الموضوعات المميزة النشرات الشهرية احصائيات وأرقام تواصل معنا

آخر مواضيع الملتقى

صفحة 1 من 3 1 2 3 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 35

الموضوع: سلسلة مباحث في الإجماع والشذوذ: (3)...موقف ابن عبد البر من الإجماع وقول الجمهور والشذوذ.

  1. #1
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    الكنية
    أبو فراس
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    جدة
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    9,087
    شكر الله لكم
    320
    تم شكره 2,847 مرة في 1,284 مشاركة

    افتراضي سلسلة مباحث في الإجماع والشذوذ: (3)...موقف ابن عبد البر من الإجماع وقول الجمهور والشذوذ.

    بسم الله الرحمن الرحمن الرحيم
    المقدمة
    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد.
    عناصر البحث:
    تنتظم في مقدمة وثلاثة مباحث رئيسية وتتمة وخاتمة:
    أما المقدمة : فهي في تمهيد يشير إلى مناسبة الموضوع وأهميته وخطته مع سرد عناصره.
    أما المباحث الثلاثة الرئيسية فهي كما يلي:
    1- موقف ابن عبد البر من الإجماع.
    2- موقف ابن عبد البر من قول الجمهور.
    3- موقف ابن عبد البر من الشذوذ.
    أما التتمة فهي: في موقفه من التقليد.
    أما الخاتمة:فسنلخص فيها بحول الله وقوته نتائج هذا البحث.
    وإليك الآن تفصيل مطالب المباحث الثلاثة الرئيسية:
    المبحث الأول: موقف ابن عبد البر من الإجماع:
    وهو ينتظم في عشرة مطالب :
    المطلب الأول: موقف ابن عبد البر من حجية الإجماع.
    المطلب الثاني:موقف ابن عبد البر من إجماع الصحابة.
    المطلب الثالث: موقف ابن عبد البر من انعقاد الإجماع بعد وقوع النزاع.
    المطلب الرابع: موقف ابن عبد البر من تحصيل الإجماع على أقل ما قيل في المسألة أو أكثر ما قيل فيها.
    المطلب الخامس: موقف ابن عبد البر من إحداث قول ثالث في المسألة.
    المطلب السادس: موقف ابن عبد البر من إجماع أهل المدينة.
    المطلب السابع:. اصطلاح ابن عبد البر في فقهاء أئمة الأمصار.
    المطلب الثامن: استفادة ابن عبد البر من الإجماع في تفسير النص.
    المطلب التاسع: موقف أهل العلم من إجماعات ابن عبد البر.
    المطلب العاشر: دراسة تطبيقية في تناول ابن عبد البر لمسائل الإجماع وقول الجمهور والشذوذ، وما يروح إليه من مسالك ودروب وما يقعد عنه.
    المبحث الثاني: موقف ابن عبد البر من قول الجمهور
    وهو ينتظم في ثمانية مطالب:
    المطلب الأول: موقفه من الاحتجاج بقول الجمهور أو بقول الأكثر.
    المطلب الثاني:احتجاج ابن عبد البر بقول الجمهور وما عليه العمل مع عدم اعتباره إجماعاً.
    المطلب الثالث:اصطلاح الجمهور عند ابن عبد البر، والفرق بينه وبين إطلاق الإجماع.
    المطلب الرابع: اتباع ابن عبد البر لقول الجمهور وإن كان مخالفاً للقياس والنظر.
    المطلب الخامس: ترك العمل بعموم الحديث لعدم تلقي الجمهور له بالقبول.
    المطلب السادس: إفساد بعض الأقوال الغريبة عن طريق مقدمتين: النص وقول الجمهور.
    المطلب السابع: من لا يعتد بهم ابن عبد البر في خلاف الجمهور.
    المطلب الثامن:استصحاب ما أجمع عليه الجمهور إلى محل الخلاف في المسألة.
    المبحث الثالث: موقف ابن عبد البر من الشذوذ.
    وينتظم هذا المبحث في ستة مطالب:
    المطلب الأول: موقف ابن عبد البر الإجمالي من الشذوذ.
    المطلب الثاني: أنواع الشذوذ عند ابن عبد البر.
    المطلب الثالث: عدم اعتداده بالشذوذ في مخالفة قول الجمهور والآثار.
    المطلب الرابع: إسقاط ابن عبد البر لبعض الأقوال الساقطة التي لا تتفق والأقوال في المسألة.
    المطلب الخامس: موقف ابن عبد البر من التكلف في الاستدلال لاعتبار الأقوال الضعيفة.
    المطلب السادس: موقف ابن عبد البر من شذوذات أهل الظاهر.
    التتمة:موقف ابن عبد البر من التقليد.
    خاتمة:ذكر النتائج المستخلصة من البحث.


  2. #2
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    الكنية
    أبو فراس
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    جدة
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    9,087
    شكر الله لكم
    320
    تم شكره 2,847 مرة في 1,284 مشاركة

    افتراضي

    تمهيد:
    هذه محاولة متواضعة للوقوف على أطراف كلام ابن عبد البر رحمه الله في باب الإجماع والشذوذ، غلب عليها اقتناص آرائه من خلال تتبع طرائقه وتصفح ممارساته كل ذلك من الجهة العملية لتناوله للمسألة الفقهية، بعيدا عن امتهان صناعة الخرائط النظرية التي تطرق عادة، ثم تقطع عما قصد لها أن تكون، فإن لم تضل فما أقل أن تهدي!

    ويعتذر الباحث عن كسله في إنجاز ما كان يرومه من الوصول إلى النتائج المأمولة عبر استقراء كامل لكتابي: التمهيد والاستذكار، والعذر في ذلك - غير الكسل وتدني الهمم - أنه من خلال استعراض سريع لمظان المسألة من كلام ابن عبد البر تم التوصل بحمد الله إلى نتائج تقريبية تحدد بشكل كبير موقف ابن عبد البر في هذا الباب نظرا وتطبيقا، وعاد الشأن والشغل بعد امتلاء الموضوع بالمادة الثرية من كلام ابن عبد البر في عين هذه المسائل إلى حذف ما تكرره ذكره، والاقتصار على ما يفي بالمقصود.
    ولما كان الأمر كذلك تراجعت بحسب ما تقدم أهمية قراءة هذين الكتابين الكبيرين بتمامهما مع ما سيبذل فيهما من جهد ووقت قد لا يتناسبان مع ما يطمح فيهما من استتمام أطراف هذا البحث من خلال هذه الرحلة الاستقرائية الطويلة، والتي قد حبس بسبب استثقالها ولادة هذا البحث لأكثر من سنة، وإن كان الإصرار يملأني بالرغبة الملحة للمرور على هذين الكتابين، والارتواء من معينهما، لكن في مشروع آخر وفي رحلة أخرى إن شاء الله مع ابن عبد البر رحمه الله نتمم فيها بإذن الله ما نقص من مادة هذا البحث.
    كما أنه يفرحني كثيراً أن ينطلق بعضُ الباحثين من خلال محددات هذا البحث أو غيره إلى تسجيل رسالة علمية تهدف إلى تأصيل منهج ابن عبد البر الفقهي.
    وما أجدره بذلك، فقد كان رحمه الله مدرسة مستقلة، وهو من أطواد الأصول والفروع،([1]) وقد أضاف مادة ثرية نَهَلَ منها الأئمة الكبار قبل غيرهم.
    ومن أولئك تلميذه الظاهري ابن حزم الأندلسي الذي ولد ومات في أثناء حياته، وقد كان كل واحد منهما معجباً بالآخر وإن لم يرتض أحدهما طريقة الآخر.
    ومنهم ابن رشد الحفيد في كتابه الحافل بأسباب الخلاف وحكاية الإجماع وتحرير محل النزاع، وقد صرح بأن أكثر ما في كتابه من مادة فهو من ابن بلدته : ابن عبد البر النمْري، ولا نجد ضرورة أو حاجة إلى ذكر اسم هذا الكتاب فيكفي فيه إلماحة أو حتى إشارة بأصبع أو ترديد طرفٍ أندلسي.
    ومن أولئك الذين قد ارتووا من ابن عبد البر حتى تضلَّعوا: تقي الدين ابن تيمية المشرقي وأبو إسحاق الشاطبي المغربي في رحب وسعة مدرستيهما المقاصدية وفي رسوم وحدود منهجيهما النصي والإجماعي.
    ولا أنسى إن نسيت ابن رجب الحنبلي فقد كان سائراً على نسج الأئمة الكبار بل لم أر أشبه بذاك من هذا، وإن كان أحدهما حنبلي شامي، والآخر مالكي مغربي ، فللأئمة الكبار نسب ضارب في الأصول، ومتجذر في الأعماق مما يجعل النسب في سواهما مجرد أغصان متدلية من هذه الأصول الراسخة، {والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه}
    تنبيه:
    الأبحاث في هذا الموضوع الذي بين يديك متداخلة بشكل كبير، وحاولتُ جهدي أن أنزل في كل محل ما هو أنسب وألصق به، فمن رأى مثالاً هو أنسب في موضع آخر فلينبهني على ذلك، وإن كنتُ أعمد إلى ذلك أحياناً لوفرة بعض الأمثلة في بعض المباحث دون بعض.
    كما أن بعض المباحث لا تزال بحاجة إلى:
    1- استتمام لفظي [بذكر بعض الأمثلة].
    2- أو استتمام معنوي [بذكر بعض الأصول أو المحددات في هذا الباب].
    وجزى الله عني خيراً من أضاف، أو نقِّح، أو استدرك، أو تمم، أو دعا أو برَّك، أو قرأ، أو أفاد.
    ورحم الله ابن عبد البر في علمائنا الأجلاء الذين أفنوا أعمارهم تحصيلاً وإفادة، وألحقنا بهم في الدنيا علماً عملاً، وفي الآخرة درجة ومنزلة.
    بقي أن يقال:
    تحت دكِّ الدولة العبرية لقطعة في أكناف بيت المقدس تعرف بغزة، وهي بلدة كما يقول المؤرخون في طريق مصر.
    كتب هذا البحث، فتعثَّر في بعض منعطفاته، حتى عُمِّر بعدد أيام الحرب، ولم يتمخَّض إلا وقد وضعت الحرب أوزارها.
    ولولا تقاصر اليد عن نصرتهم لعددت الاشتغال بمثل هذا البحث في مثل هذه اللحظة في مثل هذا الظرف من جملة ما يكبر من الإثم، وكان حرياً بصاحبه أن يضاف في جملة الأحاكي المذيَّلة بذلِّها، والله يغفر لي ويرحمني، وينصرنا على الباغي والعادي، ويقطع – بقدرته - يدَ الحاجِز، كما فضحه، فكشف سوأته.
    ([1]) الصوارم والأسنة في الذب عن السنة ص92، واستفدت هذا النقل من كتاب البوصي في إجماعات ابن عبد البر 1/104، وهو استفاده من كتاب أصول فقه ابن عبد البر 1/391، وقد استفدت من هذه الإحالة بالرجوع إلى المصدر الأصلي وبالله الوفيق.، ورقم الصفحة المحالة عندهم ص68




  3. #3
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    الكنية
    أبو فراس
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    جدة
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    9,087
    شكر الله لكم
    320
    تم شكره 2,847 مرة في 1,284 مشاركة

    افتراضي

    المبحث الأول: موقف ابن عبد البر من الإجماع
    وهو ينتظم في تسعة مطالب :
    المطلب الأول: موقف ابن عبد البر من حجية الإجماع.
    المطلب الثاني:موقف ابن عبد البر من إجماع الصحابة.
    المطلب الثالث: موقف ابن عبد البر من انعقاد الإجماع بعد وقوع النزاع.
    المطلب الرابع: موقف ابن عبد البر من تحصيل الإجماع على أقل ما قيل في المسألة أو أكثر ما قيل فيها.
    المطلب الخامس: موقف ابن عبد البر من إحداث قول ثالث في المسألة.
    المطلب السادس: موقف ابن عبد البر من إجماع أهل المدينة.
    المطلب السابع:. اصطلاح ابن عبد البر في فقهاء أئمة الأمصار.
    المطلب الثامن: استفادة ابن عبد البر من الإجماع في تفسير النص.
    المطلب التاسع: موقف أهل العلم من إجماعات ابن عبد البر.

  4. #4
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    الكنية
    أبو فراس
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    جدة
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    9,087
    شكر الله لكم
    320
    تم شكره 2,847 مرة في 1,284 مشاركة

    افتراضي

    المطلب الأول: موقف ابن عبد البر من حجية الإجماع:
    لابن عبد البر رحمه الله موقف صريح جداً في تقرير هذا الأصل الكبير إن كان من جهة التأصيل وإن كان من جهة التطبيق، بل ذهب في الاحتياط له إلى منازلة مختصة، تميز فيها موقفه عن غيره، سيكشف هذا البحث عما لاحظه من ذلك،
    وإن حصر أوجه استعمال ابن عبد البر رحمه الله لدليل الإجماع يحتاج إلى استقراء دقيق لكتبه المطبوعة وبالتحديد: التمهيد، الاستذكار، جامع بيان العلم وفضله.
    لكن لعل استعراض مجموعة من النماذج العشوائية للمسائل التي تناولها ابن عبد البر نستطيع –بحول الله وقوته- من خلالها أن نصل إلى نتائج ولو تقريبية في حدود وماهيات استعمال ابن عبد البر للإجماع.
    وفي هذا العنصر من البحث سيكون الكلام قاصراً على تحصيل موقفه النظري في تقرير هذا الأصل، وذلك من خلال أحد عشر نقلاً، هاهي بين يديك:
    النقل الأول:
    يقول ابن عبد البر رحمه الله:
    "وأما أصول العلم" فالكتاب والسنة وتنقسم السنة قسمين:
    أحدهما: إجماعٌ تنقله الكافة عن الكافة، فهذا من الحجج القاطعة للأعذار إذا لم يوجد هناك خلاف، ومَن رد إجماعهم فقد رد نصا من نصوص الله يجب استتابته عليه وإراقة دمه إن لم يتب لخروجه عما أجمع عليه المسلمون وسلوكه غير سبيل جميعهم.
    والضرب الثاني: من السنة خبر الآحاد الثقات الأثبات المتصل الإسناد، فهذا يوجب العمل عند جماعة علماء الأمة الذين هم الحجة والقدوة، ومنهم مَن يقول: إنه يوجب العلم والعمل جميعا وللكلام."([1])
    نستفيد من هذا النقل ما يلي:
    1) أن إجماع الكافة من الحجج القاطعة للأعذار إذا لم يوجد هناك خلاف.
    2) يترتب على رد إجماع الكافة أن يكون كمن رد نصاً من نصوص الله، فيجب استتابته عليه وإراقة دمه إن لم يتب لخروجه عما أجمع عليه المسلمون وسلوكه غير سبيل جميعهم.
    3) خبر الآحاد الصحيح يوجب العمل عند جماعة علماء الأمة الذين هم الحجة.
    4) من أهل العلم من يقول إنه يوجب العلم والعمل جميعاً.
    النقل الثاني:
    نقل ابن عبد البر عن الشافعي:
    أن جهة العلم:
    أ‌- ما كان نصا من الكتاب.
    ب‌- أو السنة.
    ت‌- أو الإجماع.
    ث‌- أو القياس على هذه الأصول.
    ثم دلل ابن عبد البر على هذه الجهات الأربع، فقال في كلامه المتعلق بالإجماع:
    "أما الإجماع فمأخوذ:
    1- من قول الله: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ}([2]) ؛ لأن الاختلاف لا يصح معه هذا الظاهر.
    2- وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تجتمع أمتي على ضلالة".
    ثم قال:
    ودلائل الإجماع من الكتاب والسنة كثير ليس كتابنا هذا موضعا لتقصيها، وبالله التوفيق."([3])
    النقل الثالث:
    نقل ابن عبد البر عن محمد بن الحسن قوله:
    " العلم على أربعة أوجه:
    1- ما كان في كتاب الله الناطق وما أشبهه.
    2- وما كان في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المأثورة وما أشبهها.
    3- وما كان فيما أجمع عليه الصحابة رحمهم الله وما أشبهه، وكذلك ما اختلفوا فيه لا يخرج عن جميعه، فإن أوقع الاختيار فيه على قول فهو علم تقيس عليه ما أشبهه.
    4- وما استحسنه عامة فقهاء المسلمين وما أشبهه، وكان نظيرا له.
    قال: ولا يخرج العلم عن هذه الوجوه الأربعة."([4])
    نستفيد من هذين النقلين ما يلي:
    1- إقرار ابن عبد البر لمحمد بن الحسن والشافعي أن الإجماع هو أحد جهات العلم الرئيسية التي لا يخرج العلم عنها.
    2- استدلال ابن عبد البر للإجماع من القرآن والسنة.
    3- أن دلائل الإجماع من الكتاب أو السنة كثيرة.
    4- أن من جهات العلم ما استحسنه عامة فقهاء المسلمين، وما أشبهه.
    النقل الرابع:
    يقول ابن عبد البر وهو يشكو حال أهل زمانه:
    "قد اطرحوا علم السنن والآثار وزهدوا فيهما، وأضربوا عنهما:
    1- فلم يعرفوا الإجماع من الاختلاف.
    2- ولا فرقوا بين التنازع والائتلاف.
    بل عولوا :
    على حفظ ما دون لهم من الرأي والاستحسان الذي كان عند العلماء آخر العلم والبيان، وكان الأئمة يبكون على ما سلف وسبق لهم فيه، ويودون أن حظهم السلامة منه."[5]
    نستفيد من هذا النقل ما يلي:
    1- أن معرفة الإجماع من الاختلاف، والتفريق بين التنازع والائتلاف هو من علم السنن والآثار، والضرب عنهما اطراح لهما.
    2- أن حفظ المدوَّن من الرأي والاستحسان هو عند العلماء آخر العلم والبيان.
    النقل الخامس:
    نقل ابن عبد البر اتفاق أهل الإسلام أن الدين تكون معرفته على ثلاثة أقسام :
    أولها:
    معرفة خاصة الإيمان والإسلام....
    والقسم الثاني:
    معرفة مخرج خبر الدين وشرائعه ، وذلك:
    1- معرفة النبي صلى الله عليه وسلم الذي شرع الله الدين على لسانه ويده.
    2- ومعرفة أصحابه الذين أدوا ذلك عنه.
    3- ومعرفة الرجال الذين حملوا ذلك وطبقاتهم إلى زمانك.
    4- ومعرفة الخبر الذي يقطع العذر لتواتره وظهوره.
    والقسم الثالث:
    1- معرفة السنن واجبها وأدبها.
    2- وعلم الأحكام ، وفي ذلك يدخل:
    أ‌- خبر الخاصة العدول ومعرفته.
    ب‌- ومعرفة الفريضة من النافلة.
    ت‌- ومخارج الحقوق والتداعي.
    ث‌- ومعرفة الإجماع من الشذوذ.
    قالوا :ولا يوصل إلى الفقه إلا بمعرفة ذلك، وبالله التوفيق."[6]
    نستفيد من هذا النقل ما يلي:
    أن معرفة الإجماع والشذوذ هو في جملة علم الأحكام المتدلِّي من أقسام معرفة الدين الثلاثة، المتفق عليها بين أهل الإسلام، وأنه لا يوصل إلى الفقه إلا بمعرفة ذلك.
    النقل السادس
    اعتبر ابن عبد البر رحمه الله:
    أن القول بوجوب زكاة الفطر هو من جهة اتباع سبيل المؤمنين؛ لأن القول بأنها غير واجبة شذوذ أو ضرب من الشذوذ.
    ونفى ما قد يفرضه جاهلٌ:
    بأنها لو كانت فريضة لكفر من قال إنها ليست بفرض كما لو قال في زكاة المال المفروضة أو في الصلاة المفروضة.
    وذلك لأن ما ثبت فرضه من جهة الإجماع فهو على قسمين اثنين:
    1- ما يوجب العمل ويقطع العذر فإن هذا يكفر دافعه؛ لأنه لا عذر له فيه.
    2- ما يوجب العمل ولا يقطع العذر؛ فإن هذا لا يكفر دافعه؛ لأنه يكون يجهل وخطأ فإن تمادى بعد البيان له هجر وإن لم يبن له عذر بالتأويل.
    واستشهد بقيام الدليل الواضح على:
    - تحريم المسكر.
    - تحريم نكاح المتعة ونكاح السر.
    - الصلاة بغير قراءة.
    - بيع الدرهم بالدرهمين يدا بيد.
    - إلى أشياء يطول ذكرها من فرائض الصلاة والزكاة والحج وسائر الأحكام.
    ولا يكفر من قال بتحليل شيء من ذلك:
    لأن الدليل في ذلك يوجب العمل ولا يقطع العذر والأمر في هذا واضح لمن فهم."[7]
    نستفيد من هذا النقل ما يلي:
    ما ثبت فرضه من جهة الإجماع على قسمين اثنين:
    1- ما يوجب العمل ويقطع العذر فإن هذا يكفر دافعه، لأنه لا عذر له فيه.
    2- ما يوجب العمل ولا يقطع العذر فإن هذا لا يكفر دافعه لأنه يكون عن جهل أو خطأ، وإن كان يعتبر شذوذا يخالف جهة اتباع سبيل المؤمنين.
    النقل السابع:
    قرر ابن عبد البر: أن العلماء إذا اجتمعوا على شيء من تأويل الكتاب أو حكاية سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو اجتمع رأيهم على شيء فهو الحق لا شك فيه.([8])
    النقل الثامن:
    نقل ابن عبد البر عن إسماعيل القاضي في المبسوط أنه نقل عن محمد بن سلمة قوله:
    إنما على الحاكم الاجتهاد فيما يجوز فيه الرأي، فإذا اجتهد وأراد الصواب يجهد نفسه فقد أدى ما عليه أخطأ أو أصاب.
    وليس أجد في رأي على حقيقته أنه الحق، وإنما حقيقته الاجتهاد، فإن اجتهد وأخطأ في عقوبة إنسان فمات لم يكن عليه كفارة ولا دية، لأنه قد عمل بالذي أمر به.
    وليس يجوز لمن لا يعلم الكتاب والسنة ولا ما مضى عليه أولو الأمر أن يجتهد رأيه فيكون اجتهاده مخالفا للقرآن والسنة والأمر المجمع عليه."([9])
    قلت:
    يدل هذا النقل عن محمد بن سلمة واستشهاد ابن عبد البر به وإقراره له أنه يشترط في الاجتهاد:
    أن يكون فيما يجوز فيه الرأي، ولذا فلا يجوز أن يكون الاجتهاد مخالفا لما مضى عليه أولو الأمر فيكون رأيه بذلك مخالفا للأمر المجمع عليه.
    كما أشار: إلى أن من رأى رأيا فإنه يكون منه اجتهادا ولا يقال عنه إنه الحق.
    والذي يعنينا هنا هو:
    أن المسائل المجمع عليها التي بتَّ فيها أهل العلم ومضى عليها أولوا الأمر ليست هي من محال الاجتهاد.
    النقل التاسع:
    يقول ابن عبد البر رحمه الله بعد أن قرر حجية إجماع الصحابة وأنه علمٌ صحيح:
    "وهكذا إجماع الأمة إذا اجتمعت على شيء فهو الحق الذي لا شك فيه لأنها لا تجتمع على ضلال."([10])
    النقل العاشر:
    يقول ابن عبد البر رحمه الله
    "وعلى هذا التأويل تكون الأحاديث مستعملة كلها في هذا الباب فلا يرد بعضها ببعض لأن علينا في الكل الاستعمال ما وجدنا إلى ذلك سبيلا ولا يقطع بنسخ شيء من القرآن إلا بدليل لا معارض له أو إجماع."([11])
    قلت: جعل ابن عبد البر رحمه الله الإجماع قسيما للدليل الذي لا معارض له والذي يحصل به القطع بنسخ شيء من القرآن، واستعمال الإجماع بهذه الطريقة كثير في كلام ابن عبد البر رحمه الله ومن ذلك اعتباره أن الأصل في مناسك الحج الوجوب إلا بدليل أو إجماع.
    فالإجماع عند ابن عبد البر رحمه الله دليل قائم بنفسه يبنى عليه الحكم ويستثنى، وهو أيضاً مانع من الاجتهاد في ما نزل فيه.
    النقل الحادي عشر:
    يقول ابن عبد البر رحمه الله في بعض المسائل:
    "اتفق على ذلك العلماء وجماعة أئمة الفتوى بالأمصار فلا معنى فيه للإكثار ."([12])

    ([1]) جامع بيان العلم وفضله - مؤسسة الريان - (2/73،74).

    ([2]) النساء: 115

    ([3]) جامع بيان العلم وفضله (2 / 59).

    ([4]) جامع بيان العلم وفضله (2 / 59، 60)

    [5]جامع بيان العلم وفضله (2/327).

    [6] جامع بيان العلم وفضله (2/496).

    [7] التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (14 / 324،325).

    ([8]) جامع بيان العلم وفضله (2 / 234)

    ([9]) جامع بيان العلم وفضله (2 / 148)

    ([10]) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (4 / 267)، وانظر: التمهيد أصول فقه ابن عبد البر 1/366 بواسطة إجماعات ابن عبد البر للبوصي.

    ([11]) الاستذكار (1 / 107).

    ([12]) الاستذكار (8 / 133، 134).

  5. #5
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    الكنية
    أبو فراس
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    جدة
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    9,087
    شكر الله لكم
    320
    تم شكره 2,847 مرة في 1,284 مشاركة

    افتراضي

    المطلب الثاني: موقف ابن عبد البر من إجماع الصحابة:
    موقف ابن عبد البر من إجماع الصحابة:
    يقول ابن عبد البر:
    "إجماع الصحابة حجة ثابتة وعلم صحيح إذا كان طريق ذلك الإجماع التوقيف فهو أقوى ما يكون من السنن
    وإن كان اجتهادا ولم يكن في شيء من ذلك مخالفا فهو أيضا علم وحجة لازمة قال الله تعالى: (ويتبع غير سبيل المؤمنين...)."([1])
    وقال أيضاً:
    "وعندي: أن إجماع الصحابة لا يجوز خلافهم والله أعلم؛ لأنه لا يجوز على جميعهم جهل التأويل، وفي قول الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ}([2]) ؛ دليل على أن جماعتهم إذا اجتمعوا حجة على من خالفهم كما أن الرسول حجة على جميعهم." ([3])
    وإنما يتخير من بين أقوال الصحابة إذا اختلفوا:
    يقول رحمه الله:
    ومما يدل على ذلك قوله:
    "في هذا الحديث من الفقه أن الصحابة إذا اختلفوا لم تكن الحجة في قول واحد منهم إلا بدليل يجب التسليم له من الكتاب أو السنة.([4])
    ويقول أيضاً:
    "وهذا الباب في اختلاف الصحابة ورد بعضهم على بعض وطلب كل واحد منهم الدليل والبرهان على ما قاله من الكتاب والسنة إذا خالفه صاحبه أكبر من أن يجمع في كتاب فضلا عن أن يكتب في باب والأمر فيه واضح.
    وإذا كان هذا محل الصحابة رضي الله عنهم وهم أولو العلم "والدين" والفضل، "وخير" أمة أخرجت للناس وخير القرون ومن قد رضي الله عنهم وأخبر بأنهم رضوا عنه وأثنى عليهم بأنهم الرحماء بينهم الأشداء على الكفار الركع السجد وأنهم الذين أوتوا العلم: "قال مجاهد وغيره في قول الله عز وجل: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ} قال: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إلى كثير من ثناء الله عز وجل عليهم واختياره إياهم لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم،
    فإذا كانوا وهم بهذا المحل من الدين والعلم لا يكون أحدهم على صاحبه حجة ولا يستغنى عند خلاف غيره له عن حجة من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم فمن دونهم أولى وأحرى أن يحتاج إلى أن يعضد قوله بوجه يجب التسليم له."([5])
    وقد عقد الإمام ابن عبد البر في كتابه جامع بيان العلم وفضله باباً جامعاً في بيان ما يلزم الناظر من اختلاف العلماء:
    استهله ببيان جواز النظر والأخذ من أقوال الصحابة إن اختلفوا وكذلك الناظر في أقوال غيرهم من الأئمة ما لم يعلم أنه خطأ، فإذا بان له أنه خطأ لخلافه نص الكتاب أو نص السنة أو إجماع العلماء لم يسعه اتباعه."([6])
    وهذا فيه فائدة وهو أن محل النظر والاجتهاد يكون صالحاً إذا توفر أمران اثنان:
    الأول: الاختلاف بين الأقوال في الصحابة أو غيرهم، أما المسائل المجمع عليها فليس فيها إلا الاتباع، أما الاجتهاد والنظر فليس هذا محلها.
    الثاني: ألا يكون القول المختار خطأ لظهور خلافه لنص الكتاب أو السنة أو الإجماع.
    سبق سياق نقل ابن عبد البر لقول محمد بن الحسن أن العلم على أربعة أوجه لا يخرج عنها: وكان الثالث منها هو ماأجمع عليه الصحابة رحمهم الله وما أشبهه، وكذلك ما اختلفوا فيه لا يخرج عن جميعه، فإن أوقع الاختيار فيه على قول فهو علم تقيس عليه ما أشبهه."([7])
    وهذا النقل فيه: أنإجماع الصحابة حجة على غيرهم، لا يجوز خلافهم فيه لأنه لا يجوز على جميعهم جهل التأويل، وأن من الإجماع أيضاً ألا يخرج المجتهد عما اختلفوا فيه.
    خلاصة هذا المبحث:
    - إجماع الصحابة حجة ثابتة وعلم صحيح ولا يجوز خلافهم، ولا يجوز على جميعهم جهل التأويل
    - لإجماع الصحابة طريقان:
    1. التوقيف: وهو أقوى ما يكون.
    2. الاجتهاد: وهو أيضا علم وحجة لازمة.
    - إذا اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن قول واحد منهم حجة إلا بدليل يجب التسليم له من الكتاب أو السنة.
    - إذا اختلف أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يخرج عن أقوالهم وإنما يتخير من بينها، والخروج عنها خرق للإجماع.
    - إذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم بالمحل المعلوم من الدين والعلم لا يكون قول أحدهم حجة على صاحبه إلا بدليل يجب له التسليم فمن دونهم أولى.
    - إذا تبين أن بعض أقوال الصحابة خطأ لخلافه نص الكتاب أو نص السنة أو إجماع العلماء لم يسعه اتباعه.
    - محل النظر والاجتهاد يكون صالحاً إذا توفر أمران اثنان:
    الأول: الاختلاف بين الأقوال في الصحابة أو غيرهم، أما المسائل المجمع عليها فليس فيها إلا الاتباع، أما الاجتهاد والنظر فليس هذا محلها.
    الثاني: ألا يكون القول المختار خطأ لظهور خلافه لنص الكتاب أو السنة أو الإجماع.

    ([1]) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد - (4 / 267)، وانظر: التمهيد أصول فقه ابن عبد البر 1/366 بواسطة إجماعات ابن عبد البر للبوصي.

    ([2]) [البقرة: 143]

    ([3]) جامع بيان العلم وفضله (2 / 59).

    ([4]) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (4 / 263)

    ([5]) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (4 / 265، 266).

    ([6]) جامع بيان العلم وفضله (2 / 158)

    ([7]) جامع بيان العلم وفضله (2 / 59، 60)

  6. #6
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    الكنية
    أبو فراس
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    جدة
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    9,087
    شكر الله لكم
    320
    تم شكره 2,847 مرة في 1,284 مشاركة

    افتراضي

    المطلب الثالث: موقف ابن عبد البر من انعقاد الإجماع بعد وقوع النزاع:
    ابن عبد البر رحمه الله ممن يعتبر انعقاد الإجماع بعد الخلاف، وهذا ظاهر جداً في عدم التفاته إلى الخلاف القديم في المسألة وتسميته بالشذوذ أو أنه قريبٌ منه، ويتكرر منه حكاية الإجماع في كثير من المسائل التي حصل فيها نزاع قديم ثم فني.
    المثال الأول: حكاية ابن عبد البر رحمه الله لإجماع الصحابة على أربع تكبيرات في الجنازة بعد اختلافهم فيها:
    يقول رحمه الله:
    اختلف السلف:
    في عدد التكبير على الجنازة.
    ثم اتفقوا:
    على أربع تكبيرات.
    وما خالف ذلك:
    شذوذ يشبه البدعة والحدث.
    ثم ذكر بإسناده عن إبراهيم النخعي قال:
    اجتمع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في بيت أبي مسعود فأجمعوا على أن التكبير أربع.
    وقال أيضاً:
    سئل عبد الله عن التكبير على الجنازة فقال:
    كل ذلك قد صنع فرأيت الناس قد اجتمعوا على أربع.
    ثم بين ابن عبد البر أن من قال يكبر خمسا احتج:
    بحديث زيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر على جنازة خمسا.
    يقول ابن عبد البر:
    وهو حديث:
    يرويه عمرو بن مرة عن عبد لرحمن بن أبي ليلى عن زيد بن أرقم رواه عن عمرو بن مرة جماعة منهم شعبة وقد قال يحيى القطان عن شعبة كان عمرو بن مرة يعرف وينكر.
    قد جاء:
    عن زيد بن أرقم ما يعارض
    ففي هذا ما يدل:
    على أن تكبيره على الجنائز كان أربعا وأنه إنما كبر خمسا مرة واحدة ولا يوجد هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه والله أعلم.
    وليس مما يحتج به على ما ذكرنا:
    من إجماع الصحابة واتفاقهم على الأربع دون ما سواها والتكبير على الجنائز أربع هو قول عامة الفقهاء إلا ابن أبي ليلى وحده فإنه قال خمسا ولا أعلم له في ذلك سلفا إلا زيد بن أرقم وقد اختلف عنه في ذلك وحذيفة وأبو ذر وفي الإسناد عنهما من لا يحتج به.
    يقول ابن عبد البر:
    وقال مالك وأصحابه وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي ومن اتبعه والثوري والأوزاعي والحسن بن حي والليث بن سعد وأحمد بن حنبل وداود والطبري، وهو قول سعيد بن المسيب وأبي سلمة وابن سيرين والحسن وسائر أهل الحديث: التكبير أربع
    قال إبراهيم النخعي:
    قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس مختلفون فمنهم من يقول كبر النبي صلى الله عليه وسلم أربعا ومنهم من يقول خمسا وآخر يقول سبعا فلما كان عمر جمع الصحابة فقال لهم انظروا أمرا تجتمعون عليه فأجمع أمرهم على أربع تكبيرات .
    وقال سعيد بن المسيب:
    كل ذلك قد كان خمس وأربع فأمر عمر الناس بأربع
    فإن احتج محتج بابن مسعود قيل له:
    قد روى عنه أنه ليس في التكبير شيء معلوم وروى عنه أنه كبر أربعا وهو أولى.
    وإن احتج محتج بعلي رضي الله عنه قيل له:
    إنما كبر أكثر من أربع على قوم دون آخرين وذلك أنه كان يكبر على أهل بدر ستا أو سبعا وعلى سائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وعلى سائر الناس أربعا.
    وقد روى أبو معاوية عن الأعمش عن يزيد بن أبي زياد عن عبدالله بن معقل قال كبر علي في سلطانه أربعا أربعا على الجنازة إلا على سهل بن حنيف فإنه كبر عليه خمسا "ثم التفت" فقال إنه بدري.
    والأحاديث عن علي في هذا: مضطربة.
    وما جمع عمر عليه الناس: أصح وأثبت مع صحة السنن فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كبر أربعا وهو العمل المستفيض بالمدينة ومثل هذا يحتج فيه بالعمل لأنه قل يوم أو جمعة إلا وفيه جنازة وعليه الجمهور وهم الحجة وبالله التوفيق."([1])
    قلت:
    اتسع كلام ابن عبد البر رحمه الله في هذه المسألة، والذي يهمنا هو احتجاجه بالإجماع المتأخر في عدد التكبيرات في الجنازة وأنها أربع بعد أن قرر الخلاف القديم بين السلف في المسألة.
    المثال الثاني:
    حكاية ابن عبد البر الإجماع على طهورية ماء البحر مع علمه بالخلاف القديم بين الصحابة.
    المثال الثالث:
    سلَّم ابن عبد البر بوقوع النزاع القديم بين الصحابة في إيجاب الغسل من التقاء الختانين من غير إنزال ثم حكى بعد ذلك عن الجمهور إجماعهم على إيجاب الغسل منه وهم الحجة على من خالفهم من السلف والخلف وهو الحق إن شاء الله.
    .يقول رحمه الله:
    "ولا يصح فيه دعوى إجماع الصحابة وقد يقرب فيه دعوى إجماع من دونهم إلا من شذ ممن لا يعد خلافا عليهم ويلزمهم الرجوع إليه، والقول بأن لا غسل من التقاء الختانين شذوذ وقول عند جمهور الفقهاء مهجور مرغوب عنه ومعيب، والجماعة على الغسل وبالله التوفيق."([2])
    قلت:
    المسألة سيأتي لها إن شاء الله مزيد بسط وتحليل في مبحث احتجاجه بقول الجمهور وما عليه العمل، والمقصود هنا هو أن ابن عبد البر رحمه الله وإن نازع في صحة إجماع الصحابة في هذه المسألة، إلا أنه لم يستبعد دعوى إجماع من دونهم، ولا يضر ذلك من شذ ممن لا يعد خلافه خلافاً عليهم.

    المثال الرابع:
    مسألة:من أسلم أو عتق بعد الموت هل يستحق الميراث؟
    نقل ابن عبد البر :
    عن جمهور أهل العلم من الكوفيين والحجازيين وغيرهم وسمى جماعة منهم أن من أسلم أو أعتق بعد الموت فلا ميراث له ولا قسم لأن الميراث قد وجب في حين الموت لمن وجب له
    ثم نقل عن:
    أبي الشعثاء أن الرجل إذا مات وترك ابنا له مملوكا فاعتق أو نصرانيا فأسلم من قبل أن يقتسم ميراثه ورث.
    وذكر أن هذا ِأيضاً:
    قد جاء عن عمر وعثمان رضي الله عنهما في الباب شيء موافق لقول أبي الشعثاء ليس عليه العمل عند الفقهاء فيما يعلم.
    وبين أيضاً:
    أن عثمان رحمه الله كان يقول في هذا الباب بما عليه الفقهاء اليوم حتى حدث عن عمر أنه ورث قوما أسلموا قبل قسم الميراث وبعد موت الموروث فرجع إلى هذا القول وقال به وتابعه على ذلك ثلاثة من فقهاء التابعين بالبصرة خاصة وهم الحسن وجابر بن زيد وقتادة
    ثم استدل له بأثر من طريق إسماعيل بن إسحاق، قال فيه إسماعيل:
    هذا حكم لا يحتمل فيه على مثل حسان ابن بلال ويزيد بن قتادة:
    1- لأن فقهاء الأمصار من أهل المدينة والكوفة على خلافه.
    2- ولأن ظاهر القرآن يدل على أن الميراث يجب لأهله في حين موت الميت.
    ثم قال ابن عبد البر:
    قد قال صلى الله عليه وسلم "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" وعلى هذا الحديث العمل عند جماعة الفقهاء بالحجاز والعراق والشام والمغرب.([3])
    قلت:
    سياق ابن عبد البر رحمه الله لهذه المسألة يدل أنه يعتبر قول الجمهور وأنه هو الذي عليه العمل اليوم عند فقهاء الأمصار، أما ورد عن بعض فقهاء البصرة فبين وجهه، وهو اعتمادهم على أثر لعمر تابعه فيه عثمان وليس عليه العمل عند الفقهاء وظاهر القرآن يدل على خلافه، وقد استقر الرأي على قول جمهور أهل العلم.
    وهذا فيه إشارة إلى أن ابن عبد البر رحمه الله يصير إلى الإجماع المتأخر وإن حصل نزاعٌ متقدم في المسألة فكأن الإجماع المتأخر عنده يقضي وينسخ النزاع الأول في المسألة والله أعلم.
    وإن كان في المسألة بحث، وهو هل يحتج به ابن عبد البر من أجل أنه إجماع انعقد أو لأنه قولٌ صار إليه الجمهور، واستقرت عليه كلمتهم.
    وإن كان لا يبدو لي والعلم عند الله من الجهة العملية أي أثر يذكر من جهة الاحتجاج، وإن كان قد يكون له أثر في الموقف من القول المخالف، ففرق بين قول فارق الإجماع، وبين قول خالف الحجة المختلف فيها.

    ([1]) التمهيد (6 / 334- 340).

    ([2]) التمهيد (23 / 113- 117).

    ([3]) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد - (2 / 55- 60)
    التدقيق اللغوي + التنسيق الفني
    https://api.whatsapp.com/send?phone=966555573174


  7. #7
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    الكنية
    أبو فراس
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    جدة
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    9,087
    شكر الله لكم
    320
    تم شكره 2,847 مرة في 1,284 مشاركة

    افتراضي

    المطلب الرابع: موقف ابن عبد البر من تحصيل الإجماع على أقل ما قيل في المسألة أو أكثر ما قيل فيها.
    ابن عبد البر رحمه الله يحتج بالإجماع على أقل ما قيل:
    كأن يختلفوا في الاستحباب والوجوب على قولين فيكون لاستحباب أقل ما قيل في المسألة وهو قدر متفق عليه.
    ومثله أكثر ما قيل في المسألة:
    كاختلاف العلماء في نصاب الذهب هل هو عشرون مثقلا أو أربعون ، والأربعون أكثر ما قيل في المسألة ولذا حكى ابن عبد البر الإجماع عليه.


    المطلب الخامس: موقف ابن عبد البر من إحداث قول ثالث في المسألة:
    إذا اختلف أهل العلم على قولين فيمنع ابن عبد البر رحمه الله من إحداث قول ثالث عليهما لأنه مسبوق بالإجماع قبله.
    وطريقته هذه ظاهرة فيما سبق نقله وتقريره عنه بالنسبة لأقوال الصحابة رضوان الله عليهم، لكن بالنسبة إلى غيرهم هو كذلك أيضا لكن يعوزنا هنا أمثلة مباشرة، وإن كان فيما سيأتي من مباحث ما يفيد هذا المعنى.
    وإذا كان ابن عبد البر رحمه الله يحتج بقول الجمهور ولو خالفهم طائفة من أهل العلم فكيف بمن يحدث قولاً ثالثا في المسألة فهذا أبعد من أن يكون مقبولا عنده.
    بل قد قرر ابن عبد البر رحمه الله أن الاجتهاد لا يكون إلا تخيراً بين الأقوال التي وقع فيها النزاع، وأن ما مضى عليه أولو الأمر ليس هو من محال الاجتهاد.
    مثال:
    يقول ابن عبد البر رحمه الله:
    "وقد أجمعوا أيضا:
    على أن حجبوا الأم عن الثلث إلى السدس بثلاث أخوات، ولسن في لسان العرب بإخوة وإنما هن أخوات فحجبها باثنين من الإخوة أولى
    وقد ذكرنا وجوها من حجج الطائفتين المختلفتين في هذه المسألة في كتاب (الإشراف على ما في أصول فرائض المواريث من الإجماع والاختلاف) ([1])
    وقال بعض المتأخرين ممن لا يعد خلافا على المتقدمين:
    لا أنقل الأم من الثلث إلى السدس بأختين ولا بأخوات منفردات حتى يكون معهما أو مع إحداهما أخ لأن الأختين، والأخوات لا يتناولهما اسم الإخوة منفردات
    وهذا شذوذ لا يعرج عليه ولا يلتفت إليه:
    لأن الصحابة رضوان الله عليهم قد صرفوا اسم الإخوة عن ظاهره إلى اثنين وذلك لا يكون منهم رأيا وإنما هو توقيف عن من يجب التسليم له والله أعلم."([2])
    من فوائد هذه المسألة:
    أن ابن عبد البر رحمه الله لا يعد كلام المتأخرين خلافاً على المتقدمين، لاسيما وأن الصحابة رضوان الله عليهم قد صرفوا النص عن ظاهره وهذا لا يكون إلا عن توقيف ممن يجب التسليم له.
    وابن عبد البر رحمه الله لا يلتفت في كثير من المسائل إلى خلاف المتأخرين إذا كان خارجاً عن كلام المتقدمين، ويسميهم أحيانا بأسمائهم وأحيانا يكتفي بوصفهم بالمتأخرين وفي هذا إشارة منه إلى إعراضه عما ابتكروه من الأقوال المحدثة.
    ومما يمكن أن يدرج هنا التقرير التالي:
    ابن عبد البر يعتبر أن الاجتهاد محله في غير المسائل التي نزل فيها الإجماع، وظهر في ذلك بأمور:
    1- استدلاله بالإجماع على الأحكام من غير التفات إلى نظرٍ آخر من الرأي.
    2- بناؤه المسألة بحسب ما يراه من الدليل ويحتاط باستثناء ما استثناه النص أو الإجماع.([3])
    وبهذا يظهر أن الإجماع عند أبي عمر حاكم في بناء الحكم، وحاكم أيضا في الاستثناء منه.


    ([1]) الاستذكار (5 / 331).

    ([2]) الاستذكار (5 / 331).

    ([3]) يقول في التمهيد:غسل الموتى قد ثبت بالإجماع ونقل الكافة ، فواجب غسل كل ميت إلا من أخرجه إجماع أو سنة ثابتة.
    التدقيق اللغوي + التنسيق الفني
    https://api.whatsapp.com/send?phone=966555573174


  8. #8
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    الكنية
    أبو فراس
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    جدة
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    9,087
    شكر الله لكم
    320
    تم شكره 2,847 مرة في 1,284 مشاركة

    افتراضي

    المطلب السادس: موقف ابن عبد البر من إجماع أهل المدينة:
    وسيتم تنازله في عشر عناصر:
    1- الاحتجاج بعمل أهل المدينة إذا كان إجماعاً عملياً تنقله الكافة، ويستند إلى النصوص الشرعية:
    يقول رحمه الله:
    "إجماع أهل المدينة حجة إذا كان من الإجماع العملي الذي تنقله الكافة ويستند إلى نصوص شرعية." ولذا يقول في نظم له:
    وكذا المدينة حجة إن أجمعوا متتابعين أوائلا بأواخر"([1])
    2- الاحتجاج بعمل أهل المدينة إنما هو احتجاج بعمل العلماء لا عمل العامة:
    يقول رحمه الله:
    "احتج بهذا الحديث أيضا:
    من زعم أن عمل أهل المدينة لا حجة فيه وقال:
    ألا ترى أن معاوية رضي الله عنه يقول" "أين علماؤكم يريد أين علماؤكم" عن تغيير مثل هذا والحفظ له والعمل به ونشره.
    يريد:
    أن المدينة قد يظهر فيها ويعمل بين ظهراني أهلها بما ليس بسنة وإنما هو بدعة.
    واحتج قائل هذا القول:
    برواية مالك عن عمه أبي سهيل بن مالك عن أبيه وكان من كبار التابعين أنه قال:
    ما أعرف شيئا مما أدركت الناس عليه إلا النداء بالصلاة.
    وقد حكى إسماعيل بن أبي أويس عن مالك أنه سئل عما يصنع أهل المدينة ومكة:
    من إخراج إمائهم عراة متزرات وأبدانهن ظاهرة وصدورهن وعما يصنع تجارهم من عرض جواريهم للبيع على تلك الحال؟
    فكرهه كراهية شديدة ونهى عنه وقال:
    ليس ذلك من أمر من مضى من أهل الفقه والخير ولا أمر من يفتي من أهل الفقه والخير وإنما هو من عمل من لا ورع له من الناس.
    وقال أنس بن عياض سمعت هشام بن عروة يقول:
    لما اتخذ عروة قصره بالعقيق عوتب في ذلك وقيل له جفوت عن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني رأيت مساجدكم لاهية وأسواقكم لاغية والفاحشة في فجاجكم عالية فكان فيما هنالك عما أنتم فيه عافية ثم قال ومن بقي إنما بقي شامت بنكبة أو حاسد على نعمة.
    قالوا:
    فهذا عروة يخبر عن المدينة بما ذكرنا فكيف يحتج بشيء من عمل أهلها لا دليل عليه.
    قال أبو عمر:
    والذي أقول به:
    إن مالكا رحمه الله إنما يحتج في موطئه وغيره بعمل أهل المدينة يريد بذلك عمل العلماء والخيار والفضلاء لا عمل العامة السوداء.([2])
    3- إنكار ابن عبد البر لمن اتبع المذهب مخالفة للسنة وظاهر الكتاب وعمل أهل المدينة:
    "فأين المذهب عن:
    1- سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    2- وظاهر كتاب الله عز وجل.
    3- وعمل أهل المدينة:
    ألا ترى إلى قول ابن شهاب فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقراءة حين سمعوا منه "ما لي أنازع القرآن" .
    وقال مالك: الأمر عندنا أنه لا يقرأ مع الإمام فيما جهر فيه الإمام بالقراءة فهذا يدلك على أن هذا عمل موروث بالمدينة."([3])

    4- تقرير ابن عبد البر أن العمل عند مالك أقوى من خبر الآحاد:
    يقول رحمه الله:
    وأما اختلاف العلماء في الصلاة عند الاستواء:
    "فإن مالكا وأصحابه لا بأس بالصلاة عندهم نصف النهار إذا استوت الشمس في وسط السماء لا في يوم جمعة ولا غيره ولا أعرف هذا النهي وما أدركت أهل الفضل إلا وهم يسجدون ويصلون نصف النهار
    وهذا ما حكى عنه ابن القاسم وغيره أنه لم يعرف النهي في ذلك.
    وفي موطئه الذي قرئ عليه إلى أن مات:
    النهي عن الصلاة إذا استوت الشمس في حديث الصنابحي لقوله فيه: (فإذا استوت قارنها) ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في تلك الساعات.
    وقد روي عن مالك أنه قال:
    لا أكره التطوع نصف النهار ولا أحبه.
    ويدل قوله هذا:
    على أنه لم يصح عنده حديث زيد بن أسلم هذا عن عطاء بن يسار عن الصنابحي في ذلك والله أعلم.
    وما أدري ما هذا وهو يوجب العمل بمراسيل الثقات:
    ورجال هذا الحديث ثقات.
    وأحسبه مال في ذلك:
    إلى حديثه عن بن شهاب عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي:
    ( أنهم كانوا في زمن عمر بن الخطاب يصلون يوم الجمعة حتى يخرج عمر بن الخطاب)
    ومعلوم:
    أن خروج عمر كان بعد الزوال بدليل حديث طنفسة عقيل وقد مضى ذلك في صدر الكتاب.
    فإذا كان خروج عمر بعد الزوال وكانت صلاتهم إلى خروجه فقد كانوا يصلون وقت استواء الشمس.
    وإلى هذا ذهب مالك لأنه عمل معمول به في المدينة لا ينكره منكر، ومثل هذا العمل عنده أقوى من خبر الواحد فلذلك صار إليه وعول عليه."([4])
    5- تقرير ابن عبد البر أن العمل لا يكون فيما يخالف النص ولا فيما يخالف عمل الخلفاء الراشدين:
    المثال الأول:
    يقول رحمه الله:
    احتج من أنكر السجود في المفصل بقول أبي سلمة لأبي هريرة:
    "لقد سجدت في سورة ما رأيت الناس يسجدون فيها."
    قالوا:
    فهذا دليل على أن السجود في إذا السماء انشقت كان قد تركه الناس وجرى العمل بتركه في المدينة فلهذا ما كان اعتراض أبي سلمة لأبي هريرة في ذلك.
    واحتج من رأى السجود في إذا السماء انشقت وفي سائر المفصل:
    بأن أبا هريرة رأى الحجة في السنة لا فيما خالفهما ورأى أن من خلافها محجوج بها .
    وكذلك:
    أبو سلمة لما أخبره أبو هريرة بما أخبره به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سكت لما لزمه من الحجة ولم يقل له الحجة في عمل الناس لا فيما تحكي أنت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بل علم أن الحجة فيما نزع به أبو هريرة فسلم وسكت وقد ثبت عن أبي بكر وعمر والخلفاء بعدهما السجود في {إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} فأي عمل يدعى في خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين بعده؟([5])
    المثال الثاني:
    قال ابن عبد البر رحمه الله:
    استدل بهذا وهو ممن يقول بأن عمل أهل المدينة أقوى من الخبر المنفرد وهو يروى من حديث مالك وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد وعلى أخيه سهل أيضا كذلك وأن أبا بكر صلى عليه في المسجد وأن عمر صلى عليه في المسجد.
    وهذه نصوص سنة وعمل وليس للدليل المحتمل للتأويل مدخل مع النصوص.([6])

    6- تقرير ابن عبد البر لأسباب قوة حكايات الإمام مالك لعمل أهل المدينة:
    دافع ابن عبد البر رحمه الله عما تفرد به الإمام مالك:
    أنها ساعة السعي إلى الجمعة هي ساعة واحدة تكون فيها هذه الساعات الخمس كلها ، وهي ساعة الرواح لا من أول ساعات النهار، وقد صرح مالك أن هذا هو الذي يقع في قلبه.
    فتعقبه ابن حبيب بكلام طويل.
    واعتبر ذلك ابن عبد البر:
    تحاملاً منه على مالك وأن الذي قاله مالك:
    o تشهد له الآثار الصحاح من رواية الأئمة.
    o ويشهد له أيضا العمل بالمدينة عنده:
    § وهذا مما يصح فيه الاحتجاج بالعمل لأنه أمر متردد كل جمعة لا يخفى على عامة العلماء.
    § مع ما صحبه من معرفة الإمام مالك بعمل علماء ببلده ومجالسته لعلماء المدينة ومشاهدته لوقت حركتهم وخروجهم إلى الجمعة.
    § وكان أشد الفقهاء اتباعا لسلفه ولو رآهم يبكرون إلى الجمعة ويخرجون إليها مع طلوع الشمس ما أنكر ذلك مع حرصه على اتباعهم.([7])
    7- اعتبار ابن عبد البر رحمه الله أن الخلاف في حجية عمل أهل المدينة هو مما يتسع فيه الخلاف:
    المثال الأول:
    عن عائشة رضي الله عنها: قالت: ما أسرع الناس ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء إلا في المسجد
    يقول ابن عبد البر رحمه الله:
    وقد احتج قوم بهذا الحديث في إثبات عمل المدينة:
    وأن العمل أولى من الحديث عندهم لأنهم أنكروا على عائشة ما روته لما استفاض عندهم.
    واحتج آخرون بهذا الخبر في دفع الاحتجاج بالعمل بالمدينة وقالوا:
    كيف يحتج بعمل قوم تجهل السنة بين أظهرهم وتعجب أم المؤمنين من نسيانهم لها أو جهلهم وإنكارهم لما قد صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنه فيها وصنعه الخلفاء الراشدون وجلة الصحابة بعده وقد صلي على أبي بكر وعمر في المسجد.
    قالوا:
    فكيف يصح مع هذا إدعاء عمل أو كيف يسوغ الاحتجاج به وكثير ما كان يصنع عندهم مثل هذا حتى يخبره الواحد بما عنده في ذلك فينصرفوا إليه وقالوا ألا ترى أن عائشة أم المؤمنين لم تر إنكارهم حجة وإنما رأت الحجة فيما علمته من السنة
    قال أبو عمر:
    القول في هذا الباب يتسع وقد أكثر فيه المخالفون وليس هذا موضع تلخيص حججهم وللقول في ذلك موضع غير هذا."([8])
    قلت:
    يحتمل أن مراد ابن عبد البر بالاتساع هو بسط الأقوال والأدلة في المسألة لا أنها مما يحتمل فيه الخلاف، وأياً كان فإن تناول ابن عبد البر لمسألة عمل أهل المدينة عموماً دالٌ على أنه يعتبره مما يحتمل فيه الخلاف.
    المثال الثاني فيما إذا نقل في المسألة عملان عن أهل المدينة وعن غيرهم:
    يقول ابن عبد البر رحمه الله في مسألة عدد التسليم في صلاة الجنازة:
    العمل المشهور بالمدينة :
    التسليمة الواحدة وهو عمل قد توارثه أهل المدينة كابرا عن كابر ومثله يصح فيه الاحتجاج بالعمل في كل بلد لأنه لا يخفى لوقوعه في كل يوم مرارا
    وكذلك العمل بالكوفة:
    وغيرها مستفيض عندهم بالتسليمتين متوارث عندهم أيضا
    وكل ما جرى هذا المجرى فهو اختلاف في المباح كالأذان:
    ولذلك لا يروى عن عالم بالحجاز ولا بالعراق ولا بالشام ولا بمصر إنكار التسليمة الواحدة ولا إنكار التسليمتين بل ذلك عندهم معروف وإن كان اختيار بعضهم فيه التسليمة الواحدة وبعضهم التسليمتين على حسب ما غلب على البلد من عمل أهله إلا أن الأعم والأكثر بالمدينة التسليمة الواحدة والأكثر والأشهر بالعراق التسليمتان: السلام عليكم ورحمة الله على اليمين السلام عليكم ورحمة الله على اليسار.([9])
    قلت:
    هذا المثال يلاحظ فيه ثلاثة أمور:
    1- الاحتجاج بعمل أهل المدينة لأنه مما لا يخفى.
    2- الاحتجاج بعمل أهل الكوفة لاستفاضته وتوارثه عندهم.
    3- أن كل ما جرى هذا المجرى فهو اختلاف في المباح، ومثله الأذان.
    8- ترجيح أحد النصوص بعمل أهل المدينة لاسيما إذا كان مستفيضاً:
    يقول ابن عبد البر في التكبير على الجنازة أربعاً:
    والأحاديث عن علي في هذا مضطربة وما جمع عمر عليه الناس أصح وأثبت مع صحة السنن فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كبر أربعا وهو العمل المستفيض بالمدينة ومثل هذا يحتج فيه بالعمل لأنه قل يوم أو جمعة إلا وفيه جنازة وعليه الجمهور وهم الحجة وبالله التوفيق.([10])
    9- تفسير النص بحسب عمل أهل المدينة لاسيما إذا كان مخرجه عنهم:
    المثال الأول:
    بعد أن قرر ابن عبد البر قول جمهور فقهاء الحجاز بحديث البراء ابن عازب في أن ما أفسدت من الزرع بالليل ضمنه أهلها وما أفسدت بالنهار لم يضمنوا.
    أورد قول بعض أصحاب داود:
    ألا ضمان على رب الماشية مطلقا إلا أن يتعدى لقوله صلى الله عليه وسلم "جرح العجماء جبار"
    فأجاب عنه ابن عبد البر بأن معناه على ما قد قدَّمه في كتابه:
    بعض المتلفات دون بعض.
    ويدل على هذا الفهم:
    حديث البراء بن عازب وهو حديث مشهور وصحيح من حديث الأئمة الثقات مع عمل أهل المدينة به وسائر أهل الحجاز وهم يروون حديث "العجماء جرحها جبار" وعنهم نقل وليس له مخرج إلا عن أهل المدينة فكيف يجهلون معناه وهم رواته مع علمهم وموضعهم من الفقه والفهم هذا ما لا يظنه ذو فهم.([11])

    المثال الثاني:
    قال أبو عمر:
    "إنما في هذا الباب أصلان:
    أحدهما:أحفوا الشوارب:
    وهو لفظ مجمل محتمل للتأويل.
    والثاني: قص الشارب:
    1- وهو مفسر والمفسر يقضي على المجمل.
    2- مع ما روي فيه أن إبراهيم أول من قص شاربه.
    3- وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قص الشارب من الفطرة يعني فطرة الإسلام.
    4- وهو عمل أهل المدينة وهو أولى ما قيل به في هذا الباب والله الموفق للصواب."([12])
    10- نقله عن الإمام مالك وأصحابه الاحتجاج بالحديث الضعيف إذا استند إلى عمل أهل المدينة:
    يقول ابن عبد البر رحمه الله:
    حجة مالك في إيجابه الزكاة في المعادن:
    حديث ربيعة بن أبي عبد الرحمن أن النبي صلى الله عليه وسلم " أقطع بلال بن الحارث المزني المعادن القبلية" فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلى اليوم إلا الزكاة".
    وهذا حديث منقطع الإسناد لا يحتج بمثله أهل الحديث ولكنه عمل يعمل به عندهم في المدينة.([13])
    وبهذه المناسبة أنقل هنا بعض ما يفيد اعتبار ابن عبد البر للعمل من حيث الأصل:
    1- يقول رحمه الله:
    "ليس أحدٌ من علماء الأمة يثبت حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم يرده دون ادعاء نسخ عليه بأثر مثله، أو بإجماع، أو بعملٍ يجب على أصله الانقياد إليه، أو طعن في سنده، ولو فعل ذلك أحدٌ سقطت عدالته فضلا عن أن يتخذ إماما، ولزمه اسم الفسق، ولقد عافاهم الله عز وجل من ذلك."([14])
    2- يقول رحمه الله:
    ترجيح السنة المجتمع عليه بعمل الصحابة والمسلمين:
    قال أحمد بن حبيب وإسحاق: الإحرام من المواقيت أفضل وهي السنة المجتمع عليها سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته وعمل بها الصحابة معه وبعده وجد عليها عمل المسلمين. ([15])
    2- يقول رحمه الله:
    "وعلى هذا الترتيب في قطع اليد ثم الرجل ثم اليد ثم الرجل على ما وصفنا:
    مذهب جماعة فقهاء الأمصار أهل الفقه والأثر وهو عمل الصحابة والتابعين بالمدينة وغيرها
    3- يقول ابن عبد البر رحمه الله:
    " القول بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وتلقاه الجمهور بالقبول أولى من كل ما خالفه وبالله التوفيق."([16])
    4- سبق التقرير عن ابن عبد البر رحمه الله:
    أن المسائل المجمع عليها التي بتَّ فيها أهل العلم ومضى عليها أولوا الأمر ليست هي من محال الاجتهاد؛ بل هي مما لا يسع فيها إلا الاتباع.
    10- نتائج هذا المطلب:
    1. اعتبار عبد البر للعمل من حيث الأصل.
    2. المسائل المجمع عليها التي بتَّ فيها أهل العلم، ومضى عليها أولوا الأمر ليست هي من محال الاجتهاد؛ بل هي مما لا يسع فيها إلا الاتباع.
    3. يعتبر ابن عبد البر أن الاحتجاج بعمل أهل المدينة هو مما يتسع فيه الخلاف.
    4. عمل على نقل بعض حجج من لا يقول به.
    5. عمل على نقل بعض حجج أصحابه المالكية في التدليل عليه.
    6. قرر حجيته إذا كان إجماعاً عملياً موروثاً تنقله الكافة، ويستند إلى النصوص الشرعية.
    7. يتأكد اعتباره لعمل أهل المدينة لسبب ما كأن يتوافق مع النص، أو أن يكون مما يتكرر، أو مما لا يخفى، مما يبعد أن يستقر العمل على خلاف ما هو الحق.
    8. يقع له أحياناً التعبير عن الاحتجاج بعمل أهل المدينة بالزعم، إشارة منه إلى تضعيف ذلك الاعتبار المعين في المسألة المحددة.
    9. يعتبر أن الدليل المحتمل للتأويل لا مدخل له مع النصوص، قرر ذلك في معرض الجواب عن بعض من يتوسع في اعتبار عمل أهل المدينة.
    10. قرر أن احتجاج مالك في موطئه وغيره بعمل أهل المدينة إنما هو بعمل العلماء لا عمل العامة السوداء.
    11. تقريره أن العمل لا يكون فيما يخالف النص أو يخالف عمل الخلفاء الراشدين.
    12. ينكر على من اتبع المذهب مخالفة للسنة وظاهر الكتاب وعمل أهل المدينة.
    13. بين سبب قوة حكايات الإمام مالك لعمل أهل المدينة وهي إما لأسباب متعلقة بالإمام مالك نفسه ومجالسته لعلمائهم وحرصه على اتباعهم، أو لاعتبارات مختصة بالمسألة نفسها كأن تكون مما يتكرر ولا يخفى.
    14. نقل عن المالكية العمل بالحديث الضعيف إذا استند إلى عمل أهل المدينة.
    15. قرر أن العمل عند مالك أقوى من خبر الآحاد.
    16. دافع عن بعض ما تفرد به الإمام مالك لاعتضاد قوله بالعمل والنصوص.
    17. ترجيح أحد النصوص الذي يبدو تعارضها بعمل أهل المدينة لاسيما إذا كان مستفيضاً.
    18. تفسير النص بحسب عمل أهل المدينة لاسيما إذا كان مخرجه عنهم.
    19. سوَّغ في بعض المسائل العملية المتكررة الاحتجاج بعمل أهل المدينة والاحتجاج بعمل أهل الكوفة لاستفاضته وتوارثه عند كلٍ، وأن كل ما جرى هذا المجرى فهو اختلاف في المباح.


    ([1]) جامع بيان العلم وفضله،

    ([2]) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (7/220-222).

    ([3]) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (11 / 34).

    ([4]) الاستذكار (1/107)

    ([5]) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (19 / 125)

    ([6]) التمهيد (6 / 344)

    ([7]) التمهيد (22 / 23)

    ([8]) التمهيد (21 / 216، 219)

    ([9]) الاستذكار - (1 / 491، 492).

    ([10]) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد - (6 / 340)

    ([11]) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (11 / 83-86).

    ([12]) التمهيد (21 / 66).

    ([13]) التمهيد (7 / 33، 34).

    ([14]) جامع بيان العلم وفضله: باب ما جاء في ذم القول في دين الله بالرأي والظن والقياس على غير أصل.

    ([15]) الاستذكار (4 / 40).

    ([16])
    التدقيق اللغوي + التنسيق الفني
    https://api.whatsapp.com/send?phone=966555573174


  9. #9
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    الكنية
    أبو فراس
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    جدة
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    9,087
    شكر الله لكم
    320
    تم شكره 2,847 مرة في 1,284 مشاركة

    افتراضي

    المطلب السابع:استفادة ابن عبد البر من الإجماع في تفسير النص:
    لابن عبد البر رحمه الله طريقة مسلوكة في الاستفادة من الإجماع في تحديد معنى النص؛ ويكون ذلك أحياناً بغرض إبطال بعض الأقوال الشاذة التي قد نزعت إلى التمسك بظواهر بعض النصوص، وقد مرَّ شيء من هذا في الأمثلة التي أوردتُها في استفادة ابن عبد البر من عمل أهل المدينة في تفسير بعض النصوص، وهاهنا أمثلة أخرى، وكلاهما يلتقي معنىً ومسلكاً.
    المثال الأول:
    يقول رحمه الله:
    لا يخلو قوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب" وقوله: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج غير تمام":
    1- من أن يكون على ظاهره.
    2- أو يكون معنى قوله "كل صلاة كل ركعة
    فإن كان الحديث على ظاهره فذكر:
    أنه ينبغي حينئذ أن تجرئ قراءة الفاتحة ولو مرة واحدة في صلاته
    وذكر أن هذا الظاهر:
    قد ذهب إليه بعض أهل البصرة والمغيرة المخزومي.
    ثم قال: إنا لما رأينا جماعتهم وجمهورهم وعامتهم [وهي الحجة على من خالفها]:
    اتفقوا على أن من لم يقرأ في ركعتين من صلاته أنه لا تجزئه صلاته تلك وعليه إعادتها وهو في حكم من لم يصلها.
    استدللنا بهذا الاتفاق والإجماع في هذا المعنى على:
    1- أن قوله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة لمن يقرأ فيها بفاتحة الكتاب".
    2- "ومن صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرى فهي خداج بغير تمام".
    معناه:
    كل ركعة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب.
    وكذلك قال جابر بن عبد الله رحمه الله: كل ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا وراء الإمام
    وجابر أحد علماء الصحابة الذين يسلم لهم في التأويل لمعرفتهم بما خرج عليه القول
    ولا خلاف بين أهل العلم والنظر:
    أن المسألة إذا كان فيها وجهان فقام الدليل على بطلان الوجه الواحد منهما أن الحق في الوجه الآخر وأنه مستغن عن قيام الدليل على صحته بقيام الدليل على بطلان ضده
    وقد قام الدليل من أقوالهم:
    أن القراءة لا بد منها في ركعتين أقل شيء
    فعلمنا بذلك:
    أن الحديث المذكور ليس على ظاهره
    وأن معنى قوله صلى الله عليه وسلم:
    "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فلا صلاة له وهي خداج غير تمام" أنه أراد كل ركعة بدليل ما وصفنا والركعة تسمى صلاة في اللغة والشرع بدليل الوتر بركعة منفصلة عما قبلها وبالله توفيقنا.([1])
    الفوائد المستخلصة من هذه المسألة:
    1- تحديد معنى النص من خلال النظر في المحل الذي أجمعوا عليه.
    2- المحل الذي أجمعوا عليه في هذا النص يدل أن النص غير مراد على إطلاقه.
    3- ما أجمع عليه الجمهور وعامة الفقهاء حجة على من خالفه.
    4- علماء الصحابة يسلم لهم في التأويل لمعرفتهم بما خرج عليه القول.
    5- المسألة إذا كان فيها وجهان فقام الدليل على بطلان أحدهما تبين أن الحق في الوجه الآخر وأنه مستغن عن قيام الدليل على صحته بقيام الدليل على بطلان ضده.
    وخلاصة هذه المسألة:
    أنه لا يصار إلى ظواهر بعض النصوص إذا قام الإجماع على خلافها ولا عبرة بمن خالفها ولو كان متمسكه ظاهر النص.

    المثال الثاني:
    ذكر ابن عبد البر رحمه الله أن حجة من اعتبر رضاع الكبير هو:
    حديث عائشة في قصة سالم مولى حذيفة وعملها به.
    ثم ساق عن عبد الرزاق بسنده إلى عائشة رضي الله عنها:
    أن سهلة بنت سهيل بن عمرو جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقالت يا رسول الله: إن سالما معنا في البيت وقد بلغ ما يبلغ الرجال وعلم ما يعلم الرجال فقال النبي صلى الله عليه وسلم (أرضعيه تحرمي عليه).
    قال بن أبي مليكة:
    فمكثت سنة أو قريبا منها لا أحدث به رهبة له ثم لقيت القاسم فقلت له لقد حدثتني حديثا ما حدثت به بعد فقال ما هو فأخبرته حدث به عني فإن عائشة أخبرتنيه
    قال أبو عمر [ابن عبد البر]:
    هذا يدل على أنه حديث ترك قديما ولم يعمل به ولا تلقاه الجمهور بالقبول على عمومه بل تلقوه بالخصوص.([2])
    قلت:
    إذن استطاع ابن عبد البر رحمه الله:
    أن يستفيد من سياق رواية الحديث أن يقرر أن هذا الحديث هو مما قد ترك قديما منذ زمن التابعين حتى هاب راويه من روايته والتحديث به.
    كما بين ابن عبد البر:
    أن ما أفاده عموم هذا الحديث لم يتلقه الجمهور بالقبول، وإنما تلقوه بالخصوص.
    المثالث الثالث:
    يقول ابن عبد البر رحمه الله:
    ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة".
    يوجب: الإدراك التام للوقت والحكم والفضل إن شاء الله إذا صلى تمام الصلاة
    ألا ترى: أن من أدرك الإمام راكعا فدخل معه وركع قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركعة أنه مدرك عند الجمهور حكم الركعة وأنه كمن ركعها من أول الإحرام مع إمامه.
    فكذلك: مدرك ركعة من الصلاة مدرك لها
    وقد أجمع علماء المسلمين:
    أن من أدرك ركعة من صلاة من صلاته لا تجزئه ولا تغنيه عن إتمامها وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" وهذا نص يكفي ويشفي
    فدل إجماعهم في ذلك:
    على أن هذا الحديث ليس على ظاهره وأن فيه مضمرا بينه الإجماع والتوقيف وهو إتمام الصلاة وإكمالها
    فكأنه صلى الله عليه وسلم قال:
    من أدرك ركعة من الصلاة مع إمامه ثم قام بعد سلام إمامه وأتم صلاته وحده على حكمها فقد أدركها كأنه قد صلاها مع الإمام من أولها.
    هذا تقدير قوله ذلك صلى الله عليه وسلم بما ذكرنا من الإجماع وحديث النبي صلى الله عليه وسلم
    وإذا كان ذلك كذلك فغير ممتنع أن يكون مدركا لفضلها وحكمها ووقتها
    فالذي عليه مدار هذا الحديث وفقهه:
    أن مدرك ركعة من الصلاة مدرك لحكمها في السهو وغيره.
    وأما الفضل:
    فلا يدرك بقياس ولا نظر لأن الفضائل لا تقاس فرب جماعة أفضل من جماعة وكم من صلاة غير متقبلة من صاحبها وإذا كانت الأعمال لا تقع المجازاة عليها إلا على قدر النيات وهذا ما لا اختلاف فيه فكيف يعرف قدر الفضل مع مغيب النيات عنا والمطلع عليهما العالم بها يجازى كلا بما يشاء لا شريك له وقد يقصد الإنسان المسجد فيقوم القوم منصرفين من الصلاة فيكتب له أجر من شهدها لصحة نيته والله أعلم.([3])
    نتائج هذا المطلب:
    1- يفسد ابن عبد البر رحمه الله تمسك بعض أهل الشذوذ ببعض ظواهر النصوص، وذلك عن سبيل واضحة المعالم، وهي تحديد معنى النص وتفسيره من خلال الإجماع الواقع في تفسيره سواء كان في نفس معنى هذا الحديث، أو كان في معنىً لازم له وضروري.
    2- تحديد معنى النص ومراده من خلال النظر في المحل الذي أجمعوا عليه.
    3- ما أجمع عليه الجمهور وعامة الفقهاء حجة على من خالفه.
    4- لا يصار إلى ظواهر بعض النصوص إذا قام الإجماع على خلافها ولا عبرة بمن خالفها ولو كان متمسكه ظاهر النص.
    5- المسألة إذا كان فيها وجهان فقام الدليل على بطلان أحدهما تبين أن الحق في الوجه الآخر وأنه مستغن عن قيام الدليل على صحته بقيام الدليل على بطلان ضده.
    6- الاستفادة من سياق رواية الحديث لمعرفة العمل بالحديث من تركه، وأدرى الناس بالحديث راويه.
    7- علماء الصحابة يسلم لهم في تأويل النصوص لمعرفتهم بما خرج عليه القول.
    8- الفضائل لا تقاس.


    ([1]) التمهيد (20 / 199، 200).

    ([2]) الاستذكار (6 / 255).

    ([3]) التمهيد (7 / 66، 67).
    التدقيق اللغوي + التنسيق الفني
    https://api.whatsapp.com/send?phone=966555573174


  10. #10
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    الكنية
    أبو فراس
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    جدة
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    9,087
    شكر الله لكم
    320
    تم شكره 2,847 مرة في 1,284 مشاركة

    افتراضي

    المطلب الثامن:موقف أهل العلم من إجماعات ابن عبد البر رحمه الله:
    تتابع أهل العلم: - أكاد أقول عن بكرة أبيهم - على نقل الإجماع وحكايته عن حافظ المغرب أبي عمر الأندلسي، حتى صار رحمه الله معروفاً بحكاية الإجماع ومعروفاً بتحصيله من عند نفسه.
    ويؤهِّله إلى ذلك:
    سعة اطلاعه وإشرافه على أقوال أهل العلم وحذقه في تحصيل الإجماع بالمقدمات المعروفة عند أهل العلم، كما أنه كان كثير العناية بإيراد الإجماعات التي حكاها من سبقه من أهل العلم لاسيما ابن المنذر.
    وقد نبه ابنُ رشد الحفيد القارئَ في بداية المجتهد:
    أن أكثر ما عوَّل عليه في كتابه من الأقوال ونسبتها إلى أربابها هو كتاب الاستذكار لابن عبد البر، وقد بان تصديق ذلك بشكل جلي في حكايته للإجماعات عن أهل العلم وفي تحريره لحل النزاع.([1])
    بينما حذر بعض أهل العلم:
    من إجماعاته لعدم دقتها فقد حذر المقَّري في قواعده من إجماعات ابن عبد البر ومن اتفاقات ابن رشد
    بينما انتصر الونشريسي لإجماعاته:
    ودافع عنها في سياق دفاعه عن إجماعه في ذم من تتبع الرخص وأنه لا يقال في ذلك:
    إن إجماعات أبي عمر مدخولة، وقد حذر الناصحون منها ومن اتفاقات ابن رشد واحتمالات الباجي واختلاف اللخمي
    وذلك:
    لأن غاية هذا هو نسبة الوهم إلى أبي عمر من غير دليل ..([2])
    يقول الشيخ عبد الله البوصي:
    والحق أن ضعف إجماعات ابن عبد البر ليس من تساهله في تطبيق القواعد الأصولية، ولكن لسعة القواعد الأصولية التي رجحها ، ومنها الاحتجاج بقول الأكثر.
    قلت:
    كلام البوصي تسليمٌ بضعف إجماعات ابن عبد البر، وكان الأولى أن يقال:
    إن الانتقادات التي وجهت إلى إجماعات ابن عبد البر ليست بدقيقة لسعة القواعد الأصولية التي اعتبرها ابن عبد البر، والتي تسمح له بتحصيل هذه الاجماعات مع ما يرد عليها.
    فهي إجماعات دقيقة لكن باعتبار مختص من عند ابن عبد البر ومن كان على طريقته.
    وبهذا تكون عدم الدقة ليست هي في إجماعات ابن عبد البر رحمه الله وإنما في كثير من الانتقادات التي وجهت إلى إجماعاته، وذلك من أجل أنها أهملت الأصول التي انطلق منها أبو عمر، وكان المنبغي أن تحاكم إجماع ابن عبد البر بحسب أصوله لا بحسب أصول غيره، أو أن تناقشه في الأصول التي اعتبرها في تحصيل هذه الإجماع.
    والخلاصة:
    · معرفة ابن عبد البر رحمه الله بالإجماع وحكايته وتحصيله له هو من العلم العام.
    · من أسباب تميز ابن عبد البر في هذا الباب أمران اثنان:
    o سعة اطلاعه على أقوال أهل العلم.
    o معرفته بالمقدِّمات التي يحصَّل بها الإجماع.
    o حذر بعض أهل العلم: من عدم دقة إجماعات ابن عبد البر لعدم دقتها.
    · التحقيق أن عدم الدقة هو في هذه النسبة لأن الانتقادات التي وجهت إلى إجماعات ابن عبد البر ليست في محلها؛ وذلك لسعة القواعد الأصولية التي اعتبرها ابن عبد البر، والتي تسمح له بتحصيل مثل هذه الاجماعات مع ما يرد عليها.


    ([1]) بداية المجتهد – طبقة البابي الحلبي -(1 / 88).

    ([2]) المعيار المعرب ص31، 32
    التدقيق اللغوي + التنسيق الفني
    https://api.whatsapp.com/send?phone=966555573174


  11. #11
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    الكنية
    أبو فراس
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    جدة
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    9,087
    شكر الله لكم
    320
    تم شكره 2,847 مرة في 1,284 مشاركة

    افتراضي

    · المبحث الثاني: موقف ابن عبد البر من قول الجمهور:
    وهو ينتظم في ثمانية مطالب:
    المطلب الأول: موقفه من الاحتجاج بقول الجمهور أو بقول الأكثر.
    المطلب الثاني:احتجاج ابن عبد البر بقول الجمهور وما عليه العمل مع عدم اعتباره إجماعاً.
    المطلب الثالث:اصطلاح الجمهور عند ابن عبد البر، والفرق بينه وبين إطلاق الإجماع.
    المطلب الرابع: اصطلاح ابن عبد البر في فقهاء أئمة الأمصار.
    المطلب الخامس: اتباع ابن عبد البر لقول الجمهور وإن كان مخالفاً للقياس والنظر.
    المطلب السادس ترك العمل بعموم الحديث لعدم تلقي الجمهور له بالقبول.
    المطلب السابع:: إفساد بعض الأقوال الغريبة عن طريق مقدمتين: النص وقول الجمهور.
    المطلب الثامن:استصحاب ما أجمع عليه الجمهور إلى محل الخلاف في المسألة.
    التدقيق اللغوي + التنسيق الفني
    https://api.whatsapp.com/send?phone=966555573174


  12. #12
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    الكنية
    أبو فراس
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    جدة
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    9,087
    شكر الله لكم
    320
    تم شكره 2,847 مرة في 1,284 مشاركة

    افتراضي

    المطلب الأول: موقفه من الاحتجاج بقول الجمهور أو بقول الأكثر:
    يفرض الأصوليون مسألةَ انعقاد الإجماع بقول الأكثر، ويذكرون في المسألة أقوالاً، وما هو العدد أو الوصف الذي لا يؤثر في حكاية الإجماع... لكن بعيدا عن تفاصيل هذه الأقوال فإن ابن عبد البر رحمه الله يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك وهو الاحتجاج بقول الجمهور، فهو ينص رحمه الله في مواضع تعز على الحصر أن قول عامة أهل العلم وجمهورهم هي الحجة على من خالفها، وأنه لا يجوز الغلط عليها في التأويل، ولا الاتفاق على الباطل، ولا التواطؤ عليه مع اختلاف مذاهبها، وتباين آرائها وأن من شذ عن ذلك فإنه لا يعد خلافهم خلافا على الجمهور بل هو محجوج بهم ومأمور بالرجوع إليهم إذ شذ عنهم. ([1])
    وبهذا يمكن القول بأن ابن عبد البر رحمه الله يحتج بقول الأكثر لكن هل هو إجماع عند ابن عبد البر أو لا ؟ فهذه مسألة أخرى سيأتي التعرّض لها قريبا إن شاء الله.
    وقد قال محمد بن أبي مدين بعد أن نفى انفراد ابن عبد البر بالاحتجاج بإجماع الكثرة في مسألة القبض في الصلاة مع مخالفة سعيد بن المسيب:
    بأنه إجماع على قول أبي محمد الجويني والغزالي وابن جرير وأبي بكر الرازي وأن شذوذ الواحد والاثنين لا يخل بالإجماع ، وقد استظهر ابن الحاجب حجيته.
    ثم قال: وعلى ذلك ابن عبد البر في حكايته الإجماعات.
    ومن لا خبر عنده بهذا الوجه من المتأخرين قال:
    لا تعتبر إجماعات ابن عبد البر .
    وقد رد هذه المقالة:
    صاحب المعيار.
    وردها أيضا:
    مع رده التحذير في اتفاقات ابن رشد صاحب النفحة الأحمدية.
    وأبطلها:
    لأن ابن عبد البر ممن لا يعتبر مخالفة الشاذ، وهو من أطواد الأصول والفروع.([2])
    وهذا النقل مما يمكن أن نضيفه إلى المبحث السابق في موقف أهل العلم من إجماعات ابن عبد البر، لكن آثرتُ وضعه هنا لمناسبته.
    وقد أشرتُ مسبقاً إلى أن الاحتجاج بقول الجمهور وقول عامة أهل العلم كثير جداً في كلام ابن عبد البر رحمه الله ونشرع الآن بحول الله وقوته في إيراد جملة منتخبة من النقولات المفيدة لذلك:
    1- أنه في سياق تقريره أن المراعاة والاعتبار بدِين الصائد والذابح لا بآلته أيَّد ذلك:
    بأن الجمهور قد أجمعوا على ن ذبح المجوسي بشفرة المسلم ومديته واصطياده بكلب المسلم لا يحل وهم – يعني الجمهور - لا يجوز عليهم تأويل الكتاب وهم الحجة على من شذ عنهم .([3])
    وفي هذا النقل فائدة أخرى وهي:
    استصحاب ابن عبد البر المحل الذي أجمعوا عليه إلى المحل الذي تنازعوا فيه بادعاء عدم الفرق، وسيأتي تناوله في مطلب خاص إن شاء الله.
    2- فسر ابن عبد البر رحمه الله إيجاب أبي هريرة للطيب بما يتفق مع قول الجمهور وعلى التسليم بأن إيجابه على ظاهره فإنه لا يكون حجة إذ كان قوله مخالفاً لقول الجمهور.
    يقول رحمه الله:
    "وقد كان أبو هريرة يوجب الطيب وجوب سنة وأدب والله أعلم
    وحدثنا سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس قال: سمعت أبا هريرة يوجب الطيب يوم الجمعة فسألت ابن عباس عنه فقال: لا أعلمه.
    قال سفيان: وأخبرني بن جريج عن عطاء عن بن عباس قا:ل من أتى الجمعة فليمس طيبا إن كان لأهله غير مؤثم من تركه
    قال أبو عمر:
    إن كان أبو هريرة يوجب الغسل ويوجب الطيب ما كان في قوله حجة إذ كان الجمهور يخالفونه فيما تأول من ذلك."([4])
    قلت: إذا كان هذا في قول أبي هريرة رضي الله عنه وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحافظ الإسلام ومع ذلك لم يلتفت إلى قوله إن كان على ظاهره في مخالفته لقول الجمهور، فأحرى به ألا يلتفت إلى من هو دونه في مخالفة الجمهور.
    3- لم يعتبر ابن عبد البر قول جماعة من فقهاء أهل الشام لشذوذهم عن الجمهور الذين هم الحجة على من خالفهم:
    يقول رحمه الله:
    "وأما حديث مالك في هذا الباب عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه قال: ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر يوم الخندق حتى غربت الشمس.
    فقد احتج بهذا:
    من ذهب إلى أن صلاة الخوف تؤخر إذا لم يستطع عليها على وجهها إلى وقت الأمن والاستطاعة
    وهذا قول جماعة من فقهاء أهل الشام شذوا عن الجمهور الذين هم الحجة على من خالفهم
    وقد بان فساد ما ذهبوا إليه بالحديث الثابت أن يوم الخندق قبل صلاة الخوف وقبل نزول الآية فيه.([5])
    قلت:
    إذن لم يلتفت ابن عبد البر إلى هذه الطائفة لأمرين اثنين:
    1- لشذوذها عن قول الجمهور.
    2- فساد ما ذهبوا إليه بدليل مركَّبٍ من النصوص.
    4- يقول رحمه الله:
    "وفي هذا الحديث جواز قراءة القرآن طاهرا في غير المصحف لمن ليس على وضوء إن لم يكن جنبا
    وعلى هذا جماعة أهل العلم لا يختلفون فيه إلا من شذ عن جماعتهم ممن هو محجوج بهم وحسبك بعمر في جماعة الصحابة وهم السلف الصالح."([6])
    5- وقال في زكاة الفطر:
    "والقول بوجوبها من جهة اتباع المؤمنين لأنهم الأكثر والجمهور الذين هم حجة على من شذ عنهم."([7])
    خلاصة هذا المطلب:
    1- يحتج ابن عبد البر بقول عامة أهل العلم و بقول جمهورهم وأنها هي الحجة على من خالفها، وأنه لا يجوز الغلط عليها في التأويل، ولا الاتفاق على الباطل، ولا التواطؤ عليه مع اختلاف مذاهبها، وتباين آرائها.
    2- أن من شذ عن ذلك فإنه لا يعد خلافهم خلافا على الجمهور بل هو محجوج بهم ومأمور بالرجوع إليهم إذ شذ عنهم. ([8])
    3- أن من لا خبر عنده بمذهب ابن عبد البر في الإجماع وصفه بالتساهل.
    4- أن ابن عبد البر رحمه الله يحتج بقول الأكثر ولا يبالي بخلاف الواحد والاثنين بل والطائفة القليلة، لكن هل هو إجماع عنده؟
    5- لابن عبد البر طريقة في إنزال الإجماع وهو استصحاب المحل الذي أجمعوا عليه إلى المحل الذي تنازعوا فيه بادعاء عدم الفرق.
    6- فسر ابن عبد البر رحمه الله بعض ما انفرد به أبو هريرة بما يتفق مع قول الجمهور وعلى التسليم بأن كلامه على ظاهره فإنه لا يكون حجة إذ كان قوله مخالفاً لقول الجمهور، وإذا كان هذا تعامله في انفرادات بعض الصحابة فأولى به ألا يلتفت إلى تفرد غيرهم.
    7- لم يلتفت ابن عبد البر إلى خلاف طائفة من أهل الشام لأمرين اثنين:
    8- لشذوذها عن قول الجمهور.
    9- لفساد ما ذهبوا إليه بدليل مركَّبٍ من النصوص.


    ([1]) انظر مثلاً: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد - (20 / 199، 200)، الاستذكار (1/332)

    ([2]) الصوارم والأسنة في الذب عن السنة ص92، واستفدت هذا النقل من كتاب البوصي في إجماعات ابن عبد البر 1/104، وهو استفاده من كتاب أصول فقه ابن عبد البر 1/391، وقد استفدت من هذه الإحالة بالرجوع إلى المصدر الأصلي وبالله الوفيق.، ورقم الصفحة المحالة عندهم ص68

    ([3]) الاستذكار (5/281).

    ([4]) الاستذكار (1/365).

    ([5]) الاستذكار (2 / 407، 408).

    ([6]) الاستذكار (2 / 473).

    ([7]) الاستذكار (3 / 266).

    ([8]) انظر مثلاً: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد - (20 / 199، 200)، الاستذكار (1/332)
    التدقيق اللغوي + التنسيق الفني
    https://api.whatsapp.com/send?phone=966555573174


  13. #13
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    الكنية
    أبو فراس
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    جدة
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    9,087
    شكر الله لكم
    320
    تم شكره 2,847 مرة في 1,284 مشاركة

    افتراضي

    المطلب الثاني:احتجاج ابن عبد البر بقول الجمهور وما عليه العمل مع عدم اعتباره إجماعاً:
    المثال الأول:
    ثم ابن عبد البر عن ابن خويز بنداد قوله:
    أن إجماع الصحابة انعقد على إيجاب الغسل من التقاء الختانين
    ثم قال:
    وليس ذلك عندنا كذلك.
    ولكنا نقول: إن الاختلاف في هذا ضعيف
    وأن الجمهور الذين هم الحجة على من خالفهم من السلف والخلف:
    انعقد إجماعهم على إيجاب الغسل من التقاء الختانين ومجاوزة الختان الختان وهو الحق إن شاء الله وكيف يجوز القول بإجماع الصحابة في شيء من هذه المسألة:
    مع ما ذكرناه في هذا الباب ومع ما ذكره عبد الرزاق عن ابن عيينة عن زيد بن أسلم عن عظاء بن يسار ، عن زيد بن خالد ، قال: سمعت خمسة من المهاجرين الأولين منهم علي بن أبي طالب ، فكلهم قال:الماء من الماء .([1])
    فوائد هذه المسألة:
    1- استدراك ابن عبد البر على من حكى إجماع الصحابة في المسألة مع وجود المخالف منهم.
    2- اعتباره أن المسألة وإن لم يكن فيها إجماع إلا أن الخلاف فيها ضعيف.
    3- اعتباره أن قول الجمهور هو الحجة على من خالفهم من السلف والخلف.
    4- اعتباره أن ما انعقد عليه إجماعهم فهو الحق.
    5- في المسألة إشارة إلى اعتباره انعقاد الإجماع بعد وقوع النزاع.
    المثال الثاني:
    يقول ابن عبد البر في التكبير على الجنازة أربعاً:
    - والأحاديث عن علي في هذا مضطربة
    - وما جمع عمر عليه الناس أصح وأثبت:
    1- مع صحة السنن فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كبر أربعا.
    2- وهو العمل المستفيض بالمدينة ومثل هذا يحتج فيه بالعمل لأنه قل يوم أو جمعة إلا وفيه جنازة.
    وعليه الجمهور وهم الحجة وبالله التوفيق.([2])
    نقل رحمه الله عن الأثرم بإسناده إلى عكرمة بن عمار أنه قال:
    رأيت سالما والقاسم وطاووسا وعطاء ونافعا وعبد الله بن الزبير ومكحولا يرفعون أيديهم في استفتاح الصلاة وعند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع حذو المنكبين وكان أحمد بن حنبل يختار ذلك.
    ثم ابن عبد البر رحمه الله:
    وهو اختيار مالك والشافعي وأصحابهما وعليه العمل عند الجمهور.([3])


    ([1])التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (23/113، 114)

    ([2]) التمهيد (6 / 340)

    ([3]) التمهيد (9 / 230)
    التدقيق اللغوي + التنسيق الفني
    https://api.whatsapp.com/send?phone=966555573174


  14. #14
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    الكنية
    أبو فراس
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    جدة
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    9,087
    شكر الله لكم
    320
    تم شكره 2,847 مرة في 1,284 مشاركة

    افتراضي

    المطلب الثالث:اصطلاح الجمهور عند ابن عبد البر، والفرق بينه وبين إطلاق الإجماع:
    1- يطلق ابن عبد البر أحياناً على قول الجمهور بإجماع الجمهور، وهذا يدل على أن الحجة الإجماعية عنده تحصل بمجرد إجماع جمهورهم، يقول رحمه الله:
    "أجمع الجمهور من الفقهاء: أن من طلب الماء فلم يجده وتيمم وصلى ثم وجد الماء في الوقت - وقد كان اجتهد في الطلب فلم يجد الماء ولا نسيه في رحله - أن صلاته ماضية إلا أنهم منهم من يستحب له أن يعيد صلاته بعد وضوئه أو بعد غسله ما دام في الوقت."[1]
    2- ومن ذلك أيضاً قوله:
    "وفي إجماع الجمهور من علماء المسلمين: على سقوط وجوب الغسل يوم الجمعة وجوب فرض لاتفاقهم على أن من شهد الجمعة بغير غسل أجزائه الجمعة ما يغني عن كل قول
    إلا أنهم اختلفوا هل غسل الجمعة سنة مسنونة للأمة أم هو استحباب وفضل أم كان لعلة فارتفعت وليس بسنة."([2])
    وفي هذا النقل فائدة أخرى:
    وهو استصحاب ابن عبد البر المحل الذي أجمع عليه الجمهور [وهو صحة الصلاة من غير غسل] إلى المحل الذي اختلفوا فيه [وهو وجوب الغسل]بدعوى أنه مستلزم له، فلا يصلح أن يكون واجباً ثم يقال: تصح الصلاة بدونه.
    3- ومن ذلك أيضاً قوله:
    "وأجمع الجمهور: على أن الوصية غير واجبة على أحد إلا أن يكون عليه دين أو يكون عنده وديعة أو أمانة فيوصي بذلك.
    وشذ أهل الظاهر: فأوجبوا الوصية فرضا إذا ترك الرجل مالا كثيرا ولم يوقتوا في وجوبها شيئا، والفرائض لا تكون إلا مؤقتة معلومة، والله أعلم."([3])

    وقال ابن عبد البر رحمه الله في التمهيد معلقا على حديث ابن عمر في الصحيح: "لا يحل لامرئ مسلم له مال يوصي فيه....":
    ففي هذا الحديث الحض على الوصية والتأكيد على في ذلك وهذا على الندب لا على الإيجاب عند الجميع لا يختلفون في ذلك.
    وقد أجمع العلماء:
    على أن الوصية غير واجبة على أحد إلا أن يكون عليه دين أو تكون عنده وديعة أو أمانة فيوصي بذلك.
    وفي إجماعهم على هذا:
    بيان لمعنى الكتاب والسنة في الوصية.
    وقد شذت طائفة:
    فأوجبت الوصية.
    واحتجوا :
    بظاهر القرآن
    وقالوا:
    المعروف واجب كما يجب ترك المنكر.
    قالوا:
    وواجب على الناس كلهم أن يكونوا من المتقين.
    قال ابن عبد البر في هؤلاء:
    لا يعدون خلافا على الجمهور.
    ثم بين:
    أنه ليس في كتاب الله ذكر الوصية إلا في قوله عز وجل :{كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ}
    وهذه الآية نزلت قبل نزول الفرائض والمواريث فلما أنزل الله حكم الوالدين وسائر الوارثين في القرآن نسخ ما كان لهم من الوصية وجعل لهم مواريث معلومة على حسبما أحكم من ذلك تبارك وتعالى.
    وقد روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن:
    أن آية المواريث نسخت الوصية للوالدين والأقربين الوارثين.
    ثم نبه ابن عبد البر رحمه الله إلى أنه قد:
    روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا وصية لوارث" وهذا بيان منه صلى الله عليه وسلم أن آية المواريث نسخت الوصية للوارثين.
    وقال أيضاً:
    ومما يدل على أن الحديث في الحض على الوصية ندب لا إيجاب:
    أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يوص
    مع ما ذكرنا من إجماع الذين لا يجوز عليهم السهو والغلط ولا الجهل بمعنى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
    ونقل عن الشعبي وإبراهيم والربيع بن خيثم أن الوصية ليست بواجبة ثم قال:
    وعليه الناس، وهو قول الجمهور من العلماء."([4])
    4- يطلق ابن عبد البر إجماع الجمهور أحياناً على الإجماع الحقيقي، ومن ذلك قوله:
    "ومن ذلك قوله:
    "أجمع الجمهور من فقهاء المسلمين أهل الفقه والأثر من لدن الصحابة إلى يومنا هذا:
    أن المحصن من الزناة حده الرجم.
    واختلفوا:
    هل عليه مع ذلك جلد أم لا ؟
    فقال أكثرهم: لا جلد على المحصن إنما عليه الرجم فقط."([5])

    وخلاصة هذا المطلب ما يلي:
    1- يقع من ابن عبد البر رحمه الله إطلاق إجماع الجمهور على الإجماع الحقيقي، الذي يقع في المسائل التي لا يعرف فيها خلاف.
    2- يقع منه الاحتجاج بقول الجمهور، وتسميته بالإجماع، مع ما قد يقع من خلاف قديم في المسألة ولو بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو حتى قول طائفة قليلة.
    3- فسَّر احتجاجه بهذا الإجماع بأنه لا يجوز عليهم السهو والغلط ولا الجهل بمعنى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
    4- يعبِّر في المسألة الواحدة بالإجماع تارة، وبالجمهور تارة.
    5- عدم اعتداده بالشذوذ في مخالفة الجمهور.
    6- اعتماده على هذا الإجماع في بيان معنى الكتاب والسنة.
    7- الفرائض لا تكون إلا مؤقتة معلومة؛ فلا يصلح أن يقال بوجوب الوصية مطلقا، ثم لا يحدد وقتاً لوجوبها.
    8- لا يصلح أن يقال بوجوب غسل الجمعة ثم يقال تصح الصلاة بدونه.


    [1] ) الاستذكار (1 / 314)

    ([2]) الاستذكار (2 / 15)

    ([3]) الاستذكار (7 / 260).


    ([4]) التمهيد (14 / 292-294)

    ([5]) الاستذكار (7 / 478)
    التدقيق اللغوي + التنسيق الفني
    https://api.whatsapp.com/send?phone=966555573174


  15. #15
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    الكنية
    أبو فراس
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    جدة
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    9,087
    شكر الله لكم
    320
    تم شكره 2,847 مرة في 1,284 مشاركة

    افتراضي

    المطلب الرابع: مقصود ابن عبد البر بـ مصطلح " أئمة فقهاء الأمصار":
    هذا مصطلح يجري على لسان ابن عبد البر كثيرا، ولم يظهر لي نص واضح عنه يفسر بشكل محدد مقصوده به، لكن يبدو من خلال المعنى المتبادر من إطلاق هذه اللفظة، ومن خلال تتبع بعض إطلاقات ابن عبد البر لهذا الحرف يتبين أن مقصوده أئمة الفتوى الذين يرجع إليهم في العلم ولهم أصحاب وأتباع، وذلك في الأمصار المعروفة بالعلم كالمدينة ومكة والكوفة والبصرة وبغداد والشام ومصر والمغرب، وهاك بعض النقولات التي تفيد شيئا من ذلك:
    1- نقل ابن عبد البر عن أبي جعفر الطحاوي قوله:
    ولم نجد عن واحد من الفقهاء جواز بيع جلود الميتة قبل الدباغ إلا عن الليث.
    فقال:
    يعني من الفقهاء أئمة الفتوى بالأمصار بعد التابعين، وأما ابن شهاب فذلك عنه صحيح على ما تقدم ذكره وهو قولٌ يأباه جمهور العلماء وقد ذكر ابن عبد الحكم عن مالك ما يشبه مذهب ابن شهاب في ذلك ....([1])
    قلت: هذا التقييد يفيد أن أئمة الفتوى بالأمصار هم أخص من مطلق الفقهاء.
    2- يقول ابن عبد البر بعد أن قرر تطهير الدباغ لجلود الميتة:
    "والأمر في هذا واضح وعليه فقهاء الحجاز والعراق والشام ولا أعلم فيه خلافا إلا ما قد بينا ذكره عن ابن شهاب والليث ورواية شاذة عن مالك."([2])
    3- يقول رحمه الله:
    إن عثمان رحمه الله كان يقول في هذا الباب بما عليه الفقهاء اليوم حتى حدث عن عمر أنه ورث قوما أسلموا قبل قسم الميراث وبعد موت الموروث فرجع إلى هذا القول وقال به وتابعه على ذلك ثلاثة من فقهاء التابعين بالبصرة خاصة وهم الحسن وجابر بن زيد وقتادة
    ثم استدل له بأثر من طريق إسماعيل بن إسحاق، قال فيه إسماعيل:
    هذا حكم لا يحتمل فيه على مثل حسان ابن بلال ويزيد بن قتادة:
    لأن فقهاء الأمصار من أهل المدينة والكوفة على خلافه
    ولأن ظاهر القرآن يدل على أن الميراث يجب لأهله في حين موت الميت.."([3])
    4- "لم يقل بقوله أحد من أئمة الفتوى بالأمصار، ولا من حملة الآثار." ([4])
    وقال مرة: " على هذا جماعه الفقهاء بالأمصار وأئمة الأثر."
    لاحظ: تفريقه بين أئمة الأمصار وبين حملة الآثار وأئمتهم.
    5- "وبه قال أئمة الفتوى بالأمصار وأصحابهم إلى اليوم." ([5])
    6- "فعلى هذا جماعة أئمة الفتوى بالأمصار والفقهاء بالحجاز والعراق وأتباعهم." ([6])
    7- " أجمع الفقهاء أئمة الفتوى بالأمصار وأتباعهم."([7])
    هذه النقول الثلاثة تفيد: أن لهؤلاء الأئمة من فقهاء الأمصار أصحاب وأتباع.
    8- قرر ابن عبد البر:
    أن عقوبة الشارب مردودة إلى الاجتهاد وأنه لذلك جمع عمر الصحابة فشاورهم في حد الخمر فاتفقوا على ثمانين فصارت سنة.
    وذكر:
    أن العمل بهذا عند جماعة فقهاء المدينة ومكة والكوفة والبصرة والشام والمغرب وجمهور أهل الحديث وما خالفهم شذوذ وبالله التوفيق ."([8])
    وهذا فيه: تعداده لفقهاء الأمصار، مصرا مصرا، مما يؤكد عنايته بتحصيل فقههم.
    9- اعتبر فقه أئمة الأمصار إلى الدرجة التي نظر فيها إلى ما تركوه من الأقوال، ومن ذلك قوله: "والقول الذي تركه أهل الفتوى بالحجاز والعراق...."([9])


    ([1]) التمهيد (4 / 162)

    ([2]) التمهيد (4 / 156، 157).

    ([3])التمهيد (2 / 57)

    ([4]) الاستذكار (3 / 52)

    ([5]) الاستذكار (7 / 572)

    ([6]) الاستذكار (8 / 86)

    ([7]) الاستذكار (8 / 233)

    ([8]) التمهيد (23 / 411).

    ([9]) الاستذكار (3 / 39).
    التدقيق اللغوي + التنسيق الفني
    https://api.whatsapp.com/send?phone=966555573174


صفحة 1 من 3 1 2 3 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. سلسلة مباحث في الإجماع والشذوذ: (6)...موقف ابن حزم من الإجماع والشذوذ
    بواسطة د. فؤاد بن يحيى الهاشمي في الملتقى ملتقى الدليل الأصولي
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 18-08-03 ||, 07:55 PM
  2. سلسلة مباحث في الإجماع والشذوذ: (5)...موقف ابن رجب من الإجماع والشذوذ
    بواسطة د. فؤاد بن يحيى الهاشمي في الملتقى ملتقى الدليل الأصولي
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 12-06-24 ||, 08:02 PM
  3. سلسلة مباحث الإجماع والشذوذ (6) الإجماع والشذوذ عند الـ د. القرضاوي
    بواسطة د. فؤاد بن يحيى الهاشمي في الملتقى ملتقى الدليل الأصولي
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 09-02-21 ||, 03:02 PM
  4. سلسلة مباحث في الإجماع والشذوذ: (5)...موقف ابن رجب من الإجماع والشذوذ
    بواسطة د. فؤاد بن يحيى الهاشمي في الملتقى ملتقى فقه الأصول
    مشاركات: 9
    آخر مشاركة: 09-02-15 ||, 01:18 AM
  5. سلسلة مباحث في الإجماع والشذوذ: (2)...موقف أهل العلم الإجمالي من الشذوذ
    بواسطة د. فؤاد بن يحيى الهاشمي في الملتقى ملتقى الدليل الأصولي
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 09-01-09 ||, 12:11 AM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

جميع الموضوعات والمشاركات التي تطرح في الملتقى لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الملتقى، وإنما تعبر عن رأي كاتبها فقط.
وكل عضو نكل أمانته العلمية إلى رقابته الذاتية!.

﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران:98].