتى جَرحِهم له بذلك]..
    قال عبدالفتاح: وبهذا يتبيَّنُ أن جرح الراوي بأنه (من أهل الرأي) ليس مقبولاً. ومأتى جرحهم الراوي بهذا الجرح المردود: أنه كانت هِمَّةُ أكثر أهل الحديث متوجهةً إلى الروايةِ والسماع، ويرفضون النظر في المآخِذِ والمدارك، كما أشار إليه الشيخ القاسمي رحمه الله تعالى فيما تقدم من كلامه.
    [ضيق صدر الرواة والمحدِّثين من الفقهاء القائلين بالرأي، والمتكلمين، والمذكِّرين، ومن اشتغل برواية الشعر، وذكرُ أن الشافعي قال: أهلُ الحديث لا يحتملون من محدِّث أن يَرويَ الشعر]..
    بل كان أولئك الرواةُ يَرَوْن العلمَ كلَّ العلم روايةَ الحديث سندًا ومتنصا لا بحثًا وفقهًا، ويرون إعمال الرأي في فهم الأثر خروجًا عليه، فإذا بَلغَهم عن فقيه أنه تكلم في مسألة باحثًا مجتهدًا، أو عن متكلِّم قال في صفة من صفات الله تعالى قولاً، أو عن مذكِّر تحدَّث عن حال النفس كاشفًا منقبًا، أو عن محدِّث روى شعرًا: ثارت لذلك حفيظتهم، ونقموا عليه ما صَنَع، وقالوا فيه من الجَرْح ما يرونه ملاقيًا للجارح الذي اتصف به في نظرهم.
    وقد جاء في ترجمة الإمام الشافعي رضي الله عنه، في ((معجم الأدباء)) لياقوت الحموي (17/ 299)، ما نصُّه: "عن مُصعَب الزبيري قال: كان أبي والشافعي يتناشدان، فأتى الشافعيُّ على شعر هُذَيل حفظًا، وقال: لا تُعلِم بهذا أحدًا من أهل الحديث، فإنهم لا يحتملون هذا". انتهى.
    [إنكار بعض المحدثين على ابن المبارك تصنيفَه الحديثَ على الأبواب]..
    قلتُ: بل إنَّ أهل الحديث لم يَحتملوا أقلَّ من هذا بكثير! لم يحتملوا تصنيف الحديث على الأبواب! جاء في ((الحلية)) لأبي نعيم (8/ 165)، في ترجمة الإِمام الجليل الٌدوةِ عالم خُراسان: (أبي عبدالرحمن عبدالله بن المبار)، المتوفى سنة 181 رحمه الله تعالى ما يلي:
    "قال أحمد ابن أبي الحَوَارَى: سمعتُ أبا أسامة -هو الحافظُ الإِمامُ الحُجذَةُ حَمَّاد بن أسامة الكوفي- يقول:
    مررتُ بعبدالله بن المبارك بطَرَسُوس وهو يُحدِّث، فقلتُ: يا أبا عبدالرحمن، إني لأُنكرُ هذه الأبوابَ والتصنيف الذي وضعتموه! ما هكذا أدركنا المَشْيَخَة!". انتهى.
    فإذا كان هذا شأنَ أحدِ كبار المحدثين، مع شيخ المحدثين والزهاد، وإمام المجاهدين والعُبَّاد: عبدِالله بن المبارك، وكلُّ الذي صَنَعه هو أنه جَمَع الأحاديث تحت عناوين: (الأبواب والتصنيف عليها)! فلا شك أن شأنهم أشدُّ إنكارًا خمسين مرة مع الذي يُعمِلُ رأيَه في فهم النص أو يؤوِّلُه لدليلٍ يقتضي ذلك عنده!
    وانظر لزامًا قُبَيلَ آخر الكتاب تعليقًا: كلمة الإِمام أحمد: ما زلنا نلعن أهلَ الرأي ويلعنوننا، حتى جاء الشافعي..، وكلمةَ ابن أبي ذئب في الإِمام مالك لمَّا وجَّه حديث خيار المجلس في (ص 421، 425).
    [إنكار أبي زُرعة الرازي على المحاسبي كتبَه، وقولُه: هذه كتبُ بِدَعٍ وضلالات، عليك بالأثر]..
    وقال الحافظ الذهبي في ((الميزان)) (1/ 199)، في ترجمة (الحارث المُحاسبي) المتوفى سنة 243 ((والمحاسبيُّ العارفُ صاحبُ التآليف، صدوق في نفسه، وقد نقموا عليه بعضَ تصوفه وتصانيفه". انتهى.
    وروى الخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) (8/ 215)، في ترجمة المحاسبي أيضًا "عن سعيد بن عمرو البَرْذَعي، قال: شهدتُ أبا زُرعة -الرازي- وقد سُئل عن الحارث المحسبيِّ وكُتُبِه؟ فقال للسائل: إياك وهذه الكتب! هذه كتبُ بِدَعٍ وضلالات! عليك بالأثر، فإنك تجد فيه ما يغنيك عن هذه الكتب". فهذه نماذج من مواقف أهل الحديث من غيرهم فقهاءَ كانوا أو سواهم.
    [استحقاق الحدثين (أهل الرأي) كلَّ تقدير لعدم استغناء الحديث عن الرأي، وتنزيهُ ابن حجر الهَيْتمي لهم عن لحاق النقص بهم أو مخالفتِهم للسنة]..
    في حين أن هؤلاء الفقهاءَ المحدثين -أهل الراي- يستحقون كل تقدير وإجلال، ولا يصح أن يكون هذا مدعاةَ نقصٍ لهم أو طعنٍ فيهم. قال الشهاب ابن حجر الهيتمي المكي الشافعي في ((الخيران الحسنا في مناقب أبي حنيفة النعمان)) (ص 29): "اعلم أنه يتعين عليك ألا تفهمَ من أقوال العلماء عن أبي حنيفة وأصحابه: (إنهم أصحابُ الرأي) أنَّ مرادهم بذلك تنقيصُهم، ولا نسبتُهم إلى أنهم يقدّمون رأيهم على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا على أقوال الصحابة، لأنهم بَراء من ذلك".
    ثم ذكَرَ ما اختطه أبو حنيفة وأصحابه في الفقه، من الأخذ بكتاب الله، ثم بسنة رسول الله، ثم بأقوال الصحابة.
    [سبب وقوع بعض الرواة في الحنفية: غفلتُهم وجمودُ قرائحهم عن المعاني والمدارك]..
    وقال شيخنا الكوثري رحمه الله تعالى في كتابه ((فقه أهل العراق وحديثهم)) (ص 21)، وتقدمه ((نصب الراية)) (ص 22): "ولا أُنكِرُ أن هناك أناسًا من الرواة الصالحين، يخصون أبا حنيفة وأصحابه بالوقيعة من بين الفقهاء، وذلك حيث لا ينتبهون إلى العلل القادحة في الأخبار التي تركها أبو حنيفة وأصحابُه، فيظنون بهم أنهم تركوا الحديث إلى الرأي، وكثيرًا ما يعلو في مداركهم وجهُ استنباط هؤلاء الحُكمَ من الدليل، لدقةِ مداركهم، وجمودِ قرائح النقلة، فيطعنون في الفقهاء أنهم تركوا الحديث إلى الرأي، وهذا النبزُ منهم لا يؤذي سوى أنفسهم".
    [الحكم على العالم بأنه تَرَك الحديث أو الأثر يَحتاج إلى إتقان علوم لا يُحرزها الرواةُ النقلة، والإشارةُ إلى تلك العلوم]..
    وقال رحمه الله في تعليقه على كتاب الذهبي المسمى ((بيان زغل العلم والطلب)) (ص 15): "ودِقَّةُ مدارك الفقهاء قد تخفى على الرواة، فيتسرعون في الحكم، فيحتاج هذا الموضوع -أي الحكم بأن فلانًا تَرَك الحديث أو الأثر- إلى الإِتقان في علم الخلاف والجدل وأصولِ الفقه، مع التوسع في أحاديث الأحكام وعِلَلِها، وآياتِ الأحكام وتفسيرها، واختلافِ الأئمة في شروط قبول الأخبار ووجوه الترجيح ونحوها، والراجِلُ في جملة ذلك لا يحقُّ له أن يعدو طوره".
    وكتب رحمه الله في تعليقه على ((ذيول تذكرة الحفاظ)) (ص 261-265) كلمةً ضافية نافعة بيَّن فيها أثرَ العاميَّة في الرواة المجرَّدين عن غير الرواية، فعليك بقراءتها.
    [بيان أن في هؤلاء الرواة النقلة الصالحين من لو استسقى الناسُ بهم المطَر لسُقُوا، ولكن النباهة والضبط والإتقان غيرُ متحققة فيهم على وجهها، ولذلك لم يأخذ عنهم مالك، وقال فيهم كلماتٍ مأثورةً ذُكِرَ بعضُها]..
    وفي هؤلاء الرواةِ النَّقَلة الصالحين، قال الإِمام مالك رحمه الله تعالى قولتَه المشهورة، فيما رواه عنه ابنُ أبي أُوَيس وغيرُه، قال القاضي عياض في ((ترتيب المدارك، وتقريب المسالك، لمعرفة أعلام مذهب مالك)) في باب ابتداء طلبِ مالكٍ وتحرِّيه فيمن يأخذ عنه (1/ 138-139) .
    "قال ابنُ أُويس: سمعتُ مالكًا يقول: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذونه، لقد أدركتُ سبعين ممن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند هذه الأساطين، وأشار إلى المسجد فما أخذتُ عنهم شيئًا، وإنَّ أحدهم لو ائتُمِنَ بيت مال لكان أمينًا، إلا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن.
    وفي رواية ابن وهب عنه: أدركتُ بهذه البلدة أقوامًا لو استُسقى بهم المطر لسُقوا، قد سمعوا العلم والحديث كثيرًا، ما حَدَّثتُ عن أحد منهم شيئًا، لأنهم كانوا ألزموا أنفسهم خوفَ الله والزهدَ، وهذا الشأنُ -يعني الحديث والفتيا- يحتاجُ إلى رجلٍ معه تُقَى وورَعٌ وصيانة، وإتقانٌ وعلم وفهم، فيَعلَمُ ما يَخرجُ من رأسه وما يَصِلُ إليه غدًا، فأمَّا رجلٌ بلا إتقان ولا معرفة فلا يُنتَفَعُ به، ولا هو حُجَّة، ولا يؤخذ عنه.
    ورَوَى عنه ابنُ كنانة: ربما جلس إلينا الشيخُ جُلَّ نهاره، ما نأخذ عنه ما بنا أن نَتَّهمه، ولكن لم يكن من أهل الحديث، وكنا نَزدحِمُ على دَرَجِ ابن شهاب، حتى يَسقُطَ بعضنا على بعض". انتهى.
    [ابن هُرْمُز يُميِّز فيمَا يُؤخَذُ عنه بين مالك وابن أبي سلمة وبين ابن دينار لتميز مَداركهما عنه]..
    ومن لطيف ما يدخل في هذا الباب أيضًا ما حكاه القضاي عياض رحمه الله تعالى أيضًا في ((ترتيب المدارك)) في (باب شهادة السلف الصالح وأهل العلم لمالك بالإِمامة) (1/ 162)، وفي ترجمة (محمد بن دينار) (3/ 20) قال: "قال سحنون: كان مالك وعبدالعزيز ابن أبي سلمة ومحمد بن دينار يختلفون إلى ابن هُرْمُز فيسألونه، فيجيب مالكًا وعبدَالعزيز، ولا يجيب محمد بن دينار، فتعرّض له ابنُ دينار وقال له: لِمَ تستحلُّ ما لا يحلُّ لك؟ نسألك فلا تجيبنا، ويسألك مالك وعبدالعزيز فتجيبهما؟
    فقال له ابن هُرْمُز: إني كَبِرَتْ سنّي، وأخاف أن يكون خالطني في عقلي مثلُ الذي خالطني في جسمي، ومالكٌ وعبدُالعزيز فقيهان عالمان، يَسألان الشيء فأجيبهما، فما رأياه من حقٌّ قَبِلاه، وما رأياه من خطأ تركاه، وأنت وذووك ما أجبتكم به قبلتموه".
    [قول ابن وهب الفقيه المحدث: أنقذني الله بمالكٍ والليثِ ولولاهما لضللتُ]..
    ثم حكى القاضي عياض رحمه الله تعالى في ترجمة (عبدالله بن وهب القرشي المصري) (3/ 231، 236) ما يلي: "قال يوسف بن عدي: أدركتُ الناس فقيهًا غيرَ محدِّث، ومحدِّثًا غير فقيه، خلا عبدالله بنَ وهب، فإني رأيتُه فقيهًا محدِّثًا زاهدًا. قال ابنُ وهب: لولا أن الله أنقذني بمالكٍ والليثِ لضَللتُ! فقيل له: كيف ذلك؟ قال: أكثرتُ من الحديث فحيَّرني، فكنت أَعرِضُ ذلك على مالكٍ والليث، فيقولان لي: خُذْ هذا، ودَعْ هذا".
    ورواه الحافظ ابن عبدالبر في ((الانتقاء)) (ص 27-28) بنحو هذا، وعلَّق عليه شيخنا الكوثري رحمه الله تعالى بقوله: "ولفظُ ابن عساكر بسنده إلى ابن وهب: (لولا مالكُ بن أنس والليثُ بن سعد لهلكت! كنتُ أظنُّ أن كل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم يُفعلُ به. وفي رواية: لضللتُ! يعني لاختلاف الأحاديث)، كما يقع لكثير من الرُّواة البعيدين عن الفقه، غيرِ المميزين ما قارَنَ العَملُ به عما سواه". انتهى.
    [قول الفضل بن دُكَيْن: كان زفر بن الهذيل يقول لي: تعالَ أغربل لك ما سمعتَ]..
    وجاء في ((تاريخ الإسلام)) للحافظ الذهبي (6/ 178)، في ترجمة الإِمام زُفَر بن الهُذَيل البصري صاحب الإِمام أبي حنيفة: "قال أبو نُعَيم المُلاَئي -الفضل بن دُكَيْن-: كنتُ أمرُّ على زُفَر فيقول لي: تعالَ حتى أُغربلَ لك ما سمعتَ، وكنتُ أَعرضُ عليه الحديث فيقول: هذا ناسخٌ، هذا منسوخ، هذا يؤخَذُ به، هذا يُرفَض". انتهى.
    [قول الحافظ سليمان بن حيان: كنا نصحب الثوري وقد سمعنا ممن سمع منه إنما نريد منه تفسيرَ الحديث]..
    وجاء في ((الحلية)) لأبي نعيم (6/ 366)، في ترجمة الإِمام المحدث الفقيه المجتهد (سفيان الثوري): "عن سليمان بن حَيَّان، قال: كنا نصحَبُ سفيان الثوري قد سَمِعنا ممن سَمِع منه، إنما نريدُ منه تفسير الحديث". انتهى. وقد ترجم الحافظ الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (1/ 272)، لسليمان بن حيَّان هذا، ووَصَفه بقوله: "الحافظ الصدوق، من مشاهير المحدثين".
    [قول الأقدمين في المحدِّث بلا فقه وفي الفقيهِ بلا حديث]..
    ومما يحسن إيراده في هذا المقام ما رأيته في رسالة الشيخ علي القاري المسماة ((أدلة معتقد أبي حنيفة الإِمام، في أبوي الرسول عليه الصلاة والسلام)) وتأليفه لها مغمور في زاخر حسناته إن شاء الله (ص 42): "قال الأقدمون: المحدِّثُ بلا فقهٍ كعطَّارٍ غير طيب، فالأدوية حاصلة في دكانه ولا يدري لماذا تصلح، والفقيه بلا حديثٍ كطبيب ليس بعطار، يعرف ما تصلح له الأدوية، إلا أنها ليست عنده".
    [تقرير الإمام الخطابي احتياجَ كل من الفقيه والمحدِّث إلى الآخر، وشرحُه ذلك]..
    ويُقرِّرُ الإِمام الخَطَابيُّ رحمه الله تعالى احتياجَ كل من الفقيه والمحدِّث إلى الآخر، فيقول في فاتحة كتابه العظيم: ((معالم السنن)) (1/ 5): "ورأيتُ أهل العلم في زماننا، قد انقسموا إلى فِرقتين: أضحابِ حديثٍ وأثر، وأهلِ فقهٍ ونظر، وكلُّ واحدة منهما لا تتميَّزُ عن أختها في الحاجة، ولا تستغني عنها في دَرْطِ ما تنحوه من البُغْيَة والإِرادة، لأن الحديثَ بمنزلة الأساس الذي هو الأصل، والفِقهَ بمنزلة البِناء الذي هو كالفَرْع، وكلُّ بناءٍ لم يُوضَع على قاعدةٍ وأساسٍ فهو مُنْهار، وكلُّ أساسٍ خلا عن بناءٍ وعِمارة فهو فَقْر وخَرَاب". )).

    6- في (ص 91-110) / ذكر القول الثاني والثالث والرابع، مع ترجيح القول الأول، وبسطُ الأقوال في ذلك..
    (([القول الثاني: قبول الجرح مبهمًا، وعدمُ قبول التعديل إلا مفسرًا]..
    القول الثاني: عكسُ القول الأول، وهو أنه يجب بيانُ سببِ العدالة، ولا يجبُ بيانُ أسباب الجرح؛ لأن أسباب العدالة يكثر التصنعُ فيها فيجب بيانها، بخلاف أسباب الجرح.
    [قول ابن يونس في الدفاع عن عبدالله العمري الضعيف: لو رأيتَ لحيته وهيئته لعرفتَ أنه ثقة، وردُّ الخطيب هذا الاستدلال]..
    [ومن الحجة لهم في ذلك ما ساقه الخطيب في ((ألكفاية)) (ص 99) بسنده "عن يعقوب الفَسَوي أنه قال في تاريخه سمعت إنسانًا يقول لأحمد بن يونس: عبدالله العمريُّ ضعيف؟ قال: إنما يضعِّفه رافضيٌّ مبغضٌ لآبائه، ولو رأيتَ لحيته وخضابه وهيئتَه لعرفت أنه ثقة. قال الخطيب: فاحتجَّ أحمدُ بن يونس على أن عبدالله العمري ثقة بما ليس بحجة، لأن حُسْن الهيئة مما يَشترك فيه العدل والمجروح".]
    [القول الثالث: لا يُقبلُ جرحٌ ولا تعديل إلا مفسرًا]..
    القول الثالث: أنه لا بد من ذكرِ سببِ الجرح والعدالةِ كليهما.
    [القول الرابع: قبول الجرح مبهمًا، وعدمُ قبول التعديل إلا مفسرًا]..
    القول الرابع: عكسُهُ، وهو أنه: لا يجب بيانُ سببِ كلٍّ منهما، إِذا كان الجارِحُ والمعدِّلُ عارفًا بصيرًا بأسبابهما.
    وقد اكتفى ابنُ الصلاح في ((مقدمته)) (ص 117 من طبعة حلب، التي طبعها شيخنا العلامة الأستاذ الشيخ محمد راغب الطباخ رحمه الله تعالى، [بحاشية العراقي عليها]) على القول الأول من هذه الأقوال [يريد: اقتصر على القول الأول، ولذا عدَّاه بحرق (على)]، وقال: "ذكَرَ الخطيبُ الحافظُ [في ((الكفاية)) (ص 108-109)] أنه مذهب الأئمة من حُفّاظِ الحديث ونقّادِه مثلِ البخاري ومسلم، ولذلك احتجَّ البخاري بجماعةٍ سَبَقَ من غيره الجَرْحُ فيهم، كعكرمة مولى ابن عباس، وكإسماعيل بن أبي أُوَيس، وعاصم بن علي، وعَمْرو بن مرزوق، وغيرهم. واحتجَّ مسلم بسُوَيد بن سعيد، وجماعةٍ اشتَهَر الطعنُ فيهم. وهكذا فَعَل أبو داود السِّجسْتاني. وذلك دالّ على أنهم ذهبوا إِلى أن الجَرْح لا يَثبُتُ إِلا إِذا فُسِّر سبَبُه". انتهى.
    وقال الزين العراقي في ((شرح ألفيته)) (1/ 300 من طبعة فاس المطبوعة سنة 1354 في ثلاثة أجزاء كبيرة، ومعها ((شرحُ الألفية)) نفسها للقاضي زكريا)،
    في القول الأول: "إِنه الصحيح المشهور". انتهى.
    وفي القول الثاني [أي وقال الزين العراقي في القول الثاني، وكذلك في القول الثالث والقول الرابع. وهذه الأقوال الثلاثة التي نقلها المؤلف عن العراقي هي في ((شرح ألفيته)) (1/ 303-304)]: "حكاه صاحبُ ((المحصول)) وغيرُه، ونَقَله إِمام الحرمين في ((البرهان)) والغزالي في ((المنخول)) تبعًا له عن القاضي أبي بكر [الباقلاني]. والظاهِرُ أنه وَهْمٌ منهما، والمعروف عنه أنه لا يجب ذكرُ أسبابِهما". انتهى.
    وفي القول الثالث: "حكاه الخطيبُ والأصوليون". انتهى.
    وفي القول الرابع: "اختيارُ القاضي أبي بكر، ونَقَلَهُ عن الجمهور فقال: قال الجمهورُ من أهل العلم: إِذا جَرَحَ مَنْ لا يَعْرِف الجرح يجب الكشفُ عن ذلك، ولم يوجبوا ذلك على أهل العلم بهذا الشأن. قال [أي القاضي أبو بكر الباقلاني صاحب اختيار القول الرابع]: والذي يَقْوَى عندنا تَرْكُ الكشف عن ذلك إِذا كان الجارحُ عالمًا، كما لا يجب استفسارُ المعدِّل عمَّا به صار عنده المزكَّى عدلاً، إِلى آخر كلامه.
    وممن حكاه عن القاضي أبي بكر: الغزاليُّ في ((المستصفى)) (1/ 162)، خلافَ ما حكاه عنه في ((المنخول)). وما ذَكَرَ عنه في ((المستصفى)): هو الذي حكاه صاحبُ ((المحصول)). والآمِدِيُّ (2/ 122)، وهو المعروف عن القاضي كما رواه الخطيب في ((الكفاية)) (ص 107)". انتهى [قال عبدالفتاح: يُقابِلُ القولَ الأولَ في الرجحانِ والاعتمادِ القولُ الرابع، وقد رجَّحه عددٌ من فحول أهل العلم المعتمدين، كما سيأتي بيانُه مني تعليقًا على ما جَنَح إليه ابنُ الصلاح، من التوقف عن قبول حديث من جُرح جرحًا مبهمًا في كتب الرجال، فانظره لزامًا في (ص 107)].
    واكتفي النووي أيضًا في ((التقريب)) (ص 202، بشرح ((التدريب)) للسيوطي [من طبعة الشيخ نمنكاني]) على الأول وقال: "هو الصحيح". انتهى.
    وقال السيوطي في شرحه ((التدريب) ) (ص 203): "ومقابلُ الصحيح أقوال". ثم ذكر الأقوالَ الثلاثة السابقة.
    وقال في القول الثاني: "نَقَلهُ إِمام الحرمين والغزالي والرازي في ((المحصول))". انتهى.
    وفي القول الثالث: "حكاه الخطيب والأصوليون". انتهى.
    وفي القول الرابع: "هذا اختيارُ القاضي أبي بكر ونَقَلهُ عن الجمهور، واختاره الغزالي والرازي والخطيب، وصحَّحه أبو الفضل العراقي والبُلْقِيني في ((محاسن الاصطلاح))". انتهى [قلت: ليس في ((محاسن الاصطلاح)) عند هذا المبحث (ص 220-221)، تصحيحٌ من البُلْقِيني لهذا القول، وإنما قال: "وذهب قوم إلى أنه لا يُشترط ذلك -أي بيانُ سبب الجرح- كما مرَّ مثلُه في التعديل على المشهور". انتهى. وقد وَهِم السيوطي رحمه الله تعالى في فهم العبارة، فجعَلَ قولَ البلقيني في العبارة السابقة (على المشهور) متعلقًا بقوله: "وذهب قوم إلى أنه لا يشترط ذلك". في حين أنه متعلق بقوله: "كما مَرَّ مثلُه في التعديل". وانظر ما نقلته تعليقًا في (ص 106-107) من كلام الإِمام البلقيني المفيد ميلَه إلى ترجيح القول الرابع].
    وقال البدر بن جماعة في ((مختصره)) عند ذكر القول الأول: "هذا هو الصحيحُ المختار فيهما، وبه قال الشافعي". انتهى.
    وقال الطِّيبي في ((خلاصته)) (ص 89) في حقّ القول الأول: "على الصحيح المشهور". انتهى.
    وفي ((إِمعان النظر بشرح شرحِ نخبة الفِكَر)) [للسندي]: "أكثرُ الحُفّاظِ على قبولِ التعديل بلا سبب، وعدمِ قبول الجرح إِلا بذكر السبب". انتهى.
    وفي ((شرح شرحِ النخبة)) (ص 122) لعليّ القاري: "التجريحُ لا يقبل ما لم يُبَيَّن وجهه، بخلاف التعديل فإنه يكفي فيه أن يقول: عَدْلٌ أو ثقة، مثلاً". انتهى.
    وفي ((شرح الإِلمام بأحاديث الأحكام)) [المسمّى بـ((الإِمام في شرح الإِلمام)) وهو و((الإِلمام)) كلاهما لابن دقيق العيد رحمه الله تعالى. والثاني: ((الإِلمام بأحاديث الأحكام)) طبع بدمشق سنة 1383]لابن دقيق العيد: "بعد أن يُوثَّقَ الراوي من جهة المزكِّين قد يكون الجرح مبهمًا فيه غير مفسَّر، ومقتضى قواعد الأصول عند أهله أنه لا يُقبل الجرح إلا مفسَّرًا". انتهى.
    وفي ((شرح صحيح مسلم)) للنووي [جاء نحو هذه العبارة للنووي في مقدمته لـ((شرح صحيح مسلم)) (1/ 25)]: "لا يُقبل الجرح إِلا مفسَّرًا مبيَّن السبب". انتهى.
    وفي ((كشف الأسرار شرح أصول البَزْدَوي)) (3/ 68) [للعلامة عبدالعزيز البُخاري، (ت 730)]: "أمَّا الطعنُ من أئمة الحديث فلا يُقبل مجملاً -أي مبهمًا- بأن يقول: هذا الحديثُ غيرُ مجروحٌ، أو ليس بعدل، من غير أن يَذْكر سببَ الطعن، وهو مذهب عامَّة الفقهاء والمحدثين". انتهى [قلت: هذا الإِطلاقُ في كلام ((كشف الأسرار)) غيرُ سديد، إذ قولُ العالم الناقد البصير بالحديث وعلومه: (هذا الحديثُ غير ثابت، أو حديثٌ منكر.. أو فلانٌ متروكُ الحديث..) مقبولٌ منه، كما قرره الحافظ ابن كثير في ((اختصار علوم الحديث)). وسيأتي نصُّ كلامه تعليقًا في الاستدراك على ابن الصلاح في هذا الموضوع ص 108 ، وقد جرى على قبول هذا الجرح أئمة الحديث. وكتبُ الحديث طافحة به كما تراه مستفيضًا في كتب الذهبي والزيلعي وابن حجر وغيرهم].
    وفي ((تحرير الأصول)) لابن الهُمام (2/ 258): "أكثرُ الفقهاء -ومنهم الحنفية- والمحدِّثينَ على أنه لا يُقبل الجرحُ إِلا مبينًا، لا التعديلُ، وقيل: بقَلْبه [أي بعكسه]، وقيل: فيهما، وقيل: لا فيهما". انتهى.
    وفي ((المنار)) وشرحه ((فتح الغفار)) (2/ 103): "الطعنُ المبهَم من أئمة الحديث بأن يقول: هذا الحديثُ غيرُ ثابت، أو منكرٌ، أو مجروحٌ، أو راويه متروكُ الحديث، أو غيرُ العدل: لا يَجْرحُ الراويَ، فلا يُقبل إِلا إِذا وَقَع مفسَّرًا بما هو جَرْح متفق عليه". انتهى.
    وفي ((شرح مختصر المنار)) لابن قُطْلُوبُغا: "لا يُسمع الجَرْح في الراوي إِلا مفسَّرًا بما هو قادح". انتهى.
    وفي ((شرح المنار لابن المَلَك (ص 664): "قال بعض العلماء: الطعنُ المبهم يكونُ جَرحًا، لأن التعديل المطلق مقبول، فكذا الجرح. قلنا: أسبابُ التعديل غيرُ منضبطة، والجَرْح ليس كذلك". انتهى [جاءت العبارة في ((شرح المنار)) لابن ملك من طبعة الآستانة المطبوعة سنة 1314 ومعه شرح المنار لابن العيني ص225 . وكما يستفاد من ((كشف الأسرار)) للبخاري (3/ 68). وقد بَيَّن فيه أن قائل هذا الرأي هو القاضي أبو بكر الباقلاني وجماعة].
    وفي ((الإِمتاح بأحكام السماع)): "ومن ذلك قولُهم: فلان ضعيف، ولا يُبَيِّنون وجه الضعف، فهو جَرْح مطلق، وفيه خلاف وتفصيلٌ ذكرناه في الأصول. والأولى ألا يُقبلَ من متأخّري المحدِّثين، لأنهم يَجْرحون بما لا يكون جَرحًا. ومن ذلك قولهم: فلان سيء الحفظ، وليس بالحافظ، لا يكون جرحًا مطلقًا، بل يُنظر إِلى حال المحدِّث والحديث". انتهى
    وفي ((التحقيق شرح المُنتخَب الحُسامي)) (ص 169) [وهو لمؤلف ((كشف الأسرار شرح أصول البزدوي: عبدالعزيز البخاري، وقد مرَّ ذكره في ص 99 منه رحمه الله]: "إِنْ طَعَنَ طعنًا مبهمًا لا يُقبل، كما لا يُقبل في الشهادة بما يُوجب الجَرح بالاتفاقِ ولكنَّ الطاعن معروف بالتعصب أو متهم به". انتهى.
    وفي ((التبيين شرح المنتخب الحُسَامي)) [هو لمؤلف ((غاية البيان)) حاشية الهداية: أمير كاتب بن أمير غازي قوام الدين إِتقاني، (ت 758)]: "إِن كان الإِنكارُ من أئمة الحديث، فلا يخلو إِما أن يكون الإِنكارُ والطعنُ مبهمًا: بأن قال: مطعونٌ أو مجروح، أو مفسَّرًا، فإن كان مبهمًا فلا يكون مقبولاً". انتهى.
    وفي ((التوضيح شرح التنقيح)) (2/ 14) [الشرح والمتن كلاهما لشارح ((الوقاية)): صدر الشريعة عبيدالله بن مسعود بن تاج الشريعة، (ت 747 أو 745)]: "فإن كان الطعن مجملاً: لا يُقبل، وإِن كان مفسَّرًا؛ فإن فُسِّرَ بما هو جرحٌ -شرعًا- متفق عليه والطاعن من أهل النصيحة لا من أهل العداوة والعصبية: يكون جرحًا، وإِلا: فلا". انتهى.
    وفي ((البناية شرح الهداية)) [هو للقاضي بدر الدين محمود بن أحمد العيني، مؤلف ((عمدة القاري شرح صحيح البخاري)) وغيره، (ت 855)] في بحث شعر الميتة (1/ 234): "الجَرْحُ المبهَم غيرُ مقبول عند الحُذَّاق من الأصوليين". انتهى. وفيه أيضًا في بحث سؤر الكلب (1/ 266) نقلاً عن ((تجريد القدوري)): "الجَرْحُ المبهم غيرُ معتبر". انتهى.
    وفي ((مرآة الأصول شرح مرقاة الوصول)) (2/ 229) [الشرح والمتن كلاهما لمؤلف ((الغُرَر))، وشرحِهِ ((الدُّرَر)): محمد بن فراموز الرومي الشهير بملاَّ خسرو، (ت 885)]: "إِن كان الطاعن من أهل الحديث فمُجمَلُهُ نحو إنَّ الحديث غيرُ ثابت أو مجروحٌ أو متروكٌ أو راويه غيرُ عدل: لا يُقْبل، ومفسَّرُه بما اتُّفق على كونه جرحًا -شرعًا- والطاعنُ ناصح: جَرْحٌ، وإِلا: فلا". انتهى.
    وفي ((فتح الباقي بشرح ألفية العراقي)) (2/ 303) [هو لشيخ الإِسلام زكريا بن محمد الأنصاري المصري، من تلامذة ابن حجر وابن الهمَام (ت 926)] عند ذكر القول الأول من الأقوال الأربعة: قال ابنُ الصلاح: إِنه ظاهر مقرر في الفقه وأصوله. وقال الخطيب: إِنه الصواب عندنا". انتهى.
    وعند القول الرابع (2/ 311): "اختاره القاضي أبو بكر الباقِلاَّاني ونَقَله عن الجمهور. ولما كان هذا مخالفًا لما اختاره ابنُ الصلاح من كون الجَرْح المبهم لا يُقبل قال جماعةٌ -منهم التاج السبكي-: ليس هذا قولاً مستقلاً، بل تحريرٌ لمحل النزاع، إِذا من لا يكون عالمًا بأسبابهما لا يُقبلان منه لا بإطلاق ولا بتقييد، لأن الحكم على الشيء فرعُ تصوره، أي فالنزاعُ في إِطلاق العالمِ دون إِطلاق غيره". انتهى.
    وفي ((فتح المغيث)) (للسخاوي، ص 130) عند ذكر القول الرابع: "اختاره القاضي أَبو بكر الباقِلاَّني ونَقَله عن الجمهور، واختاره الخطيب أيضًا، وذلك بعد تقرير القول الأول الذي تصوَّبه. وبالجملة فهذا خلاف ما اختاره ابن الصلاح في كون الجرح المبهم لا يُقبل. ولكن قد قال ابنُ جماعة: إِنه ليس قولاً مستقلاً، بل هو تحقيقٌ لمحل النزاع وتحريرٌ له، إِذ من لا يكون عالمًا بالأسباب لا يُقبل منه جرح ولا تعديل، لا بالإِطلاق ولا بالتقييد". انتهى.
    وثلُ هذه العبارات في كتب أصول الفقه وأصول الحديث وكتب الفقه: "كثيرةٌ لا تخفى على مَهَرة الشريعة، وكلها شاهدة على أن عدم قبول الجَرح المبهَم هو الصحيحُ النجيح. وهو مذهبُ الحنفيةِ وأكثرِ المحدّثين، منهم الشيخانِ وأصحابُ ((السنن الأربعة))، وإِنه مذهب الجمهور، وهو القول المنصور.
    ومن الناس من ظنَّ أنَّ الجَرح المبهَم يُقبل من العارف البصير، ونَسَبَه إِلى الجماهير، وأنه الصحيح عند المحدِّثين والأصوليين، وقد عرفتَ أنه قولُ أبي بكرٍ الباقِلاَّاني وجمعٍ من الأصوليين، وهو ليس قولاً مستقلاً عند المحققين، وعلى تقدير كونه قولاً مستقلاً: لا عبرة بِحذاءِ مذهب نُقَّاد المحدثين، منهم البخاريُّ ومسلمٌ وغيرُهما من أئمة المسلمين [قلت _القائل عبدالفتاح_: بالغ المؤلف كثيرًا في تصغير شأن القول الرابع، مع أنه مقابل للأول رجاحة، وقال الباقلاني: إنه قول الجمهور. وصحَّحه جمع من أئمة هذا الشأن، وجرى عليه جمهور المتأخرين، كما ستقف عليه تعليقًا على كلام ابن الصلاح في المقطع التالي].
    فائدة: قال ابن الصلاح في ((مقدمته)) (ص 188) بعد أن صحَّح عدمَ قبول الجرح المبهم بإطلاقه: "لقائل أن يقول: إِنم يَعتمد الناسُ في جرحِ الرواة وردِّ حديثهم على الكتب التي صنّفها أئمة الحديث في الجرح أو في الجرح والتعديل، وقلما يتعرَّضون فيها لبيان السَّبَب، بل يقتصرون على مجرَّد قولهم: فلانٌ ضعيف، وفلانٌ ليس بشيء، ونحوَ ذلك. أو هذا حديثٌ ضعيف، أو حديثٌ غير ثابت، ونحو ذلك. فاشتراطُ بيان السبب يُفضي إِلى تعطيل ذلك وسدّ باب الجرح في الأغلب الأكثر.
    وجوابُهُ: أن ذلك -وإِن لم نعتمده في إِثبات الجرحِ والحكم به- فقد اعتمدناه في أنْ توقَّفنا عن قبول حديثِ من قالوا فيه مثلَ ذلك، بناءً على أن ذلك أوقَعَ عندنا فيه ريبةً قويةً يوجبُ مثلُها التوقف، ثم مَن انزاحت عنه الريبة بالبحث عن حاله قبلنا حديثه ولم نتوقف، كالذين احتجَّ بهم صاحبا ((الصحيحين)) وغيرُهما ممن مَسَّهم مثلُ هذا الجَرح من غيرهم، فافهم ذلك فإنه مَخْلَص حسن". انتهى.
    [قلت: انتَقَد الإِمامُ البُلْقِيني في ((محاسن الاصطلاح)) (ص 222)، هذا المخلصَ الحسن فأجاد، قال رحمه الله تعالى: "فائدة: هذا المخلص فيه نظر، من جهة أن الريبة لا توجب التوقف، ألا تَرى أن القاضي إذا ارتاب في الشهود، فإنه يجوزُ أن يحكم مع قيام الريبة. وإنما كلامُ الأئمةِ المنتصبين لهذا الشأن، أهل الإنصاف والديانة والنصح، يؤخذُ مسلَّمًا، لا سيما إذا الشافعيُّ يقول في مواضع: هذا حديثٌ لا يثبته أهلُ العلم بالحديث، ورَدَّه بذلك". انتهى كلام البلقيني.
    وهذا الكلام منه رحمه الله تعالى يفيد ميلَه إلى ترجيحِ القولِ الرابع في مسألة الجرح المبهم من أهله، التي تقدمت في (ص 92، 94، 95، 104 و104-105).
    قال عبدالفتاح: هذا الإِشكال والجواب من الشيخ ابن الصلاح رحمه الله تعالى، إنما صار إليه، لأنه رجَّح القول الأول، وهو أن لا يُقبَل الجرحُ إلا مفسَّرًا، بخلاف التعديل. وهو قول راجح ولا ريب.
    ويقابل هذا القولَ الأول: القولُ الرابع، وهو قبولُ الجرح والتعديل من غير بيان سبب كل منهما، إذا كان الجارحُ والمعدِّلُ عارفًا بصيرًا بأسبابهما وهو قول راجح أيضًا فقد نَقَل المؤلف في (ص 95) عن السيوطي قولَه في ((تدريب الراوي)): "وهذا -أي القول الرابع- اختيارُ القاضي أبي بكر، ونقلَهُ عن الجمهور، واختاره الغزالي والرازي والخطيب، وصحَّحه أبو الفضل العراقي والبُلْقيني في محاسبن الاصطلاح". انتهى.
    ومن هذا يتبيَّنُ لنا أن في المسألة قولين راجحين، هما الأول والرابع، لكنَّ الأولَ يَلزَمُ منه أن تكون فائدة كتب أئمة الجرح والتعديل -وفيها الجروح المبهمة- التوقُّفَ في الراوي المجروح حتى تنزاح الريبةُ عنه. وهذا -كما ترى- تعطيلٌ وإلغاء لتلك الكتب الهامَّة المعتبرة، التي ألَّفها الأئمة الثقات الذين يجمعون بين الحِذق في العلم الرسوخ في الدين والورع.
    فلا مناصَ من ترجيحِ القول الرابع وتقديمه على القول الأول، وقد قال الباقلاني: إنه قولُ الجمهور، كما تقدم. وهو الذي جَرَى عليه علماء الجرح والتعديل من المتأخرين أيضًا، فدونك كتبَ هؤلاء الأئمة الحفاظ: المنذري وابن حجر والسخاوي والسيوطي والمُناوي ومن لحق بهم من أئمة هذا الشأن، فإنك تراهم في كتبهم يُعدِّلون ويُصحِّحون، وُجرِّحون ويُضعِّفون، دون بيان السبب.
    فعلى رأي ابن الصلاح تتعطَّلُ علينا أقوال هؤلاء الأئمة كلهم. ولا نستفيد منها سوى التوقف! أو التوقف الذي لا تنزاح الريبةُ عنه! ولهذا عارضَهُ في رأيه هذا الحافظُ ابنُ كثير في
    ((اختصار علوم الحديث)) (ص 104)، فقال رحمه الله تعالى: "قلتُ: أما كلامُ هؤلاء الأئمة المنتصبين لهذا الشأن، فينبغي فينبغي أن يؤخذ مسلَّمًا من غير ذكر أسباب، وذلك للعلم بمعرفتهم، واطِّلاعهم واضطلاعهم في هذا الشأن، واتصافِهم بالإِنصاف والديانة والخبرة والنصح، لا سيما إذا أطبقوا على تضعيف الرجل، أو كونِه متروكًا، أو كذَّابًا أو نحوَ ذلك.
    فالمحدِّثُ الماهر لا يَتخالجُهُ في مثل هذا وَقْفَة في موافقتِهم، لصدقهم وأمانتهم ونصحهم، ولهذا يقول الشافعي في كثير من كلامه على الأحاديث: (لا يُثبته أهلُ العلم بالحديث). ويردهُ ولا يَحتجُّ به بمجرَّد ذلك، والله أعلم". انتهى.
    وسبَقَ الحافظَ ابنَ كثير إلى اختيار هذا الرأي الإِمامُ الغزالي في ((المستصفى)) (1/ 162-163)، والشيخُ المحدّث ابنُ الأثير في مقدمة كتابه ((جامع الأصول)) (1/ 127-128) فقالا مشيرين إليه: "وقال آخرون: لا يجبُ ذكرُ سبب الجرح والتعديل جميعًا، لأنه إن لم يكن -أي الجارحُ الومعدِّل -بصيرًا بهذا الأمر فلا يَصلُح للتزكية والجرح، وإن كان بصيرًا فأيُّ معنى للسؤال؟
    والصحيحٌ أن هذا يَختلِفُ باختلاف أحوال المزكِّي، فمن حَصلَتْ الثقة ببصيرته وضبطه يُكتَفَى بإطلاقه، ومن عُرفَتْ عدالتُه في نفسه، ولم تُعرف بصيرتُه بشروط العدالة، فقد يُراجَع ويُستَفسَر". انتهى. فاعتمِدْ، والله يتولَّى هداك.
    ثم رأيتُ الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى، يقول في كتابه ((الأشباه والنظائر)) الفقهية (ص 559)، وهو يُعدِّدُ الفوارق بين الشهادة والرواية: "الرابع عشر: الأصحُّ في الرواية قبولُ الجرح والتعديل غيرَ مفسَّر من العالم، ولا يُقبَلُ الجَرحُ في الشهادة منه إلا مفسَّرًا". انتهى. فجعل القولَ الرابعَ في المسألة: الأصحَّ، ويكون هذا من السيوطي هنا مقابلاً لقوله في ((تدريب الراوي)) (ص 203)، عن القول الأول: (الصحيح). فهذا يؤيِّدُ ما ذهبتُ ورجَّحتُه تبعًا لمن ذكرتُهم من الأئمة، والله تعالى أعلم. ]
    قلت: فاحفظ هذه الفائدة الغريبة على المذهب الصحيح في باب الجرح المبهم من المذاهب الشهيرة، ولا تُبادر -تقليدًا بِمَنْ لا يفهم الحديثَ وأصولَه ولا يعرف فروعَه- إِلى تضعيف الحديث وتوهينه بمجرَّد الأقوال المبهَمة والجروح الغير المفسَّرة، الصادرة من نُقاد الأئمة في شأن راويه، وإِلى المشتكى من طريقة أهل عصرنا المخالفين لشريعة الأئمة الذي مضوا قبلنا، يبادرون إِلى تضعيف القويّ، وتوهين السويّ، من غير تأمل وتفكر، وتعمّل وتبصّر! .
    تذنيب/ مفيد لكلّ لبيب. اختار الحافظ ابن حجر في ((نخبته)) و((شرحه)) (ص 137، بحاشية الدرر): أن الجريح المجمَل المبهَم: يُقبل في حقّ مَنْ خلا عن التعديل، لأنه لما خلا عن التعديل، صار في حيّز المجهول [وهذا هو رأي الجمهور القائل: لا تَثبُتُ عدالةُ الراوي إلا بإثبات، وبعضُهم لم يَشترط في الراوي مَزيدًا على الإِسلام، كما حكاه السيوطي في ((تدريب الراوي)) (ً 115) من الطبعة الخيرية وص 210 من طبعة النمنكاني. وكأنَّ هذا القائل اعتبر العدالة أصلاً في المسلم، ولكن الجمهور رَدُّوا هذا الرأي بأن لا عدالة للراوي إلا بتعديل، وذلك للاستيثاق من صحة النقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه للناس]، وإِعمالُ قول المجرِّح أولى من إِهماله في حقّ هذا المجهول، وأما في حقّ من وُثِّق وعُدِّل: فلا يقبل الجرح المجمَل.
    وهذا وإن كان مخالفًا لما حقَّقه ابنُ الصلاح وغيرُه من عدم قبول الجرح المبهم بإطلاقه، لكنه تحقيقٌ مستحسن، وتدقيق حسن. ومِن هاهنا عُلِمَ أن المسألة مخمَّسة -فيها أقوالٌ خمسة- {ولكلٍ وجهةٌ هو مُوَلِّيها فاستبقوا الخيراتْ} [من سورة البقرة: 148]. وسارعوا إلى الحسنات. )).
    [أعتذر عن إطالة النقل فيما لا يتعلق بأصل الطرح (أحيانًا)، ويُنصح بالإطلاع على (المرصد الثاني، والثالث، والرابع) من الكتاب ففيه فوائد عظيمة، على أننا سننقل منهم ما يعنينا في هذا المقام فحسب خشية الإطالة ولعدم تشتيت الموضوع. ]

    7- من (ص 120-121) / فائدة: قد يُقدَّم التعديل على الجرح المفسَّر لوجوه، ولهذا لم يُقبَل الجرحُ في أبي حنيفة وشيخِهِ حماد ابن أبي سليمان وصاحبيه أبي يوسف ومحمدٍ وغيرِهم بأنهم من المرجئة..
    ((فائدة: قد يُقدَّم التعديل على الجرح المفسَّر أيضًا لوجوه عارضة تقتضي ذلك، كما سيأتي ذكرها مفصلة في ((المرصد الرابع)) إِن شاء الله تعالى.
    ولهذا؛ لم يُقبل جرحُ بعضِهم في الإِمام أبي حنيفة وشيخِه حمَّادِ ابن أبي سليمان وصاحبيه محمدٍ وأبي يوسف وغيرِهم من أهل الكوفة: بأنهم كانوا من المُرْجِئة. )).

    8- ومن (ص 121-126) / ردُّ جرح النسائي لأبي حنيفة، وذكرُ أن للنسائي تعنُّتًا في الرجال، مع التنبيه على دَسِّ ترجمة أبي حنيفة في ((ميزان الاعتدال)) ودليلُ ذلك..
    ((ولم يُقبل جرحُ النَّسائي في أبي حنيفة -وهو ممن له تعنُّتٌ وتشدُّدٌ في جَرْح الرجال- المذكورُ في ((ميزان الاعتدال)): "ضعَّفَه النسائي من قِبَل حفظه".
    [هذا على ما في بعض النسخ، فإنه توجد فيه في حرف النون ترجمة الإِمام أبي حنيفة. وتوجد فيه هذه اللفظة، وفي بعض النسخ لا أثر لترجمته في ((الميزان)). ويؤيده قولُ العراقي: إنه لم يذكر الذهبيُّ أحدًا من الأئمة المتبوعين. منه رحمه الله تعالى.
    قال عبدالفتاح: وقد أوسع المؤلف اللكنوي القولَ جدًّا في الاستدلال على دَسِّ ترجمة أبي حنيفة في بعض نسخ ((الميزان)) في كتابه ((غيث الغمام على حواشي إمام الكلام)) (ص 146) ، وذكَرَ وجوهًا كثيرة في تعزيز نفيها عن ((الميزان))، أقتصرُ على نقل الوجه الأول منها، وأُحيلُ القارئ إلى ما عداه لطوله. قال رحمه الله تعالى: "إن هذه العبارة ليستْ لها أثر في بعض النسخ المعتبرة على ما رأيتها بعيني. ويؤيده:
    _قول العراقي في ((شرح ألفيته)) (3/ 260): لكنه أي ابنَ عدي ذَكرَ في كتاب ((الكامل)) كلَّ من تُكلِّم فيه وإن كان ثقة، وَتبِعه على ذلك الذهبي في ((الميزان))، إلا أنه لم يذكر أحدًا من الصحابة والأئمة المتبوعين. انتهى.
    _وقولُ السخاوي في ((شرح الألفية)) (ص 477) مع أنه أي الذهبي تَبِعَ ابن عدي في إيراد كل من تُكلم فيه ولو كان ثقة، لكنه التزم أن لا يَذْكر أحدًا من الصحابة ولا الأئمة المتبوعين. انتهى.
    _وقولُ السيوطي في ((تدريب الراوي شرح تقريب النواوي)) (ص 519): إلا أنه أي الذهبي لم يَذكر أحدًا من الصحابة ولا الأئمة المتبوعين. انتهى.
    فهذه العباراتُ من هؤلاء الثقات الذين قد مرَّتْ أنظارهُم على نسخ ((الميزان)) الصحيحةِ مرَّات: تنادي بأعلى النداء على أنه ليس في حرف النون من ((الميزان)) أثرٌ لترجمة أبي حنيفة النعمان. فلعلَّها من زيادات بعض الناسخين والناقلين في بعض نسخ ((الميزان))؟.." انتهى كلام اللكنوي بالاختصار على وجه واحد من ((غيث الغمام)).
    قال عبد الفتاح: بل قد صَرَّح الذهبي في مقدمة ((الميزان)) (1/ 3) فقال: "وكذا لا أذكُرُ في كتابي من الأئمة المتبوعين في الفروع أحدًا، لجلالتهم في الإِسلام، وعظَمَتهم في النفوس، مثل أبي حنيفة والشافعي والبخاري، فإن ذكرتُ أحدًا منهم فأذكرُهُ على الإِنصاف، وما يضرُّهُ ذلك عند الله ولا عند الناس". انتهى.
    وجاءت في النسخة المطبوعة من ((الميزان)) بمطبعة السعادة بمصر سنة 1325 ، ترجمةُ أبي حنيفة (3/ 237) في سطرين، ليس فيها دفاعٌ عن أبي حنيفة إطلاقًا، وإنما تحطُّ على جَرْحه وتضعيفه، وكلامُ الذهبي في المقدمة ينفي وجودَها على تلك الصفة، لأنها تحمل القدح لا الإِنصاف.
    والطبعة الهندية من ((الميزان)) المطبوعة في مدينة لكنو سنة 1301 بالمطبع المعروف بأنوار محمدي، لم تذكر فيها ترجمةٌ للإِمام أبي حنيفة في أصل الكتاب، وإنما ذُكِر على الحاشية كلماتٌ في سطرين، قال مثبتُها: "لمَّا لم تكن هذه في نسخة، وكانت في أخرى، أوردتها على الحاشية". انتهى. فلما طُبع الكتاب بمصر سنة 1325 ، طُبعت تلك الكلمات التي على الحاشية في صُلب الكتاب، دون تنبيه!
    وقد رجعتُ إلى المجلَّد الثالث من ((ميزان الاعتدال)) المحفوظ في ظاهرية دمشق تحت الرقم (348 حديث) وهو جزء نفيس جدًّا، يبتدئ بحرف الميم، وينتهي بآخر الكتاب، وكله بخط العلاّمة الحافظ شرف الدين عبدالله بن محمد الواني الدمشقي، المتوفى سنة 749، تلميذ مؤلفه الذهبي رحمهما الله تعالى، وقد قرأه عليه ثلاثَ مرات مع المقابلة بأصل الذهبي، كما صرَّح بذلك في ظهر الورقة 109 وظهر الورقة 159، وفي غير موطن منه تصريحاتٌ كثيرة له بالقراءة والمقابلة أيضًا، فلم أجد فيه ترجمةً للإِمام أبي حنيفة النعمان في حرف النون ولا في الكُنى.
    وكذلك لم أجد له ترجمة في النسخة المحفوظة في المكتبة الأحمدية بحلب تحت الرقم 337، وهي نسخة جيدة كتبت سنة 1160 بخطّ علي بن محمد الشهير بابن مِشمشان، في مجلد واحد كبير، وقد كتَبَها عن نسخة كُتبت سنة 777 . ويوجد بخط الشيخ ابن مشمشان هذا في المكتبة الأحمدية بحلب، الجزء الأول والثالث والرابع والخامس من كتاب ((نصب الراية)) للحافظ الزيلعي، وذلك مما يدل على أنه من أهل العلم المشتغلين بالحديث، وهو (علي بن محمد بن الشيخ كامل، الشهير بابن مشمشان).
    وقد سَنَحَتْ لي في أوائل رمضان المبارك من سنة 1382 زيارةُ المغرب فرأيتُ في مدينة الرباط، في (الخزانة العامة) نصفَ مسخةِ المؤلف.. ((ميزان الاعتدال)) في مجلد واحد رقمها (129ق)، ناقصة يبتدئ القسمُ الموجود منها من أوائل ترجمة (عثمان بن مِقْسَم البُرِّيّ)، وهو يوافق أواخر الصفحة 190 من الجزء الثاني المطبوع بمصر سنة 1325 وينتهي بآخر الكتاب.
    وفي حواشي هذه النسخة كتبت إلحاقاتٌ كثيرة جدًّا في كل صفحة، حتى في بعض الصفحات أخَذَت الإِلحاقات الحواشيَ الثلاث وتارةً الحواشي الأربع للصفحة. وهي بخطٍ واحدٍ دون الحواشي الملحقة على جوانب الصفحات والأوراق المدرجة فيها، وقد كتب على الورقة الأخية من أصل النسخة قراءاتٌ كثيرة وتواريخُ لها ولنَسْخِها فكان من ذلك أن النسخة قُرئت على مؤلفها عدة مرات.
    وهذا نصُّ ما كُتِبَ في حواشي الورقة الأخيرة بحسب تسلسل تواريخه، لا بحسب ترتيب كتابته فيها:
    1- أنهاه كتابةً ومعارضةً لمؤلفه عبدُالله المقريزي في سنة تسع وعشرين وسبع مئة.
    2- أنهاه كتابةً ومعارضةً أبو بكر بن السرّاج داعيًا لمؤلفه في سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة.
    3- فَرَغَهُ نسخًا مرةً ثانيةً داعيًا لمؤلفه أبو بكر بن السرَّاج عفا الله عنه في سنة تسع وثلاثين وسبع مئة.
    4- قرأتُ جميع هذا ((الميزان)) وهو سفران على جامعه سيدنا شيخ الإسلام.. الذهبي أبقاه الله تعالى، في مجالس آخرها يوم السبت ثاني عشر شهر رمضان سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة بالمدرسة الصَّدْرية، بدمشق وكتَبَ سعيد بن عبدالله الدِّهْلي عفا الله عنه.
    5- قرأتُ جميع هذا الكتاب على جامعه شيخنا شيخ الإسلام.. الذهبي فسح الله في مدته، في مجالس آخرها يوم الجمعة ثاني عشر رجب الفرد سنة خمس وأربعين وسبع مئة بمنزله في الصَّدرية، رحم الله واقفها بدمشق المحروسة، وكتَبهُ علي بن عبدالمؤمن بن علي الشافعي البعلبكي حامدًا لله ومصليًا على النبي وآله ومسلمًا.
    6- فرَغَهُ نسخًا لنفسه داعيًا لمؤلفه أحمدُ بن عمر بن علي القوصي (؟) في العشر الآخر من ربيع الآخر سنة ست وأربعين وسبع مئة.
    7- فَرَغَهُ أبو القاسم ابن الفارقي عفا الله عنه داعيًا لمؤلفه.
    8- قرأتُ جميعَ كتاب ((ميزان الاعتدال في نقد الرجال)) وما على الهوامش من التخاريج والحواشي والملحقات بحسب التحرير والطاقة والتُّؤدَة، على مصنّفِهِ شيخنا الإمام العلامة.. الذهبي فَسَح الله في مدته، في مواعيد طويلة كثيرة، وافقَ آخرها يوم الأربعاء العشرين من شهر رمضان المعظم في سنة سبع وأربعين وسبع مئة في الصّدرية بدمشق، وأجازَ جميعَ ما يرويه، وكتَبَ محمد (بن علي الحنفي؟) بن عبدالله..". انتهى.
    وقد كانت وفاة الذهبي رحمه الله تعالى في ليلة الثالث من ذي القعدة سنة 748 كما في ((الدرر الكامنة)) لابن حجر (3/ 338).
    قلت: قد رجعتُ أيضًا إلى هذه النسخة العظيمة النادرة المثال في عالم المخطوطات، فلم أجد فيها ترجمة للإِمام أبي حنيفة رضي الله عنه، وهذا مما يَقْطَعُ معه المرءُ بأن الترجمة المذكورة في بعض نسخ ((الميزان)) ليست من قلم الذهبي، وإنما هي دخيلة على الكتاب بيد بعض الحانقين على الإِمام أبي حنيفة، وذلك أنها جاءت في سطرين لا تليق بمقام الإِمام الأعظم، ولا تُحاكي تراجمَ الأئمة الذين ذكرهم الذهبي لدفع الطعن عنهم، وهم دون أبي حنيفة إمامةً ومنزلةً، فقد أطال النَّفَس في تراجمهم طويلاً، وجلَّى مكانتَهم وإمامتهم أفضلَ تجلية.
    وكتابُ ((الميزان)) هذا: مرتعٌ واسعٌ لإِلحاق تراجم فيه للنيل من أصحابها، وقد امتدَّ إليه قلمُ غير الذهبي في مواطن، فيجبُ طبعه عن أصل مقروء على المؤلِّف، كالجزء المحفوظ بظاهرية دمشق، وكالقسم الموجود في خزانة الرباط. وإنما أطلتُ في هذه التعليقة كثيرًا: تنزيهًا لمقام الإِمام أبي حنيفة، وتبرئة لساحةِ الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى، وتعريفًا بالمخطوطات الموثوقة من ((ميزان الاعتدال)) ليُصار إلى طبعه عنها ممن يوفقه الله تعالى.
    وبعد مدة من كتابتي هذه رأيتُ لصديقنا العلاّمة الشيخ محمد عبدالرشيد النعماني الهندي حفظه الله تعالى كلمة حسنة في كتابه النافع ((ما تَمَسُّ إليه الحاجة لمن يُطالع سنن ابن ماجه)) (ص 47)، حقَّق فيها -على نحو آخر- دَسَّ ترجمةِ حنيفة على ((الميزان)). فانظره. وقد سَبقه إلى ذلك العلامةُ المحقِّقُ البارع ظهير أحسن النِّمْوي تلميذُ المؤلف اللكنوي، في كتابه ((التعليق الحسن على آثار السنن)) (1/ 88).
    ثم رأيت شيخنا العلامة الكبير مولانا ظَفَر أحمد العثماني التهانوي رحمه الله تعالى نقل في كتابه ((قواعد في علوم الحديث)) (ص 211) كلمة الحافظ الذهبي في مقدمة ((الميزان)) -وقد نقلتها في سابق كلامي- ثم علَّق عليها بقوله:
    "وبهذا يُعلَم أن ما يوجد في بعض نسخ ((الميزان)) من ذكرِ أبي حنيفة فيه وتضعيفه من جهة الحفظ فهو إلحاق، لأن المؤلف نصَّ بلفظه على عدم ذكره فيه أحدًا من الأئمة المتبوعين في الفروع، كيف وقد ذَكَر الذهبيُّ أبا حنيفة في الحُفَّاظ في ((تذكرته))؟ ونَصَّ في أول كتابه هذا بقوله: هذه تذكرة بأسماء معدَّلي حَمَلة العلم النبوي ومن يُرجَعُ إلى اجتهادهم في التوثيق والتصحيح والتزييف.. اهـ. فهذا يَدُلُّ على أن أبا حنيفة عنده حافظ إمام مجتهد في الحديث معدَّلٌ حامل للعلم النبوي". انتهى.
    ثم رأيتُ الأمير الصَّنْعاني في ((توضيح الأفكار)) (2/ 277) يقول: "لم يُترجَم لأبي حنيفة في الميزان". انتهى.. وقد سبَقَه إلى هذا الحافظُ السيوطي في ((تدريب الراوي)) (ص 519)، في (النوع الحادي والستين)، فقال: "والذهبيُّ في ((الميزان)) لم يذكر أحدًا من الصحابة والأئمة المتبوعين". انتهى.
    وكذلك لا وجود لترجمة أبي حنيفة في ((الميزان)) في نسخة الحافظ الضابط المتقِن محدِّث حلب في عصره سِبط ابن العجمي (إبراهيم بن محمد)، وهو قد فَرَغ من نسخها سنة 789 ، عن نسخةٍ قوبلت وعليها خَطُّ المؤلف، فصحَّ الجزمُ بأنها مقحمة في بعض النسخ من ((الميزان)) بغير قلم مؤلِّفِه الحافظِ الذهبي رحمه الله تعالى، وتتابعت الأدلة السابقة الناطقة على أنها مدسوسة في ((الميزان)). ] )). انتهى.

    9- في (ص 127-128) / ردُّ جرح الخطيب في أبي حنيفة ومتبعيه، وثناء طائفة من كبار أئمة الحديث عليه وتوثيقهم له..
    ((ولم يُقبل جَرحُ الخطيب البغدادي فيه وفي متَّبعيه، بعدَ قولِ ابن حجر في ((الخيرات الحسان)) (ص 74) نقلاً عن ابن عبدالبر رأسِ علماء الشأن: الذي رَوَوْا عن أبي حنيفة ووثَّقوه وأثنوا عليه: أكثَرُ من الذين تكلموا فيه. والذين تكلَّموا فيه من أهل الحديث: أكثرُ ما عابوا عليه الإِغراقُ في الرأي والقياس. أي: وقد مَرَّ أن ذلك ليس بعيب [(ص 72) من كتابه ((الخيرات الحسان))]. وقال الإِمام علي بن المَدِيني: أبو حنيفة رَوَى عنه الثوريُّ وابنُ المبارك وحمَّادُ بنُ زيد وهشامٌ ووكيعٌ وعبَّادُ بن العوَّام وجعفرُ بن عَوْن. وهو ثقةٌ لا بأس به [وعليُّ بن المديني تشدُّده في الرجال مشهور، نَصَّ عليه غير واحد، منهم الحافظ ابن حجر في ((هدي الساري)) في ترجمة (فضيل بن سليمان النميري) (2/ 156)]، وكان شعبةُ حسنَ الرأي فيه. وقال يحيى بنُ مَعِين: أصحابنا يُفْرطون في أبي حنيفة وأصحابه، قيل له: أكان يَكذب؟ قال: لا! [العبارة في ((الخيرات الحسان)): كان أبلَ من ذلك]. انتهى.
    وقد دفعتُ أكثرَ ما طعنوا به عليه، وأجبتُ عن كثير من الإيرادات الواردة عليه في مقدمة ((التعليق الممجَّد المتعلق بموطَّأ محمد)) [(ص 31-35) من طبعة المصطفائي سنة 1297، وقد طُبع هذا الكتابُ العظيم مراتٍ كثيرة، وكلها في الهند، أسألُ الله أن ييسرَ لي خدمتَه وطبعَه في بلادنا، فإنَّ خلوَّ مكتبة العالم منه لحرمان كبير]. فعليك بمطالعته بنظر الإِنصاف، لا ببصر الاعتساف. )). انتهى.

    10- من (ص 130، 131-132) / [تعليق للشيخ المحقق عبدالفتاح أبو غدة] بيان مُراد قول أبي حاتم في الراوي (ليس بالقوي).. ذكر وجود جماعة من الضعفاء في أوائل المئة الثانية، تكلَّم فيهم الجهابذة أبو حنيفة والأعمش وشعبةُ ومالك..
    ((وبالاستقراءِ إذا قال أبو حاتم: (ليس بالقوي)، يريد بها أن هذا الشيخ لم يَبلُغ درجةَ القويِّ الثَّبْت..)). انتهى
    ((قال الحافظ الذهبي في أول رسالته المسماة ((ذكر من يُعتَمدُ قولُهُ في الجرح والتعديل)) (ص 158) بعد أن قَسَم المتكلمين في الرجال إلى ثلاثة أقسام: 1- قسم تكلموا في أكثر الرواة..، 2- وقسم تكلموا في كثيرة من الرواة.. 3- وقسم تكلموا في الرجل بعد الرجل.. ثم قال: "والكلُّ أيضًا على ثلاثة أقسام: 1- قسم متعنِّتٌ في التوثيق، مُتَثَبِّتٌ في التعديل..، 2- وقسم في مقابل هؤلاء متساهلون.. 3- وقسم معتدلون منصفون..". وسيأتي نقلُ كلام الذهبي هذا بتمامه في (الإِيقاظ) 19 .
    ثم قال الذهبي رحمه الله تعالى: "فأوَّلُ من زكَّى وجرَّح عند انقراض عصر الصحابة: الشعبيُّ، وابنُ سِيرين، ونحوُهما، حُفِظَ عنهم توثيقُ أناسٍ وتضعيفُ آخرين.
    وسببُ قلة الضعفاء في ذلك الزمان: قلة متبوعيهم من الضعفاء، إذْ أكثرُ المتبوعين صحابةٌ عدول، وأكثرهم من غير الصحابة بل عامَّتهم: ثقاتٌ صادقون، يَعُون ما يَرْوون، وهم كبارُ التابعين، فيُوْجَدُ فيهم الواحِدُ بعدَ الواحِد فيه مقال، كالحارث الأعور، وعاصم بن ضَمْرة، ونحوهما.
    نعم فيهم عِدَّة من رؤوس أهل البِدَع، من الخوارج، والشيعة، والقَدَريَّة، نسأل الله العافية، كعبدالرحمن بن مُلْجَم، والمختار ابن أبي عبيد الكذَّاب، ومَعْبَد الجُهَني.
    ثم كان في المئة الثانية في أوائلها جماعةٌ من الضعفاء، من أوساط التابعين وصغارهم، ممن تُكلِّم فيهم من قِبل حفظهم، أو لبدعةٍ فيهم، كعطيَّة العَوْفي، وفرقد السَّبَخي، وجابر الجُعْفي، وأبي هارون العَبْدي.
    فلما كان عند انقراض عامَّة التابعين في حدود الخمسين ومئة، تكلَّم طائفة من الجهابذة في التوثيق والتضعيف، ووثَّق آخرين، فقال (أبو حنيفة): ما رأيتُ أكذبَ من جابر الجُعْفي. وضعَّف الأعمشُ جماعةً، ووثَّقَ آخرين، وانتَقد الرجالَ شعبةُ ومالك.
    فنشرعُ الآن بتسمية من كان إذا تكلَّم في الرجال قُبِلَ قولُه، ورُجِعَ إلى نقدهِ ونسوقُ من يَسَّر الله منهم، على الطبقات والأزمنة، والله الموفق للسداد بمنه". ثم ساقَهَم..)). انتهى.


    11- (ص 154) / قولهم في الراوي: ليس بذاك القوي، قد يراد به فتور الحفظ، وقول أحمد في الراوي: ليس بالقوي، يقصِد به لا يُصحَّحُ حديثُه بل يُحسَّن..
    ((مراتبُ ألفاظ التجريح على خمس مراتب:
    _المرتبة الخامسة: فلانٌ فيه مقال، فلانٌ ضُعِّفَ، أو فيه ضعف، أو في حديثه ضعف، وفلان يُعرفَ ويُنْكَر، وليس بذاك، أو بذاك القويّ [وقد يفسَّر نفيُ القوةِ عنه في هذا التعبير بفتور الحفظ، قال الحافظ ابن حجر في ((هدي الساري)) في ترجمة (أحمد بن بشير الكوفي) (2/ 112): "قال النسائي: ليس بذاك القول". ثم قال الحافظ: "فأما تضعيف النسائي له فمشعر بأنه غير حافظ". نقله شيخنا التهانوي في ((قواعد في علوم الحديث)) (ص 394). ]، وليس بالمتين، وليس بالقوي، وليس بحُجّة، وليس بعمدة، وليس بالمرضي، وفلانٌ للضعفِ ما هو [قال السخاوي في ((شرح الألفية)) (ص 162): "يَعْني أنه ليس ببعيدٍ عن الضعف". ]، وفيه خُلْف، أو فيه لِيْن، وتَكَلَّموا فيه. وكلُّ من ذُكِرَ من بعد قولي: (لا يساوي شيئًا) [يعني المذكورين في المرتبة الرابعة والخامسة كما في شرح العراقي المنقول عنه]، فإنه يُخْرَجُ حديثه للاعتبار [قلت: لكن يَعترِضُ هذا التعميمَ قولُ الحافظ ابن تيمية في ((إقامة الدليل)) (3/ 243) ضمن ((الفتاوى الكبرى))، عند ذكر (عُتْبة بن حُمَيد الضبي البصري): "قال فيه الإِمام أحمد: ضعيف، ليس بالقويّ، لكن أحمد يَقصِدُ بهذه العبارة (ليس بالقوي) أنه ليس ممن يُصحَّح حديثُه، بل هو ممن يُحسَّنُ حديثُه. وقد كانوا يُسمُّون حديثَ مثلِ هذا ضعيفًا، ويحتجون به، لأنه حَسَن، إذ لم يكن الحديث إذ ذاك مقسومًا إلى إلى صحيح وضعيف". انتهى. فتأمَّل. ]. انتهى. )). انتهى.

    12- من (ص 261-262) / قولهم في الراوي: (ليس مثل فلان) أو (غيرُه أحبُّ إلىّ) ليس بجرح يوجب إدخاله في الضعفاء..
    ((إيقاظ -17-
    في مدلول قولهم في الراوي: ليس مثل فلان
    كثيرًا ما يقول أئمةُ الجرح والتعديل في حقِّ راوٍ: إنه ليس مثلَ فلان، كقول أحمد في (عبدالله بن عُمَر العُمَري): إنه ليس مثلَ أَخيه -أَي عُبَيدِالله بن عُمَر العُمَري- أَو إِنَّ غيرَهُ أَحبُّ إِلي [يريد المؤلف بقوله: (غيرُه أحبُّ إليَّ) راويًا معيَّنًا مسمَّى، فتكون المفاضلة بين راويين، كما هي الشواهد فيما سيذكره، وإلا لو أراد بلفظ (غير) مبهمًا غيرَ معين، كان ذلك جرحًا للراوي، كما تقدم ذكره في المرتبة السادسة من مراتب ألفاظ الجرح، في (ص 180-182)]، ونحوَ ذلك. وهذا كلُّه ليس بجرح.
    قال الحافظ ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمة (أَزهر بن سعد السَّمان) (1/ 203): حَكَى العُقيلي في ((الضعفاء)) أَنَّ الإِمام أحمد قال [في ((العلل ومعرفة الرجال)) (1/ 137)]: ابنُ أبي عديّ أحبُّ إِلي من أزهر. قلت: هذا ليس بجرح يوجب إِدخاله في الضعفاء. انتهى [وانظر لزامًا ما تقدم تعليقًا في (ص 180)، عند قولهم في أدنى مراتب الجرح: (غيرُه أوثَقُ منه)]. )). انتهى.

    13- وفي (ص 284-291) / قول الذهبي: لم يجتمع اثنان على توثيق ضعيف ولا على تضعيف ثقة، وقول النسائي -والإمام أحمد وأحمد بن صالح المصري تعليقًا-: لا يُترَكُ حديثُ الرجل حتى يجتمع الجميعُ على تركه..
    ((..ومثلُ هذا يُخْتَلَفُ في تصحيح حديثه وتضعيفه، ومِن ثَمَّ قال الذهبيُّ -وهو من أهل الاستقراءِ التامِّ في نقد الرجال(*)-: لم يَجتمع اثنان من علماءِ هذا الشأن قطُّ على توثيقِ ضعيف، ولا على تضعيف ثقة(**)، ولهذا كان مذهبُ النَّسائي ألا يُتْرَك حديثُ الرجل حتى يَجتمع الجميعُ على تركه(***).
    [(*)نعم لقد شَهِد للإِمام الذهبي بذلك غيرُ واحدٍ من أفذاذِ العلماءِ المشهودِ لهم بالإِمامةِ وسعةِ العلمِ، فهذه الكلمةُ المذكورة هنا هي للحافظ ابن حجر شيخ الحافظ السخاوي، قالها في أواخر كتابه ((شرح النخبة))، في مبحث (مراتب الجرح والتعديل) (ص 126) بحاشية ((لَقْط الدُّرر))، ومنه أخذها تلميذُه السخاوي، كما أخذها الحافظ السيوطي من ((شرح النخبة)) أيضًا، فقالها في الذهبي في جزء ((المصابيح في صلاة التراويح))، المدرج في كتابه ((الحاوي للفتاوي)) (1/ 348).
    وقال تلميذُ الذهبيِّ الإِمامُ تاج الدين السبكي في ((طبقات الشافعي)) (5/ 216) من طبعة الحسينية، و(9/ 101) من طبعة البابي الحلبي المحققة:
    "وأما شيخُنا وأستاذُنا الإِمامُ الحافظ شمسُ الدين أبو عبدالله التُّركماني الذهبي، محدِّثُ العصر: فبَحْرٌ لا نظيرَ له، وكَنْزٌ هو الملجأُ إذا نَزَلت المُعضلة، إمامُ الوجود حفظًا، وذَهَبُ العصر معنًى ولفظًا، وشيخُ الجرح والتعديل، ورَجُلُ الرجالِ في كل سبيل، كأنما جُمِعَتْ الأُمَّةُ في صعيدٍ واحدٍ فَنَظَرَها، ثم أَخَذَ يُخبِرُ عنها آخبارَ من حَضَرَها، وهو الذي خرَّجنا في هذه الصناعة، وأدخَلَنا في عِداد الجماعة، جزاه الله تعالى عنا أفضلَ الجزاء، وجَعَل حَظَّه من غُرُفاتِ الجِنَانِ مُوفَّرَ الأجزاء". انتهى.
    ..
    وقال محدِّثُ الهند إمام العصر الشيخ محمد أنور شاه الكشميري الدُّيْوبَنْدي، المتوفى سنة 1352 رحمه الله تعالى، في كتابه العُجَاب ((فيض الباري على صحيح البخاري)) (1/ 179): "والذهبيُّ ممن قيل في حقه: إنه لو أُقيم على أكَمَةٍ والرُّواةُ بين يديه، لعَرَّفَ كلاً منهم بأسمائهم وأسماءِ آبائهم". انتهى. وكأنه أَخَذ هذا المعنى من كلمة الإمام السبكي الآنفة الذكر. فرَحِمَ الله الذهبيَّ وجزاه عن الإِسلام وعلوم السنة خيرَ الجزاء..
    (**)اختَلَف العلماءُ في تفسير كلمة الذهبي هذه كثيرًا، والذي ترجَّح للعبد الضعيف أن معناها: لم يقع الاتفاق من العلماء على توثيق "ضعيف"، بل إذا وثَّقَه بعضُهم ضَعَّفه آخرون. كما لم يقع الاتفاقُ من العلماء على تضعيف "ثقة"، فإذا ضعذَفه بعضُهم وثَّقه آخرون، فلم يتفقوا على خلافِ الواقع في جرحِ راوٍ أو في تعديله، فهم بمجموعهم محفوظون من الخطأ. ولفظُ (اثنان) هنا المرادُ به الجميعُ، كقولهم: "هذا أمر لا يَخْتَلِفُ فيه اثنان"، أي يتفق عليه الجميعُ ولا يُنازِع فيه أحد.
    هكذا فسَّرتُ كلمةَ الحافظ الذهبي، في الطبعة الأولى من هذا الكتاب سنة 1383، وفي الطبعة الثانية منه سنة 1388 ، ثم رأيتُ بعدَ ذلك ما يؤيد هذا التفسيرَ للعلامة الشاوي الجزائري، وسيأتي نصُّ كلامه فيما بعد. وقد نَقَل الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى كلمةَ الحافظ الذهبي هذه، في أواخر كتابه ((شرح نخبة الفكر))، عقب كلامه على ألفاظ الجرح والتعديل ومراتبها، فقال:
    "وينبغي أن لا يُقبَل الجرحُ والتعديلُ إلا من عدلٍ متيقظ، فلا يُقبَل جرحُ من أفرط فيه، فجَرَح بما لا يقتضي ردًا لحديث المحدِّث، كما لا يُقبَلُ تزكيةُ من أخذ بمجرد الظاهر فأطلَق التزكية.
    وقال الذهبي -وهو من أهل الاستقراء التام في نَقْدِ الرجال-. لم يَجتمع اثنان من علماء هذا الشأن قطُّ على توثيق ضعيف، ولا على تضعيف ثقة. انتهى. ولهذا كان مذهبُ النسائي أن لا يُترَك حديثُ الرجل حتى يجتمع الجميعُ على تكره". انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
    وقد اختَلَف العلماء في تفسير كلمة الذهبي، وهذه نماذجُ مما فُسِّرتْ به وما اعتُرِضَ به على تفسيرها، رأيتُ إيرادَها في صعيد واحد، ليَنظُرَ العلماء فيها، ثم وفقني الله إلى كشفها على الوجه الصواب.
    1- قال تلميذُ ابن حجر العلامة قاسم بن قُطْلُوْبُغا، في حاشيته على ((شرح نخبة الفِكَر)): "قال المصنِّفُ في تقريره: يعني يكون سبَبُ ضعفِه شيئين مختلفين، وكذا عكسُه. انتهى. قلتُ _القائل العلامة قاسم_: لم يقع المصنفُ على عِلمِ ذلك، ولم يَفهم المرادَ مَنْ قَبِلَ هذا من المصنِّف، وإنما معناه أن اثنين لم يتفقا في شخص على خلاف الواقع في الواقع، بل لا يتفقان إلا على من فيه شائبةٌ مما اتفقا عليه، والله أعلم".
    2- ونقله العلامة علي القاري في ((شرحِ شرحِ النخبة)) (ص 237)، ثم تعقَّبه بقوله: "والأظهر أن معناه لم يتفق اثنان من أهل الجرح والتعديل غالبًا على توثيق ضعيف، وعكسِه، بل إن كان أحدهما ضعَّفه وثَّقه الآخر، أو وثَّقه أحدهما ضعَّفه الآخر، وسبَبُ الاختلاف ما قرره المصنف: بأن يكون سبب ضعف الراوي شيئين مختلفين عند العلماء، في صلاحية الضعف وعدمه، فكلُّ واحد منهما تعلَّق بسبب، فنشأ الخلاف.
    فعُلِمَ من هذا التقرير أن التلميذ _يعني: العلامة قاسمًا_ لم يصب في التحرير، ولم يفهم المراد، مع أنه المطابق لما ذكره في المآل والمُفاد.
    وهذا المعنى هو المناسبُ لتعليله بقوله: (ولهذا كان مذهَبُ النسائي أن لا يُترَك حديثُ الرجل حتى يَجتمع الجميع _أي الأكثَرُ_ على تركه، فإن التعارض يوجب التساقط. وكأنَّ النسائي ذهب إلى أن العدالة مقدَّمة على الجرح عند التعارض، بناء على أن الأصل هو العدالة، بخلاف الجمهور كما سيجيء.
    وبهذا يندفع ما قال مُحَشٍ اعتراضًا على التعليل: فيه أنَّ ما يترَّعُ على قول الذهبي إنما هو: لا يُترَكُ حديثُ الرجل حتى يجتمع على تركه اثنان، أو: يُترَكُ حديثُ الرجل إذا اجتمع على تركه اثنان، لا ما ذكره من قوله: يَجتمع الجميعُ على تركه، انتهى. وقد ذكر شارح هنا ما لا طائر تحته". انتهى كلام علي القاري.
    3- وجاء في النسخة المخطوطة من كتاب ((الإعلان بالتوبيخ)) للسخاوي، التي طَبَع عنها الأستاذ حسام الدين القدسي الكتاب المذكور، تلعيقًا على قول الذهبي المذكور فيها ما يلي:
    "سألتُ شيخنا العلامة الرُّحلة الفهامة، الشيخ يحيى بن محمد بن عبدالله بن عيسى ابن أبي البركان الشاوي الجزائري، حيث اجتماعي به بالرَّمْلَة -في فلسطين- في 20 رمضان سنة 1081 ، عن قول الذهبي: (لم يَجتمع اثنان على توثيق ضعيف، ولا على تضعيف ثقة) ما المرادُ به؟
    فأجابني بأن المراد: لم يجتمع اثنان من غير مخالف، ونظيرُ ذلك قولهم: (لم يختلف اثنانِ من طبقةٍ واحدة)، فقال: لا حاجة إلى هذا التكلف، انتهى".
    قال عبدالفتاح: والعلامة الشاويُّ هذا من كبار علماء الجزائر بل فخرُهم في القرن الحادي عشر، توفي سنة 1096، وله ترجمة كبيرة حافلة في ((فهرس الفهارس والأثبات)) لشيخنا حافظ المغرب عبدالحي الكتاني رحمه الله تعالى، في الجزء (2/ 446-448).
    وقد أصاب رحمه الله تعالى في رَدِّ قولِ السخاوي: (من طبقة واحدة)، وفي أنه لا حاجة إليه، وفي تفسير كلمة الذهبي رحمهما الله تعالى.
    4- وقال علامة النابغة الشيخ عبدالعزيز الفَرْهاري الهندي ذو التآليف المحققة، المتوفى سنة 1241 عن اثنتين وثلاثين سنة رحمه الله تعالى، في آخر كتابه في علوم الحديث، المسمَّى: ((كوثر النبي)) (ص 102-103)، ما خلاصتُه:
    "اختلفوا في تفسير كلام الذهبي، فقيل: أراد أن الاثنين لم يتفقا على خلاف الواقع، بل لا يتفقان على الجرح أو التعديل إلا والواقعُ كما اتفقا عليه.
    وفيه بحث، فقد يتعارض جماعتان في الجرح والتعديل، كما في (الحارث بن عبدالله الأعور)، كذَّبه الشعبي وابن المديني، وقال النسائي: ليس به بأس، وأخرج له ابنُ حبان في ((صحيحه)). وكما في (الحاري بن عُمَير) وثَّقه الجمهور، وروى له البخاري في ((صحيحه)) تعليقًا، وقال الحاكم: رَوَى عن جعفر الصادق موضوعات، وقال ابن حبان: رَوَى الموضوعات عن الأثبات، وقال الأزدي: ضعيف.
    وقيل: أشار الذهبي إلى كثرة اختلافهم في التزكية، فلم يتفق اثنان فيها، بل إن وثَّق أحدُهما جرَّح الآخَرُ، وإن جرَّح أحدُهما وثق الآخر، وفيه بحث كما مَرّ.
    والجواب عنهما: أنه أراد الأكثر والأغلب". انتهى.
    5- وقال العلامة الأصولي عبدالعلي الأنصاري اللكنوي، في ((فواتح الرحموت بشرح مسلَّم الثبوت)) (2/ 155) من كتب أصول الحنفية:
    "قال الذهبي: لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن على توثيق ضعيف في الواقع، ولا على تضعيف ثقة في الواقع.
    ولعلَّ هذا الاستقراء ليس تامًا، فإن محمد بن إسحاق صاحب المغازي، قال شعبة فيه: صدوق في الحديث، قال ابن عيينة لابن المنذر: ما يقول أصحابك فيه؟ قال: يقولون: إنه كذاب. قال: لا تقل ذلك، سُئل أبو زرعة عنه فقال: من تكلَّم في محمد بن إسحاق؟! هو صدوق. قال عاصم بن عمر بن قتادة: لا يزال في الناس علم ما عاش محمد بن إسحاق. قال سفيان: ما سمعتُ أحدًا يتهم محمد بن إسحاق.
    وروى الميموني عن ابن معين: ضعيف، قال النسائي: ليس بالقوي، قال الدارقطني: لا يُحتَجُّ به ولا بأبيه، قال يحيى بن سعيد: تركته متعمدًا ولم أكتب حديثه، قال ابن أبي حاتم: ضعيف الحديث، قال سليمان التيمي: كذاب، قال مالك: أشهد أنه كذاب، قال وهب: ما يدريك؟ قال: قال لي هشام: أشهد أنه كذاب.
    فانظر، فإن كان هو ثقة، فقد اجتمع أكثَرُ من اثنين على تضعيفه، وإن كان ضعيفًا، فقد اجتمع أكثر من اثنين على توثيقه، فافهم". انتهى مصحَّحًا ما وقع فيه من خطأ.
    قال عبدالفتاح: قد مَشَى الشيخ عبدالعلي على أن لفظ (اثنان) على حقيقته _ظاهره_، كما هو صريح كلامه، وهو مردود عندي، والأقربُ أن المراد به الجميعُ من غير مخالف كما تقدم في كلام العلامة الشاوي الجزائري، ويكون معنى كلمة الحافظ الذهبي: لم يقع الاتفاقُ من العلماء على توثيق ضعيف، بل إذا وثقه بعضهم، ضعَّفه غيره، كما لم يقع الاتفاقُ منهم على تضعيف ثقة، فإذا ضعَّفه بعضهم وثقه غيره، فلم يتفقوا على خلافِ الواقع في جرح راوٍ، أو في تعديله، فهم بمجموعهم محفوظون من الخطأ.
    وهذا الذي قلتُه في تفسير كلمة الحافظ الذهبي في بدء هذه التعليقة وانتهائها، هو المتعيِّنُ في فهمها وبيانها، ويَنطقُ بذلك أوضحَ النطق سِياقُ عبارة الذهبي نفسِه هذه، فقد أوردها في رسالته ((الموقظة في علم مصطلح الحديث))، وقال رحمه الله تعالى فيها ما خلاصته:
    "والكلامُ في الرواة يَحتاجُ إلى وَرَع تامٌ، وبراءةٍ من الهوى والمَيْل، وخِبرةٍ كاملة بالحديث، وعِلَلِه، ورجالِه.
    ثم نحن نفتقر إلى تحرير عبارات التعديل والجرح، وما بين ذلك منا لعبارات المجاذَبَة، ثم أهمُّ من ذلك أن نعلم بالاستقراء التامِّ: عُرْفَ ذلك الإِمام الجِهبِذ، واصطلاحَه، ومقاصدَه، وبعباراته الكثيرة.
    ومن ثَمَّ قيل: تجبُ حكايةُ الجرح والتعديل، فمنهم: من نَفَسُهُ حادٌّ في الجرح، ومنهم: من هو معتدِل، ومنهم: من هو متساهل،..
    وقد يكون نَفَسُ الإِمام فيما وافق مضهبَه، أو في حالِ شيخِه ألطفَ منه فيما كان بخلافِ ذلك. والعصمةُ للأنبياء والصِّدِّيقين وحُكَّام القِسْط -كذا في المخطوطة-.
    ولكنَّ هذا الدين مؤيَّد محفوظ من الله تعالى، لم يَجتمع علماؤه على ضلالة، لا عمدًا، ولا خطأً، فلا يَجتمعُ اثنانِ على توثيقِ ضعيف، ولا على تضعيفِ ثقة، وإنما يقعُ اختلافُهم في مراتب القوَّةِ أو مراتب الضعف، والواحدُ منهم يتكلَّمُ بحسب اجتهادِه وقوةِ مَعَارفِه فإن قُدِّرَ خطؤه في نقده، فله أجرٌ واحد، والله الموفق". انتهى.
    وبهذا يتبدَّى لك ما وقع في تفسير كلمة الحافظ الذهبي من أوهام، من كبار الجهابذة الأعلام، حيث قَطَعها الحافظ ابن حجر عن سياقها وسباقها من الكلام، فتَشَتَّتْ فيها الآراء والأفهام، والحمد لله على فضله وتوفيقه.
    (***)وستأتي كلمة النسائي هذه بأتم من هذا السياق قريبًا، وهي ليست من كلام الذهبي في رسالتيه سابقتي الذكر، وإنما هي من كلام ابن حجر في كتابه :((شرح النخبة)). كما تقدم التنبيه عليه. وهي بسياقتها الآتية..، تؤكد المعنى الذي فسَّرتُ به كلمةَ الحافظ الذهبي في التعليقة السابقة.
    وجاء نحوُ هذه الكلمة عن الإِمام أحمد أيضًا، فقد جاء في ((تهذيب التهذيب)) للحافظ ابن حجر (5/ 337)، في ترجمة (عبدالله بن لَهيعة المصري): "قال يعقوب قال لي أحمد ابن حنبل: مذهبي في الرجال أني لا أَترُكُ حديثَ محدِّث حتى يَجتمع أهلُ مصرٍ على ترك حديثه".
    وجاء نحوُها أيضًا عن أحمد بن صالح المصري كما تقدم نقلُها تعليقًا، عند بيان من يقال فيه: (متروك). ونقَلَ شيخنا التهانوي رحمه الله تعالى في ((قواعد في علوم الحديث)) (ص 353) كلمة الإِمام أحمد هذه، ثم قال عقبها: "وهذا أيضًا مذهبُ الحنفية كما قدمناه في ص 349". ] )). انتهى.

    14- ومن (ص 306) / النسائي يخرج عن كل من لم يُجمَع على تركه، ونقدُ العراقي له ودفاعُ ابن حجر عنه..
    ((وقال السيوطي في ((زهر الرُّبَى على المجتبى)) (1/ 3): قال ابنُ الصلاح: حَكَى أبو عبدالله ابنُ مَنْدَه، أنه سمع محمدَ بن سَعْد البَاوَرْدِيَّ بمصر يقول: كان مذهَبُ النَّسائي أن يُخرِجَ عن كل من لم يُجْمَع على تركه.
    قال الحافظ أبو الفضل العراقي: هذا مذهبٌ متّسِع.
    قال الحافظ ابن حجر في ((نُكَتِه على ابن الصلاح)): ما حكاه عن الباوَرْدِيّ أراد بذلك إِجماعًا خاصًا [أي ما حكاه ابنُ الصلاح عن الباوردي أنه قال: إِنَّ النسائي يُخْرِجُ أحاديث من لم يُجمَع على تركه، أراد به إِجماعًا خاصًا] . )). انتهى.

    15- (ص 308) / بعض النقاد له تعنُّت في جرح أهل بلد أو مذهب..
    ((واعلم أن من النُّقَّاد من له تَعَنُّتٌ في جَرْح أهلِ بعضِ البلاد، أو بعضِ المذاهب، لا في جَرْح الكل، فحينئذ يُنَقَّ الأمرُ في ذلك الجرح.. )). انتهى.

    16- في (ص 324) / [تعليقة لعبدالفتاح] ذكرُ شهادة الإمام يحيى القطان وووكيع بن الجراح لأبي حنيفة بالفقه وحسن الفهم فيه، وأخذُهما وإفتاؤهما بقوله..
    ((..وهنا يتجلَّى: إنصافُ إمام أئمة الجرح والتعديل يحيى القطان، إذ يقول عنه يحيى بن معين: "سمعتُ يحيى بن سعيد القطاني يقول لا نكْذِبُ الله، ما سَمِعنا أحسَن رأيًا من رأي أبي حنيفة، وقد أخذنا بأكثر أقواله، قال ابن معين: وكان يحيى القطان يذهب إلى قول الكوفيين ويختار قوله من قولهم" كما في ((تهذيب التهذيب)) (10/ 45)، في ترجمة أبي حنيفة النعمان بن ثابت.
    وإنصاف الإِمام الحافظ الثبت محدِّث العراق وكيف بن الجراح الكوفي، أحَدِ الأئمة الأعلام، الذي وصفه الحافظ الذهبي بهذه الأوصاف في مستهل ترجمته له في ((تذكرة الحفاظ)) (1/ 306)، ثم قال: وقال يحيى بن معين: ما رأيت أفضل من وكيع، يقول الليل، ويسرد الصوم، ويفتي بقولِ أبي حنيفة، وكان يحيى القطان يفتي بقول أبي حنيفة أيضًا". انتهى. قال الحافظ القرشي في ((الجواهر المضية في طبقات الحنفية)) (2/ 208-209) "وكان وكيع أخَذَ العلم عن أبي حنيفة، وسَمِعَ منه شيئًا كثيرًا". انتهى. )). انتهى.

    17- ومن (ص 352-388) / في بيان معنى الإِرجاء السُّنّي والإِرجاء البِدعي..
    ((إيقاظ -22-
    في بيان معنى الإِرجاء السُّنّي والإِرجاء البِدعي
    [الإِرجاء الذين رُمي به كثير من الرواة لا يعني أنهم خارجون من أهل السنة داخلون في فرق الضلالة كما قد يظنه من لا علم عنده]..
    قد يَظنُّ مَنْ لا عِلمَ له -حي يَرى في ((ميزان الاعتدال)) و((تهذيب الكمال)) و((تهذيب التهذيب)) و((تقريب التهذيب)) وغيرِها من كتب الفن في حّ كثيرٍ من الرواة: بالإِرجاء عن أئمة النقد الأثبات، حيث يقولون: رُمِيَ بالإِرجاء، أو كان مُرْجِئًا، أو نحوَ ذلك من عباراتهم- كونهم خارجين من أهل السنة والجماعة، داخلين في فِرَق الضلالة، مجروحين بالبدعة الاعتقادية، معدودين من الفِرَق المُرْجئة الضالَّة.
    [وقوع كثير من الطاعنين في هذا الظن دعاهم إلى الطعن في الإمام أبي حنيفة وشيوخه وصاحبيه، لوجود إطلاق الإرجاء عليهم في كتب بعض النقلة]..
    [منشأُ ظنهم الخاطئ غفلتُهم عن أحد قسمي الإرجاء الذي هو محضُ السنة، وذهابهم إلى الإرجاء الذي هو بدعة ضالة]..

    ومِن هاهنا طَعَن كثيرٌ منهم على الإِمام أبي حنيفة وصاحبيه وشيوخه! لوجود إِطلاق الإِرجاء عليهم في كتب من يُعْتَمَدُ على من نَقْلِهم. ومَنْشأُ ظَنّهم: غفلتُهم عن أحَدِ قسمي الإِرجاء، وسرعةُ انتقالِ ذهنهم إلى الإِرجاء الذي هو ضلالٌ عند العلماء.
    [بيان الحافظ ابن حجر لمعنى الإرجاء بقسميه والتنبيه على خطأ وقع في عبارته]..
    [قال الحافظ ابن حجر في ((هدي الساري)) (2/ 179) ".. فالإِرجاء بمعنى التأخير، وهو عندهم على قسمين: منهم من أراد به تأخيرَ القول في الحكم على تصويب إِحدى الطائفتين اللتين تقاتلوا بعد عثمان. ومنهم من أراد تأخيرَ القول في الحكم على من أتى الكبائرَ وتَرَك الفرائضَ بالنار، لأنَّ الإِيمان عندهم الإِقرار والاعتقاد، ولا يَضُرُّ تركُ العَمَلِ مع ذلك". انتهى.
    هكذا الصواب عندي في العبارة: (ولا يَضُرُّ تَرْكُ مع ذلك)، كما كنت صوَّبتُها وأثبتُها في الطبعة الثانية من هذا الكتاب في (ص 217)، دون تنبيه على تصويبها مني.
    ثم لما حقَّقتُ كتاب ((قواعد في علوم الحديث)) لشيخنا التهانوي، ووَرَدَتْ فيه العبارة هكذا: (ولا يَضُرُّ العمَلُ مع ذلك)، أثبتها كما جاءت، نظرًا لأني رأيتها جاءت كذلك في ((هدي الساري)) في الطبعة البولاقية (ص 459)، وفي الطبعة المنيرية (2/ 179)، وفي المخطوطة المقروءة على المؤلف الحافظ ابن حجر وعليها خطه، وقد وصفتُها في (ص 200) من ((قواعد في علوم الحديث))، واستظهرتُ أنَّ المراد من العمل هو: إتيانُ الكبائر وتركُ الفرائض.
    والآن ترجَّح لذيَّ الجزمُ صوَّبتُه أولاً في العبارة، وهو: (ولا يَضُرُّ تَرْكُ العمل مع ذلك)، بزيادة لفظِ (ترك) الساقِط من العبارة سهوًا. وقد دعاني إلى ذلك ما رأيته في ((تهذيب الكمال)) للمِزِّي -مخطوط-، وهو مما يتصل بموضوع (الإِرجاء) أيضًا، في ترجمة العبد الصالح الجليل الثقة (إبراهيم بن طَهْمَان الخراساني ثم المكي)، المتوفى بها سنة 168، ورَوَى حديثَه الأئمة الستة في كتبهم، وهو ما يلي:
    [تفسير الإرجاء عن أبي الصلت الهروي تلميذ سفيان بن عيينة]..
    "قال أبو الصَّلْت عبدُالسلام بن صالح الهروي: سمعتُ سفيان بن عيينة -في مكة- يقول: ما قَدِمَ علينا خراساني أفضلُ من أبي رجاء عبدِالله بن واقِدٍ الهروي، قلتُ له: فإبراهيمُ بن طَهْمان؟ قال: كان ذلك مُرجئًا.
    قال أبو الصلت: لم يكن إرجاؤهم هذا المذهبَ الخبيث: إِنَّ الإيمان قول بلا عمل، وإِنَّ تَرْكَ العمل لا يُضِرُّ بالإِيمان، بل كان إرجاؤهم أنهم يَرْجُون لأهل الكبائر الغفران، رَدًّا على الخوارج وغيرهم، الذين يكفِّرون الناس بالذنوب. وكانوا يَرْجُون ولا يُكفِّرون بالذنوب، ونحن كذلك". انتهى.
    فقوله: (وإِنَّ تَرْكَ العمل لا يُضِرُّ بالإيمان) يُعيِّن أن يكون صواب عبارة ((هدي الساري)) (ولا يَضرُّ تَرْكُ العمل مع ذلك). والله تعالى أعلم.
    [ تأييد العلامة التهانوي لما قاله الحافظ ابن حجر في تفسير الإرجاء، وبيانُ حكمِه]..
    قال شيخنا العلامة الكبير ظفر أحمد التهانوي رحمه الله تعالى في ((قواعد في علوم الحديث)) (ص 233)، بعد نقلِه كلام الحافظ المذكور: "ولا يخفى أن الإِرجاء بالمعنى الأول ليس من الضلالة في شيء، بل هو -والله- الورعُ والاحتياط، والسكوتُ عما جرى في الصحابة وشجَرَ بينهم أولى، فليس كلُّ من أُطلِقَ عليه الإِرجاء متهمًا في دينه، وخارجًا عن السُّنَّة، بل لا بُدَّ من الفحص عن حاله:
    فإِن كان أُطلق عليه لإِرجائه -أي تأخيره وتفويضِه- أمْرَ الصحابة الذي تقاتلوا فيما بينهم إلى الله وتوقُّفِه عن تصويب إِحدى الطائفتين: فهو من أهل السُّنَّة، ومن حزبِ الله الورعين حتمًا.
    وإن أُطلِقَ عليه الإِرجاء لقوله بعدم إِضرار المعاصي فهو الذي يُتَّهم في دينه". انتهى.
    وانظر لِزامًا ما سبق نقلُه تعليقًا في (ص 81-83)، من كلام شيخنا الإِمام الكوثري رحمه الله تعالى، في بيان الإرجاءِ الذي هو السنة والإِرجاءِ الذي هو الضلال، فإِنك لا تظفر بمثله في كتاب.
    [أولُ من تكلَّم بالإرجاء المشروع التابعيُّ الجليل الحسن بن محمد الهاشمي المدني، ونصُّ كلامه في هذا الموضوع ثم نصُّ رسالته فيه فقف عليها، وثناء الحافظ ابن حجر عليها]..
    قلت: وأوَّلُ من قال بالإرجاء، بالمعنى الأول المشروع، هو التابعي الجليل: أبو محمد الحَسنُ بن محمد بن علي ابن أبي طالب، الهاشمي المَدَني التوفى سنة 95 ، المعروفُ والدُهُ بابن الحنفية، قال الحافظ الذهبي في ((تاريخ الإسلام)) (3/ 358)، في ترجمته:
    "قال سَلاَّم ابن أبي مطيع، عن أيو السختياني -البصري التابعي، المولود سنة 68، والمتوفى سنة 131-، قال: أنا أتبرَّأُ من المرجئة، إِنَّ أوَّل من تكلَّم في الإِرجاء رجلٌ -من أهل المدينة- من بني هاشم، يقال له: الحَسنُ بن محمد.
    وقال عطاء ابن أبي طالب، فلاماه على الكتاب الذي وضعه في الإِرجاء، فقال: لَوَدِدْتُ أني -كنتُ- مِتُّ ولم أكتبه.
    وقال يحيى بن سعيد، عن عثمان بن إبراهيم بن حاطب: أوَّلُ من تكلَّم في الإِرجاء: الحسَنُ بن محمد، كنتُ حاضرًا يوم تكلم، وكنت في حلقته مع عمي، وكان في الحلقة جَخْدَب -بن جَرْعَب الكوفي، أبو الصَّقْعَب النسابة الشاعر الراوي عن عطاء- وقومٌ معه، فتكلموا في عثمان وعلي وطلحة وآل الزبير فأكثروا، فقال الحسَنُ: سمعتُ مقالتكم هذه، ولم أر شيئًا أمثَلَ من أن يُرجَأَ عثمانُ وعلي وطلحة والزبير، فلا يُتَوَلَّوْا ولا يُتَبَرَّأَ منهم.
    ثم قام فقمنا، فقال لي عمي: يا بُنَيَّ ليَتخِذَنَّ هؤلاء هذا الكلام إِمامًا. وبلَغَ أباه محمدَ بنَ الحسن ما قال: فضَرَبه بعصًا فشَجَّه، وقال: لا تَوَلَّى أباك عليًا؟! قال: وكتَبَ الرسالة التي ثَبَّت فيها الإِرجاء بعدَ ذلك. قال ابن سعد -في ((الطبقات الكبرى)) (5/ 328)-: هو أوَّلُ من تكلَّم في الإِرجاء، وكان من ظُرَفاء بني هاشم وعقلائهم.
    قلت _القائل الذهبي_: الإِرجاءُ الذي تكلَّم به، معناه أنه يُرجَأ أمرُ عثمان وعلي إلى الله تعالى، فيَفعَلُ فيهم ما يشاء.
    ولقد رأيتُ أخبار الحسن بن محمد، في ((مسند علي رضي الله عنه)) ليعقوب بن شيبة، فأورَدَ في ذلك كتابَه في الإِرجاء، وهو نحو ورقتين، فيها أشياء حسنة، وذلك أن الخوارج -وهم الذين أنكروا على عليّ التحكيمَ، وتبرَّؤوا منه ومن عثمان وذرياته، وقاتلوهم- تولَّتْ الشيخين، وبَرئَتْ من عثمان وعليّ، فعارضَتْهم السَّبَائِيَّة -ويقال: السَّبئيَّة أيضًا، وهم طائفة من غُلاة الشيعة، نسبةً إلى عبدالله بن سبأ أحدِ الغلاة المبتدعة الزنادقة- فبَرئَتْ من أبي بكر وعمر وعثمان، وتولَّتْ عليًا وأفرطَتْ فيه. وقالت المُرْجِئةُ: الأَولَى نتولَّى الشيخين، ونُرجيءُ عثمان وعليًا فلا نتولاَّهما ولا نتبرَّأُ منهما.
    وقال محمد بن طلحة اليارمِي: اجتمَع قُرَّاءُ الكوفة قبل الجماجم، فأجمع رأيهم على أن الشهادات والبراءات: بدعة، منهم أبو البَخْتَرِي. وقال إبراهيم بن عيينة: حدثنا عبدالواحد بن أيمن، قال: كان الحسن بن محمد إذا قَدِمَ مكة، نَزَل على أبي، فيَجتمعُ عليه إخوانُه فيقول لي: اقرَأْ عليهم هذه الرسالة، فكنتُ أقرأها.
    أما بعد فإنَّا نوصيكم بتقوى الله، ونحثكم على أمره، إِلى أن قال: ونُضِيفُ ولايتَنا إلى الله ورسوله، ونَرضَى من أئمتنا بأبي بكر وعمر أن يُطاعا، ونَسخَطُ أن يُعصَيَا، ونُرجيءُ أهلَ الفُرقة، فإن أبا بكر وعمر لم تَقتتل فيهما الأُمة ولم تَختلف فيهما الدعوة، ولم يُشَكّ في أمرهما، وإنما الإِرجاءُ فيما غاب عن الرجال ولم يَشهدوه.
    فمن أنكر علينا الإِرجاءَ، وقال: متى كان الإِرجاء؟ قلنا: كان على عهد موسى، إذ قال له فرعون: (فما بالُ القُرُونِ الأُولَى؟ قال: عِلمُها عند ربي في كتاب).
    إلى أن قال: منهم شيعةٌ مُتمنِّية، يَنقمون المعصيةَ على أهلها، ويعملون بها، اتخذوا أهلَ بيت من العَرَب إمامًا، وقلَّدوهم دينَهم، يُوالون على حُبِّهم، ويُعادُون على بُغضِهم، جُفاةٌ للقرآن، أتباعٌ للكُهَّان، يَرجُون الدولةَ في بعثٍ يكون قبلَ الساعة، حرَّفوا كتاب الله، وارتشوْا في الحكم، وسعَوْا في الأرض فسادًا. وذكر الرسالة بطولها.
    وقال ابنُ عيينة عن عَمْرو بن دينار، قال: قرأتُ رسالةَ الحسن بن محمد بن علي أبي الشعثاء، فقال لي: ما أحببتُ شيئًا كَرِهَه، ولا كرهتُ شيئًا أَحبَّه". انتهى بزيادة ما بين المعترضتين، مع تصحيح ما وقع فيه من تحريف فاحش، وزيادةِ كلماتٍ يسيرة من ((تهذيب الكمال)) للحافظ المِزِّي و((تهذيب التهذيب)) للحافظ ابن حجر.
    وقال الحافظ ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) (2/ 321)، في ترجمة (الحسن بن محمد الهاشمي المدني) المذكور، بعد أن نَقَل أقوال العلماء فيه: إنه أوَّلُ من تكلم في الإِرجاء.
    "قلت: المرادُ بالإِرجاء الذي تكلَّم الحسَنُ بن محمد فيه غيرُ الإِرجاءِ الذي يَعيبُه أهلُ السُّنَّة، المتعلِّقِ بالإِيمان، وذلك أني وقفتُ على كتاب الحسن بن محمد المذكور، أخرجه ابن أبي عُمَر العَدَني في كتاب ((الإِيمان)) له، في آخره.
    قال: حدثنا إبراهيم بن عيينة، عن عبدالواحد بن أيمن، قال: كان الحسن بن محمد يأمرني أن أقرأ هذا الكتاب على الناس: أما بعد فإنَّ نوصيكم بتقوى الله، فذكر كلامًا كثيرًا في الموعظة والوصية بكتاب الله واتباع ما فيه، وذكر اعتقاده، ثم قال في آخره:
    ونُوالي أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، ونُجاهد فيهما، لأنهما لم تَقتَتِل عليهما الأمة، ولم تَشُكَّ في أمرهما، ونرجيء مَنْ بعدَهما ممن دخَلَ في الفتنة، فنكل أمرهم إلى الله. إلى آخر الكلام.
    فمعنى الذي تكلَّم فيه الحسَنُ: أنه كان يَرى عدمَ القطع على إحدى الطائفتين المقتتلتين في الفتنة بكونه مخطئًا أو مصيبًا، وكان يَرى أنه يُرجَاُ الأمرُ فيهما. وأما الإِرجاءُ الذي يتعلَّقُ بالإِيمان، فلم يُعرِّج عليه، فلا يَلحَقُه بذلك عابٌ والله أعلم". ]
    [تقسيم الشهرستاني الإرجاءَ على معنيين، وذكره تعاريف للإرجاء]..
    فقد قال محمدُ بن عبدالكريم الشَّهْرَسْتانيّ في كتاب ((المِلَلِ والنِّحَل)) (1/ 125) عند ذكرِ فِرَق الضَّلالة: "ومِن ذلك: المُرْجِئة، والإِرجاءُ على مَعْنَيْين:
    أحدُهما/ التأخيرُ كما في قوله تعالى: {قالوا أَرْجِهْ وأَخَاهُ} [من سورة الشعراء: 36). أي أَمهِلْه.
    والثاني/ إِعطاءُ الرجاء.
    أما إِطلاقُ المُرْجِئة على الجماعة بالمعنى الأول فصحيح، لأنهم كانوا يُؤخِّرون العمَل عن النيةِ والاعتقاد.
    وأما بالمعنى الثاني فظاهر، فإنهم كاناو يقولون: لا يضرُّ مع الإِيمان معصية، كما لا ينفعُ مع الكفر طاعة.
    وقيل: الإِرجاءُ: تأخير حكم صاحب الكبير إلى يوم القيامة، فلا يُقْضَى عليه بحكمٍ مَّا في الدنيا من كونِه من أهل الجنة أو النار. فعلى هذا المرجئة والوعيديةُ فِرقتانِ متقابلتان.
    وقيل: الإِرجاءُ: تأخيرُ عليّ رضي الله عنه عن الدرجة الأولى إلى الرابعة. فعلى هذا: المرجئةُ والشيعةُ متقابلتان.
    [المرجئة أربعة أصناف، وبيان فروع المرجئة الخالصة كالثوبانية، والتومنية، والصالحية، واليونسية، والعبيدية، والغسانية]..
    والمرْجئيةُ أصنافٌ أربعة: مُرجِئة الخوارج، ومُرجِئة القَدَرية، ومُرجِئة الجَبْرية، والمُرْجئة الخالصة". انتهى.
    ثم ذكر الشَّهْرَسْتاني (1/ 127) فِرَق المُرْجئة الخالصة مع ذكر معتقداتهم ومُزخرفاتهم:
    كالثَّوْبَانِيَّةِ: أصحابِ أبي ثَوْبَان المُرجئ، الذين زعموا أَنَّ الإِيمان: هو المعرفةُ والإِقرارُ بالله تعالى وبرسله وبكلّ ما لا يجوز في العقل أن يفعله.
    والتُّوْمَنِيَّةِ: أصحاب أَبي مُعاذ التُّوْمَني الذي يزعُمُ أنَّ الإِيمان هو ما عَصَم من الكفر، وهو اسمٌ لِخصالٍ إذا تركها التاركُ كَفَر، وهي المعرفة، والتصديق، والمحبَّة، والإِخلاص، والإِقرار بما جاء به الرسول.
    والصَّالحِيَّةِ: أصحابِ صالح بن عَمْرو، القائلين: بأنَّ الإِيمان هو المعرفةُ بالله على الإِطلاق، والقولَ: بثالثِ ثلاثةٍ ليس بكفر، ويصحُّ الإِيمانُ مع جَحْد الرسول، والصلاةُ وغيرُهما ليست بعبادة، إنما العبادةُ معرفةُ الله.
    واليُونُسِيَّةِ: القائلين: بأن الإِيمان هو معرفةُ الله، وتَرْكُ الاستكبار عليه، والخضوعُ له، والمحبةُ بالقلب، ولا يضرُّ تركُ ما سوى المعرفة من الطاعات الإِيمانَ [في عبارة المؤلّف اختصارٌ زائد. وعبارة ((الملل والنحل)) في (ص 125) هكذا: "اليونسية أصحاب يونس بن عون النُّمَيري، زعم أن الإِيمان هو المعرفةُ بالله، والخضوعُ له، وتركُ الاستكبار عليه، والحبةُ بالقلب. فمن اجتمعت فيه هذه الخصال فهو مؤمن، وما سوى ذلك من الطاعة فليس من الإِيمان، ولا يضرُّ تركُها حقيقةَ الإِيمان..."]، ولا يُعذَّبُ على ذلك، وقال رئيسُهم يونسُ النُّمَيري: إنَّ إِبليس لعنه الله كان عارفًا بالله وحده، غيرَ أَنه أَبَى واستكبر فكَفَر باستكباره.
    والعُبَيْديَّةِ: أصحابِ عُبَيْدٍ المُكَتِّبِ، القائلِ: بأنَّ ما دون الشرك مغفورٌ لا محالة.
    والغسَّانيَّةِ: أصحابِ غسَّان بنِ أبانٍ الكوفي، الزاعمِ أنَّ الإِيمان هو المعرفةُ بالله ورسوله، والإِقرارُ بما أنزل الله وبما جاء به الرسول، وأَنَّه لو قال قائلٌ: أَعلَمُ أنَّ الله فَرَض الحجَّ إلى الكعبة، غيرَ أني لا أَدري الكعبةُ ولعلَّها في الهند؟ كان مؤمنًا.
    فهذه فِرقُ المُرجِئة، وضلالاتُهم، وليُطلَبْ تفصيلُ ذلك من كتب علم الكلام المشتملة على ذكر مقالاتهم.
    وجملةُ التفرقة: بين اعتقاد أهل السنة، وبين اعتقاد المرجئة:
    أنَّ المُرجئةَ: يكتفون في الإِيمان بِمعرفة الله ونحوِهِ، ويجعلون ما سوى الإِيمان من الطاعاتِ وما سوى الكفرِ من المعاصي: غيرَ مضرَّةٍ ولا نافعة، ويتشبَّثون بظاهرِ حديث: (من قال لا إِله إِلا الله دَخلَ الجنة).
    وأهْلَ السنة: يقولون: لا تكفي في الإِيمان المعرفةُ، بل لا بُدَّ من التصديق الاختياري مع الإِقرار اللّساني، وإِنَّ الطاعاتِ مفيدة، والمعاصيَ مضرَّة مع الإِيمان، تُوصِل صاحبها إِلى دار الخسران.
    [إطلاق الإِرجاء على قسمين: إرجاء أهل الضلالِ، وإِرجاء أهل السنة، والمرجئة فرقتان: مرجئة الضلالة، ومرجئة أهل السنة، وأبو حنيفة وتلامذته وشيوخه وغيرهم من الرواة الأثبات: من مرجئة أهل السنة]..
    والذي يجب علمُهُ على العالِم المشتغِلِ بكتب التواريخ وأسماءِ الرجال: أنَّ الإِرجاءَ يُطلق على قسمين:
    أحدُهما/ الإِرجاءُ الذي هو ضلالٌ، وهو الذي مرَّ ذِكره آنفًا.
    وثانيهما/ الإِرجاءُ الذي ليس بضلال، ولا يكون صاحبُهُ عن أهل السنة والجماعة خارجًا، ولهذا ذكروا أنَّ المرجئة فِرقتان، مُرْجِئة الضلالة، ومُرْجِئة أهل السُّنَّة، وأبو حنيفة وتلامذته وشيوخه وغيرُهم من الرواةِ الأثبات إِنما عُدُّوا مِن مُرْجِئة أهلِ السُّنَّة، لا مِن مُرجِئة الضلالة [انظر لزامًا ما سَبَق نقلُه تعليقًا عن شيخنا الإِمام الكوثري رحمه الله تعالى ص 81-83 ، في بيان الإِرجاء الذي يُنسَبُ إِلى الإِمام أبي حنيفة رضي الله عنه].
    [سبب عَدّ أبي حنيفة وأصحابه: مرجئة]..
    قال الشَّهْرَسْتاني عند ذكرِ الغّسَّانِية [في ((الملل والنحل)) (1/ 126)]: "ومِن العَجَب أنَّ غسَّان كان يحكي عن أبي حنيفة مثلَ مذهبه ويَعُدُّه من المُرْجِئة! ولعلَّه كّذّب عليه؟ ولَعَمْري كان يُقالُ لأبي حنيفة وأصحابه: مُرْجِئةُ السُّنَّة.
    ولعلَّ السَبَبَ فيه أنه لمَّا كان يقول: الإِيمانُ هو التصديقُ بالقلب، وهو لا يزيد ولا ينقص، نُسِبَ إِليه أنهُ يُؤخِّ العملَ عن الإِيمان. والرجلُ مع تَبَحُّرِهِ بالعلم كيف يفتي بترك العمل؟! .
    وله سبَبٌ آخر، وهو أنه كان يخالف القَدَريةَ والمعتزلةَ الذين ظهروا في الصدر الأول. والمعتزلةُ كانوا يُلقِّبون كلَّ مَنْ خالَفَهم في القَدَر مُرْجِئًا. وكذلك الوَعِيديةُ من الخوارج، فلا يَبْعُدُ أنَّ اللقب إِنما لَزِمه عن فريقي المعتزلة والخوارج". انتهى.
    [تقسيم المرجئة عن كتاب ((الطريقة المحمدية)) إلى أربعة أضرب وبيانُها]..
    وفي ((الطريقة المحمدية)) (1/ 299 ، بشرح الطريقة المحمدية للخادمي): "أمّا المُرْجئة: فإنَّ ضربًا منهم يقولون: نُرجئُ أمرَ المؤمنين والكافرين إِلى الله، فيقولون: الأمرُ فيهم موكولٌ إِلى الله، يَغْفرُ لمن يشاء من المؤمنين والكافرين، ويُعِّبُ من يشاء [جاء هنا في ((الطريقة المحمدية)) بعد هذه الجملة: "ويقولون: له تعالى الآخرة والأولى، يعذِّب من يشاء من المؤمنين في الدنيا، بالفقر والمرض والمصائب، ويُنَعِّمُ من يشاء من الكافرين، وذلك عَدْل، فكذلك في الآخرة، فيسوُّون حكمَ الآخرة والأولى، في المؤمن والكافر، في المغفرة والمؤاخذة، فهؤلاء..."]، فهؤلاء ضربٌ من المرجئة، وهم كفار.
    وكذلك الضربُ الآخَرُ منهم، الذين يقولون: حَساتُنا مُتقبَّلةٌ قطعًا، وسيئاتُنا مغفورة، والأعمالُ ليست بفرائض، ولا يُقرُّون بفرائضِ الصلاة والزكاةِ والصيام وسائرِ الفرائض، ويقولون: هذه كلُّها فضائل. فهؤلاء أيضًا كفار.
    وأمَّا المرجئةُ الذين يقولون: لا نتولَّى المؤمنين المذنبين، ولا نتبرَّأ منهم، فهؤلاء المبتدِعة، ولا تُخرجهم بِدعتُهم من الإِيمان إِلى الكفر.
    وأمَّا المرجئةُ الذين يقولون: نُرجئ أمرَ المؤمنين -ولو فُسَّاقًا- إِلى الله، فلا نُنزلُهم جنةً ولا نارًا، ولا نَتَبرَّأُ منهم، ونتولاَّهم في الدين، فهم على السُّنَّةِ، فالزَمْ قولهم وخُذْ به" [وقال الشيخ عبدالغني النابلسي رحمه الله تعالى في ((الحديقة الندية شرح الطريقة المحمدية)) (1/ 309) تعليقًا على قوله: (فالزمْ قولَهم وخُذْ به). قالَ: "فإِنه حقٌّ، وهم الذين أخَذوا بقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ لا يَغفِرُ أنْ يُشرَك به ويَغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وتسمَّوْا بقوله تعالى: {وآخَرون مُرْجَوْنَ لأمرِ الله إِمَّا يُعذِّبُهم وإِمَّا يتوبُ عليهم}]. انتهى.
    [بيان التفتازني أن المعتزلة عدُّوا أبا حنيفة وغيره من المرجئة، لتفويضهم أمر صاحب الكبيرة إلى الله يغفر له أو يعذبه]..
    وفي ((شرح المقاصد)) (2/ 238) للتفتازاني (سعد الدين): "اشتَهَرَ مِن مذهب المعتزلة أنَّ صاحبَ الكبيرة بدون التوبة مخلَّد في النار وإن عاش على الإِيمان والطاعة مئةَ سنة، ولم يُفَرِّقوا بين أن تكون الكبيرةُ واحدةً أو كثيرةً، واقعةً قبل الطاعات أو بعدها أو بينها، وجعَلوا عدمَ القطع بالعقاب، وتفويضَ الأمر إِلى الله -يغفر إِن شاء ويُعَذّبُ إِن شاء، على ما هو مذهَبُ أهل الحق- إرْجاءً بمعنى أنَّهُ تأخيرٌ للأمرِ وعدمُ جزمٍ بالعقابِ والثواب، وبهذا الاعتبار جُعِلَ أبو حنيفة وغيرُه مِن المرجئة". انتهى.
    [نقلُ علي القاري أن أبا حنيفة كان يُسمَّى مرجئًا لتأخيره أمر صاحب الكبيرة إلى مشيئة الله تعالى]..
    وفي ((شرح الفقه الأكبر)) (ص 67) المسمَّى بـ((المنهج الأظهر)) [الذي في ((كشف الظنون)) و((عقود الجوهر)) لجميل العظم (1/ 272) تسميتُه: ((منح الروض الأزهر في شرح الفقه الأكبر))] لعليّ القاري المكي: "ثم اعلم أنَّ القُونَوِيَّ ذَكَرَ أنَّ أبا حنيفة كان يُسمَّى مُرجِئًا لتأخيره أمرَ صاحبِ الكبيرة إلى مشيئة الله، والإِرجاءُ التأخير". انتهى.
    [نقلٌ على السالمي أن المرجئة نوعان: مرجئة مرحومة ومرجئة ملعونة]..
    وفي ((التمهيد)) لأبي شكورٍ السَّالميّ: "ثم المُرجئةُ على نوعين: مرجئةٌ مرحومة، وهم أصحابُ النبي صلى الله عليه وسلم.
    ومرجئةٌ ملعونة، وهم الذين يقولون بأنَّ المعصية لا تضرُّ والعاصيَ لا يُعاقَب.
    [كتاب عثمان البَتِّي إلى أبي حنيفة: أنتم مرجئة، وجواب أبي حنيفة إليه، ومعه جُمَل منقولة من جواب أبي حنيفة إلى عثمان البَتِّي. وبيان صُوَر من التحريف وقعت في نسبته]..
    ورُوي عن عثمان البَتِّي [.. الذي كَتَبَ إِلى أبي حنيفة في شأن الإِرجاء، وكان بينهما مكاتبات، فكتَبَ له أبو حنيفة رسالةً بيَّن فيها أنَّ المُضيِّعَ للعمل لم يكن مُضيِّعًا للإِيمان، وساقَ الأدلةَ على ذلك، إِلى أن قال له: "أوَلستَ تقول: مؤمنٌ ظالم، ومؤمنٌ مذنب، ومؤمنٌ مخطيء، ومؤمنٌ عاصٍ، ومؤمنٌ جائر...". ثم قال: "واعلم أني أقولُ: أهلُ القبلة مؤمنون، لستُ أُخرجهم من الإِيمان بتضييع شيءٍ من الفرائض، فمن أطاع الله تعالى في الفرائض كلّها مع الإِيمان، كان من أهل الجنة عندنا، ومن تَرَك الإِيمانَ والعَمَل، كان كافرًا من أهل النار، ومن أصابَ الإِيمان وضيَّع شيئًا من الفرائض، كان مُؤمنًا مُذنبًا، وكان للهِ تعالى فيه المشيئةُ إِن شاء عذَّبه، وإِن شاء غَفَر له، فإِن عذَّبه على تضييعه شيئًا فعلى ذنبٍ يُعذبه، وإِن غَفَرَ له فذنبًا يَغْفِر...". ثم قال له: "وأمَّا ما ذكرتَ من اسم المُرجِئة، فما ذنبُ قومٍ تكلَّموا بعدلٍ، وسمَّاهم أهلُ البِدع بهذا الاسم؟! ولكنهم أهلُ العدل والسُّنَّة، وإِنما هذا اسمٌ سمَّاهم به أهلُ شنآن!". الورسالة هذه قد طُبعَت بمصر سنة 1368 بتحقيق أستاذنا الكوثري رحمه الله تعالى، مع كتاب ((العالم والمتعلّم)) و((الفقط الأبسط)) لأبي حنيفة رضي الله عنه. كما سبقت الإِشارة إِليها تعليقًا في ص 83 ] أنه كتَبَ إلى أبي حنيفة وقال: أنتم مُرْجِئة. فأجابه: بأنَّ المُرجِئة على ضربين:
    مرجئة ملعونة، وأنا برئ منهم. ومرجئة مرحومة، وأنا منهم.
    وكَتَ فيه بأنَّ الأنبياء كانوا كذلك، ألا ترى إِلى قولِ عيسى قالَ: {إِنْ تُعذِّبْهُم فإنهم عبادُك، وإِنْ تَغْفر لهم فإنَّك أنتَ العزيز الحكيم} [من سورة المائدة: 118]. انتهى.
    [نقدُ ابن حجر المكي (الهيتمي الشافعي) من عَدَّ الإِمامَ أبا حنيفة من المرجئة]..
    وقال ابنُ حجر المكي (الهيتمي)، في الفصل السابع والثلاثين من كتابه ((الخيرات الحسان في مناقب النعمان)) (ص 73): "قد عَدَّ جماعةٌ الإِمامَ أبا حنيفة مِن المُرْجِئةِ، وليس هذا الكلام على حقيقته.
    أمَّا أولاً: فقال شارح ((المواقف)): كان غَسَّان المرجئ ينقلُ الإِرجاءَ عن أبي حنيفة ويَعُدُّه من المرجئة. وهو افتراءٌ عليه، قَصَدَ به غسَّانُ ترويجَ مذهبِه بنسبته إِلى هذا الإِمام الجليل.
    وأمَّا ثانيًا: فقد قال الآمِدِيّ: إِنَّ المعتزلة كانوا في الصدر الأول يُلَقِّبون من خالفَهم في القَدَر مُرْجِئًا، أَوْ لأنه لمَّا قال: الإِيمانُ لا يزيدُ ولا ينقص، ظُنَّ به الإِرجاءُ بتأخير العمل عن الإِيمان". انتهى.
    [خلاصة المقام أن الإرجاء يطلق من المعتزلة على أهل السنة، ويطلق من المحدِّثين على الأئمة القائلين بأن الأعمال ليست بداخلة في الإيمان كالحنفية]..
    وخلاصةُ المرام في هذا المقام أنَّ الإِرجاء:
    قد يُطلق: على أهل السنة والجماعة مِن مخالفيهم المعتزلةِ، الزاعمين بالخلودِ الناريّ لصاحبِ الكبيرة.
    وقد يُطلق على الأئمةِ القائلين بأن الأعمالَ ليست بداخلةٍ في الإِيمان، وبعدم الزيادةِ فيه والنقصان، وهو مذهبُ أبي حنيفة وأتباعِه مِنْ جانبِ المحدِّثين القائلين بالزيادة والنقصان، وبدخولِ الأعمال في الإِيمان.
    [بيان أن النزاع لفظي في دخولِ الأعمال في الإيمان وعدمِ دخوله]..
    وهذا النزاع وإِن كان لفظيًّا كما حقَّقه المحققون من الأولين والآخِرِين [وقد أوضحه خيرَ إيضاح شيخُ شيوخنا الإمام الكشميري رحمه الله تعالى في كتابه العظيم ((فيض الباري على صحيح البخاري)) (1/ 53-54) فقال: "الإيمان عند السلف عبارة عن ثلاثة أشياد: اعتقاد، وقول، وعمل. وقد مَرّ الكلام على الأولين أي التصديق والإقرار، بقي العمل، هل هو جزء للإيمان أم لا؟
    فالمذاهب فيه أربعة، قال الخوارج والمعتزلة: إن الأعمال أجزاءٌ للإيمان، فالتارك للعمل خارج عن الإيمان عندهما. ثم اختلفوا: فالخوارجُ أخرجوه عن الإيمان، وأدخلوه في الكفر. والمعتزلةُ لم يدخلوه في الكفر، بل قالوا بالمنزلة بين المنزلتين.
    والثالث: مذهبُ المُرجئة، فقالوا: لا حاجة إلى العمل، ومدارُ النجاة هو التصديق فقط، فصار الأوّلون والمرجئة على طَرَفيْ نقيض.
    والرابع: مذهبُ أهل السنة والجماعة ، وهم بينَ بين، فقالوا: إن الأعمال أيضًا لا بد منها، لكن تاركها مفسَّق لا مكفَّر، فلم يُشدّدوا فيها كالخوارج والمعتزلة، ولم يُهوّنوا أمرَها كالمرجئة.
    ثم هؤلا -أي أهي السنة- افترقوا فرقتين، فأكثرُ المحدّثين إلى أن الإيمان مركب من الأعمال. وإمامُنا الأعظم رحمه الله تعالى وأكثرُ الفقهاءِ والمتكلمين إلى أنّ فاقِدَ التصديق كافر، وفاقِدَ العمل فاسق، فلم يبق الخلاف إلا في التعبير، فإن السلف وإن جعلوا الأعمال أجزاءً لكن لا بحيث ينعدم الكلّ بانعدامها، بل يَبْقى الإيمانُ مع انتفائها.
    وإمامُنا -أبو حنيفة- وإن لم يجعل الأعمال جزءًا لكنه اهتمّ بها، وحرّض عليها، وجعلهَا أسبابًا سارية في نماء الإيمان، فلم يَهدرها هدرَ المرجئة، إلا أن تعبير المحدثين القائلين بجزئية الأعمال، لمّا كان أبعدَ من المرجئة المنكرين جزئيةَ الأعمال، بخلاف تعبير إمامنا الأعظم رحمه الله تعالى، فإنه كان أقرب إليهم من حيث نفيُ جزئية الأعمال: رُمِيَ الحنفية بالإرجاء، وهذا كما ترى جَوْر عليها، فالله المستعان.
    ولو كان الاشتراك -مع المرجئة- بوجه من الوجوه التعبيرية كافيًا لنسبة الإرجاء إلينا، لزِمَ نسبةُ الاعتزال إليهم -أي إلى المحدثين- فإنهم -أي المعتزلة- قائلون بجزئية الأعمال أيضًا كالمحدّثين، ولكن حاشاهم من الاعتزال، وعفا الله عمن تعصّب ونسَبَ إلينا الإرجاء، فإنّ الدين كلّه نُصْح لا مراماةٌ ومنابذة بالألقاب، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم". انتهى.
    وتقدم تعليقًا في ص 81-83 ، لشيخنا الكوثري رحمه الله تعالى، ما يتصل بهذا الموضوع ويُعزِّزه أيضًا، فعُدْ إليه]، لكنه لمَّا طال وآلَ الأمرُ إِلى بسط كلام الفريقين من المتقدمين والمتأخِّرين، أدَّى ذلك إِلى أن أضطلقوا الإِرجاءَ على مخالفيهم وشنَّعُوا بذلك عليهم، وهو ليس بطعنٍ في الحقيقة على ما لا يخفى على مَهَرة الشريعة.
    [تحذير المؤلف -بعدما تقدم- عن المبادرة إلى الحكم على من رمي بالإرجاء أنه من أهل الضلالة والبدعة الاعتقادية إلا إذا قام دليل ناطق على ذلك]..
    وإذا انتقَشَ هذا كلُّه على صحيفة خاطرك، فاعرِفْ أنه لا تنبغي المبادرةُ -نظرًا إِلى قولِ أحدٍ من أئمة النقد وإن كان من أجلَّة المحدِّثين في حقِّ أَحدٍ من الراوين: إنه من المُرْجِئين- بإطلاقِ القولِ بكونه من فِرَق الضلالة، وجَرْحِهِ بالبدعة الاعتقادية، بل الواجبُ التنقيح، والحكمُ بما يظهر بالوجه الرجيح.
    نَعَمْ إِنْ دلَّت قرينةٌ حاليَّةٌ أو مقاليَّة على أنَّ مراد الجارح بالإِرجاء ما هو ضلالة، فلا بأس بالحكم بكونه ذا ضلالة، وإِلاَّ فيُحتَمَلُ أن يكون إِطلاقُ ذلك القولِ على ذلك الراوي من معتزليٍّ، ومنه أَخَذَ ذلك الجارحُ، واعتمد على اشتهاره من دون وقوف على الواضِعِ، ويُحتَمَلُ أن يكون الراوي ممن لا يقول بزيادة الإِيمان ونقاصانه، ولا بدخولِ العمل في حقيقته، فأَطلقَ عليه الجارحُ المحدِّثُ الإِرجاءَ تبعًا لأهل طريقته.
    [نقل عن ابن حجر فيه: عدُّ الإمام محمد بن الحسن من المرجئة، لأنه لا يقول: العملُ جزء من الإيمان]..
    ويشهد لما ذكرنا ما في ((لسان الميزان)) لابن حجر العسقلاني (5/ 121)، في ترجمة (محمد بن الحسن) تلميذ أبي حنيفة: نَقَل ابنُ عَدِيّ عن إِسحاق بن راهويه، سمعتُ يحيى بنَ آدم يقول: كان شَريكٌ لا يُجيز شهادة المُرْجئة، فشهد عنده محمدُ بن الحسَن فردَّ شهادته! فقيل له في ذلك؟! فقال: أنا لا أُجيزُ شهادة من يقول: الصلاةُ ليست من الإِيمان. انتهى.
    فإنَّ هذا صريحٌ في أنه إِنما أضطلق على (محمَّد) الإِرجاءَ، لكونه لا يرى الصلاة جزءًا من حقيقة الإِيمان، ومن المعلوم أنَّ هذا ليس بضلال وطغيان.
    [نقل عن الذهبي والشهرستاني فيه: عدُّ طائفة من الأئمة الأجلَّة مرجئة، وقولُ الذهبي: الإرجاءُ مذهبٌ من أجلَّة العلماء، ولا ينبغي التحاملُ على صاحبه. مع ذكر نماذج من تراجم الأئمة الكبار الذين غُمزوا بالإرجاء]..
    وكذا قولُ الذهبي في ((ميزانه)) (3/ 163) في ترجمة (مِسْعَر بن كِدَام) -بعد ذكرِ وَثَاقتِه-: ولا عبرةَ بقول السُّلَيماني: كان من المُرْجئة: مِسْعَرٌ، وحمادُ ابن أبي سُليمان، والنعمانُ، وعمرُو بن مُرَّة، وعبدالعزيز ابن أَبي رُوَّاد، أَبو معاوية، وعُمَر بن ذَرّ، وسَرَدَ جماعةً.
    قلتُ: الإِرجاءُ مذهبٌ لعدةٍ من أجلَّةِ العلماء، ولا ينبغي التحامل على قائله". انتهى [قلت: مِن هؤلاء العلماء الأجلَّة -على سبيل المثال-:
    1- الحافظ الكبير الإِمام (إبراهيم بن يوسف الباهلي البخلي، المعروف بالماكِيَاني، صاحب الرأي)، شيخ النسائي وهذه الطبقة، توفي سنة 239. قال الذهبي في ((الميزان)) (1/ 76)، في ترجمته: "لزِمَ أبا يوسف حتى بَرَع في الفقه، وعنه النسائي ووثَّقَه، وقال أبو حاتم: لا يُشتَغلُ به. قلتُ: هذا تحامل لأجل الإِرجاء الذي فيه!". وزاد ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) (1/ 184)، في ترجمته: "قال الدارقطني: ذكرتُه لعَلِيَّك الرازي -هو علي بن سعيد-، فقال: ثقة ثقة".
    2- الحافظ الثقة الثبت (أبو معاوية الضرير محمد بن خَازِم الكوفي)، أَخَذ عنه يحيى القطان وهو من أقرانه، وهو شيخُ علي بن المديني، وابن معين، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي الوليد الطيالسي، وخلقٍ عظيم، توفي سنة 195. قال الذهبي في ((الميزان)) (4/ 575)، في ترجمته: "أحَدُ الأعلام الثقات، لم يتعرَّض إليه أحد". ثم ذكَر عن العجلي ويعقوب بن شيبة: كان يَرى الإِرجاء، وعن أبي داود: كان مرجئًا.
    3- الثقة المتقِن (محمد بن قيس الأسدي الكوفي)، شيخُ شعبة، ووكيع، وأبي نُعَيم -الفَضْل بن دُكَيْن-، والثوري، وهذه الطبقة. جاء في ((تاريخ ابن معين)) في الفقرة 2954 قولُ أبي العباس الدُّوري: "سمعتُ يحيى -بنَ معين- يقول: قال أبو نُعَيم: محمدُ بن قيس مرجئ. قال يحيى: كان أبو نعيم إذا قال في إنسان: إنه مرجئ، فهو من خيار الناس". انتهى.
    قلت: وهذه فائدة مهمة، وتَرى غَمْزَ الراوي بالإِرجاء في كتب الرجال كثيرًا، فلا تعتدَّ به جارحًا، لما عملت. ].
    وكذا قولُ الشَّهْرَسْتاني في ((المِلَل والنحَل)) (1/ 130) في آخر بحث المُرْجِئة: "رجالُ المرجئِة -كما نُقِل- الحسَنُ بنُ محمد بن علي ابن أبي طالب [تقدم ذكره تلعيقًا بتوسع، وأنه أولُ من تكلم في الإِرجاء]، وسعيدُ بن جُبَير، وطَلْقُ بنُ حَبيب، وعمرُو بنُ مُرَّة، ومُحارِبُ بن دِثَار، ومُقاتِلُ بن سليمان، وذرٌّ، وعُمَر بن ذَرّ، وحمَّادُ ابن أبي سُليمان، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمَّدُ بن الحسَن، وقُدَيْدُ بنُ جعفر.
    وهؤلاء كلهم أئمةُ الحديث، لم يُكفِّروا أصحابَ الكبائر بالكبيرة، ولم يَحْكمُوا بتخليدهم في النار، خلافًا للخوارجِ والقَدَريَّة". انتهى.
    [فائدة: تشبُّثُ بعض الشيعة أن أبا حنيفة من المرجئة الضالة، وردُّه]..
    فـائدة
    قد تَشبَّثَ بعضُ الشيعةِ -كصاحبِ ((الاستقصاء)) وغيرُه، بقول السُّلَيماني المذكور في ((الميزان))، في أنَّ أبا حنيفة من المُرْجئة، ولم يَعْلَم أَنه قولٌ مردودٌ أو مؤوَّلٌ عند جهابذةِ أَهل السُّنَّة، وقد عَدَّ السُّلَيمانيُّ في موضعٍ آخر أَبا حنيفة من الشيعة، فَلِمَ لم يَسْتند بهذا القولِ المردود، ليَدْخُلَ أبو حنيفة في مذهبه المطرود؟!
    قال الذهبي في ترجمة (عبدالرحمن ابن أَبي حاتم) من ((ميزانه)) (2/ 116): "وما ذكرتُه لولا ذكرُ أَبي الفضل السُّلَيْماني، فبِئْسَ ما صَنَع! فإِنه قال: ذِكْرُ أسامي الشيعة من المحدِّثين الذي يُقدِّمون عليًّا على عثمان: الأعمشُ، والنعمانُ بن ثابت، وشُعبةُ بن الحجَّاج، وعبدُالرزَّاق، وعُبَيْدُالله بن موسى، وعبدُالرحمن ابن أَبي حاتم". انتهى.
    وبالجملة: فكما أَنَّ قولَ السُّلَيماني هذا غيرُ مقبول، فإِنَّ أَبا حنيفة ليس من الشيعة باتفاق الفريقين، فكذا قولُه السابقُ غيرُ مقبولٍ عند أماثلِ الثَّقلَين.
    [قول الإمام ابن جرير (الطبري): لو كان كل من ادُّعي عليه مذهب رديء سقطَتْ عدالتُه -بمجرَّد الادعاء- للزم تركُ أكثرِ محدِّثي الأمصار]..
    [وما أحسن قول الإِمام ابن جرير الطبري: "لو كان كلُّ من ادُّعيَ عليه مذهبٌ من المذاهب الرديئة، ثبتَ عليه ما ادُّعِيَ عليه به، وسقطتْ عدالتُه، وبطلت شهادتُه بذلك: للزم ترْكُ أكثر محدِّثي الأمصار، لأنه ما منهم إِلا وقد نسبه قوم إِلى ما يُرغبُ به عنه". انتهى من ((هدي الساري)) للحافظ ابن حجر (2/ 151)، في ترجمة (عكرمة مولى ابن عباس). ]
    [تذنيب: في تحقيق ما جاء في ((الغُنْيَة)) للسيد الجيلاني من أن أبا حنيفة من المرجئة، وأجوبة العلماء عن ذلك، وقد أطال فيه المؤلف أيما إطالة]..
    (384- 388) ..)). انتهى.

    18- في (ص 393-398) / [تعليق للمحقق الشيخ عبدالفتاح أبو غدة] ذكرُ استرواح الإمام البخاري رحمه الله تعالى إلى ذكر خبرين منكرين في كتابه ((التاريخ الصغير)) في حق الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى. خبرِ استفادته بعضَ السُّنَن من الحجَّام، وخبرِ أنه أشأمُ مولودٍ وُلِدَ في الإسلام، ونقدُهما سندًا ومتنًا وبيانُ سقوطهما بإسهاب..
    ((قلت: ولقد استرواح (البخاري) رحمه الله تعالى إلى أن يَذكر في كتابه ((التاريخ الصغير)) هذين الخبرين المنكرين في حق الإِمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت رحمه الله تعالى، وأنا أُوردُهما من كتابه بسنديهما ونصِّهما للوقوف عليهما:
    1- قال في الصفحة 158 منه: "سمعتُ الحُمَيديَّ يقول: قال أبو حنيفة: قَدِمتُ مكة، فأخضتُ من الحَجَّام ثلاثَ سُنَنٍ لمَّا قعدتُ بين يديه، قال لي: استقبل الكعبة، فبدأ بشِق رأسي الأيمن، وبلَغَ إلى العظمين.
    قال الحُمَيدي: فرجلٌ ليس عنده سُنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أصحابِهِ في المناسكِ وغيرها، كيف يُقلَّدُ في أحكام الله في المواريث والفرائض والزكاة والصلاة وأمور الإِسلام؟!".
    2- وقال في الصفحة 174: "حدَّثنا نُعَيم بن حماد، قال: حدثنا الفَزاري، قال: كنت عند سفيان -الثوري- فنُعِيَ النعمان، فقال: الحمدُ لله، كان يَنقُضُ الإِسلامَ عُروةً عُروةً! ما وُلِدَ في الإِسلام أشأَمُ منه!". انتهى.
    [بيان الكوثري لسقوط خبر (قالة الشؤم) معنًى وإسنادًا]..
    قال شيخنا المحقق الكوثري رحمه الله تعالى، في كتابه ((فقه أهل العراق وحديثهم)) (ص 87)، وتقدمه ((نصب الراية)) للحافظ الزيلعي (ص 58-59)، في صدد كشفه لحال الخبر الثاني خبر (قالة الشؤم):
    "ومن الطعون ما يَسقطُ به الطاعنُ بأول نظرة، حيث يكون كلامُه ظاهِرَ المجازفة، فإذا رأيتَه يقول مثلاً: (فلانٌ ما وُلِدَ في الإِسلام أشأمُ منه)، لاحظتَ أنه لا شُؤم في الإِسلام، وأنه على تسليم وجوده في غير الثلاث الواردة في الحديث، لا تَشُكُّ أن درجات الشؤم تكون متصاعدة، فالحكمُ على شخص بأنه أشأم المشئومين، بغير نص من المعصوم: حكمٌ غَيبي يَبرأُ منه أهلُ الدين. فمثلُ هذا الكلام يُسقِطُ قائلَه على تقدير ثبوته عنه، قبلَ إسقاط المقول فيه، فمسكين جدًّا من يُسجِّل مثلَ هذا الهُراء في شأن الأئمة القادة". انتهى.
    وقال شيخنا المحقق الكوثري أيضًا، في ((تأنيب الخطيب على ما ساقه في ترجمة أبي حنيفة من الأكاذيب)) (ص 48، 82، 111)، تعقيبًا في (َالَةِ الشُّؤم) هذه: "لو كان هذا الخبرُ عن سفيان الثوري، لسَقَط بتلك الكلمة وحدَها في هُوَّة الهَوَى والمجازفة، ويكفي في ردّ هذا الخبر وجودُ (نُعَيم بن حماد) في سنده، وأقلُّ ما يقال فيه: أنه صاحبُ مناكير، متَّهم بوضع مثالب في أبي حنيفة.
    وقد ورد: (لا شُؤمَ في الإِسلام). وعلى فرض أن الشؤم يوجد في غير الثلاث الواردة في السنة، وأنَّ أبا حنيفة شؤم! فمن أين له معرفةُ أنه في أعلى درجات المشئومين؟! فلا يتصوَّر أن يَصدُرَ من سفيان الثوري مثلُ هذه الكلمة المُرْدِية لقائلها قبلَ كل أحد. ومعرفةُ أشأم المشئومين في هذه الأمة لا تكون إلا بوحي، وقد انقطع الوحيُ إلا وحيَ الشياطين! فلا حول ولا قوة إلا بالله". انتهى.
     اقتباس:
    (ص 413) / ردُّ جرح النسائي لأحمد بن صالح المصري لعداوة النسائي له، ورفضُ قدحِ الثوري في أبي حنيفة، وقدح ابن معين في الشافعي، وقدحِ الإمام أحمد في المحاسبي، وقدحِ ابن منده في أبي نعيم، لعدم خلوه عن الدوافع النفسية أو العصبية..
    (ص 425) / تحذير السبكي من الإصغاء إلى ما ذُكر بين أبي حنيفة والثوري أو بين مالك وابن أبي ذئب..
    [بيان التهانوي لسقوط خبر (قالة الشؤم) معنًى وإسنادًا أيضًا]..
    وأورد شيخنا العلامة المحقق المحدِّث ظَفَر أحمد التهانوي رحمه الله تعالى، في كتابه ((إنجاء الوطن عن الازدراء بإمام الزمن)) -أي أبي حنيفة- (1/ 22)، (قالةَ الشؤم) هذه، ثم تعقَّبها بقوله:
    "... وهذه الرواية، لا أتَّهِمُ بها البخاري، فإنه حدَّث كما سمع، ولكن أتَّهِمُ بها شيخَه (نُعَيم بن حَمَّاد)، فإنه وإن كان حافظًا للأحاديث، وثَّقه بعضهم، ولكن قال الحافظ أبو بِشْر الدُّولابي: نُعَيم يروي عن ابن المبارك، قال النسائي: ضعيف. وقال (غيره): كان يَضَعُ الحديثَ في تقوية السُّنَّة، وحكاياتٍ في ثَلْب أبي حنيفة، كلُّها كذب.
    وكذا قال أبو الفتح الأزدي: (قالوا): كان يَضَعُ الحديث في تقوية السنة، وحكاياتٍ مزوَّرةً في ثَلْب أبي حنيفة، كلها كذب. كذا في ((تهذيب التهذيب)) (10/ 462-463)، وفي ((الميزان)) (4/ 268) "قال العباس بن مصعب في ((تاريخه)): نُعَيم بن حماد وَضَع كُتُبًا في الرد على الحنفية". اهـ.
    وإني واللهِ أُجلُّ نُعَيمَ بن حماد عن نسبته إلى الوضع في الحديث النبوي، ولكن لا شك في كونه شديدًا على الحنفية، متعصبًا على إمامهم، فلا يُقبَلُ قولُه ولا روايتُه في حقه أبدًا.
    ولو سلَّمنا صحةَ ما رواه، فسفيانُ كان معاصرًا لأبي حنيفة ومن أقرانه، وقد وَرَد عنه الثناءُ على الإِمام أيضًا كما مَرَّ -يعني في كتابه ((إنجاء الوطن)) (ص 8، 19)- من قوله: كنا عند أبي حنيفة كالعصافير بين يدي الباز، وإنه سيدُ العلماء. اهـ. ولمَّا عزَّاه الإِمام بموت أخيه، قام له وأكرمه وأجلَّه وأجلَسَه في مكانه، وقال لمن أنكر عليه ذلك: هذا رجل من العلم بمكان، إن لم أقم لعلمه قمتُ لِسِنّه، وإن لم أقم لِسنِّه قمتُ لورعه، وإن لم أقم لورعه قمتُ لفقهه. اهـ.
    وقد تقدم نقلاً -يعني في المقدمة المسماة ((إنهاء السَّكن إلى من يطالع إعلاء السُّنَن)) التي حقَّقتُها وسمَّيتُها بإذن المؤلف ((قواعد في علوم الحديث)) (ص 195) - عن السبكي: أنه لا يُلتفَتُ لكلام الثوري وغيرِه في أبي حنيفة، وابن أبي ذئب وغيره في مالك، وابنِ معين في الشافعي. اهـ لكونه ناشئًا من المعاصرة والمنافرة ونحوها". انتهى.
    [نقضُ التهانوي أن يكون (خبر الحجام) مَدعاةَ نقص للإمام أبي حنيفة، وبيانُ أنه يُعدُّ من مَمَادحه، ونقدُهُ الحميديَّ فيمَا قاله في (خبر الحجام) من تجهيل أبي حنيفة رحمهما الله تعالى]..
    ثم أورد شيخُنا التهانوي رحمه الله تعالى في ((إنجاء الوطن)) (1/ 23)، الخبرَ الأولَ (خبَرَ الحَجَّام) من طريق الحُمَيدي كما أورده البخاري، ثم قال: "قلتُ: أراد الحميدي أن يَنقُصَه! ولكنه مَدَحه من حيث لا يدري، فإن أبا حنيفة رضي الله عنه كان حَييًا كريمًا، شاكرًا لمن فعَل معه الجميلَ أو علَّمه شيئًا ولو حرفًا واحدًا، ولم يكن ممن يكتم إحسان الناس إليه، ونعمتَهم عليه، فلما حَصَّل الشيء من أمور الدين على يد حَجَّام، حدَّث بمعروفه وأظهر كونَه معلِّمًا له، أداءً لحقه.
    وياعجبًا من الحميدي! إنَّ إمامه الشافعي رضي الله عنه يقول: حَملتُ عن محمد بن الحسن وَقْرَ بعير كُتبًا، ويقول: أعانني الله في الحديث بابن عيينة، وفي الفقه بمحمد بن الحسن. ومعلوم أن علوم محمد -بن الحسن- نابعةٌ عن علم أبي حنيفة. وقال الإمام الشافعي: من أراد الفقه فليلزم أبا حنيفة وأصحابه. وقال: كل من أراد الفقه فهو عيال على أبي حنيفة.
    ...
    والجوابُ عن قوله: (رجلٌ ليس عنده سنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم..)، أنَّ هذه الواقعة أي قدوم الإِمام إلى مكة، وتعلُّمه من الحَجَّام السُّنَنَ الثلاث، لعلَّها كانت في حداثةِ الإِمام وصِغَرِ سِنّه، فإنه كان حَجَّ مع أبيه وهو صغير، ولا يَبعُدُ تعلُّمُ الصغير من أحد شيئًا من الأحكام، لم يكن له علم به قبلَ ذاك، لا سيما وقد كان اشتغال الإِمام بالعلم بعد بلوغه، كما ذكره ابنُ عابدين في ((رَدّ المحتار)).
    على أنه يمكن أن يكون هذا الحَجَّام من أجلةِ العلماء الكرام، وأكابرِ التابعين العظام، فإن الزمان كان زمانَ شباب الإِسلام، وبلوغِ العلم أعلى ذروة السَّنام، حتى فاز فيه الموالي والعبيد والجواري والتجار والزراع وأهل الصنائع بحفظ الأحاديث والآثار، فكأنَّ الإِمام تعلَّم هذه السنن من عالم من علماء التابعين، كان يَحترفُ بالحِجامة.
    ولا عيبَ فيه بلا ريب، فإن العلم لا يُحصَّلُ كلُّه من شيخ واحد في يوم واحد، والصنائعُ والحِرَفُ لا تأبَى عن العلم، ولا تَمنعُ صاحبَها عن أخذه، فكثيرٌ من المحدِّثين بنَّاؤون وحَطَّابون وبَيَّاعون وحاكةٌ نسَّاجون كما لا يَخفى.
    ومن أين عَلِمَ الحميدي أن هذا الحَجَّام لم يكن عالمًا من التابعين؟! وأنه لم يذكر هذه السُّنَن الثلاثَ مُسْنَدةً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو مَوْقُوفةً على صحابي جليل؟!
    وأما قولُ الحميدي: (كيف يُقلَّدُ في أحكام الله في المواريث والفرائض والزكاة والصلاة وأمور الإسلام؟)، فأقولُ: إن لم يُقلِّده الحُمَيدي فقد قلَّده من هو أكبر منه، أعني سيدَنا الإِمامَ الشافعيَّ الذي قلَّده الحميدي، ويحيى بن سعيد القطان، ومالكَ بنَ أنس، وسفيانَ الثوري، وأحمدَ بن حنبل، ووكيعَ بن الجراح، وعبدالله بن المبارك، ويحيى ابن معين، وأمثالَهم.
    فالشافعيُّ تعلَّم من محمد بن الحسن فِقهَ أبي حنيفة، واستفاد منه العلم، واعتَرف بكونه من عيال أبي حنيفة، وهذا لا شك فيه. ومالكٌ كان يأخذ بقول أبي حنيفة كثيرًا كما مَرَّ -يعني في كتابه بـ(ص 19)- وإن كان يُسِرُّه ولا يُظهره. وكذا سفيان الثوري كما سيجيءُ -يعني في ترجمته هناك (ص 79)-. وأحمدُ طَلَب الحديث والعلم أولاً عند أبي يوسف القاضي، وأَخَذ الفقه من كتب محمد كما سيجيء -يعني في ترجمة محمد بن الحسن (ص 63) هناك- وأما الآخرون فتقليدهم للإِمام ظاهر.
    ثم قلَّده الملوك والسلاطين والخلفاء والوزراء، والعلماء والمحدِّثون والصالحون والفقهاء والعابدون، حتى عُبِدَ الله بمذهبه في الإِسلام ما لم يُعبد بغيره. وهذا ببركة الأدب الذي جُبل عليه أبو حنيفة، حتى لم يستنكف عن الأخذ من الحجَّام، فجَعَلَه الله إمامَ الأُمَّة، أعظمَ الأئمة، مقتدَى الأنام". انتهى ما قاله شيخنا التهانوي رحمه الله تعالى، وهو كلام وجيه للغاية (جملةً).
    [نقدُ (خبر الحجام) من حيث الإٍسناد وبيانُ انقطاعه وضعفه]..
    وبدالي في (خبر الحَجَّام) هذا شيءٌ آخر غيرُ ما قاله شيخنا، وهو أن الحُميدي (عبدالله بن الزبير القرشي المكي) رحمه الله تعالى، قال في روايته الخبر: (قال أبو حنيفة..)، ولم يَذكر عمن نقهل.
    ولم أقف على أن الحميدي لقي أبا حنيفة، حتى يُحمل على سماعه منه، ولم يُذكَر للحميدي تاريخُ ولادة، حتى يُعرَف منه أنه عاصر أبا حنيفة، والذي ذكروه في ترجمة الحميدي أنه توفي بمكة سنة 219، ولم يذكروا كم عاش من العمر.
    ونقل التاج السبكي في ((طبقات الشافعية الكبرى)) (2/ 140)، في ترجمته عن ابن حبان قال: "وجالس الحميديُّ ابنَ عيينة عشرين سنة". انتهى. وجاء في ((تهذيب التهذيب)) (5/ 215)، في ترجمته أيضًا: "قال الحميديُّ: جالستُ ابنَ عيينة سبعَ عشرة سنة أو نحوَها". انتهى.
    ومعنى هذا أنه جالس سفيانَ بنَ عيينة إلى وفاتة، وابنُ عيينة ولد بالكوفة سنة 107، وسكن مكة إلى وفاته بها سنة 198 رحمه الله تعالى. فيكون الحميديُّ جالسه من سنة 178 على رواية مجالسته له (عشرين سنة)، فإذا قدرناه كان له من العمر آنذاك -على أوسع حَدّ- 15 سنة إلى نحو 20 سنة، لأنهم كانوا يبكِّرون بسماع الحديث من الشيوخ، تبيَّن لنا أنه لم يكن وُلِدَ عند وفاة أبي حنيفة في سنة 150 رحمه الله تعالى. ولو كان عمره أكبرَ لكانت مجالسته لابن عيينة أكثر، لأن الحرص على ذلك قائم، ولأنهما في بلد واحد.
    وعلى هذا فيكون هذا الخبر منقطعًا، إذ لم يُعلَم ممن سَمِعه الحميدي، وما صفةُ من أخبره به من الضبط والعلم؟ فيكون الخبر ضعيفًا بسبب انقطاعه، وكُفينا أمرَه. ويؤيد هذا الانقطاع ويزيديه شدةً، ما ذكره الحافظ الخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) (2/ 64)، في ترجمة الشافعي (محمد بن إدريس)، فانظره. وقد تعرَّضتُ لهذين الخبري بالكشف والنقد، فيما علقته على كتاب ((قاعدة في الجرح والتعديل)) للتاج السبكي، في طبعته الثانية (ص 62-64)، وطبعته الثالثة (ص 53-55)، فانظره، وسيأتي للمؤلف التنبيهُ على عدم قبول قدح الثوري في أبي حنيفة (قلت _القائل عمرو_: وقد أسلفناه في الاقتباس أعلاه فليُراجع مختصرًا). )). انتهى.

    19- من (ص 398-399) / نقلُ كلام الحافظ الزيلعي في بيان تعصب الإمام البخاري على أبي حنيفة]..
    ((وتعصُّبُ البخاري على أبي حنيفة وانحرافُه عنه معروف لدى العلماء، وقد ذكره غيرُ واحد، ومنهم الحافظ الزيلعي في ((نصب الراية)) (1/ 355-356)، في مبحث الجهر بالبسملة، فإنه بعدَ أن أَوردَ الأحاديثَ التي احتجَّ بها من يقول بالجهر بالبسملة، ونَقَدها وبيَّن عِلَلها ومغامزَها حديثًا حديثًا، قال رحمه الله تعالى:
    "ما تحلَّى طالبُ العلم بأحسن من الإِنصاف وتركِ التعصب، ويكفينا في تضعيف أحاديث الجهر إعراضُ أصحاب الجوامع الصحيحة، والسُّنَن المعروفة، والمسانيدِ المشهورةِ المعتمَدِ عليها في حُجَج أهل العلم ومسائل الدين، عنها.
    فالبخاري رحمه الله مع شدَّةِ وفَرْطِ تحامُلِه على مذهب أبي حنيفة، لم يُودِع ((صحيحه)) منها حديثًا واحدًا، ولا كذلك مسلم رحمه الله، فإنهما لم يذكرا في هذا الباب إلا حديثَ أنس الدالَّ على الإِخفاء...
    والبخاريُّ كثيرُ التتبُّع لما يَرِدُ على أبي حنيفة من السنة، فيَذكُرُ الحديث، ثم يُعرِّض بذكره فيقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذا وكذا، وقال بعضُ الناس: كذا وكذا. يُشير ببعض الناس إليه، ويُشنِّعُ -لمخالفةِ الحديث- عليه!
    ويقول في أول كتابه (باب الصلاةُ من الإِيمان)، ثم يَسوقُ أحاديث الباب، ويَقصِدُ الردَّ على أبي حنيفة في قوله: إن الأعمال ليست من الإيمان، مع غموض ذلك على كثير من الفقهاء. وأنا أحلِفُ بالله وتالله: لو اطِّلع البخاري على حديثٍ منها موافقٍ بشرطِه أو قريبًا من شرطه، لم يُخل منه كتابَه، ولا كذلك مسلم رحمه الله.." انتهى مختصرًا. وانظر لذكر تعصب البخاري على أبي حنيفة رحمهما الله تعالى ((قواعد في علوم الحديث)) للتهانوي وما علَّقتُه عليه (ص 380-384) (قلت _القائل عمرو_: وقد أسلفنا النقل منه آنفًا فليُراجع). )). انتهى.

    20- (ص 429-431) / تحذير التاج السبكي من أخذ قولهم: (الجرح مقدم على التعديل) على إطلاقه، إذ هو مقيَّد في غير من ثبتَتْ إمامتُه وعدالتُه، وكثر مادحوه، وقول الإمام أحمد: كل رجل ثبتت عدالتُه لم يُقبل فيه تجريح أحد إلا بأمرٍ بَيِّن، وقول الإمام ابن جرير: من ثَبَتتْ عدالته لم يُقبَل فيه الجرح، وما تسقُطُ العدالة بالظن، واعتذارُ ابن حجر المكي عن صنيع الخطيب البغدادي في ترجمة الإمام أبي حنيفة وتبيينه بعضَ وجوه الطعن في كلام الخطيب على فرض صحة ما ذكره الخطيب..
    ((وفيه أيضًا [أي في ((طبقات الشافعية)) (1/ 190): "الحذرَ كلَّ الحذر أَنْ تَفهم أَنَّ قاعدتَهم: (الجَرْحُ مُقدَّمٌ على التعديل) على إِطلاقها، بل الصوابُ أَنَّ مَنْ ثَبَتَتْ إِمامتُهُ وعدالتُهُ، وكَثُرَ مادحوه، ونَدَرَ جارحوه، وكانَتْ هناك قرينةٌ دالةٌ على سَبَب جَرْحه مِن تعصُّبٍ مذهبيّ أَو غيرِه: لم يُلْتَفَتْ إِلى جَرْحِه". انتهى.
    [وقال الإِمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه: كلُّ رجل ثبتَتْ عَدالتُه لم يُقبل فيه تجريحُ أحدٍ حتى يبين ذلك عليه بأمرٍ لا يَحتمل غيرَ جرحه. كما في ((تهذيب التهذيب)) لابن حجر في ترجمة (عكرمة مولى ابن عباس) (7/ 273). وقال الإِمام ابن جرير: "لو كان كل من ادُّعِيَ عليه مذهب من المذاهب الرديئة ثبَتَ عليه ما ادُّعي به، وسقطتْ عدالتُه وبطلتْ شهادتُه بذلك: للزم تركُ أكثر محدِّثي الأمصار، لأنه ما منهم إلا وقد نسبه قوم إلى ما يُرغَبُ به عنه. ومن ثبتت عدالته لم يقبل في الجرح، وما تَسقطُ العدالةُ بالظن". نقله الحافظ ابن حجر في ((هدي الساري)) في ترجمة (عكرمة) (2/ 151-152). ]
    ..
    وفي ((الخيرات الحسان في مناقب النعمان)) لابن حجر المكي (الهيتمي الشافعي) (ص 76): الفصلُ التاسعُ والثلاثون في ردِّ ما نقله الخطيبُ في ((تاريخه)) عن القادحين فيه [أي في أبي حنيفة]: "اعلم أنَّه لم يَقْصِدْ بذلك إِلا جَمْعَ ما قيل في الرجل على عادة المؤرِّخين، ولم يَقْصِدْ بذلك انتقاصَه ولا حَطَّ مرتبته، بدليل أَنَّه قدَّم كلامَ المادحين وأكثَرَ مِنه ومِن نَقْلِ مآثِره، ثم عقَّبه بذِكرِ كلامِ القادحين فيه [سبق تعليقًا أنّ الخطيبَ أفصح عن طريقته في كتابه فقال: "كلَّما ذكرتُ في التاريخ رجلاً اختَلَفَتْ فيه أقوايلُ الناس في الجرح والتعديل، فالتعويلُ على ما أخَّرْتُ وختمتُ به الترجمة". فالاعتذار عنه بأنه قدَّم كلام المدحين لا يتفقُ مع تصريحه بما التزمه. ].
    وممَّما يدلُّ على ذلك أيضًا: أن الأسانيد التي ذكرها للقدح لا يخلو غالبُها من مُتَكلَّمٍ أو مجهول، ولا يجوز إِجماعًا ثَلْمُ عِرضِ المسلم بمثل ذلك، فكيف بإمامٍ من أئمة المسلمين،
    وبفرضِ صحة ما ذكره الخطيبُ من القدح عن قائله لا يُعْتدُّ به، فإنه إِن كان من غير أقران الإِمام فهو مقَلِّدٌ لما قاله أو كتبه أعداؤه، أو مِن أقرانِهِ فكذلك، لما مَرَّ أنَّ قولَ الأقران بعضِهم في بعض غيرُ مقبول، وقد صرَّح الحافظانِ الذهبيُّ وابنُ حجر بذلك". انتهى. )). انتهى.

    ***
    وأكتفي بهذا القدر من القل،،

  6. 2 أعضاء قالوا شكراً لـ عمرو بن الحسن المصري على هذه المشاركة:


  7. #19
    :: نـشـيــط ::
    تاريخ التسجيل
    Sep 2012
    الدولة
    مصر
    المدينة
    القاهرة
    المؤهل
    طالب بكالوريوس
    التخصص
    طالب جامعي
    المشاركات
    686
    شكر الله لكم
    4,371
    تم شكره 892 مرة في 426 مشاركة

    افتراضي رد: مَوْقِفُ المُحَدِّثِينَ مِن الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَة.. (دِراسةٌ مُنصِفة!)

     اقتباس: المشاركة الأصلية كتبت بواسطة حسام الدين بن رامي السعراتي مشاهدة المشاركة
    أحسنت أحسن الله إليك ..
    وإليك أحسن الله.

  8. #20
    :: نـشـيــط ::
    تاريخ التسجيل
    Sep 2012
    الدولة
    مصر
    المدينة
    القاهرة
    المؤهل
    طالب بكالوريوس
    التخصص
    طالب جامعي
    المشاركات
    686
    شكر الله لكم
    4,371
    تم شكره 892 مرة في 426 مشاركة

    افتراضي رد: مَوْقِفُ المُحَدِّثِينَ مِن الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَة.. (دِراسةٌ مُنصِفة!)

    السلام عليكم

    إتمامًا للفائدة؛ أردتُ الإشارة لكتاب ((التنكيل)) لمؤلفه: المُحدّث العلاّمة الشيخ/ المعلمي اليماني.

    رابط للكتاب في طبعته الثانية، مُجلّدين، من موقع الآجري:
    http://www.ajurry.com/vb/attachment....7&d=1328511530
    رابط آخر، من المكتبة الوقفية:
    http://www.waqfeya.com/index.php/books/book-1578

    رابط للكتاب، بتحقيق شيخنا العلامة المحدث/ الألباني:
    http://www.archive.org/download/ttkattka/ttka.pdf

    وهذا رابط لبحث مُفيد نفيس، من المكتبة الشاملة، بعنوان: "مئة فائدة حديثية من كتاب التنكيل للمعلمي اليماني":
    http://islamport.com/w/mst/Web/5211/1.htm

    والله ولي التوفيق،،

  9. 2 أعضاء قالوا شكراً لـ عمرو بن الحسن المصري على هذه المشاركة:


  10. #21
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    الكنية
    أبو عبد الرحمن
    الدولة
    اليمن
    المدينة
    عدن
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    لغة فرنسية دبلوم فني مختبر
    العمر
    42
    المشاركات
    1,225
    شكر الله لكم
    683
    تم شكره 1,739 مرة في 674 مشاركة

    افتراضي رد: مَوْقِفُ المُحَدِّثِينَ مِن الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَة.. (دِراسةٌ مُنصِفة!)

     اقتباس: المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عمرو بن الحسن المصري مشاهدة المشاركة
    تقدم معنا حديث في صحيح البخاري من رواية: يحيى بن سليم الطائفي ، ويصحح البخاري حديثه، وأنت رددت كلامه، ورددت كلام الحافظ ابن حجر ، ورددت كلام أئمة الإسلام من أجل فردٍ واحد لحاجة في نفسك، ثم تقول الآن: هم القوم لا يضل من أخذ بشهادتهم، لم لم تأخذ بشهادةالبخاري هناك؟!
    يعني: شهادة البخاري في أبي حنيفة جعلتها نصاً منزلاً كالقرآن، وشهادة البخاري في يحيى بن سليم الطائفي رددتها، وقد أورد حديثه في كتابه وصححه، فجئت وضعفته وما باليت، فإما أن تأخذ بأقوالهم كلها، وإما أن تردها، وأما هذا التذبذب بأن يأخذ الإنسان ما يريد ويترك ما يريد، فلا!
    يأتي لإمام من أئمة الإسلام يطعنه كما يقال بخنجر مسموم، ثم يقول: أنا لن أضل؛ لأنني اتبعت أئمة الإسلام قبلي.
    حسناً: فلم لم تتبعهم في يحيى بن سليم الطائفي ؟!
    ما أدري ما دفع الشيخ الطحان لهذا! ، فإن الشيخ الألباني مصرح بأنه متابع لابن حجر في تضعيفه ، فإن ابن حجر مع تصريحه بأنه صدوق وصفه بأنه سيء الحفظ ، فكيف يصفه بمخالفة ابن حجر؟
    إن قال : قول ابن حجر (صدوق سيء الحفظ) لا يقتضي الضعف.
    قيل : الألباني مخالف في فهم عبارته ، فيراها دالة عليه. أم تراه كان يلزمه الأخذ بفهم لشيخ ، وأنه قد أتى عجباً حيث لم يوافق؟!
    وقناعتي الشخصية أن من قال فيه الحافظ ابن حجر (صدوق) فهو حسن الحديث وإن أتبعها بعبارات جرح كـ (سيء الحفظ) و(يخطئ) أو (يخطئ كثيراً) بشرط أن لا يكون الحديث المروي من طريقه مما أنكره عليه العلماء ، ولم يكن من روايته عمن لم يختص به من المشاهير خلاف ما يرويه مشاهير أصحابهم ، كأن يأتي مثل يحيى بن أبي سليم إلى مثل عبيد الله ونسخته عن نافع عن ابن عمر مشهورة وأصحابه معروفون فينفرد عنه.
    لكن لا يلزم من ذلك أن يكون الشيخ الألباني منحرف عن الجادة ، أو ضل طريق الصواب حيث لم يقل بهذا ، لجواز أن يكون الخطأ من نصيب من خالفه ، وهو لا يلزمه سوى اجتهاد نفسه.
    وعلى كل فقول الشيخ الطحان :
     اقتباس:
    ورددت كلام أئمة الإسلام من أجل فردٍ واحد لحاجة في نفسك
    فلو تجاوزنا تخرصه على ما في أنفس الناس ، لكان غير صادق في دعواه أن الشيخ الألباني رد كلامه من أجل واحد ، فقد قال رحمه الله في (الإرواء) : (قلت وهذا الحديث مع إخراج البخاري إياه في صحيحه فالقلب لم يطمئن لصحته، ذلك لأن مدار إسناده على يحيى بن سليم وهو الطائفي وقد اختلفت أقوال أئمة الجرح والتعديل فيه فوثقه ابن معين وابن سعد والعجلي، وقال النسائي: «ليس به بأس، وهو منكر الحديث عن عبيد الله بن عمر» .
    وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: يخطئ وقال أبو حاتم شيخ صالح محله الصدق ولم يكن بالحافظ يكتب حديثه ولا يحتج به وقال يعقوب بن سفيان: سني رجل صالح وكتابه لا بأس به فإذا حدث من كتابه فحديثه حسن وإذا حدث حفظا فيعرف وينكر.
    وأورده النسائي في الضعفاء والمتروكين وقال (ص31 طبع الهند) : ليس بالقوي.
    وقال أحمد كتبت عنه شيئا فرأيته يخلط في الأحاديث فتركته وفيه شيء
    وقال الساجي: صدوق يهم في الحديث وأخطأ في أحاديث رواها عبيد الله بن عمر لم يحمده أحمد
    وقال أبو أحمد الحاكم ليس بالحافظ عندهم
    وقال الدارقطني: سيء الحفظ
    وقال البخاري ما حدث الحميدي عن يحيى بن سليم فهو صحيح.
    قلت ومن هذه النقول يتلخص أن الرجل ثقة في نفسه ولكنه ضعيف في حفظه وخصوصا في روايته عن عبيد الله بن عمر، يستثنى من ذلك ما روى الحميدي عنه فإنه صحيح) انتهى.
    فهذا البخاري أشار إلى خلل فيما يرويه غير الحميدي عنه.
    وبغض النظر عن موافقتنا أو مخالفتنا له في النتيجة التي وصل إليها ، إلا أن قول الطحان :
     اقتباس:
    وأنت رددت كلامه، ورددت كلام الحافظ ابن حجر ، ورددت كلام أئمة الإسلام من أجل فردٍ واحد لحاجة في نفسك
    يعني لا أدري ما أقول ؛ أأقول لعله خفي عليه الكلام في يحيى بن سليم الموجود في التهذيب والميزان والتقريب وو ... ؟
    أم عرفها وظن أن الشيخ الألباني رحمه الله هو الذين كان يجهل ما في هذه الكتب ولا يعرف منها إلا قول واحدٍ فقط فتابعه مخالفاً بذلك من أشار إليهم الطحان؟

    وما يظهر من كلام الألباني أن مرتبة أبي حنيفة أصلاً بكلام أقرانه فيه حتى يستدعي ذلك الرد عليه ، فإن الشيخ كما يظهر من مصنفاته ومنها مقدمة صفة الصلاة يجله ويعترف له بالاجتهاد المطلق .

    لست أعرف الشيخ محمود الطحان جيداً ، ولا أدري ما حامله على هذا النقد البين عواره.

    والله سبحانه أعلم

  11. 3 أعضاء قالوا شكراً لـ وضاح أحمد الحمادي على هذه المشاركة:


  12. #22
    :: متـابـــع ::
    تاريخ التسجيل
    Dec 2013
    الكنية
    أبو عبد الله
    الدولة
    مصر
    المدينة
    القاهرة
    المؤهل
    ماجستير
    التخصص
    إدارة
    العمر
    49
    المشاركات
    4
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 9 مرة في 5 مشاركة

    افتراضي رد: مَوْقِفُ المُحَدِّثِينَ مِن الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَة.. (دِراسةٌ مُنصِفة!)

    أشكر لك نبل مسعاك و ذودك عن الإمام بحق و عدل و أبتغي رأيك فيما ورد عن الإمام أبي حنيفة في كتاب "السنة" لعبد الله بن الإمام أحمد!
    أجزل الله مثوبتكم

  13. 2 أعضاء قالوا شكراً لـ محمد عدلي فرحات على هذه المشاركة:


  14. #23
    :: نـشـيــط ::
    تاريخ التسجيل
    Sep 2012
    الدولة
    مصر
    المدينة
    القاهرة
    المؤهل
    طالب بكالوريوس
    التخصص
    طالب جامعي
    المشاركات
    686
    شكر الله لكم
    4,371
    تم شكره 892 مرة في 426 مشاركة

    افتراضي رد: مَوْقِفُ المُحَدِّثِينَ مِن الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَة.. (دِراسةٌ مُنصِفة!)

    السلام عليكم

    بارك الله فيكم شيخ وضاح على المشاركة الطيبة.

  15. 3 أعضاء قالوا شكراً لـ عمرو بن الحسن المصري على هذه المشاركة:


  16. #24
    :: نـشـيــط ::
    تاريخ التسجيل
    Sep 2012
    الدولة
    مصر
    المدينة
    القاهرة
    المؤهل
    طالب بكالوريوس
    التخصص
    طالب جامعي
    المشاركات
    686
    شكر الله لكم
    4,371
    تم شكره 892 مرة في 426 مشاركة

    افتراضي

     اقتباس: المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد عدلي فرحات مشاهدة المشاركة
    أشكر لك نبل مسعاك و ذودك عن الإمام بحق و عدل و أبتغي رأيك فيما ورد عن الإمام أبي حنيفة في كتاب "السنة" لعبد الله بن الإمام أحمد!
    أجزل الله مثوبتكم
    وشكر الله لك وجزاك خيرًا.
    بخصوص اتّهامه في رأيه؛ فقد يُحمل ذلك على عموم الخلاف الحاصل بين مدرسة أهل الرأي ومدرسة أهل الحديث! .. وأما اتّهامه في عقيدته؛ فقد أسلفنا التفصيل فيه، والله أعلم.

    صحة نسبة كتاب السنة لعبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل - مركز الفتوى
    الإجابــة
    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعـد:

    فكتاب السنة أو الرد على الجهميةللإمام عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل مطبوع عدة طبعات، منها ما حققه الشيخ أبو مالك الرياشي، وبوب في مقدمتها فصلا في ثبوت الكتاب، وكذلك الكلام حول ما نقلهالإمام عبد الله في حق الإمام أبي حنيفة.
    وحققه قبلهالدكتور محمد سعيد القحطاني، وذكر في تحقيقه أن أكثر ما نسب لأهل العلم من الكلام على المخالفات العقدية للإمام أبي حنيفة، لا يصح سنده عمن عزي إليهم، وذكر كذلك أن عبد الله بن الإمام أحمد لم ينفرد بالكلام على أبي حنيفة، بل تكلم فيه ابن حبان والبخاري وابن قتيبة وابن أبي شيبة والخطيب البغدادي واللالكائي، ثم نقل عن ابن عبد البر أن من وثقوا أبا حنيفة وزكوه أكثر ممن تكلموا فيه. وقد سبق تفصيل ذلك في الفتوى رقم: 43484 .
    وقد سئل الشيخ صالح آل الشيخ: ما رأيكم في ما جاء في كتاب عبد الله بن الإمام أحمدمن اتهام لأبي حنيفة بالقول بخلق القرآن إلى آخره؟
    فأجاب: هذا سؤال جيد، هذا موجود في كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد، وعبد الله بن الإمام أحمد في وقته كانت الفتنة في خلق القرآن كبيرة، وكانوا يستدلون فيها بأشياء تنسب لأبي حنيفة وهو منها براء، خلق القرآن، وكانت تنسب إليه أشياء ينقلها المعتزلة من تأويل الصفات إلى آخره مما هو منها براء، وبعضها انتشر في الناس ونقل لبعض العلماء فحكموا بظاهر القول، وهذا قبل أن يكون لأبي حنيفة مدرسة ومذهب؛ لأنه كان العهد قريبا عهد أبي حنيفة، وكانت الأقوال تنقل، قول وكيع، قول سفيان الثوري، سفيان بن عيينة، قول فلان وفلان من أهل العلم في الإمام أبي حنيفة، وكانت الحاجة في ذلك الوقت- باجتهاد عبد الله بن الإمام أحمد- كانت الحاجة قائمة في أن ينقل أقوال العلماء فيما نقل. ولكن بعد ذلك الزمان كما ذكر الطحاوي أجمع أهل العلم على أن لا ينقلوا ذلك، وعلى أن لا يذكروا الإمام أبا حنيفة إلا بالخير والجميل، هذا فيما بعد زمن الخطيب البغدادي. يعني في عهد الإمام أحمد ربما تكلموا، وفي عهد الخطيب البغدادي نقل مقولات في تاريخه معروفة، وحصل ردود عليه بعد، حتى وصلنا إلى استقراء منهج السلف في القرن السادس والسابع، وكتب في ذلك ابن تيمية الرسالة المشهورة :رفع الملام عن الأئمة الأعلام، وفي كتبه جميعا يذكر الإمام أبا حنيفة بالخير وبالجميل ويترحم عليه، وينسبه إلى شيء واحد وهو القول بالإرجاء إرجاء الفقهاء، دون سلسلة الأقوال التي نسبت إليه فإنه يوجد كتاب أبي حنيفة الفقه الأكبر، وتوجد رسائل له تدل على أنه في الجملة يتابع السلف الصالح إلا في هذه المسألة مسألة دخول الأعمال في مسمى الإيمان ...
    ولما أراد العلماء طباعة كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد وكان المشرف على ذلك والمراجع له الشيخ العلامة عبد الله بن حسن آل الشيخ رحمه الله تعالى رئيس القضاة إذ ذاك في مكة، فنزع هذا الفصل بكامله من الطباعة، فلم يُطبع لأنه من جهة الحكمة الشرعية كان له وقته وانتهى، ثم هو اجتهاد ورعاية مصالح الناس أن ينزع وأن لا يبقى وليس هذا فيه خيانة للأمانة؛ بل الأمانة أن لا يجعل الناس يصدون عن ما ذكر عبد الله بن الإمام في كتابه من السنة والعقيدة الصحيحة لأجل نقول نقلت في ذلك، وطبع الكتاب بدون هذا الفصل وانتشر في الناس وفي العلماء على أن هذا كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد. حتى طبعت مؤخرا في رسالة علمية أو في بحث علمي وأُدخل هذا الفصل، وهو موجود في المخطوطات معروف، أدخل هذا الفصل من جديد يعني أرجع إليه، وقالوا: إن الأمانة تقتضي إثباته.
    وهذا لاشك أنه ليس بصحيح بل صنيع العلماء علماء الدعوة فيما سبق من السياسة الشرعية ومن معرفة مقاصد العلماء في تآليفهم واختلاف الزمان والمكان والحال وما استقرت عليه العقيدة وكلام أهل العلم في ذلك.
    ولما طبع كنا في دعوة عند فضيلة الشيخ الجليل الشيخ صالح الفوزان في بيته كان داعيا لسماحة الشيخ عبد العزيز رحمه الله وطرحت عليه، فقال رحمه الله في مجلس الشيخ صالح، قال لي: الذي صنعه المشايخ هو المتعين ومن السياسة الشرعية أن يحذف وإيراده ليس مناسبا. وهذا هو الذي عليه نهج العلماء
    ... اهـ. باختصار من موقع الشيخ على الإنترنت.



    وراجع في مدى صحة نسبة القول بالإرجاء للإمام أبي حنيفة الفتوى رقم: 106466.
    والله أعلم.

    انتهى.

    وقد أشرتُ سابقًا إلى كثرة النقول التي لا تصح عن الإمام أبي حنيفة في الرأي والاعتقاد على حدٍّ سواء؛ مما دفع بعض الأئمة للطعن فيه عمومًا، يُضاف لذلك بُعد زمان الإمام أحمد بن حنبل عنه.

    فالله أعلى وأعلم.

  17. #25
    :: نـشـيــط ::
    تاريخ التسجيل
    Sep 2012
    الدولة
    مصر
    المدينة
    القاهرة
    المؤهل
    طالب بكالوريوس
    التخصص
    طالب جامعي
    المشاركات
    686
    شكر الله لكم
    4,371
    تم شكره 892 مرة في 426 مشاركة

    افتراضي رد: مَوْقِفُ المُحَدِّثِينَ مِن الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَة.. (دِراسةٌ مُنصِفة!)


  18. #26
    :: متـابـــع ::
    تاريخ التسجيل
    Feb 2019
    الكنية
    ابو العبد
    الدولة
    الأردن
    المدينة
    عمان
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    اصول فقه
    المشاركات
    8
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 2 مرة في 2 مشاركة

    افتراضي رد: مَوْقِفُ المُحَدِّثِينَ مِن الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَة.. (دِراسةٌ مُنصِفة!)

    بوركت ، ماتع جدا جدا..

  19. الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ علي حسين الحسن على هذه المشاركة:


صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 1 2

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. مشاركات: 17
    آخر مشاركة: 17-10-22 ||, 05:25 PM
  2. المَسَائِلُ المُنْتَقَدَةُ عَلَى الإِمَامِ أَبِي حَنيفَة (مِنْ كِتَابِ البُيُوعِ)
    بواسطة عمرو بن الحسن المصري في الملتقى ملتقى فقه المعاملات
    مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 14-05-15 ||, 06:12 PM
  3. المَسَائِلُ المُنْتَقَدَةُ عَلَى الإِمَامِ أَبِي حَنيفَة (مِنْ كِتَابِ الحَجِّ)
    بواسطة عمرو بن الحسن المصري في الملتقى ملتقى فقه المناسك
    مشاركات: 13
    آخر مشاركة: 14-03-10 ||, 11:10 PM
  4. مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 12-12-12 ||, 12:20 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

جميع الموضوعات والمشاركات التي تطرح في الملتقى لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الملتقى، وإنما تعبر عن رأي كاتبها فقط.
وكل عضو نكل أمانته العلمية إلى رقابته الذاتية!.

﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران:98].