ترجمة الفقيه المالكي المغربي القاضي عياض
§ اسمه ونسبه:
أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرون بن موسى بن عياض ابن محمد بن عبد الله بن موسى بن عياض اليحصبي([1])، الفاسي الأصل، السبتي المولد، المراكشي المدفن.
§ كنيته ولقبه:
يكنى عياضا بالقاضي عياض أبي الفضل، المحدث المالكي، الحافظ المغربي.
§ ولادته:
القاضي عياض [من أعلام القرن السادس هجري] ولد بسبتة سنة (476 هـ).
§ نشأته وعصره:
عاصر القاضي عياض أخر دولة المرابطين وأوائل دولة الموحدين، فالرجل مخضرم الدولتين وقد عاصر من ملوك الدولتين:
- يوسف بن تاشفين (ت 500 ه)، وابنه علي بن تاشفين (ت 537 هـ)، من الدولة المرابطية.
- والمهدي بن تومرت (ت 524 ه)، وخلفه عبد المؤمن بن علي الكومي (ت 558 هـ)، من الدولة الموحدية.
وفي دولة الموحدين حدث ببلدة سبتة اضطراب وفتن ضد الموحدين اتهم فيها القاضي عياض فقبض عليه وحمل إلى مراكش منفيا([2]).
§ صفاته وأخلاقه:
كان رحمه الله صلبا في الحق محبا لطلب العلم متشبها بالإمام مالك في سمته، وورد في كتاب التعريف بالقاضي عياض: قال عنه شيخه المغربي أبي محمد بن أبي جعفر: ما وصل إلينا من المغرب أنبل من عياض خلقا وعلما([3]).
§ مذهبه:
كان القاضي عياض مالكي المذهب أشعري العقيدة.
§ طلبه للعلم:
قال ابن بشكوال تلميذ عياض: وعني بلقاء – العلماء - الشيوخ والأخذ عنهم وجمع من الحديث كثيرا وله عناية به واهتمام بجمعه وتقييده، وهو من أهل التفنن في العلم والذكاء واليقظة والفهم([4])، أخذ عن أشياخ بلده – بسبتة - ثم رحل إلى الأندلس فدخل قرطبة ومرسية وأخذ عن شيوخ الأندلس وأجازه علمائها([5]).
§ شيوخه:
عني بلقاء الشيوخ، وقال عنه صاحب الصلة البشكوالية:قد اجتمع للقاضي عياض من الشيوخ ما ينيف على مائة([6]).
منهم بقرطبة محمد بن أحمد بن رشد أبو الوليد العالم المحقق المالكي، والحافظ أبو علي الجياني([7]) بالأندلس، وأبو بكر بن العربي المعافري الإشبيلي.
§ تلاميذه:
روى عنه خلق كثير وقد وصل الإلماع إلى المشرق عن طريق تلاميذ القاضي عياض الذين رحلوا إلى المشرق ودخلوا الإسكندرية وحدثوا فيها بالإلماع([8]).
§ المناصب التي أسندت له:
ولي قضاء قرطبة سنة (515 هـ).
§ فقهه ونشاطه العلمي:
قال عنه د. الحسين بن محمد شواط: يعد بحق واسطة العقد وحلقة الوصل بين الحافظين عَلَمَيْ هذا الفن: الخطيب البغدادي (ت 463 هـ) وابن الصلاح (ت643 هـ)([9]).
وقال عنه القاضي شمس الدين بن خلكان: كان إمام وقته في الحديث وعلومه والنحو واللغة وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم([10]).
وصنف التصانيف التي سار بها الركبان، واشتهر اسمه وبعد صيته([11])، حتى قيل: لولا عياض ما عرف المغرب. الشيء الذي جعل الألسن تطريه، قال صاحب أزهار الرياض:
فهو الإمام الذي سارت مأثره *** في الشرق والغرب سير الشمس والقمر
وكم له من تأليف قد اشتهرت *** بكل قطر فسل تنبئك بالخبر

§ مصنفاته وأثاره العلمية:
للقاضي عياض كتب ومؤلفات فوق الثلاثين في شتى الفنون؛ في الحديث والأحكام والأصول والتاريخ والفقه والرجال والتوحيد والخطب، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر كتبه التالية(:([12]
· منها في الحديث:
- الإلماع في ضبط الرواية وتقييد السماع. ( )
- إكمال المعلم بفوائد مسلم شرح على صحيح الإمام مسلم.
- مشارق الأنوار على صحاح الآثار. ( )
- بغية الرائد على ما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد. ( )
· ومنها في التاريخ والأنساب:
- الشفا بتعريف حقوق المصطفى. ( )
· ومنها في الرجال:
- ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك.
· ومنها في الفقه:
- الإعلام بحدود قواعد الإسلام. ( )
وأغلب كتب عياض عليها شروح وذيول وتلخيصات إلا كتاب الإلماع.
§ وفاته:
توفي عياض بمراكش بعد عام من تغريبه إليها سنة (554 ه) في خلافة عبد المؤمن بن علي الكومي، ودفن بباب إيلان حيث ضريحه المعروف إلى اليوم([13]).
§ من روائع أقواله [في الترغيب في الرحلة في طلب علم الحديث](:([14]
يَا طَالِبَ الْعِلْمِ اسْتمع قَول أمرئ *** مَحْضِ النَّصِيحَةِ لِلْمُرِيدِ الرَّاغِبِ
الْعِلْمُ فِي أَصْلَيْنِ لَا يَعْدُوهُمَا *** إِلَّا الْمُضِلُّ عَنِ الطَّرِيقِ اللَّاحِبِ
عِلْمُ الْكِتَابِ وَعِلْمُ الْآثَارِ الَّتِي *** قَدْ أُسْنِدَتْ عَنْ تَابِعٍ عَنْ صَاحِبِ
جَاءَتْ بِهَا الْأَثْبَاتُ عَنْهُمْ وَاعْتَنَتْ *** بِمَسَانِدٍ وَ مَرَاسِلٍ وَ غَرَائِبِ
حَتَّى نَفَتْ طَعْنَ الْغَوِيِّ وَمَيَّزَتْ *** خَطَأَ الْغَبِيِّ وَزُورَ وَضْعِ الْكَاذِبِ
فَأَتَتْ كَمَا انْتَظَمَ الْوِشَاحُ وَثُقِّفَتْ *** سُمْرُ الرَّمَاحِ وَلَاحَ ضَوْءُ الثَّاقِبِ
لَوْلَا رِوَايَتُهُمْ لَمَا اتَّصَلَتْ بِنَا *** و َلَمَا عَلِمْنَا سُنَّةً مِنْ وَاجِبِ
مِنْهَا مَثَارُ الْفِقْهِ وَهِيَ دَلِيلُهُ *** وَ الرَّأْيُ مَطْرُحٌ لَأَبْعَدِ جَانِبِ
فَاشْدُدْ عَلَيْهِ يَدَ الضَّنَانَةِ وَارْحَلَنْ *** لِسَمَاعِهِ بِمَشَارِقٍ وَ مَغَارِبِ
وَانْوِ الْإِلَهَ بِهِ تَعِشْ فِي غَبْطَةٍ *** وَ تَفُزْ بِعَدْنٍ فِي نَعِيمٍ دَائِبِ

§ المؤلفات التي ترجمة لعياض:
- التعريف بالقاضي عياض، لابن عياض أبو عبد الله محمد (ت 575 هـ).
- أزهار الرياض في أخبار عياض، للمقري شهاب الدين أحمد (ت 1041 هـ).
- القاضي عياض الأديب، لعبد السلام شقور.
- القاضي عياض وجهوده في علمي الحديث رواية ودراية، للبشير علي حمد الترابي.
- القاضي عياض عالم المغرب وإمام أهل الحديث في وقته، د. الحسين ابن محمد شواط.
وفي عصرنا هذا كان عياضا موضوعا لأكثر من رسالة جامعية ومقالة علمية. هذا وتجدر الإشارة إلى أن عياضاً وإن تناولته الدراسة أديباً وفقيهاً وأصولياً ومؤرخاً فإن إسهامه في ميدان التحقيق ما زال يستحق الكثير من العناية والدراسة (.([15]
§ أسلوب عياض التأليفي:
تتقاسم مؤلفات عياض ثلاثة علوم هي: الحديث والفقه والتاريخ (...) وانصب - عمل عياض فيها - على تحقيق هدفين اثنين وهما: توثيق النصوص نظريا وتطبيقيا في مجالي الحديث والفقه ويظهر هذا جليا في (...) الإلماع (...). وهدف عياض من ذلك وضع نصوص محققة في الحديث (...) أمام بصر الفقيه [والمحدث] وقد قدم بعمله هذا خدمة جليلة لكل من أراد البحث في الحديث (...).
وأول ما يلفت نظر القارئ لمؤلفات عياض هو طابع الرواية الذي يغلب عليها عموما ([16]). فهذا كتاب الإلماع نجده مشحونا بالأقوال وتكثر تلك الأقوال المنقولة حتى تطغى على أسلوبه بل حتى تكاد تختفي شخصية الكاتب.
ولعل هذا ما دفع مصطفى السباعي إلى القول بأن القاضي عياض:ألف كتابه الإلماع مستمدا بحوثه من كتب الخطيب [أبو بكر البغدادي - ت 463 هـ]([17]).
ومن الطبيعي أن يبرز عنصر الرواية في مؤلفات عياض، فالرواية ركن من أركان العلم في زمانه وعند المحدثين ومن تأثر بهم خاصة، كما أن طبيعة الموضوع اقتضت ذلك.
كما تظهر الرغبة في التفرد لديه وفي اثبات ذاته من خلال مؤلفاته، فعياض حريص في كل كتبه على القول بأنه لم يسبق إلى هذا من الأعمال أو أن أحدا لم يأت به كما هو مطلوب سواه. فها هو ذا يقول في الإلماع: وَلَمْ يَعْتَنِ أَحَدٌ بِالْفَصْلِ الَّذِي رَغِبْتَهُ كَمَا يَجِبُ وَلَا وَقَفْتُ فِيهِ عَلَى تَصْنِيفٍ يَجِدُ فِيهِ الرَّاغِبُ مَا رَغِبَ([18]). وكذلك قوله:وَقَدْ تَقَصَّيْنَا وَجْهَ الْإِجَازَةِ بِمَا لَمْ نُسْبَقْ إِلَيْهِ وَجَمَعْنَا فِيهِ تَفَارِيقَ الْمَجْمُوعَاتِ وَالْمَسْمُوعَاتِ وَالْمُشَافَهَاتِ وَالمُسْتَنْبَطَاتِ بِحَوْلِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ([19]). لأن الرغبة في تجاوز كل ما هو كائن تلوح في كل انتاج عياض، إذ تجاوزت مؤلفاته حدود زمانه ومكانه، وأبعدت مشرقة ومغربة، ووسع الانتفاع بها الداني والقاصي، وظلت منذ ذلك الحين حتى الآن، تدل الأجيال على فضله([20]).


[1]) واليحصبي نسبة إلى يحصب بن مالك بن زيد الذي ينتهي إليه نسب الإمام مالك بن أنس الأصبحي.

[2]) نقلا عن مقدمة تحقيق كتاب الشفا، ص: 22-23 بالتصرف.

[3]) القاضي عياض عالم المغرب، ص: 276.

[4]) الصلة لابن بشكوال، ص: 430.

[5]) نقلا عن مقدمة تحقيق مجموعة من الأساتذة لكتاب بغية الرائد، ص: رقم (ج).

[6]) نقلا عن مقدمة تحقيق البلعمشي أحمد يڴن لمشارق الأنوار، ج/1، ص 8. وذكر نحوه بدون نسبة إلى الصلة البشكوالية محمد بن تاويت الطنجي في مقدمة تحقيقه للإعلام، ص: 9. ولم أقف عليه في الصلة البشكوالية. لكن ابن الأبار في تسمية أصحاب أبي علي الغساني قال: شيوخه يقاربون المائة.

[7]) ترجم له عياض في الإلماع قائلا: وكَانَ إِمَامَ وَقْتِنَا فِي بِلَادِنَا - الأندلس - فِي هَذَا الشَّأْن [ضَبْطِ اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ وَالْعَمَلِ فِي ذَلِكَ] الْحَافِظُ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ شَيْخُنَا رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ أَتْقَنِ النَّاسِ بِالْكُتُبِ وَأَضْبَطِهِمْ لَهَا وَأَقَومِهِمْ لِحُرُوفِهَا وَأَفْرَسِهِمْ بِبَيَانِ مُشْكِلِ أَسَانِيدِهَا وَمُتُونِهَا وَأَعَانَهُ عَلَى ذَلِك مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنَ الْأَدْبِ وَإِتْقَانُهُ مَا احْتَاجَ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى شَيْخِهِ الشَّيْخ أَبى مَرْوَان بْن سِرَاجٍ اللُّغَوِيِّ آخِرِ أَئِمَّةِ هَذَا الشَّأْنِ وَصُحْبَتِهِ لِلْحَافِظِ أَبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ آخِرِ أَئِمَّةِ الْأَنْدَلُسِ فِي الْحَدِيثِ وَأَخْذُهُ عَنْهُ وَتَقْيِيدِهِ عَلَيْهِ وَكَثْرَةُ مُطَالَعَتِهِ وَنَاهِيكَ مِنْ إِتْقَانِهِ لِكِتَابِهِ الَّذِي أَلْفَهُ عَلَى مُشْكِلِ رِجَالِ الصَّحِيحَيْنِ . (الإلماع، ص:165- 166).

([8]القاضي عياض وجهوده في علمي الحديث رواية ودراية، ص: 353.

([9] القاضي عياض عالم المغرب، ص: 197.

([10] وفيات الأعيان لابن خلكان، م.3، ص: 483.

([11] تذكرة الحفاظ للذهبي، ج/4، ص: 68.

[12])( ) هذه علامة وضعتها أمام الكتب التي طالعتها لعياض.

([13] نقلا عن مقدمة تحقيق كتاب الشفا، ص: 23.

([14]الإلماع، ص: 58-59.

([15] التَّنْبيهَاتُ المُسْتَنْبَطةُ على الكُتُبِ المُدَوَّنَةِ والمُخْتَلَطَةِ، ج/1. ص: 61.

[16]) القاضي عياض الأديب، ص: 118 – 121 بالتصرف.

([17] السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، ص:169.

([18] الإلماع، ص: 31.

[19]) الإلماع، ص: 105.

([20] نقلا عن محمد بن تاويت الطنجي في مقدمة تحقيقه للإعلام، ص: 9.


(منقول عن كتاب تقريب وتهذيب الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع للقاضي عياض تأليف أذ. امصنصف كريم)