الموضوعات المميزة النشرات الشهرية احصائيات وأرقام تواصل معنا

بنرات متحركة

آخر مواضيع الملتقى

النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: مشروع عملي للتغيير

  1. #1
    :: أستاذ أصول الفقه المشارك ::
    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    الدولة
    الجزائر
    المدينة
    -
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    أصول الفقه
    المشاركات
    143
    شكر الله لكم
    47
    تم شكره 375 مرة في 92 مشاركة

    عرض التصويت  

    افتراضي مشروع عملي للتغيير

    مشروع عملي للتغيير والإصلاح
    د. نعمان جغيم

    مقدمة
    مرّت عقود من الزمن على مرحلة الاستقلال في دول العالم العربي والإسلامي، وتشهد أغلب تلك الدول انتخابات دورية، ومع كل انتخابات ينتظر الناس بارقة الأمل في التغيير. في كل موسم انتخابي تُغطَّى الجدران والأعمدة بصور المترشحين وشعاراتهم، وتُطبع البرامج الانتخابية، وتُقام المهرجانات الخطابية، ويقف على المنصات متحدثون يعدون الشعب بحلّ المشكلات والنهضة بالبلد. والمتحدثون في تلك المهرجانات على صنفين: أحدهما: أناس يراودهم الأمل في الإصلاح إذا وصلوا إلى مراكز السلطة، والصنف الثاني: أناس اتخذوا هذا الطريق مسلكا للاسترزاق وتحقيق ما يطمحون إليه من مصالح، وهم يدركون أن ما يقولونه مجرد وعود توصلهم إلى مراكز النفوذ لتحقيق تلك المصالح. وتتجمع حول أولئك المتحدثين بعض الجماهير بين فضولي يحضر لإشباع فضوله، وبين حالم بالإصلاح يأمل أن تأتي به رياح السياسة، وبين مرتزق يسترزق من تلك المواسم. وربما حصلت توترات ومشادات هنا وهناك انتصارا لهذا المترشح أو الحزب أو لذاك. وبعد ظهور نتائج الانتخابات وانقضاء الموسم، تعود الأمور إلى عادتها القديمة، وتبقى دار لقمان على حالها، وإن حصلت بعض التغييرات فهي تغييرات بسيطة هنا وهناك لا ترقى إلى الحد الأدنى الذي يأمله الناس. إنها عملية تُشبه تَتَبُّع السراب الذي يوحي لناظره بأنه على وشك الحصول على ماء وفير، ولكنه كلما اقترب ابتعد ذلك السراب، وهكذا يبقى يأمل ويجري دون أن يحصل على شيء. ومع تكرر هذا المشهد يتلاشى الأمل في التغيير شيئا فشيئا، ويزداد الشعور بالإحباط بين أفراد المجتمع، ويتعمق الشعور بفقدان الثقة في السياسيين والعملية السياسية برمتها، ويلجأ عامة الناس إلى المقاطعة، سواء منها المقاطعة المباشرة أم المقاطعة غير المباشرة التي تكون من خلال وضع ورقة بيضاء في الصندوق الانتخابي. والمقاطعة سلوكٌ احتجاجي قد يجد آذانا صاغية في البلاد المتحضرة، أما في البلاد المتخلفة فلن يمنع الحكومات من الاستمرار فيما هي عليه، ولن يوقف تُجَّار السياسة عن الاسترزاق من العملية السياسية التي يسمونها "استحقاقات!". إن الوضع في البلدان المتخلفة يستوي فيه المقاطعة والمشاركة، فالمشاركة لن تأتي بالتغيير المنشود، والاحتجاج بالمقاطعة لن يجد آذانا صاغية ولن يمنع الرداءة من مواصلة مسيرتها. وعلى الأغلبية التي لم تعد تأمل في التغيير من خلال العملية السياسية أن لا تترك ذلك الاحتجاج يتحول إلى يأس وغليان داخلي مستمر قد ينتهي بالانفجار الذي يأتي بالدمار للبلاد والعباد، بل عليها أن تحوِّل ذلك الاحتجاج إلى سلوك إيجابي يصنع التغيير من خلال جهود مُنسَّقَة ومستمرَّة يقوم بها المجتمع المدني تنتهي بوضع القطار على السكة الصحيحية. أمام هذا الواقع يتكرر السؤال: ما السبيل إلى الخروج من هذه الحال؟ إنه من السهل على الإنسان أن يشير بأصابع الاتهام إلى الآخرين ويحمِّلهم مسؤولية الفشل أو الفساد، ولكن من الصعب عليه أن يعترف بالتقصير والمسؤولية. الكلّ يشتكي من الفساد والانحطاط، ولكن قلّ ما تجد من يعترف بأنه جزء من ذلك الفساد والانحطاط، وأنه يُسهم في صناعته أو في تكريسه.
    ليس الهدف هنا هو الإسهاب في وصف الفساد الموجود وإطالة الشكوى منه، ولا توزيع التُّهم على هذا وذاك، ولكن الهدف طرح أفكار عملية لكسر الحلقة المفرغة التي ندور فيها، وتجاوز الشكوى والإحباط إلى الفعل الـمُنتج الذي يقود تدريجيا إلى التغيير والإصلاح. الواقع أن كثيرا من بلدان العالم الإسلامي تتوفر على الكفاءات والإمكانات المطلوبة لعلمية التغيير، ولكن حالة الإحباط العام التي تسود المجتمع، وعدم وضوح الرؤية حول كيفية التغيير يمنعان من تفعيل تلك الكفاءات واستثمارها، ومن تحويل الأمل في التغيير إلى واقع عملي. إننا نحتاج إلى جهود مخلصة تزيح غُمَّة الإحباط، وترسم الملامح العامة لطريق التغيير، وتقدم له أفكارا عملية لتنطلق تلك الكفاءات الكامنة في المجتمع في مجهود جماعي متكامل يحوّل الآمال والطموحات إلى واقع عملي يسير بالتدريج نحو تغيير حقيقي يعود بالفائدة على جميع أبناء الوطن.

    سيكولوجية الانحطاط والتقدم

    قبل الحديث عن التغيير ووسائل تحقيقه، ينبغي التمهيد لذلك بالحديث عن الخصائص النفسية للمجتمعات التي تعاني من التخلّف والانحطاط، والخصائص النفسية للمجتمعات المتحضرة، حتى يتبين لنا أن التخلف الذي تعاني منه مجتمعات العالم الثالث ليس أمرا عارضا أو حالة غير طبيعية، بل هو تخلُّف عن جدارة واستحقاق، وهو نتيجة طبيعية للمواصفات النفسية والخصائص الفكرية لأفراد تلك الشعوب، وأنه لا يمكن الخروج من تلك الحال إلا إذا تغيرت تلك المواصفات والخصائص.

    سيكولوجية الانحطاط

    فيما يأتي أهم المواصفات النفسية والخصائص الفكرية التي تصنع العجز والانحطاط وتكرسهما، وهي من جهة أخرى نتاج لذلك الانحطاط والعجز.

    1- صناعة المشكلات ثم الشكوى منها

    من سمات المجتمعات المتخلفة صناعة المشكلات ثم الشكوى منها. تجد الشكوى عامة من الآثار السلبية لغياب النظام في الحياة العامة، ومع ذلك تجد أكثر الناس يدوسون على الأنظمة ويُصِرُّون على أن يعيشو حياة الفوضى التي يشتكون منها! إننا نصنع الفوضى ثم نشتكي منها! ويشتكي الناس من غياب نظافة المحيط، ولكنهم هم الذين يلوثون ذلك المحيط ولا يبادرون إلى تنظيفه. ويشتكي الناس من تكاليف الزواج المرهقة، ولكن مع ذلك تجدهم يتنافسون ويتباهون في المغالاة في تلك التكاليف، فيرهقون أنفسهم ويرهقون الآخرين الذين يخافون من المعرَّة إن هم لم يسيروا على العرف الموجود.يشتكي الناس من الفساد السياسي وعدم كفاءة المسؤولين، فإذا جاءت الانتخابات تجد من المشتكين من ينتخب الفاسدين طمعا في مغانم فردية أو تعصُّبا لرابطة عرقية أو حزبية!

    2- السلبية وغياب روح المبادرة

    وهي امتداد للخاصية السابقة ومكمِّل لها، حيث يبقى الناس يكررون الشكوى من المشكلات التي يعانون منها -وهي من صناعتهم عادة- ولا تجد من يبادر إلى حلها، على الرغم من أن حل كثير منها ممكن لهم لو أنهم حاولوا ذلك. إنها روح السلبية والأنانية التي تقتل في صاحبها روح المبادرة، وتجعله ينتظر من الآخرين أن يقوموا بالعمل ولا يكون هو سبَّاقا إلى فعل الخير.

    3- الحلول الترقيعية السهلة

    من سمات المجتمعات المتخلفة الاعتماد على الحلول الترقيعية السهلة التي تجلب لصاحبها نفعا آنيا دون أن تحل المشكلة حلا جذريا، وسبب ذلك روح الكسل والبحث عن المغانم دون استعداد لبدل التضحيات التي تكافئها. وهذه الطريقة في معاجلة المشكلات تجدها على المستوى الفردي كما تجدها على مستوى المؤسسات، وعلى مستوى الحكومة في البرامج الارتجالية الترقيعية المتعلقة بالسياسات الاقتصادية والتعليمية والاجتماعية.
    ومن مظاهر هذه الخاصية الاحتجاجات الاجتماعية التي تثور هنا وهناك من وقت لآخر؛ حيث لا يقوم الناس بمتابعة السلطات المعنية ومراقبتها والضغط عليها بشكل مُنَظَّم وسلمي لتحقيق مطالبهم وحلّ مشكلاتهم، ولكن ينتظرون حتى يبلغ السيل الزُّبى ثم ينتفضون للتعبير عن غضبهم بالتكسير وغلق الطرقات وتعطيل مصالح الناس! وبعد وعود فارغة أو الحصول على بعض المكاسب الجزئية يهدأون ويعودون إلى عادتهم القديمة- عادة عدم المبالاة وغياب المتابعة وانتظار الحلول الآنية الجاهزة!

    4-
    الكلام الكثير والعمل القليل
    في المجتمعات المتخلفة تجد غالب الناس يتكلمون في كل شيء: في السياسة وفي الاقتصاد وفي الاجتماع وفي التعليم وفي الرياضة وفي الدين وفي غيرها. يتكلمون في ما يعلمون وفي ما لا يعلمون... يتكلمون كأنهم خبراء في كل شيء! فإذا نظرت إلى الأفعال لم تجد إلا القليل! وإذا نظرت إلى إتقان الشخص لعمله لم تجد ما تَقَرُّ به عينُك إلا قليلا!
    ترى المطابع في بلدان العالم الإسلامي -خاصة في المشرق- تدفع بآلاف الكتب والمقالات سنويا، ولكنك إذا تفحصت تلك الكتب والمقالات وجدت أغلبها تِبْنًا وقشورا، أما الحبُّ المفيد فيها فقليل جدا! إنه الكلام الكثير الذي لا تكاد تكون فيه فائدة عملية!

    5- المطالب الكثيرة والعمل القليل
    إنه مظهر من مظاهر اختلال ميزان الحقوق والواجبات عندما تعمى العين التي تنظر إلى الواجبات وتقوى العين التي تنظر إلى الحقوق، فيصبح الشخص لا يرى سوى الحقوق، وينسى أن ما يحصل عليه من الحقوق هو مقابل ما يقوم من واجبات، فإذا قدّم كثيرا كان من حقّه الحصول على مقابل ذلك، وإذا قدم القليل فليس له حقّ في أكثر مما قدّم! وقد أحسن أحد الزملاء عندما وصف شعبا من الشعوب الإسلامية في جنوب شرق آسيا بقوله: إنهم يريدون أن يعيشوا عيش الأمريكيين (في اللهو والفسوق) ويموتوا موت الصحابة رضي الله عنهم.

    6- الأنانية وتغلُّب النزعة الفردية

    في المجتمعات المنحطّة تضعف النزعة الاجتماعية وما ينتج عنها من أخلاق اجتماعية رفيعة، وتتغلب النزعة الفردية التي تتجلى في الأنانية، حيث يسعى الشخص إلى تحقيق مصالحه الآنية ولو كان ذلك على حساب المصالح الجماعية، وهو لا يدري أن سرّ التقدم والرفاه الاجتماعي إنما يكون في المحافظة على المصالح الجماعية، وأن هدم المصالح الجماعية يعني إفساد الحياة الفردية لجميع أفراد المجتمع.

    7- التبرؤ من المسؤولية وتحميلها للآخرين

    من أهم خصائص الشخصية المتحضرة الشعور بالمسؤولية، والاعتراف بالتقصير، والسعي الدائم إلى تطوير النفس. ومن سمات الشخصية المتخلفة التبرؤ من المسؤولية والتظاهر بالكمال وعدم السعي إلى تطوير الذات. تجد الموظفين يحمِّلون مسؤولية الفشل والرداءة للإدارة، والإدارة تحمِّل مسؤولية ذلك للموظفين... وتجد الطلاب يحمِّلون مسؤولية ضعفهم وفشلهم للمدرسين والإدارة، والمدرسون والإدارة يحمِّلون مسؤولية ذلك للطلاب... والشعب يتهم الحكومات بأنها السبب في كل الأزمات والمشاكل التي يعاني منها... والشعوب الإسلامية تتهم اليهود والغرب بصناعة المشاكل والأزمات التي تعاني منها الدول المسلمة!
    إن هذا التصور في الواقع مظهر من مظاهر الدفاع عن النفس وتبرير العجز والتقصير، وهو ناتج عن التهرُّب من تحمُّل المسؤولية ومحاولة التغطية على العجز. إننا لا نريد أن نعترف بنقصنا وتقصيرنا؛ لأن الاعتراف بذلك يبعث فينا تأنيب الضمير، ويضعنا أمام الأمر الواقع، ويدعونا إلى الجد والاجتهاد في إصلاح أنفسنا وإصلاح واقعنا، وهذا يتطلب تكاليف وتضحيات نحن لا نريد في الواقع بذلها، ولذلك نلجأ إلى تبرير عجزنا وفسادنا بفعل الآخرين.
    لاننكر تقصير الحكومات وفسادها وما ينتج عن ذلك من مشكلات وأزمات، ولا تآمر اليهود والغرب علينا، ولكن ينبغي أن ندرك ونعترف أن السبب الأساس في الأزمات والمشاكل التي نعيشها هو نحن. إن أغلب المشاكل والأزمات من إنتاجنا نحن، والأزمات والمشاكل التي يصنعها لنا الغرب واليهود وغيرهم من الأعداء إنما هي نتاج ضعفنا وعجزنا واستعداد بعضنا للتعاون معهم مقابل منافع بسيطة. ولا لوم على من وجد مراكب موطَّأة للركوب فركبها، إنما اللوم الأكبر على من جعل نفسه مركَبا مؤطَّأ! أو بتعبير مالك بن نبي من جعل نفسه قابلا للاستعمار.

    8- انتظار القيادة الكاريزمية

    من سمات المجتمعات المتخلفة انتظار القيادة الـمُلْهَمَة التي تقودهم إلى تحقيق تغيير اجتماعي شامل ورخاء اقتصادي عامر، وانتصار عسكري حاسم. وهذه نظرة سلبية حالمة جوهرها التهرُّب من المسؤولية، حيث يتملّص الناس من وظيفتهم في إحداث التغيير الإيجابي والقيام بعملية البناء الشامل الذي يقود إلى التمكين والانتصار، ويلقون بذلك العبء على القيادة الـمُلْهَمَة التي ينتظرون ظهورها.
    لا شك أن للقيادة الكاريزمية دور في إحداث التغيير، والنهوض بالمجتمعات، والانتصار في المعارك، ولكن تلك القيادات يكون وجودها استثنائيا، ولا بد أن ندرك أن التغيير ليس مسؤولية القيادة وحدها، بل هي مسؤولية الجميع، وأن تحقيق التغيير يتطلب جهدا مشتركا وفعلا إيجابيا مستمرا من جميع فئات المجتمع. إنه من الواجب العمل على أن يتحوّل غالب الناس إلى أفراد قادرين على قيادة أنفسهم في إدارة وظيفتهم الاجتماعية، والتخلّص من عقلية القطيع الذي ينتظر الراعي الذي يقوده.

    9- انتظار التغيير الجاهز

    أصلُ ما سبق ذكره من المواصفات والخصائص السلبية هو مشكلة انتظار التغيير الجاهز. غالب الناس يحلمون بالتغيير ويطالبون به، ولكن قلّ ما تجد في الواقع العملي من يبذل الجهد المطلوب لذلك التغيير، بل أغلب الناس ينتظرون تغييرا جاهزا ينزل عليهم من السماء، أو تقوم به قيادة كاريزمية تظهر فجأة فتحوّل الكسالى إلى مجتهدين، والغشاشين والمحتالين إلى أُمَنَاءَ، والطماعين إلى مؤثرين على أنفسهم، وسماسرة السياسة والإدارة إلى أئمة الهدى والرشاد! وهذا بطبيعة الحال مجرد حلم، وصدق الله عز وجل حين يقول: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: 11)

    10- السلوك الاستبدادي

    لا حاجة للخوض في إشكالية: أيهما يُنْتِجُ الآخر: الانحطاط هو الذي يُنْتِجُ الاستبداد أم الاستبداد هو الذي يُنْتِجُ الانحطاط؟ لأنهما في الواقع أمران متكاملان ومتفاعلان: فثقافة الانحطاط تُنْتِجُ السلوك المستبدّ؛ لأن ثقافة الانحطاط تُنْتِجُ طرق التفكير الفاسدة، والسلوكات المعوجَّة، ومنها الاستبداد. والاستبداد يؤدي إلى الانحطاط؛ لأن المستبدّ يحرم نفسه من الاستفادة من أفكار وخبرات الآخرين، كما يحرم نفسه من تقويم أخطائه وتدارك نقائصه حين يرفض الاستماع للآخرين ويرفض الاعتراف بنقصه، ويحيط نفسه بالمدَّاحين والمنافقين الذين يكرِّسون فساده، وتكون النتيجة الانحطاط.
    إن النقطة المهمة التي يجب التركيز عليها هي أنه لا ينبغي النظر إلى الاستبداد على أنه مجرد مشكلة سياسية يمكن التخلُّص منها بالتغيير السياسي؛ لأن هذه نظرة سطحية لمشكلة عميقة. الواقع أن الاستبداد ظاهرة اجتماعية قبل أن يكون مشكلة سياسية، وهو عنصر من عناصر ثقافة التخلُّف. إن عقلية الاستبداد منتشرة بين أفراد الشعب، والاستبداد الموجود على مستوى النخبة الحاكمة مرتبط بعقلية الاستبداد المنتشرة بين أفراد المجتمع. الاستبداد ظاهرة موجودة على مستوى الأسرة، والمدرسة، والمؤسسة، والحزب سواء أكان حزبا حاكما أم حزبا معارضا، وهو موجود في أوساط العلمانيين والإسلاميين على السواء، والطرق الصوفية نموذج جيّد لممارسة الاستبداد وتعويد الناس على الخضوع له. ولما كان الاستبداد في بلدان العالم الثالث ظاهرة اجتماعية نلاحظ أن التغييرات التي وقعت في أنظمة الحكم في تلك البلدان -سواء عن طريق الانقلاب أم عن طريق الانتخاب- لم تؤدّ إلى حدّ الآن إلى التخلُّص من الاستبداد وممارسة حقيقية للشورى والديمقراطية. وهذا يؤكد لنا أن الأمر ليس مجرد تغيير نخبة حاكمة بنخبة أخرى.
    إن السلوك الاستبدادي انعكاس لتصورات خاطئة ونفسيات مريضة، ولا يمكن القضاء على الصورة المنعكسة إذا لم يتم القضاء على الأصل الذي تنعكس عنه، وهو التصورات الخاطئة والأمراض النفسية. الاستبداد سلوك مرضيٌّ قد ينتج عن تضخُّم "الأنا" حين يشعر الشخص بأنه يفهم أفضل من غيره، وأنه هو الوحيد القادر على إدارة شؤون المؤسسة أو البلد، فينحو منحى التفرد بالرأي والاستبداد بشؤون الإدارة، ويحتقر آراء غيره فلا يفسح لها المجال أو لا يقبلها. وقد ينتج عن الأنانية، حيث يريد المستبدّ التفرُّد بالمغانم المادية والمعنوية المرتبطة بمنصب ما. وقد يكون ناتجا عن عدم كفاءة الشخص مع إصراره على تولي المنصب، فيسعى إلى تغطية عجزه بمنع الشورى والنقد حتى لا ينفضح عجزه، والاستبداد مرتبط بضيق الأفق، حين يعجز الشخص عن النظر إلى الأمور من جوانبها المختلفة، ويُصِرُّ على أخذها من الزاوية التي ينظر منها هو فقط.
    إن معالجة الاستبداد تكون على مستويين: أحدهما: مواجهة الاستبداد السياسي، أي استبداد النخبة الحاكمة. والآخر: التخلص من ثقافة الاستبداد بوصفها طريقة في التفكير تنتشر بين أفراد المجتمع، ويكون ذلك بالتوعية والتربية التي تعمل على تدريب الفرد منذ الصِّغر على التواضع والتعاون والشورى وتقبُّل النصيحة والنقد واحترام الرأي الآخر. وهذا العمل من مسؤولية المجتمع بجميع مؤسساته.
    بعض الناس يدعو إلى فكرة "العادل المستبدّ" ظنا منهم أنه لا يمكن قيادة المجتمعات التي تسودها الفوضى والتناحر إلا عن طريق "المستبدّ العادل"! وهم في الواقع يخلطون بين القيادة القوية والقيادة المستبدة. إن ما تحتاج إليه المجتمعات للنهوض والانتصار هو القيادة القوية التي تكون مَصْدَر إلهام للناس وتقود بالقدوة والكفاءة لا بالقهر والجبر، أما الاستبداد فإنه مذموم ولا يأتي بخير في جميع الأحوال. فإذا كان المستبدّ غير كفء فما ينتج عن استبداده من تكريس للفساد والانحطاط أمر ظاهر، وإذا كان المستبدّ صاحب كفاءة فإن ضرر استبداده يكون بحرمان المجتمع من تكوين قيادات ذات كفاءة وخبرة تخلفه بعد ذهابه؛ لأن استبداده يُكرِّس عقلية القطيع، فيجمع حوله المداحين الذين هم عادة من المنتفعين أصحاب الكفاءات الضعيفة، ويُبعد أصحاب الكفاءة والكرامة ويحرمهم من تنمية قدراتهم القيادية وكسب الخبرة اللازمة، وهي مساوئ تكفي لرفض فكرة "العادل المستبدّ" حتى لا توفرت فيه الكفاءة. هذا إذا سلّمنا أصلا بوجود العادل المستبدّ! لأنه من العسير أن يكون المستبدُّ عادلا!

    11- التصور الخاطئ عن القيادة
    القيادة الحقيقية قُدوة وإلهام، حيث يكون القائد قُدوة لغيره في سلوكه، ومصدر إلهام لهم في عُلوّ الهِمَّة وبُعْد النظر وعُمق التفكير. والقيادة الحقيقية تُفرزها الأحداث التي تُثبت توفُّر بعض الأشخاص على تلك الكفاءات، كما أن الأحداث قد تتجاوز بعض القيادات حين تُثبت عجز المتصدرين للقيادة عن الوفاء بمتطلباتها فيكون لزاما عليهم الانسحاب بشرف وكرامة. والقيادة مسؤولية، حيث يكون المتصدِّر للقيادة مسؤولا عن قراراته وعن فشله. وتكون الكارثة عندما يعتقد بعض الناس أن القيادة اختيارٌ يتَّخذُه الشخص الراغب في ذلك، فمن رغب في التصدُّر للقيادة حسّن لباسه ونمَّق بعض العبارات وأخذ يتصدَّر المجالس ويصدر الأوامر والتعليمات وينتظر العطايا والامتيازات! وبذلك يتصدّر للقيادة الطامحون أصحاب النفوس الصغيرة والعقول الضعيفة. وهذا النوع من القيادة لا يمكنه إلا أن يكون متملِّقا لمن هو أعلى منه ومستبدًّا على من هو دونه، وقلّ ما تجد فيه الكفاءة وروح المسؤولية وكرامة النفس. كما تكون الكارثة عندما تُصِرُّ القيادات التي تجاوزتها الأحداث على البقاء في مناصبها حتى لو أدى ذلك إلى الانقسام وتدهور أوضاع الحزب أو الجماعة.

    12- المبالغة في المدح والفجور في الخصومة
    من صفات الشخصية الناضجة التوازن والاعتدال، ومن صفات الشخصية الضعيفة المتخلّفة التطرُّف، ومن مظاهر ذلك ما تجده منتشرا في المجتمعات العربية -خاصة في بلاد المشرق العربي- من تطرُّف الشخص بين المبالغة في مدح من يطمع في عطائهم أو ينتمي إليهم فكريا، والمبالغة في الخصومة مع المخالفين له أو من لا يلبُّون له رغباته. وأصل هذا السلوك قديم في المجتمعات العربية، كان يمثِّله الشعراء الذين يرفعون بالمدح من يطمعون في عطائه أو ينتمون إليه قبليًّا أو فكريا إلى مقام الألوهية، ويحطُّون بالهجاء من قيمة الذي يسخطون عليه إلى الحضيض حتى لو كان في الواقع من أهل الفضل والعدل. وهذه الشخصية يسودها التعصب الأعمى، ويعشّش فيها النفاق الاجتماعي الذي يغطّي على الفساد ويُكرِّسه، والفجور في الخصومة الذي يؤدي إلى الظلم والعمى عن الحق، وهما سببان من أسباب التخلُّف والفوضى.

    13- الاحتجاج بالقضاء والقدر على الإهمال والتقصير
    القضاء والقدر حقٌّ، والإيمان بهما جزء من عقيدة المسلم وعنصر مهم في تكوين الشخصية الإيجابية، ولكن المشكل أن بعض الناس يسيء استخدام القضاء والقدر عندما يحوِّله إلى وسيلة لتبرير الكسل والتقصير. وقد أنكر الله عز وجل على الكفار احتجاجهم بالقدر على أفعالهم، وحمَّلهم مسؤولية ما يفعلون: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ) (الأنعام: 148).
    إن المرض من قضاء الله وقدره، ولكن العلاج من قضاء الله وقدره أيضا، والإنسان يستعمل هذا لدفع ذاك. والبلاء من قضاء الله وقدره، والدعاء من قضاء الله وقدره أيضا، والإنسان يسعى إلى دفع ذاك بهذا. وتسلُّطُ الحكام الفاسدين من قضاء الله وقدره، ومدافعتهم والسعي إلى إصلاحهم أو تغييرهم من قضاء الله وقدره أيضا، والإنسان يدفع ذاك بهذا. والفقر من قضاء الله وقدره، والسعي إلى الكسب وتحصيل الغنى من قضاء الله وقدره أيضا، والإنسان يسعى إلى دفع ذاك بهذا.
    إن الإيمان بالقضاء والقدر في الإسلام وسيلة تربوية لتعليم الإنسان الرضا بما يتمكَّن من كسبه بعد أن يبذل ما في قدرته من أسباب، فلا تذهب نفسُهُ حسرات على ما لم يتمكَّن من تحصيله بعد أن بذل ما في طاقته من الأسباب. وهو اعتقاد يعلِّمُهُ الرضا بما يحلّ به من مصائب لا حيلة له في دفعها؛ فبدلا من أن يُهلك نفسَه بالحزن والأسى على تلك المصيبة التي لا قدرة له على دفعها، فالأولى له أن يتقبلها ويتعلم كيف يتأقلم ويتعايش معها، ويبدأ حياة جديدة. ولكن -للأسف- الكثير من الناس يستعمل القضاء والقدر لتبرير عجزه وتقصيره.

    سيكولوجية التحضُّر
    التحضُّر والتقدم المستمر يحتاج إلى أفراد تتوفر فيهم خصائص منها:

    1- روح المبادرة: وهي سلوك إيجابي يمثل القوة الدافعة إلى التحضُّر والتقدُّم؛ فهي الدافع إلى إصلاح الذات وتطويرها، وهي الدافع إلى الإسهام في الإصلاح الاجتماعي والسياسي، وهي التي تقف خلف التطور العلمي والاقتصادي.


    2- التعاون والتشاور والتسامح والإنصاف؛ لأن هذه الصفات من ضرورات الحياة الاجتماعية، ولا تقوم حياة اجتماعية سليمة بدونها.


    3- الرقابة الاجتماعية، وهو ما نعبر عنه في الإسلام بـ "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" و"التواصي بالحق والتواصي بالصبر"؛ لأن ممارسة هذه المبادئ تمثل رقابة مستمرة على الأفراد وعلى السلطات الحاكمة من أجل مساعدتهم على التزام طريق الصواب، وتجنُّب الوقوع في الانحراف أو تصحيحه إن وقع، ولذلك فإن الرقابة الاجتماعية (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) تمثل دعما معنويا قويا للاستمرار على الاستقامة.

    إن مفهوم "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" ليس مقصورا على أعمال الحِسْبَة التي يقوم بها بعض الأشخاص في تغيير بعض المنكرات الخلقية، بل هو مفهوم واسع. الأمر بالمعروف يشمل جميع ما يتعلق بتعليم الخير للناس ودعوتهم إلى فعله، سواء أكان ذلك على مستوى الأفكار أم على مستوى السلوك. والنهي عن المنكر يشمل جميع ما يتعلق بمقاومة الفساد والشر وتشجيع الناس على اجتنابهما وتوفير البدائل النافعة. والمعارضة السياسية في الإسلام تدخل ضمن مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو أساس مشروعيتها. والتواصي بالحق هو التشجيع والتعاون على المعروف والبر، والتواصي بالصبر هو التعاون على التمسك بالحق ومقاومة الفساد؛ لأن التمسك بالحق يجعل صاحبه يواجه نزواته وشهواته، ويواجه أهل الفساد والباطل الذين لا يريدون للحق أن يسود ولذلك يحتاج إلى الدعم بالتواصي بالصبر.

    4- الاعتراف بالخطأ والنقص: إن الاعتراف بالخطأ والنقص عنصر مهم لتطوير الذات؛ لأن الذي يعتقد في نفسه الكمال ولا يعترف بأخطائه ونقصه لا يمكنه أن يسعى إلى تطوير ذاته أو تصحيح أخطائه. كما أن الاعتراف بالخطأ والنقص هما أساس الديمقراطية والشورى، والشعور بالكمال هو أساس الغرور والتكبر والاستبداد؛ فالإنسان الذي يدرك أنه مُعرَّض للخطأ والنقص يتقبل النقد وينظر إليه على أنه نوع من النصيحة يستفيد منه في تصحيح أخطائه وتدارك نقائصه، أما الإنسان المغرور بنفسه فإنه ينظر إلى النقد على أنه يمثل تحديا وإهانة له، فيغضب وينتفض عند سماع النقد ويمضي في غروره ليهلك نفسه ومن حوله.


    5- السعي الدائم إلى تطوير الذات وتنمية المهارات: إن السعي الدائم إلى التطوير يكون على مستوى الذات كما يكون على مستوى المؤسسة. فعلى مستوى الذات يكون الفرد في سعي دائم إلى تطوير ذاته ومهاراته، وعلى مستوى المؤسسة تكون المؤسسة في سعي دائم إلى تطوير مهارات العاملين فيها من خلال برامج تدريب مستمرة، وتطوير أساليب الأداء وتقديم الخدمات. إن السعي الدائم إلى التطوير يؤدي إلى الابتكار والإبداع وهما روح التطور وبناء الحضارة.


    6- إتقان العمل، سواء أكان العمل خاصا أم عاما. إن الذي يريد من غيره أن يتقنوا أعمالهم المتعلقة بمصالحه وأن لا يغشوه ينبغي عليه هو أيضا أن يُتقن عمله المتعلق بمصالح غيره ولا يغشّهم. وينبغي أن يكون شعارنا في ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب أحدكم إذا عمل عملا أن يتقنه".


    7- الاهتمام بالمصالح والمرافق العامة، وهو اهتمام ناتج عن تصور إيجابي عن الحياة الاجتماعية، حيث يدرك الشخص أن حياته الفردية لا تستقيم دون استقامة الحياة الجماعية، وأن المصالح الخاصة بكل مواطن لا تكتمل إلا بالمحافظة على المصالح والمرافق العامة؛ فالعناية بالمصالح والمرافق العامة هو في الحقيقة عناية بالمصالح الخاصة.


    8- احترام حقوق الآخرين والالتزام بالقوانين والنُّظم المعمول بها، لأن ذلك من ضرورات استقامة الحياة الاجتماعية.


    التغيير: مجالاته ووسائله

    للتغيير مجالان: أحدهما: التغيير السياسي، وهو الذي يتم فيه تغيير القيادات السياسية. والثاني: التغيير الاجتماعي، وهو الذي يتم فيه تغيير الفرد في طريقة تفكيره وسلوكه. هذان هما المجالان الأساسيان للتغيير. أما التغيير الاقتصادي نحو الرخاء والرفاه الاجتماعي فإنه ثمرة للتغييرين الاجتماعي والسياسي.

    أولا: التغيير السياسي

    المعهود أن النظام السياسي الفاسد لا يقوم بالإصلاح ولا يسمح للآخرين بالقيام به، وقصارى ما يقوم به هو إعادة إنتاج نفسه في صور وأشكال تحاول أن تظهر بمظهر التجدُّد. ولذلك فإنه لا يمكن أن يتم التغيير الحقيقي الشامل إلا بوجود تغيير سياسي، ولكن من الخطأ الاعتقاد أن التغيير السياسي يمثل نهاية المطاف. إن التغيير السياسي مجرد حلقة من حلقات التغيير، حيث إنه إذا جاء التغيير السياسي بقيادة راشدة لها عزم على التغيير والإصلاح، وتمتلك رؤية سليمة ومتكاملة لتحقيقه، فإن ذلك التغيير السياسي سيمثل دفعا قويا لتحقيق التغيير والإصلاح.

    وسائل التغيير السياسي

    وسائل التغيير السياسي إما أن تكون سلمية وهي طريق الانتخابات، أو تكون عنيفة وهي طريق الانقلابات أو الثورات. وكل وسيلة لها إيجابيات وسلبيات تتفاوت بحسب القائمين على التغيير وبحسب نضج أفراد المجتمع. التغيير عن طريق الانتخابات ميزته أنه يكون تغييرا سلميا لا تسقط فيه ضحايا، ولا يؤدي إلى دمار وخراب، ولكنه يكون مفيدا في المجتمعات التي تتوفر فيها ديمقراطية حقيقية قائمة على قاعدة شعبية واعية ومؤسسات مُستقرَّة تدير شؤون الحياة اليومية دون تأثُّر كبير بالولاءات الحزبية والتغيرات السياسية. فتلك المجتمعات لا تحتاج إلى تغيير عام؛ لأنها قد تكونت لديها مؤسسات وأنظمة مستقرة، وإنما تحتاج إلى تغيير بعض السياسات العامة التي تنتهجها الحكومة، فإذا لم يكن غالبية الشعب راضين عن تلك السياسات لجأوا إلى تغيير الحكومة عن طريق الانتخابات الدورية. أما في المجتمعات التي لا يتوفر فيها الوعي السياسي والاجتماعي، ويكون طابعها العام عدم الكفاءة والفساد والفوضى سواء على مستوى السلطة أم على مستوى الشعب -كما هو الحال عندنا- فإن هذا النوع من التغيير يكون تغييرا شكليا يذهب بقيادات وأحزاب سياسية ويأتي بأخرى لا تختلف عنها كثيرا؛ لأن الجميع من مَنْبَتٍ واحد، حيث إن الأحزاب السياسية نتاج للمجتمع الذي تكوّنت فيه وانعكاس له؛ فإذا كان المجتمع يتصف بالوعي والنزاهة وإتقان العمل، كانت الأحزاب كذلك. وإذا كان الغالب على المجتمع الغش والأنانية والسعي إلى تحقيق المصالح دون بذل ما يكافؤها من جهد، كانت الأحزاب كذلك. هذا فضلا عن أن الانتخابات تُغيِّر القيادات السياسية، ولا تُغيِّر الجهاز البيروقراطي المتَّصف في عمومه بالفساد وعدم الكفاءة، ولذلك فإن هذا النوع من التغيير حتى وإن كانت فيه إيجابيات، فهي محدودة. إن أحزاب المعارضة -حتى وإن اختلفت عن السلطة الحاكمة في شعاراتها ووعودها وطموحاتها- فهي تشترك معها في ثقافة التخلُّف السائدة في المجتمع، ولذلك فإنها إذا وصلت إلى الحكم قد لا يختلف سلوكها كثيرا عن سلوك السلطة السابقة. وحتى لو افترضنا وجود أحزاب معارضة لها رغبة صادقة في إحداث تغيير إيجابي حقيقي، وافترضنا توفُّرها على الكفاءة اللازمة لذلك، فإنها بوصولها إلى الحكم في ظل مجتمع يسيطر عليه الفساد ستكون أمام خيارين: أحدهما: العمل على إيجاد تغيير حقيقي بالتضييق على الفساد، والعمل على إضعاف أصحابه وتهميشهم، وهذا سيضعها في مواجهة مصيرية مع "الدولة العميقة"، ورهانات النجاح في هذه المواجهة محدودة مادامت لا توجد قاعدة قوية تسندها في ذلك. والخيار الثاني: محاولة التعايش مع الفساد الذي تمثله "الدولة العميقة"، وهذا يقتضي التساهل مع الفساد وغضّ الطرف عنه، وتكون النتيجة الفشل في إيجاد تغيير حقيقي. أما التغيير عن طريق الانقلاب العسكري فمن إيجابياته أنه يكون سريعا وشاملا، بحيث يغيّر القيادة السياسية بشكل كامل، ولكن من سلبياته أن تضحياته قد تكون كبيرة، وأن الذين يقومون به يشعرون -عادة- بحقّهم في فرض الوصاية على المجتمع بحجة أنهم هم الذين خاطروا بأنفسهم لإحداث التغيير، ويفرضون على المجتمع برامجهم وسياساتهم حتى لو كانت ضحلة ومعيبة، ويؤسسون بذلك لدكتاتورية تقوم على مبدأ المشروعية الثورية، وتكون نتيجة التغيير شكلية تستبدل أشخاصا بآخرين، قد يكونون أسوأ من سابقيهم. هذا زيادة على أن القائمين بالانقلاب يحملون عادة عقلية التخلف السائدة في المجتمع. وأما التغيير عن طريق الثورة الشعبية فإنه قد يؤدي إلى إسقاط القيادة السياسية المستبدة، ولكنه إن لم يكن في مجتمع يتصف بالوعي السياسي العالي والتماسك الاجتماعي بين فئاته، فإن تضحياته تكون كبيرة، وقد يؤدي إلى الحرب الأهلية والفوضى، وتكون نتائجه في غاية السوء. هذا فضلا عن أنه لا يأتي بالضرورة بتغيير حقيقي؛ لأنه لا يُغيِّر الحاضنة التي تحتضن الفساد والتُّرْبَةَ التي تُنْبِتُهُ، وهي البيئة الاجتماعية الفاسدة. نعم، قد يجد مجتمع من المجتمعات نفسه مضطرا إلى القيام بتغيير ثوري عنيف عندما يبلغ النظام القائم درجة من الاستبداد تجعل كل أبواب التغيير الاجتماعي السلمي مُغلقة، وفي هذه الحال يكون هذا النوع من التغيير لا مفرَّ منه لكونه الخيار الوحيد المتاح ومفتاح بدأ عملية التغيير، ولكنه لا يعدو أن يكون فتحا لطريق التغيير وإطلاق شرارته، ولا يمكن أن يكون هو التغيير الحقيقي.

    ثانيا: التغيير الاجتماعي

    التغيير الاجتماعي هو الذي يغيِّر عقلية ونفسيّة الإنسان بما يجعله إنسانا صالحا إيجابيًّا وفعّالا. وهو تغيير يشمل التغيير الفكري والتغيير الثقافي. والمراد بالتغيير الفكري تغيير الطريقة التي يفكر بها الناس ليصبح تفكيرهم قائما على التفكير العملي، وتغيير الأفكار السلبية والخاطئة السائدة بين الناس عن القضايا المهمة في الحياة. والمراد بالتغيير الثقافي تغيير العادات والتقاليد والسلوكيات السلبية السائدة في المجتمع لإيجاد بيئة ثقافية إيجابية تحتضن التغيير وتساعد على تحقيقه. والفكر والثقافة أمران متكاملان يؤثر بعضهما في بعض: فطريقة التفكير والأفكار السائدة عند الإنسان يسهمان في تكوين السلوك الذي يتحول إلى ثقافة (عادات سائدة)؛ وبذلك تكون الثقافة السائدة انعكاسا لتلك الأفكار سلبا أو إيجابا. ومن جهة أخرى فإن الثقافة السائدة في المجتمع تُسهم في تشكيل طريقة التفكير وصياغة الأفكار لدى الأفراد الناشئين في ظل تلك الثقافة سلبا وإيجابا. ولذلك فإنه لابد من العمل على المستويين: مستوى تغيير الأفكار لدى الأفراد ومستوى تغيير الثقافة المتمثلة في العادات والتقاليد والسلوكيات السائدة في المجتمع من خلال تشجيع العادات الحسنة والدعوة إليها حتى تشيع في المجتمع. إن التغيير الاجتماعي المتدرج هو الذي يُسهم في التخلُّص من ثقافة التخلُّف بين الناس، ويدفع السلطة القائمة إلى تغيير سلوكها. إن الأوضاع المتردية التي تعيشها مجتمعاتنا لا يمكن إصلاحها دفعة واحدة؛ لأن الأمر لا يتعلق بمجرد تغيير أشخاص في هرم السلطة، بل يتعلق في الأساس بإصلاح طريقة التفكير، وإصلاح السلوك، وإيجاد الفرد القادر على إدارة نفسه، وإقامة نظام مؤسساتي لإدارة شؤون المجتمع سياسيا واقتصاديا وتربويا، وهي عملية تحتاج إلى توعية وتربية وتدريب لعقود من الزمن، وتقتضي تظافر جهود جميع الراغبين في التغيير سواء أكانوا في المعارضة أم في السلطة.

    أسس التغيير الاجتماعي

    يمكن تلخيص أهم الأسس التي يقوم عليها التغيير الاجتماعي في ثلاثة: (1) الأخلاق، (2) التفكير العملي، (3) الذوق الجمالي(الذوق العام).[1]

    1- الأخلاق

    تقسّم الأخلاق من حيث صلتها بالنظام الاجتماعي إلى قسمين: أخلاق فردية تجعل الإنسان فاضلا في نفسه، وأخلاق اجتماعية تحكم علاقاته بمحيطه الاجتماعي وبمحيطه الطبيعي وتؤهله لبناء مجتمع إسلامي متحضر. وقد جاء الإسلام بالأمر بالالتزام بكلا الجانبين من الأخلاق.
    إن الأخلاق الاجتماعية ضرورية لبناء شبكة علاقات اجتماعية سليمة تؤدي إلى إقامة مجتمع يطبعه التكافل والتعاون والسلوك الحضاري الراقي. ولا يمكن أن يتحقق تغيير اجتماعي إيجابي دون إقامة شبكة علاقات اجتماعية قوية، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بتقوية الأخلاق الاجتماعية مثل: التعاون، والتسامح، والتواصي بالحق والصبر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأخلاقيات العمل (الإتقان، الأمانة، عدم استغلال العمال، تجنب الغش)، والمحافظة على المرافق العامة، وشعور الفرد بأن سعادته ورخاءه واستقرار حياته تقوم على استقرار المجتمع ورخائه وسعادته.
    لقد ربط القرآن الكريم الرخاء الاقتصادي بالإيمان والتقوى، فقال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأعراف: 96). فالإيمان الصحيح هو أساس كل شيء؛ لأنه هو الذي يجعل الإنسان يحقق رسالته في هذه الحياة، وبعد الإيمان يأتي التقوى. والتقوى فعل إيجابي في شتّى مجالات الحياة ويجمع الأخلاق الفردية والاجتماعية: فهو سموٌّ روحيّ، وسلوك اجتماعي رفيع، وفعل إيجابي مستقيم في عمارة الأرض. ليس التقوى محصورا في الالتزام بالشعائر التعبديّة واجتناب ما حُرِّم من المطعومات والمشروبات، بل إن السلوك الاجتماعي -الذي هو برهان الإيمان الصحيح- يُعدّ من صميم التقوى، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه).[2] فالمسلم هو الذي لا يؤذي الناس بفعله (اليد رمز الفعل)، فلا يغش الناس في تجارته، ولا يعتدي على حقوق الناس، ولا يؤذيهم بلسانه. إن من صميم التقوى اجتناب الغشّ في التجارة والعمل ... ومن التقوى الورع في التعامل مع أموال الغير... ومن التقوى إتقان العمل وأداء الأمانة... ومن التقوى إعطاء كل ذي حقّ حقَّه... إن البلد الذي يفشو فيه الغش، ويُؤكَل فيه حقّ الضعيف، ولا يحكم فيه بالعدل، وتُستباح فيه الممتلكات والمرافق العامة، وتفشو فيه خيانة الأمانة -سواء أكانت أمانة عامة أم أمانة خاصة- ويفشو فيه الإخلال بالوعد والعهد، وتطغى فيه المظاهر والشكليات على القيم الروحية والخلقية، لا يمكن أن يكون أهله في عداد المتّقين الذين يستحقُّون أن تُفتح عليهم بركات من السماء والأرض كما وعد الله بذلك عباده المتقين.
    كما ربط الله سبحانه وتعالى زيادة النعمة بالشكر في قوله تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (إبراهيم: 7). والشكر ليس مجرد نطق بعبارة "الحمد والشكر لله"، بل هو تغيير إيجابي في النفس الإنسانية، حيث يتحوّل الإنسان من مجرد مستهلك سلبي لنعم الله تعالى عليه إلى مستهلك إيجابي يستعمل تلك النعم بطريقة حكيمة، فينتفع بها بطريقة معتدلة ويعطي منها لغيره من المحتاجين؛ ولذلك عبّر القرآن الكريم عن الشكر بالعمل، فقال تعالى مخاطبا آل داود عليه السلام: (اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) (سبأ: 13).

    2- التفكير العملي

    التفكير بجميع أنواعه هو الأساس الذي تقوم عليه حياة الإنسان وحضارته، وجميع أنواع التفكير ضرورية ومتكاملة، فالتفكير النظري ضروري لتكوين النظريّات التي تفسّر الظواهر الكونية والاجتماعية، والتفكير النقدي ضروري لمراجعة تلك النظريات وتطويرها، كما أنه ضروري لمراجعة وتطوير أساليب التعامل مع مسائل الحياة اليومية والقرارات المتعلقة بها. والذي نريد التركيز عليه هنا -بحكم صلته الوثيقة بموضوعنا- هو التفكير العملي الذي يجعل صاحبه يترجم المعارف النظرية التي يكتسبها إلى واقع عملي في حياته اليومية. هذا النوع من التفكير عنصر في غاية الأهمية لتحقيق التغيير الثقافي؛ فنحن المسلمين نملك منطومة عقدية وفكرية سليمة، ومبادئ خلقية راقية، ولكننا في الواقع العملي نجد الخرافات تسيطر على تفكير قطاع عريض من المسلمين، كما أننا في ذيل القافلة البشرية من الناحية الخلقية، حيث يفشو فينا الغش والكذب والنفاق الاجتماعي والاستبداد والإهمال وعدم إتقان العمل وتضييع الحقوق، على الرغم من أن ديينا يأمرنا بالصدق والأمانة والإخلاص في العمل والإتقان والإحسان والشورى والعدل والوفاء وإعطاء كل ذي حقٍّ حقَّه. وعلى الرغم من أننا نقرأ جميع تلك الأخلاق السامية في القرآن الكريم ونسمعها في خطب الجمعة أسبوعيا وفي المواعظ الدينية هنا وهناك وإذا تحدثنا عن الإسلام افتخرنا بها، إلا أننا لا نترجم تلك المعارف النظرية التي نفتخر بها إلى واقع عملي نعيشه في حياتنا اليومية، وبذلك نكون كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ والماء فوق ظهورها محمولٌ!

    3- الذوق الجمالي
    المراد بالذوق الجمالي جمال السلوك، حيث يتكوّن لدى الفرد ذوق رفيع في التعامل مع المحيط الاجتماعي (الناس) والمحيط الطبيعي (البيئة)؛ فتفشو بين الناس الابتسامة، والتحية الحسنة، والكلمة الطيبة، والاحترام المتبادل، ويعمّ التسامح والتعاون والإيثار وإتقان العمل وحسن المعاملة. ويسود بين الناس احترام المحيط الطبيعي بالمحافظة على نظافته والعمل على تجميله. أما جمال المظهر فهو مطلوب ومحمود، ولكنه يجب أن لا ينقلب إلى مظهر من مظاهر الغرور والرياء والتكبُّر. ولا فائدة في جمال المظهر إذا كان يخفي خلفه سلوكا قبيحا وذوقا رديئا في التعامل مع المحيط البشري والمحيط الطبيعي.

    العلاقة بين التغيير السياسي والتغيير الاجتماعي
    من أجل بيان العلاقة بين التغيير السياسي والتغيير الاجتماعي لا بد من الإجابة عن السؤال الآتي: من الذي يصنع الآخر: هل الحكومة هي التي تصنع الشعب أم الشعب هو الذي يصنع الحكومة؟ إن هذه الإشكالية تتجلى في مقولتين شائعتين: الأولى: مقولة "الناس على دين ملوكهم" وهي إشارة إلى تحميل الأنظمة الحاكمة مسؤولية صلاح المجتمع أو فساده. والمقولة الثانية: "كما تكونوا يُولّى عليكم"، وهي إشارة إلى أن مسؤولية الإصلاح تقع على عاتق الشعب، والسلطة الحاكمة مجرد انعكاس لحالة المجتمع: فإذا كان المجتمع صالحا أفرز سلطة سياسية وإدارية صالحة، وإذا كان فاسدا أفرز سلطة سياسية وإدارية فاسدة.
    والواقع أنهما أمران متداخلان يؤثر بعضهما في بعض. فالحكومة الفاسدة تطبع شعبها بالفساد، والحكومة الصالحة تعين شعبها على تحقيق الصلاح. ومن جهة أخرى، المجتمع الفاسد يُنتج قيادة سياسية فاسدة ويكرِّس الفساد، والمجتمع الصالح يُنتج قيادة سياسية صالحة ولا يسمح لسلطة سياسية فاسدة بالتسلّط عليه. وقد صدق مالك بن نبي حين قال: "فالحكومة مهما كانت ما هي إلا آلة اجتماعية تتغير تبعا للوسط الذي تعيش فيه وتتنوع معه، فإذا كان الوسط نظيفا حرا، فما تستطيع الحكومة أن تواجهه بما ليس فيه، وإذا الوسط كان مُتَّسِما بالقابلية للاستعمار فلا بد من أن تكون حكومته استعمارية".[3] لا شك أن الوضع الأمثل هو الذي تجتمع فيه حكومة رشيدة ذات برنامج راشد وشعب يدرك مسؤوليته في تحقيق التغيير والإصلاح ويقدم الثمن المطلوب من أجل ذلك، وبذلك يتحقق الإصلاح. أما إذا كانت السلطة السياسية فاسدة وصادفت رعيّة ضعيفة لها استعداد للفساد، فإنها ستتمكّن من طبعها بطابع الفساد، كما قال الله عز وجل في عمل فرعون: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِين)َ (الزخرف: 54) إن النظر في وضعنا يشير إلى أن الفساد موجود على مستوى السلطة الحاكمة وعلى مستوى القاعدة الشعبية، ولذلك فإن التغيير السياسي وحده لا يكفي لأنه لا يمكن -من الناحية العملية- إيجاد سلطة حاكمة تتصف بالكفاءة والنزاهة في مجتمع يمارس الفساد ويشجعه، وحتى إذا افترضنا إمكانية وجود سلطة سياسية راشدة، فإن وجود تلك السلطة لا يعني أن التغيير قد تحقق، بل سيكون ذلك مجرد انطلاق لعملية التغيير، وستعاني تلك السلطة الأمرَّيْن في سبيل تحقيق التغيير الاجتماعي. كما أن التركيز على التغيير الاجتماعي دون اهتمام بالتغيير السياسي لن يأتي بنتائج كبيرة؛ لأن أكثر ما يبنيه المربُّون يهدمه المفسدون وتطمسه البيئة الفاسدة التي تغذيها السلطة الفاسدة. ولذلك فإنه لا بد من العمل على المستويين: لا بد من المشاركة في التغيير السياسي من خلال الانتخاب والترشُّح للمناصب الحكومية، والعمل على إيصال أشخاص لهم الرغبة في التغيير والتعاون مع المجتمع المدني من أجل تحقيق ذلك، كما أنه لا بد من العمل على مستوى التغيير الاجتماعي، وبذلك تتكامل العمليتان من أجل تحقيق التغيير الحقيقي. لقد حدد القرآن الكريم قانون التغيير في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: 11)، وقوله عز وجل: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (الأنفال: 53). فالتغيير إيجابا وسلبا قائم على تغيير النفس. وقد كان تغيير الفرد وبناؤه هو الأسلوب الذي اتبعه القرآن الكريم والرسول صلى الله عليه وسلم في تكوين أول مجتمع مسلم، وكان التركيز على البناء الإيماني والخلقي لأفراد المجتمع المسلم، وممارسة الدعوة وتجنُّب الصدام، وقد سعى النبي صلى الله عليه وسلم إلى استيعاب جميع مكونات مجتمع المدينة لتكوين مجتمع متسامح ومتعاون.

    من الذي يقوم بالتغيير؟

    عملية التغيير والإصلاح عملية طويلة ومعقدة تحتاج إلى جهود كثيرة من جهات متعددة منها المجتمع المدني وأحزاب المعارضة والأحزاب الحاكمة والجهاز البيروقراطي، وعلى نواحي مختلفة منها الوعي السياسي والسلوك المدني والتربية الخلقية والقدرة على تطوير الذات والاعتماد على النفس وتطوير القدرات والمهارات المهنية. وفيما يأتي نذكر باختصار الجهات التي ينبغي عليها أن تقوم بدورها الفعال في عملية التغيير والإصلاح.

    الأسرة

    الأسرة هي المؤسسة الأولى المسؤولة عن التنشئة الاجتماعية، ففيها يتلقى الطفل أسس عقيدته وأخلاقه وسلوكه الاجتماعي. وحتى تتمكن الأسرة من أداء وظيفتها المطلوبة، ينبغي تأهيل الآباء والأمهات من خلال برامج توعية وتدريب على أساليب التربية. إن توعية الوالدين بالأساليب السليمة لتربية الأولاد أمر في غاية الأهمية، وينبغي أن تنطلق حملات مكثفة من أجل ذلك، تقوم بها المؤسسات والجمعيات ذات الاهتمام بشؤون الأسرة والشباب، وتجند لها الكفاءات والموارد اللازمة.

    المدرسة

    المدرسة هي المؤسسة الثانية المسؤولة عن التنشئة الاجتماعية، حيث تقوم بتعزيز القيم العقدية والخلقية التي يتلقاها الطفل في الأسرة، وتوسيعها، كما تقوم بتدريب الطفل على السلوك الاجتماعي مع محيطه الاجتماعي والطبيعي. وإذا كان دور المدرسة عندنا أصبح محدودا في تكوين الجيل الصالح، فإنه ليس من العدل أن نلقي باللوم على القائمين على التعليم والمناهج الدراسية فقط، لأن المشكلة أكبر من ذلك. فالمدرسة والقائمون عليها جزء من المجتمع، يتأثرون بثقافته سلبا وإيجابا. إن ثقافة الانحطاط وجوّ الإحباط السائدين في المجتمع يؤثران في القائمين على التعليم، كما يؤثران في التلاميذ، وهي كلها عوامل تعيق نجاح المدرسة في القيام بوظيفتها. ومن أجل أن يتحقق للعملية التعليمية النجاح لابد من تكامل عناصرها، وهي: المعلم، والإدارة، والمنهج، والتلميذ، والمحيط الاجتماعي. إن أي خلل في عنصر من هذه العناصر يؤدي إلى خلل في العملية التعليمية. إذا كان الأستاذ مُحْبَطًا بسبب الظروف الاجتماعية السيئة التي يعيشها وبسبب عدم تفاعل الطلاب معه، فكيف يستطيع أن يؤدي وظيفته على الوجه المطلوب؟ وإذا كان التلاميذ محبطين بسبب غياب الأمل في المستقبل، ولا يجدون العناية والمتابعة الكافية من الأسرة، فكيف تنجح العملية التعليمية؟وإذا كانت الإدارة لا تلقى الدعم والتفاعل الكافيين من أولياء التلاميذ ومن السلطات المعنية فكيف يمكن لها أن تقوم بأداء دورها المطلوب في العملية التعليمية؟
    حتى تنجح المدرسة في أداء دورها التعليمي لابد من التعاون بين الأسرة والمدرسة، حيث تشرف المدرسة على العملية التعليمية داخل المدرسة وتشرف الأسرة على النشاط التعليمي للطلاب في البيت. وحتى تنجح المدرسة في أداء دورها التربوي تحتاج إلى الدعم والمساعدة من جمعيات أولياء التلاميذ والجمعيات الثقافية في القيام ببرامج ونشاطات تسهم في تدعيم السلوك الاجتماعي السليم للتلاميذ، مثل النشاطات الثقافية والرياضية وتجميل المحيط، وغيرها. كما ينبغي على السلطات المعنية توفير الدعم اللازم للمؤسسات التعليمية.

    الجمعيات والنوادي

    الجمعيات الثقافية، وجمعيات الرعاية الاجتماعية والصحية، والنوادي الرياضية، والاتحادات العمالية، ومراكز البحوث والدراسات، لها دور محوري في التوعية الاجتماعية، والتدريب، والتوجيه، كما أن لها دورا محوريا في الرقابة على السلطات الإدارية والسياسية والضغط عليها.
    إن تحقيق التغيير الشامل يحتاج إلى تظافر الجهود وتكاملها وتنوعها، ولذلك فإنه لابد للذين يحملون هَمّ الإصلاح أن يعمدوا إلى تكوين نوادي وجمعيات ثقافية واجتماعية ومهنية ورياضية، يلتقي فيها الأفراد الراغبون في الإصلاح لتبادل الأفكار والخبرات والتعاون من أجل تحقيق مشروعهم الإصلاحي. وتقوم تلك الجمعيات بتنظيم برامج ونشاطات تسهم في التوعية وتهذيب السلوك الاجتماعي وتطوير الذات وتنمية المهارات والكفاءات. والمفترض أنه مع كثرة تلك النشاطات واستمرارها فترة زمنية طويلة يتحقق تغيير وإصلاح واسع في المجتمع يمكن أن تنتج عنه ثقافة صالحة تفرض نفسها في المجتمع عن طريق القدوة.

    - الجمعيات الدينية على مستوى المساجد تنظم محاضرات ودورات تعليمية تعنى بالترقية الروحية والتوجيه الخلقي والتعليم الشرعي وتحفيظ القرآن الكريم.


    - مراكز البحوث والدراسات تسهم بتقديم دراسات ميدانية جادة حول سُبل إصلاح الوضع الاجتماعي والاقتصادي والتعليمي. ولابد من نشوء تعاون مكثَّف بين تلك المراكز وأساتذة الجامعات وطلاب الدراسات العليا، حيث يتم توجيه طلاب الدراسات العليا إلى اختيار موضوعات تفيد المجتمع، وتقوم تلك المراكز بتقديم الدعم لأولئك الباحثين، ومن ذلك نشر البحوث المتميزة المفيدة.


    - جمعيات حماية المستهلك تسهم من جهة في الرقابة على المنتجات لحماية المستهلك من السلع التي لا تتوفر فيها شروط السلامة الصحية، وحمايته من ارتفاع الأسعار غير المبرَّر. ومن جهة أخرى تقوم بالتوعية اللازمة لترشيد الاستهلاك ومكافحة العادات الاستهلاكية السيئة، كما تعمل بالتعاون مع المنتجين والتجار على وضع ميثاق خلقي يلتزمون به.


    - جمعيات الرعاية الصحية تسهم في التوعية الصحية من أجل تكوين ثقافة صحية سليمة تجنب الناس الوقوع في الأمراض الناتجة عن النمط المعيشي السيء، وتعلمهم طريقة التعامل معها في حال وقوعها، وهي أمراض تُكلِّف مبالغ طائلة مع أنه يمكن تجنبها إذا توفرت التوعية الصحية اللازمة والتشجيع على اتباع نمط معيشي صحي. كما تسهم تلك الجمعيات في الضغط على السلطات الحكومية لتوفير الرعاية الصحية وتحسينها، وتراقب أداء المؤسسات الصحية سواء منها العامة أم الخاصة.


    - جمعيات الرعاية الاجتماعية تسهم في مساعدة الفقراء والمحتاجين وذوي الاحتياجات الخاصة، وتساعد على تكوين ثقافة التعاون والتكافل الاجتماعي من خلال تنظيم برامج الرعاية الاجتماعية وإشراك أكبر عدد ممكن من الناس في تنفيذها. ولا ينبغي لتلك الجمعيات أن تكتفي بجمع التبرعات من الناس ثم القيام بتوزيعها على المحتاجين، لأن ذلك لا يحقق ثقافة التكافل الاجتماعي على الوجه الأمثل، بل ينبغي إشراك المتبرعين أنفسهم -قدر الإمكان- في تنفيذ برامج الرعاية الاجتماعية.


    - الجمعيات والنوادي الثقافية تسهم في تكوين ثقافة إيجابية في المجتمع، وتنمية المهارات اللغوية والتربوية والبحثية، والقيام ببرامج تدريبية ومسابقات علمية وثقافية بالتعاون مع المؤسسات التعليمية.


    - النوادي الرياضية تسهم في التربية البدنية، والترفيه الإيجابي، وتنمية روح الصداقة والتعاون والتنافس الإيجابي، والإسهام في تجميل المحيط.


    - الاتحادات والنقابات العمالية، وهي مؤسسات ينبغي أن يتعدى دورها حماية الحقوق الاجتماعية للعمال إلى الإسهام في البرامج التدريبية اللازمة لتطوير الكفاءة المهنية للعمال، والإسهام -بالتعاون مع السلطات المعنية- في تدريب الخريجين الجدد والعاطلين عن العمل من أجل تأهيلهم للحصول على عمل، كما تقوم بالإسهام في التنمية الاقتصادية والتطوير العلمي للبلد. إنه من حق الاتحادات والنقابات العمالية الدفاع عن حقوق العمال والمهنيين الذين تمثلهم، ولكن ينبغي عليها أن تدرك أن الحقوق تقابلها واجبات، وأنها يجب عليها أن تسهم في تأهيل أولئك العمال للقيام بواجباتهم على أحسن وجه مقابل المطالبة بحقوقهم. إن التركيز على المطالبة بالحقوق يؤدي إلى تكوين عقلية سلبية معيبة تسهم في صناعة التخلف والانحطاط.


    ختاما، لابد من التنبيه على أنه من المهم جدا أن تكون تلك النوادي والجمعيات مستقلة عن الأحزاب السياسية حتى لا تكون نشاطاتها وسيلة من وسائل الدعاية لحزب من الأحزاب السياسية، لأن ذلك لن يحقق التغيير المنشود، بل يكون تكريسا لثقافة التخلّف القائمة على الرياء الاجتماعي والسعي إلى تحقيق المصالح الخاصة. لابد أن تكون النوادي والجمعيات مفتوحة لجميع الناس الراغبين في التغيير والإصلاح بمختلف توجهاتهم الفكرية والسياسية، ولا يسعى فيها طرف إلى فرض نفسه على الآخرين أو استغلالها لمصالحه الضيّقة.


    الصحافة
    الصحافة وسيلة مهمة لصناعة الرأي العام وللرقابة على السلطات العامة والمؤسسات الخاصة ولإبراز المشكلات الموجودة في المجتمع، ولذلك عُدَّت السلطة الرابعة (بعد السلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية). ولا يعنيني هنا التفصيل في وظائف الصحافة وإيجابياتها وسلبياتها، وإنما أريد لفت النظر إلى نقطة مهمة في دور الصحافة في التغيير والإصلاح، وهي أنه ينبغي على الصحافة أن تسهم في نشر الروح الإيجابية بين أفراد المجتمع، وتتجنب ترسيخ الروح السلبية والإحباط. إن تكرار إظهار حالات النهب لأموال الدولة بعناوين عريضة في الصفحات الأولى قد يولّد مزيدا من الشعور بالإحباط واليأس من الإصلاح، أو يولد رغبة في نفوس البعض بأن يأخذ هو أيضا نصيبه من النهب. كما أن الإكثار من نشر الجرائم الخلقية الواقعة في المجتمع قد يولد شعورا بأن المجتمع قد بلغ الغاية في الفساد، وهو شعور يدفع إلى الإحباط واليأس من الإصلاح.
    توجد في المجتمع نماذج كثيرة للإحسان والإيثار والعفة والتضحية، وغيرها من الفضائل. والأولى أن تُبْرَزَ هذه النماذج في وسائل الإعلام لتكون قدوة للناس للعمل بها، وباعثا لروح الأمل في التغيير والإصلاح. والقاعدة أن إظهار الخير وإشاعة أخباره يكون مساعدا على العمل به وانتشاره، وإظهار الفاحشة وإشاعة أخبارها يكون مساعدا على انتشارها ويجرِّئُ بعض الناس على ارتكابها. وقد قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ) (النور: 19).

    الأحزاب السياسية
    النظام الحزبي إفراز للمجتمع وانعكاس له: فإذا كان المجتمع واعيا منظَّما ومتقدما، كانت الأحزاب انعكاسا لتلك الحالة الإيجابية وكان بإمكانها القيام بدور إيجابي في ترسيخ الشورى/الديمقراطية، وإفراز الكفاءات السياسية، ورسم السياسات العامة التي تخدم البلد والإشراف على تنفيذها. أما إذا كان المجتمع متخلفا وثقافته السياسية ضعيفة، فإنه يفرز نظاما حزبيا -في مجمله- يحمل صفات المجتمع نفسها، ويكون تكريسا لذلك التخلف، وترسيخا للاستبداد باسم الديمقراطية الصورية، وتكون الأحزاب وسيلة للاسترزاق والكسب غير المشروع. والخلاصة أن النظام الحزبي في المجتمع الفاسد المتخلف هو مرآة لذلك الفساد، ووسيلة من وسائل تكريسه؛ ولذلك فإنه من الوهم انتظار تحقيق التغيير والإصلاح من خلال تلك الأحزاب السياسية.
    كما ينبغي إدراك أن رجل السياسة في مرحلة المعارضة -إذا كان لم يجرّب السلطة- يقوم تفكيره على الآمال والطموحات، ولذلك تجده يقدم الوعود العريضة بحل المشكلات وتحسين الأوضاع. أما إذا كان قد جرّب مراكز السلطة من قبل فإن أسلوبه يقوم على المزايدة والوعود الجوفاء التي يعلم في قرارة نفسه أنها لن تتحقق. أما السياسي المتواجد في مراكز السلطة فإن تفكيره يقوم على المحافظة على المصالح وعلى الانطلاق من الواقع الذي يحدد له الممكن وغير الممكن، ولذلك تجده يتحدث كثيرا عن العراقيل والعقبات وقلة الإمكانيات. وهذا الفرق في طريقة التفكير هو الذي يجعل السياسي يتغير بين مرحلة المعارضة ومرحلة السلطة، فعندما يكون في المعارضة تجده يتحدث كثيرا عن الفُرَص والطموحات، فإذا وصل إلى السلطة تحول أسلوبه إلى الحديث عن العقبات والعراقيل التي تحول دون تحقيق المأمول.
    إن الحديث عن دور الأحزاب السياسية في التغيير والإصلاح يقودنا إلى الحديث عن تصنيف الأحزاب السياسية الموجودة، وهي نوعان: الأول: أحزاب يتخذها أصحابها مطيَّة للوصول إلى المناصب وتحقيق المغانم. ونشاط هذا النوع تجده موسميا، حيث ينشط في المواسم الانتخابية، ويغرق في العطالة بعد مضي تلك المواسم. وهذا النوع من الأحزاب لا يُنتظر منه إسهام في التغيير والإصلاح، بل يُنتظر منه أعاقة التغيير والوقوف في وجهه.
    النوع الثاني: أحزاب لها رغبة في إحداث التغيير والإصلاح، وتعتقد أن التغيير يحصل من خلال الحصول على السلطة، ولذلك تركز عملها في النشاط الانتخابي في انتظار الوصول إلى الحكم لتحقيق ما ترفعه من شعارات الإصلاح. ولكن الواقع أن الوصول إلى السلطة في الظروف الحالية ليس سهلا، وحتى إذا وصلت تلك الأحزاب إلى السلطة فستصطدم بالأمر الواقع، وقد تجد نفسها عاجزة عن تحقيق تلك الشعارات.
    على أحزاب المعارضة التي تريد فعلا التغيير والإصلاح أن تتخلى عن فكرة انتظار الوصول إلى السلطة للقيام بعملية التغيير والإصلاح؛ لأنه من العسير عليها -في الظروف الحالية- الوصول إلى السلطة من جهة، ومن جهة أخرى، لأن الوصول إلى السلطة لا يعني أكثر من وضع تلك الأحزاب على فوهة المدفع ومواجهة الأمر الواقع. إن التغيير والإصلاح لن يتحققا إلا بإعادة بناء المنظومة الفكرية والاجتماعية والثقافية للمجتمع وهو أمر لا تستطيع الحكومة -مهما كانت قوتها- القيام به، ولذلك فإنه من الأولى لتلك الأحزاب البدء في عملية التغيير الاجتماعي وعدم تأجيل ما لا مفرّ من القيام به، وينبغي عليها أن لا تكتفي بمجرد توجيه النقد للسلطة الحاكمة وانتظار وقت الانتخابات للسعي إلى الفوز بالحكم، بل يجب عليها أن تنخرط في المشاركة الإيجابية في بناء المجتمع وحل مشاكله بالتعاون مع المجتمع المدني ومع السلطة القائمة في المسائل التي تتشابه فيها وجهات النظر. ولا ينبغي للمعارضة أن تمتنع عن التعاون مع السطلة الحاكمة في المسائل المشتركة بدعوى أن تلك الإنجازات تصب في مصلحة السلطة الحاكمة وتضيف نقاطا إلى رصيدها؛ لأن الشعب يدرك دور المعارضة في تحقيق تلك الإنجازات ويثمِّنُها ويجعلها في رصيدها.
    إن نواب الأحزاب السياسية المعارضة أمامهم فرص كثيرة للإسهام في تحقيق التغيير والإصلاح إذا هم أحسنوا استغلال مناصبهم. إن عملهم لا يقتصر على البرلمان، بل إن وظيفتهم في البرلمان ينبغي أن تكون ثانوية؛ لأن كونهم أقلية يجعل دورهم في البرلمان محدودا، حيث يستطيع الحزب الحاكم -بحكم امتلاكه الأغلبية- تمرير جميع مشاريع القوانين التي يريدها، وكل ما تستطيع المعارضة فعله هو إدخال بعض التعديلات الطفيفة هنا وهناك، لكنها لا تستطيع التحكُّم في العملية التشريعية. إن الدور الأكبر لأولئك النواب هو استغلال صلاحياتهم ونفوذهم بالتعاون مع المجتمع المدني للقيام بعملية التغيير والإصلاح من خلال القيام بالتوعية السياسية، ودعم النشاطات الاجتماعية والثقافية والعلمية التي يقوم بها المجتمع المدني لخدمة المجتمع وتطويره، وممارسة الرقابة على المؤسسات الحكومية والخاصة، والضغط عليها من أجل القيام بواجبها وتحسين الخدمات. ومن أجل تحقيق ذلك ينبغي على النائب أن يكون له مكتب مفتوح في دائرته الانتخابية يتم من خلاله التواصل مع أهل الدائرة الانتخابية والتعاون معهم على تحقيق التغيير والإصلاح.

    القانون
    إن وجود منظومة قانونية تسمح بقيام نظام حكم راشد أمرٌ مهم يوفر على القائمين على التغيير والإصلاح جهودا ويجنِّبهم جزءا من الصراع مع السلطة القائمة، ولكن المنظومة القانونية مهما كان صلاحها لا تستطيع أن توجد النظام الصالح والشعب الصالح. الدستور -مثلا- ينص على الديمقراطية والفصل بين السلطات واحترام الحريات العامة والمساواة وغيرها من المبادئ الجميلة، ولكن الواقع مخالفٌ لما هو مكتوب على الورق. ولذلك فإنه على الرغم من كون الإصلاح القانوني جزءا مهما في عملية التغيير والإصلاح، إلا أنه يمثل الجانب الأسهل في تلك العملية، أما الجانب الأصعب فهو تحويل المبادئ النظرية إلى واقع عملي.
    إن العقوبات التي يفرضها القانون تساعد في ضبط سلوك الناس من خلال توفير عنصر الزجر، ولكنها عنصر مكمِّل للوازع الذاتي ولا يمكنها أن تحل المشكلات السلوكية والاجتماعية. طريق حل المشكلات الاجتماعية والسلوكية هو التوعية والتربية والتنشئة الاجتماعية السليمة وتوفير البيئة الصالحة، أما محاولة حلّ تلك المشكلات عن طريق التشريعات القانونية والإجراءات العقابية فإنه لن يأتي بثمار كثيرة.
    وزيادة على ذلك فإن القانون يواجه تحديا كبيرا في المجتمعات المتخلفة، حيث يصعب تطبيقه بشكل فعال وعادل، لأن البيئة مواتية للاحتيال على القوانين والتخلص من عواقبها من خلال الوساطات والرشوة. وفي ظل وجود تلك الممارسات ينتهي الأمر بأن لا يخضع للعقوبات سوى الضعفاء والذين لا حيلة لهم في التهرب منها.
    وعلى دعاة تطبيق الشريعة الإسلامية أن لا يختزلوا تلك الدعوة في تطبيق العقوبات الشرعية، وأن يدركوا أن تطبيق تلك العقوبات لن يُقدم شيئا كثيرا لتكوين مجتمع إسلامي، فالذي يصنع المجتمع الإسلامي هو التوعية والتربية والقدوة الحسنة والبيئة الصالحة، أما العقوبات فهي مجرد عنصر مكمِّل للوازع الداخلي ومساعد على توفير البيئة الصالحة من خلال المنع من إظهار الفواحش. ولدينا أمثلة لبعض الدول التي تطبق تلك العقوبات منذ عقود من الزمن (مثل السعودية وباكستان والسودان)، وبغض النظر عن كون ذلك التطبيق كاملا أو انتقائيا جزئيا، فإن العارف بتلك المجتمعات يعلم أن تطبيق تلك العقوبات لم يُقدّم شيئا كبيرا في سبيل صناعة مجتمع إسلامي حقيقي.


    الوسائل العملية للتغيير والإصلاح


    يسود المجتمع شعور بالإحباط والشك في إمكانية التغيير، ونخشى أن يتحول ذلك الشعور بالإحباط إلى شعور بالعجز عن التغيير واليأس منه؛ ولذلك فإن نقطة الانطلاق في التغيير هي بعث الأمل في نفوس الناس بإمكانية تحقيقه، والقضاء على الأفكار السلبية التي تكبِّل الناس وتعوقهم عن السير الجاد لتحقيق التغيير والإصلاح. إن الأمل في النجاح والاقتناع بالقدرة على تحقيقه يفجران في الإنسان طاقاته، ويدفعانه إلى بذل أقصى مجهوده، والاستمرار في المحاولة والبحث عن الحلول والبدائل حتى يحقق غايته. أما الشعور بالإحباط واليأس فيقيِّد طاقاته ويكبحها، ويمنعه من التفكير المبدع في إيجاد الحلول للمشكلات التي يواجهها المجتمع، وينتج عنه الشعور بعدم المبالاة التي تتجلى في عدم تغيير المنكر حتى مع القدرة على ذلك، وفي عدم إتقان العمل، وفي غياب روح المبادرة، وبذلك يُصبح الشخص نفسه جزءا من حركة الانحطاط.
    إن عملية بعث الأمل في التغيير تحتاج إلى العمل على محورين: أحدهما: التوعية التي يقوم بها المثقفون المقتنعون بإمكانية التغيير من خلال إبراز التجارب التاريخية للتغيير، وإبراز الجوانب الإيجابية في المجتمع، وبيان أن المجتمع مازال فيه خير كثير ويمكنه أن يشق طريقه نحو التغيير والإصلاح. إن المجتمع الجزائري يتوفر على الطاقات اللازمة للتغيير والإصلاح وتحقيق التقدم العلمي والاقتصادي، ولكن المشكلة هي عدم توفُّر البيئة المناسبة للإنجاز والإبداع. والمطلوب هو كسر روح الإحباط، وإيجاد الشرارة التي تقدح تلك الطاقات الكامنة، وتنسيق الجهود من أجل تحقيق التغيير. ومن الخصائص الإيجابية التي تبعث الأمل في تحقيق التغيير ما يتّصف به غالب أفراد الشعب من نشاط وقدرة على الإنجاز عند توفر الظروف المناسبة؛ ومنها روح الأنفة والعزة التي تساعد في الحدّ من الخضوع للاستبداد وتجعل الشعب دائما يتطلع إلى العيش في عزٍّ وكرامة؛ ومنها روح العطاء والتعاون الاجتماعي الكامنة في نفوس الناس التي يمكن إحياؤها بتوفير البيئة المناسبة لذلك.
    والمحور الثاني: إيجاد نماذج عملية للتغيير والإصلاح تكون دليلا على إمكان تحقيقه، وتسهم في إقناع المترددين والمشككين.
    وفيما يأتي نذكر بعض الخطوات العملية التي تسهم في تحقيق التغيير الإيجابي في الحياة الفردية والاجتماعية للناس، وهي مجرد أمثلة للتنبيه، وغيرها كثير يهتدي إليه القائمون على التغيير حسب احتياجاتهم والإمكانات المتوفرة لديهم.

    أولا: التقليل من السلوك الاستبدادي
    يعد الاستبداد واحدة من المشكلات العويصة التي نعاني منها وتؤثر تأثيرا سلبيا في كثير من جوانب حياتنا السياسية والاجتماعية. إن الوسيلة النظرية للتقليل من السلوك الاستبدادي هي التوعية والتربية على الحوار والتسامح واحترام الرأي الآخر، وتقبُّل التنوُّع والاختلاف وتعلُّم كيفية التعامل معهما، ويكون ذلك منذ مرحلة الطفولة في الأسرة والمدرسة وغيرها من المؤسسات الاجتماعية. كما أنه لا بد من برامج تدريبية للبالغين لتهذيب السلوك الاستبدادي وتنمية سلوك الشورى والتعاون. ومن أمثلة ذلك التدريب ما يأتي: 1- تنظيم جلسات للحوار حول القضايا العامة وسبل معالجتها، بداية من مستوى جمعيات الأحياء والبلديات إلى مستوى القضايا الوطنية. ولا شك أن تلك الجلسات ستشهد في البداية شيئا من التوتر والفوضى بسبب عدم تعود غالب الناس على أسلوب الحوار الهادئ، ولكن الأمور ستتحسن بمرور الوقت ويكتسب الناس ثقافة الحوار الهادئ وتبادل الآراء في جو من الود والتعاون. ولا ينبغي أن يثنينا عن تنظيم تلك الجلسات والاستمرار فيها مسألة التوتر والفوضى؛ لأن من أغراضها أصلا التدريب على ثقافة الحوار، ولابد لذلك التدريب من ضريبة في البداية. 2- إدخال أسلوب التداول على السلطة في مختلف المؤسسات العمومية، مثل تعيين مدراء المؤسسات ورؤساء الأقسام والمصالح، ويكون ذلك من خلال الانتخاب الذي يقوم به العاملون في المؤسسة، أو من خلال الاتفاق على آلية معينة للتناوب على مراكز المسؤولية. ومن أمثلة المؤسسات التي يمكن أن تطبق فيها هذه الآلية: الجامعات والشركات والمستشفيات وغيرها من المؤسسات الحكومية. لا ننكر أنّ من حقّ المسؤول الأعلى أن يختار من يراه مناسبا من المسؤولين لمساعدته في إدارة المؤسسات الواقعة تحت مسؤوليته، كما لا نزعم أن اختيار المسؤولين عن طريق الانتخاب سيأتي دوما بأفضل الناس كفاءة، ولكن في ظروفنا الحالية التي يسود فيها السلوك الاستبدادي والتعيين عن طريق المحسوبية وتبادل المصالح، تكون أفضل وسيلة لمعالجة تلك المشكلات هي اختيار المسؤولين عن طريق الانتخاب وإيجاد آلية للتداول على السلطة. ومن المتوقع أن يسهم هذا الأسلوب في تحجيم المحسوبية والمحاباة في تعيين المسؤولين وما ينتج عن ذلك من فساد، وينمِّي في المسؤول روح المسؤولية، ويقلل من السلوك الاستبدادي، كما أن هذا الأسلوب يتيح الفرصة لعدد كبير من الناس لاكتساب خبرة الإدارة والقيادة، ويساعد على اكتشاف الطاقات الكامنة. وعلى العموم فإنه على الرغم من نقائص هذا الأسلوب فإن مزاياه في ظروفنا الحالية تفوق مزايا أسلوب التعيين.

    ثانيا: وسائل المراقبة والضغط
    إن الشخص الذي يتم اختياره لمركز من مراكز المسؤولية لا يملك حلولا سحرية للمشكلات التي تواجه مؤسسته، كما أنه قد لا تتوفر فيه جميع الكفاءات اللازمة لأداء وظيفته، ولذلك فهو من هذه الناحية يحتاج إلى مساعدة الذين تحت مسؤوليته للقيام بوظيفته على أحسن وجه ممكن. كما أن المسؤول إنسانٌ له مصالح ذاتية ورغبات وشهوات وهو عُرضة للتقصير والانحراف، ولذلك فهو من هذه الناحية يحتاج إلى المراقبة والضغط. على الرغم من وجود مجالس منتخَبَة -على المستوى المحلي والوطني- تقوم بمساعدة السلطة التنفيذية التابعة لها ومراقبتها، إلا أنها في الحقيقة لا تكفي للقيام بتلك المهمات لأسباب: منها أن رئيس السلطة التنفيذية ينتمي إلى حزب الأغلبية ولذلك فهو -عادة- سيلقى الدعم من أغلبية النواب الذين ينتمون إلى حزبه مهما كان سلوكه، ومنها شراء السلطة لأصوات بعض نواب المعارضة بالامتيازات وتبادل المصالح. وبسبب هذا النقص الموجود في السلطة الرقابية للمجالس المنتَخَبَة فإن السلطة التي يمكنها أن تحقق الرقابة الفعّالة هي سلطة الشعب. ينبغي على الناس أن يدركوا أن وظيفتهم لا تقتصر على مجرد انتخاب رئيس للبلدية، أو انتخاب نواب على مستوى البلدية أو الولاية أو المجلس الوطني، أو انتخاب رئيس للجمهورية، ثم يجلسوا وينتظروا ممن انتخبوهم الحلول والامتيازات. بل لا بد عليهم من الإسهام في صناعة السياسات العامة والقرارات التي تتعلق بمصالحهم الأساسية. إن الانتخاب لا يمثل سوى الخطوة الأولى، ولا بد من إتباع تلك الخطوة بتدعيم تلك السلطة المنتَخَبَة بالآراء والمقترحات، والإسهام في تنفيذ قراراتها ومخططاتها من جهة، ومن جهة أخرى الممارسة الدائمة للرقابة والضغط على تلك السلطة. وهنا ينبغي عدم الخلط بين الإسهام في صناعة القرارات وبين التدخل في عمل المسؤول وصلاحياته؛ فمن واجب المواطنين احترام المسؤول وإبداء الآراء والاقتراحات والاعتراضات بشكل مؤدَّب ومنظَّم، ومن واجب المسؤول السماع لآراء المواطنين واعتراضاتهم. وعلى المسؤول أن يدرك أن سلطته ليست مطلقة، بل هي سلطة مستمَدَّة من الشعب وخاضعة للقانون، ومن حق المواطنين مقاضاته في حال التقصير والانحراف، ومن حقهم الاعتراض على سياساته التي تضرّ بهم، ومن حقهم سحب السلطة منه -إذا كان مُنتَخَبا- أو المطالبة بتنحيته إذا فقد مشروعيته وثبت تقصيره وانحرافه ورفض التعاون مع المواطنين لإصلاح شأنه. وفي عملية المراقبة والضغط لا يجوز أبدا اللجوء إلى أعمال التخريب والشغب والافتراء وتصفية الحسابات الشخصية، بل ينبغي أن تكون عملية الضغط بشكل منظَّم وبسلوك مؤدَّب وحضاري، وإذا احتاج الأمر إلى مظاهرات واعتصامات فلا بد أن تكون سلمية ولا بد أن تتجنب الإضرار بمصالح الناس وشؤون حياتهم اليومية. ومن وسائل المراقبة والضغط: 1- تفعيل نظام الشكاوى ضد الموظفين والمسؤولين الذين يقصرون في عملهم ويهملون واجباتهم. ويمكن الاستفادة من الصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي في نشر تلك الشكاوى وكشف السلوك السيء. وينبغي على الناس التخلُّص من فكرة أنّ الفساد قد عمّ وأن الشكاوى لا تنفع، فهذه فكرة خاطئة؛ لأنه حتى إذا لم تتم الاستجابة لبعض الشكاوى في بعض الأحيان، فإن الإلحاح في الشكوى ورفعها إلى المستويات الأعلى سيشكل ضغطا على المعنيين ويقود إلى الاستجابة لها. وينبغي أن لا تكون تلك الشكاوى فردية، بل تتبناها الجمعيات المعنية (جمعية الحي، جمعيات حماية المستهلك، جمعيات الرعاية الاجتماعية، النقابات العمالية ...إلخ). 2- المتابعة القضائية للمسؤولين والموظفين، خاصة الذين لا يستجيبون للنصائح والشكاوى في ما يتعلق بما يرتكبونه من ظلم أو تقصير في المسؤولية. وفي هذا المقام أيضا ينبغي على الناس التخلُّص من فكرة أن القضاء فاسد وأن المسؤولين الذين تُرفَع ضدهم قضايا سيدفعون رشاوى لتبرئتهم. لا ننكر وجود تلك الممارسات السيئة، ولكن لا يمكن تعميمها على جميع رجال السلك القضائي، كما أن تكرار رفع تلك القضايا وإشاعتها بين الناس وتبنِّيها من طرف الجمعيات سوف يشكل عامل ضغط على السلطة القضائية لتطبيق القانون والتخلص من تلك الممارسات السيئة. هذا زيادة على أن تنشيط هذا السلوك تنتج عنه فوائد كثيرة، منها تعريف المواطنين بحقوقهم وتشجيعهم على المطالبة بها، وجعل المسؤولين والموظَّفين والأفراد في حالة حَذَر في تصرفاتهم مخافة الوقوع تحت المتابعة القضائية. وحتى تنجح هذه العملية لا بد أن تتبناها جمعيات المجتمع المدني. 3- تكريم الموظفين المتميزين الذين يتقنون عملهم ويعاملون المواطنين معاملة حسنة، وتقوم بهذا التكريم جمعيات المجتمع المدني. وهذا العمل -من جهة- يمثل تشجيعا للموظفين على إتقان عملهم وحسن معاملة الناس، ومن جهة أخرى، يمثل نوعا من الرقابة والضغط المعنوي على المقصرين في عملهم.

    ثالثا: تهذيب السلوك الاجتماعي
    من أهم العناصر التي تسهم بشكل فعّال في تحقيق التغيير تهذيب السلوك الاجتماعي للناس، حتى يتم تكوين أشخاص يحملون روحا إيجابية تتطلع دائما إلى تطوير الذات والإسهام في تطوير المجتمع والمحافظة على المرافق العامة، ويحملون روح التعاون والتكافل. ومن أمثلة الوسائل التي تسهم في تهذيب السلوك الاجتماعي ما يأتي: 1- إقامة برامج لتنظيف المحيط وتجميله والتشجير تشرف عليها النوادي والجمعيات الرياضية والثقافية بالتعاون مع السلطات المحلية، ويُدعى جميع الناس للاشتراك فيها. إن الاشتراك في هذه البرامج -فضلا عن الفائدة العملية الناتجة عن ذلك- يغرس في نفوس الناس الشعور بأهمية المحافظة على نظافة المحيط وجماله؛ لأنه يعزّ عليهم بعد ذلك إفساد ما بذلوا جهودا في إصلاحه، والإنسان يكون أكثر حرصا على المحافظة على ما تعب هو نفسه في إنجازه. أما مجرد التوعية الإعلامية بنظافة المحيط فإنها قد تبعث في نفوسهم إعجابا بالفكرة وتعاطفا معها، ولكن ذلك لا يكون كافيا ليولِّد في نفوسهم فعلا إيجابيا يتحوّل إلى عادة في المحافظة على المحيط. 2- إشراك الناس في العمل التطوعي وخدمة المجتمع: إن أفضل وسيلة لنشر روح التعاون والتكافل في المجتمع قيام جمعيات الرعاية الاجتماعية والصحية بإشراك الناس في النشاطات الخيرية. فلا يقتصر العمل على حثِّهم على التبرّع، بل يتعدى ذلك إلى إشراكهم في نشاطات جمع التبرعات وتوزيعها، وزيارة المرضى في المستشفيات، والعمل التطوُّعي لبناء بيوت للفقراء أو إصلاحها، وغيرها من النشاطات الخيرية، حتى يصبح التكافل والتعاون حقيقة واقعية يشعر بها قطاع واسع من الناس ويشترك فيها. 3- إنشاء مجموعات الدعم لأصحاب الأمراض المزمنة لمساعدتهم وتوعيتهم بكيفية التعامل مع تلك الأمراض. 4- تنظيم برامج لتعليم المتزوجين والمقبلين على الزواج كيفية التعامل مع المشكلات الزوجية والمشكلات الاجتماعية المرتبطة بالزواج، والإسهام في حل تلك المشكلات سعيا إلى الحدّ من المعدلات المتنامية للطلاق وما ينتج عنه من مشكلات نفسية وسلوكية خاصة للأطفال. إن هذه البرامج والنشاطات تحقق أهدافا متعددة، منها: تحقيق التكافل الاجتماعي وتوفير الرعاية الاجتماعية للمحتاجين إليها، ومنها: تدعيم الأخلاق الاجتماعية مثل التكافل والتعاون والإيثار والمبادرة، ومنها: ملء فراغ الناس وشغلهم بما ينفعهم في دنياهم وأخراهم بدلا من تضييع أوقاتهم في المقاهي وأمام التلفاز.

    رابعا: التكوين العلمي وتنمية المهارات
    إن عملية التغيير والإصلاح تحتاج إلى عمل جادّ ومستمر يتم من خلاله إحداث تغيير حقيقي في طريقة التفكير وفي السلوك، ومساعدة الناس على تطوير ذواتهم وتنمية كفاءاتهم في مختلف مجالات الحياة، ومن ذلك: - مساعدة الطلاب على تطوير كفاءاتهم وقدراتهم العلمية من خلال تنظيم المسابقات العلمية والثقافية، وإنشاء نوادي للخطابة والمناظرة لتعليم الطلاب فن الإلقاء وتحسين مستواهم اللغوي، وتنظيم دورات لتنمية المهارات اللغوية، وتنظيم دورات تدريبية لطلاب الجامعات في مناهج البحث العلمي. - تنظيم دورات تدريبية في كيفية إنشاء المشاريع الاقتصادية الحرة وإدارتها للخريجين الجدد والعاطلين عن العمل. - تنظيم دورات تدريبية لتنمية مهارات الموظفين في مختلف مجالات العمل. - تنظيم دورات علمية في تربية الأولاد لتنمية مهارات الآباء والأمهات في تربية الأولاد. هذه البرامج يمكن أن تقام بالتعاون بين مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات التعليمية والسلطات المحلية، ويُستفاد فيها من أصحاب الخبرة من الموظفين والمتقاعدين. ومثل هذه البرامج تقدم نفعا علميا للمشتركين فيها، زيادة على أنها تشغلهم في ما ينفعهم وتخرجهم من دائرة العطالة، وتبعث فيهم الشعور بتحقيق الذات وروح المبادرة والرغبة في الاشتراك في برامج خدمة المجتمع.

    خامسا: التنمية الوطنية
    إن تحقيق التنمية الوطنية ليست مسؤولية الحكومة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة بين جميع فئات المجتمع ومؤسساته. صحيح أن الحكومة وما يتبعها من سلطات محلية هي المسؤول الأول عن ذلك الفعل، ولكن الواقع يشير إلى وجود مشكلات كثيرة تحدُّ من قدرة الحكومات على تحقيق ذلك بالشكل المطلوب، منها: قلة الكفاءة، وعدم الجدية والإخلاص في العمل، وغياب الرؤية الواضحة لكيفية تحقيق التنمية الوطنية، والفوضى والارتجالية في البرامج التنموية، وغياب الدعم المطلوب لأصحاب البرامج الواعدة، وغيرها من المشكلات. ينبغي الاستفادة من أصحاب الخبرة والكفاءة والأفكار العملية من جميع فئات المجتمع في بلورة برامج عملية للتنمية الوطنية على مختلف المستويات: الاقتصادي، والاجتماعي، والتعليمي. ويكون ذلك عن طريق تنظيم ندوات وجلسات مناقشة لمختلف القضايا الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية من قبل المهتمين بالأمر، بعيدا عن الحسابات والمزايدات السياسية، تُطرح فيها الأفكار والتجارب وتناقش لمدة زمنية كافية حتى تتم بلورة مقترحات عملية قابلة للتطبيق. وبعد أن تتم بلورة تلك المقترحات والبرامج العملية تبدأ عملية الترويج لها، وتقوم مؤسسات المجتمع المدني بتنفيذ ما يمكنها تنفيذه، أما ما يكون من اختصاص السلطات الحكومية أو يحتاج إلى دعم منها فيتم عرضه على السلطات المعنية، ويأتي بعد ذلك التعاون مع تلك السلطات لتنفيذه، ولا شكّ أنه يوجد من المسؤولين من له استعداد لذلك، فإذا رُفِضَت تلك المقترحات دون مبرر مقبول ودون وجود بديل فعّال تقدمه السلطة، يتم الانتقال إلى ممارسة الضغط على السلطات المعنية لتطبيق تلك البرامج أو تقديم بديل أفضل منها. إن تنظيم تلك الندوات واللقاءات هو مسؤولية مراكز البحوث، ومؤسسات التعليم العالي، والنقابات العمالية، والجمعيات، ويمكن أن يكون ذلك بالتعاون مع السلطات المحلية والأحزاب السياسية.

    خاتمة

    لا جدال في أن من أسباب التخلف الذي نعيشه عدم الكفاءة والفساد الموجودين في القيادات السياسية والجهاز البيروقراطي، ولا شك أن وجود حكومة صالحة تتصف بالكفاءة والنزاهة سيعطي دفعا قويا لعملية الإصلاح، ولكن ينبغي أن ندرك أن المشكلة ليست محصورة في السياسيين والبيروقراطيين، بل هي أكبر من ذلك: إنها مشكلة مجتمعات يُكبِّلُها العجز ووَهْمُ انتظار ظهور قيادة كاريزمية ترتقي بها وتحل لها مشكلاتها، وهي مجتمعات تحتاج إلى تغيير اجتماعي شامل. إن الطبقة الحاكمة (من السياسيين والإداريين) التي نُحمِّلُها -عادة- مسؤولية الفساد والتخلُّف تعيش في تُربة خصبة تُنْبِتُها وتغذِّيها، هي المجتمع الفاسد العاجز عن تغيير نفسه وإدارة شؤونه، ومادامت تلك التربة موجودة فلن ينقطع إنتاج النُّخبة الفاسدة التي لا تتوفر فيها الكفاءة اللازمة لإدارة شؤون البلد. لا يمكن التخلُّص من إنتاج النُّخبة العاجزة الفاسدة أو التقليل منها إلا بتغيير التُّربة التي تُنتجُها من تربة فاسدة إلى تربة صالحة، وعندها ستُنْبِتُ تلك التُّربة الصالحة قيادات راشدة. وبعبارة أخرى: إن المجتمع الذي ينخره الانحطاط الفكري والفساد السلوكي لا يمكنه أن يُنتج نخبة حاكمة تتصف بالرشد والنزاهة والكفاءة. إن التغيير المنشود ليس هو التغيير الذي يوصل حزبا أو تيارا سياسيا معيَّنا إلى السلطة ويمكِّن لأصحابه، بل هو التغيير الذي يُصلح المجتمع في جميع نواحيه، وتكون فائدته عامة لجميع طبقات المجتمع. إن واقعنا الحالي يشير إلى أنه من المستبعد أن يتحقق في المنظور القريب تغيير حقيقي عن طريق الانتخابات؛ فالأحزاب الحاكمة لا يمكنها إلا أن تعيد إنتاج النظام نفسه، وأحزاب المعارضة ليس من السهل أن تصل إلى السلطة بسبب تفرُّقها وعدم ثقة الكثير من الناس في كونها تمثل بديلا حقيقيا للنظام القائم. وسيستمر رجال السياسة والبيروقراطية المتحالفين مع رجال المال المشبوه مدعومين من المنتفعين والطامعين في الانتفاع في تفصيل الانتخابات بالطريقة التي تكرِّس الواقع الفاسد المتخلِّف. على السياسيين -سواء أكانوا في أحزاب المعارضة أم في الأحزاب الحاكمة- أن يتوقفوا عن إيهام الشعب بأنه بمجرد انتخابهم ووصول أحزابهم إلى الحكم سيتمكنون من حلّ مشكلاته وتحقيق الإصلاح والتنمية والرخاء، وأن يبدأوا بإصلاح أنفسهم ويسهموا في إصلاح المجتمع قدر استطاعتهم. وعلى الناس أن يتخلصوا من وَهْم تحقيق التغيير والإصلاح بمجرد انتخاب حزب من الأحزاب أو مجموعة من الأشخاص إلى مراكز المسؤولية... عليهم أن يتخلصوا من حُلم الحصول على تغيير جاهز تحققه لهم الطبقة السياسية أو قيادة كاريزمية تظهر فجأة! دون أن يبذلوا جهودا تكافئ ما يطمحون إليه. نعم! إن السلطة الحاكمة والأحزاب السياسية يمكنها الإسهام في تحقيق التغيير وإعطائه دفعا قويا إذا كانت لها رغبة حقيقية في ذلك وكانت واعية بوسائل التغيير، ولكن أن نقف مكتوفي الأيدي وننتظر التغيير الجاهز يأتينا من طرف السلطة الحاكمة أو الأحزاب السياسية من خلال الانتخابات، فهذا ضرب من الوهم وتتبُّع السراب. وعلى الأحزاب الإسلامية أن لا تتوهّم أو توهم الناس بأن التغيير سيحدث بمجرد انتخابها للقيادة ورفع شعار الحكم الإسلامي؛ لأن الشعارات مهما كان نُبْلُها وكثرتها لن تُغيِّر شيئًا ما لم تتحوّل إلى برامج عملية صالحة وفعالة. لن يتحقّق التغيير إلا بعد رسوخ الإسلام في نفوس الناس اعتقادا وسلوكا، بحيث يتحقَّقوا بالمقتضيات السلوكية للإيمان. إن التغيير يصنعه الشعب بجميع فئاته، وتقع على عاتق الطبقة المثقّفة الراغبة في التغيير مسؤولية التوعية والتوجيه، ولابد من التفريق بين تمني التغيير وبين الإرادة الفعالة لتحقيق التغيير. إن الأماني العريضة في التغيير وتحسين الوضع تبقى مجرد أماني وأحلام يقظة إذا لم تنقلب إلى إرادة فعّالة تدفع صاحبها إلى التغيير وتحقيق ما يطمح إليه. إن التغيير الاجتماعي الشامل يقتضي تظافر جميع الجهود بشكل منظَّم، وعلى مؤسسات المجتمع المدني أن تنظم نفسها وتطور كفاءاتها لتحقيق التغيير الاجتماعي وإفراز حكومة وجهاز بيروقراطي يتصفان بالكفاءة والنزاهة، فالمجتمع هو الذي يصنع الحكومة الصالحة من خلال الضغط والمراقبة والتوجيه وتكوين قيادات سياسية صالحة وإيصالها إلى مراكز السلطة. ولن يتحقق التغيير إلا إذا صار همًّا عامًّا تشترك في العمل على تحقيقه النُّخبة الفكرية والأحزاب السياسية مع القواعد الشعبية، ويصبح هو القاسم المشترك بين جميع فئات المجتمع. سيقول البعض: هذا طريق طويل يحتاج إلى جهد كبير! فنقول: نعم! ومن قال إن تغيير المجتمعات وبناء الدول والحضارات عمل سهل يتحقق بين عشية وضحاها؟ إنه طريق طويل وجهد كبير، ولكن أيهما أفضل: أن ننطلق في ذلك الطريق فمسيرة الألف ميل مجموعة من الخطوات، والبحر مجموعة من القطرات! أم أن نبقى نحلم ونتمنى وننتظر التغيير الجاهز تهب به علينا رياح الأوهام! فيأتينا بدلا من ذلك الانفجار والتقاتل والدمار؟ إن القيام بالبرامج العملية اللازمة لتحقيق عملية التغيير الاجتماعي والسياسي لا يكون في البداية سهلا، ولا يتحمس له أغلب الناس في بداية الأمر، وترتفع الأصوات من هنا وهناك تشكك في نجاح عملية التغيير، وتقول إن تلك الأعمال من مسؤولية البلدية والحكومة، وأننا لسنا مطالبين بالقيام بوظيفة البلدية والحكومة، وغير ذلك من مظاهر التردد والتشكيك. ولكن ينبغي على الراغبين في التغيير عدم الالتفات إلى هذا الكلام، فهو مظهر من مظاهر العجز والكسل وانتظار التغيير الجاهز!

    [1]حدّد مالك بن نبي أربعة عناصر للتغيير الثقافي، هي: (1) عنصر الأخلاق لتكوين الصلات الاجتماعية. (2) عنصر الجمال لتكوين الذوق العام. (3) منطق عملي لتحديد أشكال النشاط العام. (4) الفن التطبيقي الموائم لكل نوع من أنواع المجتمع. وقد استقيت منها بعض العناصر مع تعديل في المضمون.انظر: مالك بن نبي، شروط النهضة، ص87.
    [2]صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.
    [3] مالك بن نبي، شروط النهضة، ترجمة عمر مسقاوي وعبد الصبور شاهين (دمشق: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1986م) ص30.


  2. أفضل موضوع الأسبوع 31, July, 2019   عرض التصويت   عرض آخر المواضيع الفائزة بالترشيحات
    رشح هؤلاء الأعضاء 2 رشحوا هذا الموضوع :  

  3. 4 أعضاء قالوا شكراً لـ د. نعمان مبارك جغيم على هذه المشاركة:


  4. #2
    :: رئيسة فريق طالبات العلم ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    الكنية
    أم طارق
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الرياض
    المؤهل
    ماجستير
    التخصص
    دراسات إسلامية
    المشاركات
    7,429
    شكر الله لكم
    11,501
    تم شكره 9,443 مرة في 3,483 مشاركة

    افتراضي رد: مشروع عملي للتغيير

    بارك الله فيكم يا دكتور
    وزادكم من فضله


  5. 2 أعضاء قالوا شكراً لـ أم طارق على هذه المشاركة:


  6. #3
    :: رئيسة فريق طالبات العلم ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    الكنية
    أم طارق
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الرياض
    المؤهل
    ماجستير
    التخصص
    دراسات إسلامية
    المشاركات
    7,429
    شكر الله لكم
    11,501
    تم شكره 9,443 مرة في 3,483 مشاركة

    افتراضي رد: مشروع عملي للتغيير

    للفائدة:
    تم جمع هذا الموضوع في ملف واحد مع وضع غلاف وفهرس
    أسأل الله أن ينفع به
    ويجعله في موازين الدكتور نعمان ويجزيه عنا خير الجزاء
    الملفات المرفقة الملفات المرفقة


  7. #4
    :: أستاذ أصول الفقه المشارك ::
    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    الدولة
    الجزائر
    المدينة
    -
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    أصول الفقه
    المشاركات
    143
    شكر الله لكم
    47
    تم شكره 375 مرة في 92 مشاركة

    افتراضي رد: مشروع عملي للتغيير

     اقتباس: المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أم طارق مشاهدة المشاركة
    للفائدة:
    تم جمع هذا الموضوع في ملف واحد مع وضع غلاف وفهرس
    أسأل الله أن ينفع به
    ويجعله في موازين الدكتور نعمان ويجزيه عنا خير الجزاء
    جزاكم الله خيرا على هذا الجهد

  8. الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ د. نعمان مبارك جغيم على هذه المشاركة:


معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

جميع الموضوعات والمشاركات التي تطرح في الملتقى لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الملتقى، وإنما تعبر عن رأي كاتبها فقط.
وكل عضو نكل أمانته العلمية إلى رقابته الذاتية!.

﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران:98].