الموضوعات المميزة النشرات الشهرية احصائيات وأرقام تواصل معنا

بنرات متحركة

 

آخر مواضيع الملتقى

صفحة 3 من 3 الأولىالأولى 1 2 3
النتائج 31 إلى 36 من 36

الموضوع: دروس في الفلسفة تعليقات على مواضع من كلام الإمام ابن تيمية في العقليات

  1. #1
    :: مخضرم ::
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    الدولة
    العراق
    المدينة
    بغداد
    المؤهل
    دبلوم
    التخصص
    .....
    المشاركات
    1,437
    شكر الله لكم
    585
    تم شكره 2,253 مرة في 716 مشاركة

    عرض التصويت  

    افتراضي دروس في الفلسفة تعليقات على مواضع من كلام الإمام ابن تيمية في العقليات


    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

    أما بعد...
    فإن من أجلّ وأنفس ما صنفه العلماء هو ما خطته يد الإمام بقية السلف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فقد اشتملت كتبه على تحقيقات عالية في علوم دقيقة عجز عن مثلها فحول العلماء والله يختص بفضله من يشاء.
    ومن ذلك ما كتبه في الرد على الفلاسفة فقد أجاد فيه وأفاد وأتى بالعجب العجاب، ولكنه قد خفي أكثره وغمض على كثير من الفضلاء من المنشغلين بالفقه والسنة لا بسبب تعقيد في كلام الإمام ولكن لعدم تصور المسألة من أصلها.
    فرأيت أن أعلق تعليقات خفيفة على مواطن من كلامه بحسب ما يفتح الله به، والله الموفق.

    تعريف الفلسفة لغة

    الفلسفة كلمة معربة من أصل يوناني هو: ( فيلاسُوفيّا ) وفيلا تعني محبة وسوفيا تعني الحكمة أي محبة الحكمة، والفيلسوف هو محب الحكمة وأصله اليوناني هو فيلاسوفوس.
    قال الشيخ الإمام: والفلسفة لفظ يوناني ومعناها محبة الحكمة والفيلسوف في لغتهم محبّ الحكمة. الصفدية- ج2- ص323.

    تعريف الفلسفة اصطلاحا

    الفلسفة ويقال لها الحكمة أيضا لها تعريفان أحدهما بالمعني العلمي والثاني بالمعنى العملي.
    فأما تعريفها بالمعنى العلمي فهو: علم بأحوال الموجودات الخارجية على ما هي عليه في الواقع بقدر الطاقة البشرية.
    بمعنى أن يبذل الإنسان جهده بالبحث عن الكون وما فيه ليحصل له العلم بها علما مطابقا للواقع فيدرس الفيلسوف علم النبات والحيوان والطب والفيزياء والكيمياء والرياضيات والفلك وغيرها فكلها من الفلسفة والحكمة.
    وتنقسم الفلسفة إلى فلسفة نظرية وفلسفة عملية.
    فالنظرية تضم الطبيعيات والرياضيات والإلهيات ( ما يتكلمون فيه عن خالق الكون وصفاته وأبحاث الوجود كتقسيم الوجود إلى قديم لم يسبق بعدم وحادث مسبوق بالعدم، وكتقسيمه إلى واجب الوجود مستغن في وجوده عن الفاعل وهو الله سبحانه وتعالى وممكن يحتاج إلى فاعل وهو ما عدا الله )
    والعملية تضم علم الأخلاق ( يتعلق بالشخص ) وعلم تدبير المنزل ( يتعلق بالعائلة ) وعلم السياسة ( يتعلق بالمجتمع ).
    وأما علم المنطق فبعضهم أخرجه من الفلسفة وجعله مقدمة لدراسة الفلسفة، وبعضهم أدرجه فيها كابن سينا.
    وأما العلوم الأدبية كالنحو والصرف فليست من الفلسفة لأنها علوم تواضعية اصطلاحية.
    قال الشيخ الإمام:
    وأكثر المصنفين فى الفلسفة -كابن سينا- يبتدىء بالمنطق ثم الطبيعي والرياضي، أو لا يذكره ثم ينتقل إلى ما عنده من الإلهي. وتجد المصنفين فى الكلام يبتدئون بمقدماته فى الكلام: في النظر والعلم والدليل- وهو من جنس المنطق- ثم ينتقلون إلى حدوث العالم واثبات محدثه، ومنهم من ينتقل إلى تقسيم المعلومات إلى الموجود والمعدوم وينظر فى الوجود وأقسامه كما قد يفعله الفيلسوف فى أول العلم الإلهي.
    فأما الانبياء فأول دعوتهم شهادة أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله. مجموع الفتاوى ج2- ص 23.
    والفلاسفة يبتدئون بالأقل شرفا فالطبيعيات أقلها منزلة لأنها تبحث في عالم الأجسام والمادة والرياضيات أشرف منها لأنها تبحث في الأعداد والأشكال وهي مستغنية عن المادة كتصور الأعداد والأشكال من مربع ومستطيل ومثلث ودائرة فكلها مستغنية عن الأجسام ثم العلم الإلهي وهو أشرفها.
    قال الشيخ الإمام: إن تقسيمهم العلوم إلى الطبيعي وإلى الرياضي وإلى الإلهي وجعلهم الرياضي أشرف من الطبيعي والإلهي أشرف من الرياضي هو مما قلبوا به الحقائق.
    فإن العلم الطبيعي وهو: العلم بالأجسام الموجودة في الخارج ومبدأ حركاتها وتحولاتها من حال إلى حال وما فيها من الطبائع، أشرف من مجرد تصور مقادير مجردة وأعداد مجردة.. الرد على المنطقيين- ص 133.
    فتحصل أن الفلسفة تضم المنطقيات- على رأي- والطبيعيات والرياضيات والإلهيات والأخلاقيات والأسريات والسياسات.
    وأهم ما فيها عند الفلاسفة هو الإلهيات ويسمونها الفلسفة الأولى والعلم الأعلى والعلم الإلهي ويعرفونها بأنها: علم يبحث فيه عن الأحوال العامة للوجود.
    فيعرفون الوجود ثم يقسمونه إلى الأقسام الكلية الشاملة كتقسيم الوجود إلى واجب وممكن وقديم ومحدث وعلة ومعلول ( فالعلة كالنار والمعلول كالحرارة ).
    وقولهم العامة احتراز عن الأحوال الخاصة فإن بحث الفلسفة الأولى إنما هو عن الوجود العام المشترك الذي ينقسم إلى واجب وممكن وغيره وليس عن موجود خاص فلا يبحث عن أحوال الجسم مثلا لأنها لا تشمل غير الأجسام وإنما هو بحث الطبيعيات لكن يبحث عن أحوال ومحمولات عامة تحمل على الوجود يندرج فيها الجسم وغيره، ولذلك يقولون في تعريفه أيضا هو: علم يبحث في الموجود من حيث هو موجود، أي بنحو مطلق لا بنحو خاص من حيث إنه جسم أو مادة أو نبات أو حيوان أو إنسان.
    فموضوع هذا العلم هو الموجود من حيث هو موجود.
    والفلسفة الأولى أي الإلهيات هي الفلسفة بإصطلاح المتأخرين.
    وأما تلك العلوم فقد أخرجت من الفلسفة وصارت تبحث مستقلة في العلوم فلم يعد الطب مثلا جزء من الفلسفة كما كان في السابق.

    فتحصل أن الفلسفة بمعناها العام القديم تشمل العلوم جميعا عدا العلوم الأدبية الوضعية، وأما بمعناها الخاص الذي استقر الأمر عليه فهي تضم مبحثين:
    الأول: مبحث الوجود وتقسيماته الكلية.
    الثاني: مبحث الباري سبحانه وصفاته.
    قال الشيخ الإمام: و يسمونه ( أي الإلهيات ) الفلسفة الأولى والحكمة العليا لكونهم يتكلمون فيه على الأمور الكلية العامة كالوجود وانقسامه إلى جوهر و عرض ( الموجود إما أن يكون قائما بنفسه وهو الجوهر أو قائما بغيره وهو العرض فالجوهر هو الأجسام والأعراض هي الصفات فمثلا الإنسان جوهر لأنه قائم بنفسه ليس قائما بمحل ولونه عرض لأنه يقوم بالجسم وكذا صوته ورائحته وكذا علمه وكرمه صفات وأعرض لا توجد في الخارج طافية في الفضاء لوحدها بل تحتاج إلى محل تقوم فيه فهي أعراض ) وعلة ومعلول وقديم وحادث وواجب و ممكن. الرد على البكري- ج2 – ص 581.
    وقال: وهو الوجود العام الكلي الذي ينقسم الى جوهر وعرض وهذا الوجود هو عندهم موضوع العلم الأعلى الناظر في الوجود ولواحقه وهي الفلسفة الأولى والحكمة العليا عندهم. مجموع الفتاوى- ج9- ص 274.


  2. أفضل موضوع الأسبوع 31, July, 2018   عرض التصويت   عرض آخر المواضيع الفائزة بالترشيحات
    رشح هؤلاء الأعضاء 3 رشحوا هذا الموضوع :  

  3. 4 أعضاء قالوا شكراً لـ صفاء الدين العراقي على هذه المشاركة:


  4. #31
    :: مخضرم ::
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    الدولة
    العراق
    المدينة
    بغداد
    المؤهل
    دبلوم
    التخصص
    .....
    المشاركات
    1,437
    شكر الله لكم
    585
    تم شكره 2,253 مرة في 716 مشاركة

    افتراضي رد: تعليقات على مواضع من كلام الإمام ابن تيمية في العقليات

    الدرس السابع والعشرون- المكان

    في تفسير حقيقة المكان أقوال أشهرها هو:
    1- المكان هو: السطح الباطن من الجسم الحاوي المماس للسطح الظاهري من الجسم المحوي.
    مثاله: الماء في الكأس، فسطح الماء الظاهر يماس سطح الكأس الباطن، فيكون الكأس مكانا للماء، وكذلك الطير في السماء يحيط به الهواء من جميع جهاته فتحصل المماسة، والتفاحة على الأرض يمسها من أسفل سطح الأرض ومن البقية سطوح الهواء، فيحاط بالجسم ستة سطوح.
    وقول آخر وهو لأفلاطون ومن وافقه يقول إن المكان هو بعد مجرد، أي هو جوهر موجود روحاني تحل فيه الأشياء. فهو عنده الخلاء والفراغ الذي تحل فيه الأجسام ولكنه ليس شيئا موهوما بل هو موجود جوهري روحاني تقوم فيه الأشياء!
    2- المكان هو: الفراغ الموهوم الذي يشغله الجسم. وهذا قول أكثر المتكلمين.
    فكل جسم يشغل قدرا وحيزا من الفراغ، وسموه موهوما لأن الذهن يجرده من الأجسام النافذة فيه وإلا في الحقيقة الكون مليء.
    فالمكان عند أرسطو عرض من الأعراض، وعند أفلاطون جوهر، وعند المتكلمين لا جوهر ولا عرض بل هو أمر اعتباري ذهني عدمي.
    قال الشيخ الإمام: بَلْ لَفْظُ " الْمَكَانِ " قَدْ يُرَادُ بِهِ مَا يَكُونُ الشَّيْءُ فَوْقَهُ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ، كَمَا يَكُونُ الْإِنْسَانُ فَوْقَ السَّطْحِ.
    وَيُرَادُ بِهِ مَا يَكُونُ الشَّيْءُ فَوْقَهُ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَيْهِ، مِثْلُ كَوْنِ السَّمَاءِ فَوْقَ الْجَوِّ، وَكَوْنِ الْمَلَائِكَةِ فَوْقَ الْأَرْضِ وَالْهَوَاءِ، وَكَوْنِ الطَّيْرِ فَوْقَ الْأَرْضِ...
    وَقَدْ يُرَادُ بِالْمَكَانِ مَا يَكُونُ مُحِيطًا بِالشَّيْءِ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ.
    فَأَمَّا أَنْ يُرَادَ بِالْمَكَانِ مُجَرَّدُ السَّطْحِ الْبَاطِنِ، أَوْ يُرَادَ بِهِ جَوْهَرٌ لَا يُحَسُّ بِحَالٍ، فَهَذَا قَوْلُ هَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةِ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ يُرِيدُ ذَلِكَ بِلَفْظِ " الْمَكَانِ ".
    وَذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَهُ أَرِسْطُو بِلَفْظِ " الْمَكَانِ " عَرَضٌ ثَابِتٌ، لَكِنْ لَيْسَ هَذَا هُوَ الْمُرَادَ بِلَفْظِ " الْمَكَانِ " فِي كَلَامِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ، وَلَا فِي كَلَامِ جَمَاهِيرِ الْأُمَمِ: عُلَمَائِهِمْ وَعَامَّتِهِمْ. وَأَمَّا مَا أَرَادَهُ أَفْلَاطُنُ فَجُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ يُنْكِرُونَ وُجُودَهُ فِي الْخَارِجِ، وَبَسْطُ هَذِهِ الْأُمُورِ لَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ. منهاج السنة- ج2-ص 351.
    يقصد أن ما قالوه هو اصطلاح لهم وأما ما في كلام أئمة المسلمين وعامتهم من أهل اللغة والشرع فالمكان يراد به ما كان فوق الشيء سواء كان محتاجا إليه أم لا، ويراد به ما يكون محيطا بالشيء من جميع جوانبة كالكتاب في الصندوق.
    وقال: وما ذكره ابن رشد في اسم المكان يتوجه عند من يسلم له مذهب أرسطو، وأن المكان هو السطح الداخل الحاوي المماس للسطح الخارج المحوي.
    ومعلوم أن من الناس من يقول: إن للناس في المكان أقوالا آخر، منهم من يقول: إن المكان هو الجسم الذي يتمكن غيره عليه ومنهم من يقول: إن المكان هو ما كان تحت غيره وإن لم يكن ذلك متمكنا عليه ومنهم من يزعم أن المكان هو الخلاء وهو أبعاد.
    والنزاع في هذا الباب نوعان: أحدهما معنوي، كمن يدعي وجود مكان هو جوهر قائم بنفسه ليس هو الجسم، وأكثر العقلاء ينكرون ذلك والثاني نزاع لفظي، وهو من يقول المكان من يحيط بغيره، يقول آخر: ما يكون غيره عليه أو ما يتمكن عليه. درء التعارض- ج6-ص 248-249.


  5. الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ صفاء الدين العراقي على هذه المشاركة:


  6. #32
    :: مخضرم ::
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    الدولة
    العراق
    المدينة
    بغداد
    المؤهل
    دبلوم
    التخصص
    .....
    المشاركات
    1,437
    شكر الله لكم
    585
    تم شكره 2,253 مرة في 716 مشاركة

    افتراضي رد: تعليقات على مواضع من كلام الإمام ابن تيمية في العقليات

    الدرس الثامن والعشرون- العلة والمعلول

    العلة هي: ما يتوقف عليه الشيء. كالنار.
    والمعلول هو: ما يفتقر في وجوده إلى غيره. كالحرارة.
    والعلة تامة وناقصة.
    فالتامة هي: ما يجب وجود المعلول عنده، أي هي جميع ما يتوقف عليه وجود الشيء.
    والناقصة هي: ما لا يجب وجود المعول عنده، أي هي بعض ما يتوقف عليه وجود الشيء.
    والعلة الناقصة على أربعة أقسام:
    1- العلة الفاعلية وهي: ما يصدر عنه المعلول. كالنجار للسرير.
    2- العلة الغائية وهي: ما لأجله وجود المعلول. كالنوم للسرير.
    3- العلة المادية وهي: ما به الشيء بالقوة. كالخشب للسرير.
    4- العلة الصورية وهي: ما به الشيء بالفعل. كالهيئة السريرية.
    ويصطلح على الفاعل والغاية بالعلل الخارجية.
    ويصطلح على المادة والصورة بالعلل الداخلية.
    ومتى وجدت العلة التامة وجب وجود المعلول واستحال عدمه.
    وهل يجب اقتران المعول بعلته زمانا ؟
    قال الفلاسفة الدهرية: يجب اقتران المعلول بعلته.
    وقال المتكلمون: يجب تأخر المعلول عن علته.
    وقال أهل الإثبات: يجب أن يعقب المعلول علته ولا يجوز اقترانهما زمنا ولا تأخره عنهما.
    قال الشيخ الإمام: فإن الناس لهم في مقارنة المعلول لعلته والمفعول لفاعله ثلاثة أقوال:
    قيل: يجب أن يقارن الأثر ولتأثيره، بحيث لا يتأخر الأثر عن التأثير في الزمان، فلا يتعقبه ولا يتراخى عنه، وهذا قول هؤلاء الدهرية، القائلين بأن العالم قديم عن موجب قديم، وقولهم أفسد الأقوال الثلاثة، وأعظمها تناقضا، فإنه إذا كان الأثر كذلك لزم أن لا يحدث في العالم شيء، فإن العلة التامة إذا كانت تسلتزم مقارنة معلولها لها في الزمان، وكان الرب علة تامة في الأزل - لزم أن يقارنه كل معلول، وكل ما سواه معلول له: إما بواسطة، وإما بغير واسطة فيلزم أن لا يحدث في العالم شيء..
    وقيل: بل يجب تراخي الأثر عن المؤثر التام، كما يقوله أكثر أهل الكلام، ويلزم من ذلك أن يصير المؤثر مؤثرا تاما، بعد أن لم يكن مؤثرا تاماً، بدون سبب حادث، أو أن الحوادث تحدث بدون مؤثر تام، وأن الممكن يرجح وجوده على عدمه بدون المرجح التام. وهذا قول كثير من أهل الكلام.
    والقول الثالث: أن المؤثر التام يستلزم وجود أثره عقبه، لا معه في الزمان، ولا متراخيا عنه، كما قال تعالى: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} (النحل: 40) وعلى هذا فيلزم حدوث كل ما سوى الرب، لأنه مسبوق بوجود التأثير، ليس زمنه زمن التأثير، والقادر المريد يستلزم مع وجود القدرة والإرادة وجود المقدور المراد، والقدرة والإرادة حاصلان قبل المقدور المراد، ومع وجود المقدور المراد هما مستلزمان له، وهذا قول أكثر أهل الإثبات. درء التعارض. ج3. ص62-63-64.

  7. الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ صفاء الدين العراقي على هذه المشاركة:


  8. #33
    :: مخضرم ::
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    الدولة
    العراق
    المدينة
    بغداد
    المؤهل
    دبلوم
    التخصص
    .....
    المشاركات
    1,437
    شكر الله لكم
    585
    تم شكره 2,253 مرة في 716 مشاركة

    افتراضي رد: تعليقات على مواضع من كلام الإمام ابن تيمية في العقليات

    الدرس التاسع والعشرون- التقابل

    التقابل هو: كون الشيئين بحيث يمتنع اجتماعهما في وقت واحد، في محل واحد، من جهة واحدة.
    كالسواد والبياض لا يجتمعان في ورقة واحدة أي في محل واحد في زمن واحد من جهة واحدة.
    وكالأبوة والبنوة فزيد لا يمكن أن يكون أبا وابنا من جهة واحدة، فلا يمكن أن يكون أبا لعمرو وابنا له، ولكن يمكن من جهتين أن يكون أبا لعمرو وابنا لبكر.
    وينقسم التقابل إلى أربعة أقسام- قيل إنها ثابتة بالاستقراء وقيل بل بالقسمة العقلية الحاصرة- هي:
    أولا: تقابل التضاد: أن يكون المتقابلان وجوديين ولا يتوقف تعقل أحدهما على تعقل الآخر. كالسواد والبياض.
    ثانيا: تقابل التضايف: أن يكون المتقابلان وجوديين ويتوقف تعقل أحدهما على تعقل الآخر. كالأبوة والبنوة.
    قالوا والمراد بالوجودي هاهنا: ما لا يكون السلب والعدم جزءا من مفهومه. سواء أكان موجودا في الخارح أم لا، فالوجودي بهذا المعنى أعم من الموجود، فالعنقاء وشريك الباري مثلا وجوديان لا موجودان.
    ثالثا: تقابل العدم والملكة: أن يكون أحد المتقابلين وجوديا والآخر عدميا قابلا للوجود كالبصر والعمى؛ فإن العمى عدم البصر عما من شأنه أن يكون بصيرا، والعين قابلة للبصر والعمى فلا يوصف الجدار بالعمى لأنه لا يقبل البصر.
    رابعا: تقابل النقيضين أو تقابل السلب والإيجاب: أن يكون أحد المتقابلين وجوديا والآخر عدميا غير قابل للوجود أي لا يشترط أن يكون هنالك موضوع قابلا لكل منهما وذلك كالوجود والعدم.
    مناقشة هذا التقسيم

    أولا: هذا التقسيم غير حاصر لانتقاضه بتقسيم الموجود إلى واجب وممكن وقديم وحادث وجوهر وعرض ونحو ذلك فلا يجتمعان ولا يرتفعان مع أنهما وجوديان، وأنتم قلتم في تقابل النقيضين لا بد من اختلافهما بالسلب والإيجاب.
    قال الشيخ الإمام: ( والرد عليهم من وجوه الوجه الأول: أن هذا التقسيم غير حاصر، فإنه يقال للموجود: إما أن يكون واجبا بنفسه وإما أن يكون ممكنا بنفسه، وهذا- الوجوب والإمكان- لا يجتمعان في شيء واحد- بحسب التقدير الذي قدره الدكتور السعوي محقق التدمرية للسقط في هذا المحل، وهو تقدير موفق يشهد له كلام الشيخ ) من جهة واحدة، ولا يصح اجتماعهما في الصدق ولا في الكذب، إذ كون الموجود واجبا بنفسه وممكنا بنفسه لا يجتمعان ولا يرتفعان.
    فإذا جعلتم هذا التقسيم ( لعل الصواب القسم كما قال المحقق ) وهما النقيضان ما لا يجتمعان ولا يرتفعان، فهذان لا يجتمعان ولا يرتفعان، وليس هما السلب والإيجاب، فلا يصح حصر النقيضين اللذين لا يجتمعان ولا يرتفعان في السلب والإيجاب. وحينئذ فقد ثبت وصفان: شيئان لا يجتمعان ولا يرتفعان، وهو خارج عن الأقسام الأربعة. التدمرية- ص154.
    ثانيا: أن هذا التقسيم متداخل لأننا إذا قلنا: المثلث إما موجود وإما معدوم، يكون المثلث باعتباره كونه ممكنا يقبل الوجود والعدم، فينطبق عليها تعريف تقابل العدم والملكة، مع أنه ليس كذلك.
    قال الشيخ: الوجه الثاني - أن يقال: هذا التقسيم يتداخل، فإن العدم والملكة يدخل في السلب والإيجاب، وغايته أنه نوع منه، والمتضايفان يدخلان في المتضادين، وإنما هو نوع منه... فالممكنات التي تقبل الوجود والعدم، كقولنا: المثلث إما موجود وإما معدوم، يكون من قسم العدم والملكة، وليس كذلك، فإن ذلك القسم يخلو فيه الموصوف الواحد عن المتقابلين جميعا، ولا يخلو شيء من الممكنات عن الوجود والعدم.
    ... فعلى هذا إذا قلنا: زيد إما عاقل وإما غير عاقل، وإما عالم وإما ليس بعالم، وإما حي وإما غير حي، وإما ناطق وإما غير ناطق، وأمثال ذلك مما فيه سلب الصفة عن محل قابل لها، لم يكن هذا داخلا في قسم تقابل السلب والإيجاب.
    ومعلوم أن هذا خلاف المعلوم بالضرورة، وخلاف اتفاق العقلاء، وخلاف ما ذكروه في المنطق وغيره.
    ومعلوم أن مثل هذه القضايا تتناقض بالسلب والإيجاب على وجه يلزم من صدق إحداهما كذب الأخرى، فلا يجتمعان في الصدق والكذب، فهذه شروط التناقض موجودة فيها.
    وغاية فرقهم أن يقولوا: إذا قلنا: هو إما بصير وإما ليس ببصير، كان إيجابا وسلبا، وإذا قلنا: إما بصير وإما أعمى، كان ملكة وعدما، وهذا منازعة لفظية، وإلا فالمعنى في الموضعين سواء، فعلم أن ذلك نوع من تقابل السلب والإيجاب. التدمرية- ص 155- ص 156- ص 158.
    ثالثا: التقسيم الدقيق هو أن يقال: المتقابلان إما أن يختلفا بالسلب والإيجاب، وإما لا، فالأول هما النقيضان ومنه العدم والملكة فهو نوع منه، والثاني إما أن يمكن خلو المحل عنهما، وإما لا، الأول الضدان ومنه المتضايفان فهو نوع منه، والثاني هما في معنى النقيضين وإن كانا ثبوتيين كالقيام بالنفس والقيام بالغير.
    قال الشيخ: الوجه الثالث - أن يقال: التقسيم الحاصر أن يقال: المتقابلان إما أن يختلفا بالسلب والإيجاب، وإما أن لا يختلفا بذلك، بل يكونان إيجابين أو سلبين، فالأول هو النقيضان، والثاني: إما أن يمكن خلو المحل عنهما، وإما أن لا يمكن، والأول هما الضدان كالسواد والبياض، والثاني هما في معنى النقيضين وإن كانا ثبوتَين كالوجوب والإمكان، والحدوث والقدم، والقيام بالنفس والقيام بالغير، والمباينة والمجانبة، ونحو ذلك. التدمرية- ص 159.
    رابعا: أن قولكم: تقابل العدم والملكة يرتفعان في محل آخر نحو: الحيوان: إما حي وإما ميت، فيرتفعان في الجدار مثلا فلا هو حي ولا ميت؛ لأنه غير قابل لهما، نقول: هذا اصطلاح لكم والعرب والكتاب والسنة تسمي غير الحي ميتا.
    قال الشيخ الإمام: الوجه الرابع أن يقال لهؤلاء قولكم: إن هذين يتقابلان تقابل العدم والملكة اصطلاح اصطلحتموه وإلا فكل ما لا حياة فيه يسمى مواتا وميتا قال الله تعالى {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ} فسمى الأصنام الجامدات أمواتا وتسمى الأرض مواتا كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "من أحيا أرضا ميتة فهي له. الصفدية- ج1- ص 95.
    خامسا: قولكم الجماد لا يقبل الحياة باطل فإن الله سبحانه قد قلب العصا حية تسعى وأخرج من الحجر ناقة لقوم صالح.
    قال الشيخ: الوجه الخامس أن يقال كل عين من الأعيان تقبل الحياة فإن الله قادر على خلق الحياة وتوابعها في كل شيء. الصفدية- ج1 – ص 96.

  9. #34
    :: مخضرم ::
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    الدولة
    العراق
    المدينة
    بغداد
    المؤهل
    دبلوم
    التخصص
    .....
    المشاركات
    1,437
    شكر الله لكم
    585
    تم شكره 2,253 مرة في 716 مشاركة

    افتراضي رد: تعليقات على مواضع من كلام الإمام ابن تيمية في العقليات

    الدرس الثلاثون- البسيط والمركب

    المركب هو: ما له أجزاء. كالماء مركب من أوكسجين وهيدروجين.
    والتركيب عندهم خمسة أقسام:
    1- التركيب من المادة والصورة. كالجوهر الجسماني.
    2- التركيب من الجنس والفصل. كتركب ماهية الإنسان من الحيوان والناطق.
    3- التركيب من الأجزاء العنصرية والذرية، كتركب الماء من أوكسجين وهيدروجين.
    4- التركب من وجود وماهية، وهذا يعم كل موجود ولذا قالوا كل ممكن زوج تركيبي من الوجود والماهية.
    5- التركب من الذات والصفات.
    وزاد بعضهم التركب من الأجزاء المقدارية، كتركب الأعداد كتركب العشرة من وحداتها، وكتركب الكم المتصل كأجزاء الخط والسطح والحجم والزمان.
    ويقسمون التركيب قسمة أخرى إلى:
    أولا: تركيب ذهني وهو: التركيب من الأجزاء الذهنية. وهو التركب من الجنس والفصل، والتركب من الوجود والماهية فإن الممكن يحلله الذهن إلى وجود وماهية وإن كان في الخارج شيء واحد.
    ثانيا: تركيب خارجي وهو: التركيب من الأجزاء الخارجية. وهو يشمل البقية.
    وأما البسيط فهو: الذي لا أجزاء له. كالنقطة.
    وقد يكون بسيطا من جهة ومركبا من جهة أخرى فمثلا الأجناس العالية من المقولات لا جنس له فهي بسيطة لا جنس لها ولا فصل، ولكنها مركبة من وجود وماهية.
    ومن أمثلة البسيط عندهم العقول العشرة.
    قال الشيخ الإمام: فمدار كلامهم في التوحيد والصفات كله على لفظ التركيب وقد بسطنا القول فيه وبينا ما في هذا اللفظ من إجمال فان التركيب خمسة أنواع ( كما ذكره ابن سينا وغيره ): أحدها: تركب الذات من وجود وماهية والثاني: تركيبها من وصف عام ووصف خاص كالمركب من الجنس والفصل والثالث: تركيب من ذات وصفات والرابع: تركيب الجسم من المادة والصورة والخامس: تركيبه من الجواهر المنفردة.
    وقد بينا أن ما يدعونه من التركيب من الوجود والماهية ومن الجنس والفصل باطل وأما تركيب الجسم من هذا وهذا فأكثر العقلاء يقولون الجسم ليس مركبا لا من المادة والصورة ولا من الجواهر المنفردة لم يبق إلا ذات لها صفات.
    وقد بينا أن المركب يقال على ما ركبه غيره وعلى ما كانت أجزاؤه متفرقة فاجتمعت وعلى ما يقبل مفارقة بعضه بعضا وهذه الأنواع الثلاثة منتفية عن رب العالمين باتفاق المسلمين.
    وهم جعلوا ما يوصف بالصفات تركيبا وهذا اصطلاح لهم وحقيقة الأمر تعود إلى موصوف له صفات متعددة فتسمية المسمى هذا تركيبا اصطلاح لهم والنظر إنما هو في المعاني العقلية وأما الألفاظ فان وردت عن صاحب الشرع المعصوم كان لها حرمة وإلا لم يلتفت إلى من أخذ يعبر عن المعاني الصحيحة المعلومة بالعقل والشرع بعبارة مجملة توهم معاني فاسدة وقيل لهم البحث في المعاني لا في الألفاظ كما بسط في موضعه. الرد على المنطقيين- ص 314-315.

  10. #35
    :: مخضرم ::
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    الدولة
    العراق
    المدينة
    بغداد
    المؤهل
    دبلوم
    التخصص
    .....
    المشاركات
    1,437
    شكر الله لكم
    585
    تم شكره 2,253 مرة في 716 مشاركة

    افتراضي رد: تعليقات على مواضع من كلام الإمام ابن تيمية في العقليات

    الدرس الحادي والثلاثون- في الكلام على الباري

    يبحث الفلاسفة عن واجب الوجود وعن صفاته ويسمون هذا المبحث بالإلهيات بالمعنى الأخص، في قبال الإلهيات بالمعنى الأعم التي هي الأمور العامة التي تقدم الكلام عليها كتقسيم الوجود إلى واجب وممكن وقديم وحادث وعلة ومعلول ونحو ذلك.
    وأول أمر يتم البحث فيه هو إقامة البرهان على وجود الخالق.
    وقبل ذلك ننبه لأمر ذكره الإمام قال: وأما الفلاسفة؛ فهم في الإلهيات كلامهم قليل، وعلمهم نزر، وعامة كلام أئمتهم كأرسطو وذويه إنما هو في الطبيعيات والرياضيات، وأما كلامهم في الإلهيات؛ فهو قليل مضطرب؛ لأن هذا الباب كان فوق عقولهم. وقد اعترف حذّاقهم بأنه لا سبيل لهم فيه إلى اليقين، وإنما يؤخذ ( في المطبوع يوجد ) فيه بالأولى والأحرى. وإنما كثّر الكلام في الإلهيات من اتصل بأهل الملل؛ فبلغوا منهم أشياء زادوها في فلسفة قدمائهم. مسألة حدوث العالم. ص 158.
    وقال: وهذا الرجل ( أرسطو ) وأتباعه إنما عامة كلامهم في الطبيعيات فهي علم القوم الذي شغلوا به زمانهم.
    وأما الإلهيات فكلام الرجل فيها وأتباعه قليل جدا إلى غاية ولكن ابن سينا وأمثاله خلطوا كلامهم في الإلهيات بكلام كثير من متكلمي أهل الملل فصار للقوم كلام في الإلهيات، وصار ابن سينا وابن رشد الحفيد وأمثالهما يقربون أصول هؤلاء إلى طريقة الأنبياء ويظهرون أن أصولهم لا تخالف الشرائع النبوية، وهم في الباطن يقولون أن ما أخبرت به الرسل عن الله وعن اليوم الآخر لا حقيقة له في نفس الأمر وإنما هو تخييل وتمثيل وأمثال مضروبة لتفهيم العامة ما ينتفعون به في ذلك بزعمهم وإن كان مخالفا للحق في نفس الأمر وقد يجعلون خاصة النبوة هي التخييل ويزعمون أن العقل دل على صحة أصولهم.
    وأكثر الناس لا يجمعون بين معرفة حقيقة ما جاءت به الرسل وحقيقة قول هؤلاء ولا يعقلون لوازم قولهم التي بها يتبين فساد قولهم بالعقل الصريح. ثم إن كثيرا من الناس أخذ مذاهبهم فغير عباراتها وربما عبر عنها بعبارات إسلامية حتى يظن المستمع أن قول هؤلاء هو الحقيقة التي بعثت بها الرسل ودلت عليها العقول كما فعل أصحاب رسائل إخوان الصفا وأصحاب دعوة القرامطة الباطنية حيث عبروا بالسابق والتالي عن العقل والنفس... الصفدية. ج1- ص 237.
    دليل أرسطو

    ودليله مبني على وجود حركة الأفلاك القديمة، وأن تلك الحركة القديمة الأزلية لا بد لها من محرك، هو علتها الغائية فهي تتحرك لتتشبه به وبذلك يثبت المبدأ الأول.

    برهان ابن سينا

    ذكر ابن سينا دليلا على الواجب اعتبره أحكم البراهين وسماه برهان الصديقين وهو:
    الموجود إما أن يكون واجب الوجود أو ممكن الوجود، فإن كان واجب الوجود فقد ثبت المطلوب، وإن كان ممكن الوجود فلا بد أن ينتهي إلى واجب الوجود حتى لا يلزم الدور أو التسلسل.
    وهو كما ترى منتحل من دليل المتكلمين المستدلين بالحدوث على المحدث وصورة دليلهم: الموجود إما أن يكون قديما أو حادثا، فإن كان قديما فقد ثبت المطلوب، وإن كان حادثا فلا بد أن ينتهي إلى قديم حتى لا يلزم الدور أو التسلسل.
    نقد ابن تيمية

    قال: وَمَا يَذْكُرُهُ أَرِسْطُو وَأَتْبَاعُهُ أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ يُحَرِّكُ الْفَلَكَ حَرَكَةَ الْمَعْشُوقِ لِعَاشِقِهِ، وَأَنَّ الْفَلَكَ يَتَحَرَّكُ لِلتَّشَبُّهِ بِهِ، وَأَنَّهُ بِذَلِكَ عِلَّةُ الْعِلَلِ وَبِهِ قِوَامُ الْفَلَكِ، إِذْ كَانَ قِوَامُ الْفَلَكِ بِحَرَكَتِهِ، وَقِوَامُ حَرَكَتِهِ بِإِرَادَتِهِ وَشَوْقِهِ، وَقِيَامُ إِرَادَتِهِ وَشَوْقِهِ بِوُجُودِ الْمَحْبُوبِ السَّابِقِ الْمُرَادَ الَّذِي تَحَرَّكَ لِلتَّشَبُّهِ بِهِ، فَهَذَا الْكَلَامُ - مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْكَلَامِ الْبَاطِلِ الَّذِي بُيِّنَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ - غَايَتُهُ إِثْبَاتُ الْعِلَّةِ الْغَائِيَّةِ لِحَرَكَةِ الْفَلَكِ، لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ الْعِلَّةِ الْفَاعِلِيَّةِ... فَلَمَّا رَأَى ابْنُ سِينَا وَأَمْثَالُهُ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ مَا فِيهَا مِنَ الضَّلَالِ عَدَلُوا إِلَى طَرِيقَةِ الْوُجُودِ وَالْوُجُوبِ وَالْإِمْكَانِ، وَسَرَقُوهَا مِنْ طَرِيقِ الْمُتَكَلِّمِينَ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ احْتَجُّوا بِالْمُحْدَثِ عَلَى الْمُحْدِثِ، فَاحْتَجَّ أُولَئِكَ بِالْمُمْكِنِ عَلَى الْوَاجِبِ وَهِيَ طَرِيقَةٌ تَدُلُّ عَلَى إِثْبَاتِ وُجُودِ وَاجِبٍ، وَأَمَّا إِثْبَاتُ تَعْيِينِهِ فَيَحْتَاجُونَ فِيهِ إِلَى دَلِيلٍ آخَرَ ( فمثلا الدهريون يقولون بقدم العالم وأنه واجب الوجود بنفسه فغاية دليل ابن سينا إثبات واجب وهذا محل تسليم ولكن هل هذا الواجب هو رب العالمين الحي القيوم هذا لا يفيده برهان صديقيهم! ) وَهُمْ سَلَكُوا طَرِيقَةَ التَّرْكِيبِ ( وهي إثبات أن الواجب الذي يتحدثون عنه ليس مركبا من ذات وصفات وإلا لكان مفتقرا إلى أجزائه والفقير لا يكون واجبا ) وَهِيَ أَيْضًا مَسْرُوقَةٌ مِنْ كَلَامِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَإِلَّا فَكَلَامُ أَرِسْطُو فِي الْإِلَهِيَّاتِ فِي غَايَةِ الْقِلَّةِ مَعَ كَثْرَةِ الْخَطَأِ فِيهِ، وَلَكِنَّ ابْنَ سِينَا وَأَمْثَالَهُ وَسَّعُوهُ وَتَكَلَّمُوا فِي الْإِلَهِيَّاتِ وَالنُّبُوَّاتِ وَأَسْرَارِ الْآيَاتِ وَمَقَامَاتِ الْعَارِفِينَ، بَلْ وَفِي مَعَادِ الْأَرْوَاحِ بِكَلَامٍ لَا يُوجَدُ لِأُولَئِكَ، وَمَا فِيهِ مِنَ الصَّوَابِ فَجَرَوْا فِيهِ عَلَى مِنْهَاجِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَا فِيهِ مِنْ خَطَأٍ بَنَوْهُ عَلَى أُصُولِ سَلَفِهِمُ الْفَاسِدَةِ.
    وَلِهَذَا كَانَ ابْنُ رُشْدٍ وَأَمْثَالُهُ مِنَ الْمُتَفَلْسِفَةِ يَقُولُونَ: إِنَّ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ سِينَا فِي الْوَحْيِ وَالْمَنَامَاتِ وَأَسْبَابِ الْعِلْمِ بِالْمُسْتَقْبَلَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ هُوَ أَمْرُ ذَكَرَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، وَلَمْ يَقُلْهُ قَبْلَهُ الْمَشَّاؤونَ سَلَفُهُ. منهاج السنة. ج1- ص 346- 347-348.
    وقال: هذا مع أن إثبات الموجود الواجب الغني الخالق، وإثبات الموجود الممكن المحدث الفقير المخلوق هو من أظهر المعارف وأبين العلوم. أما ثبوت الموجود المفتقر المحدث الفقير، فيما نشاهده من كون بعض الموجودات يوجد بعد عدمه، ويعدم بعد وجوده، من الحيوانات والنباتات والمعدن، وما بين السماء والأرض من السحاب والمطر والرعد والبرق وغير ذلك، وما نشاهده من حركات الكواكب، وحدوث الليل بعد النهار، والنهار بعد الليل، فهذا كله فيه من حدوث موجود بعد عدمه، ومعدوم بعد وجوده ما هو مشهود لبني أدم يرونه بأبصارهم.
    ثم إذا شهدوا ذلك فنقول: معلوم أن المحدثات لا بد لها من محدث. والعلم بذلك ضروري كما قد بين ولا بد من محدث لا يكون محدثا وكل محدث ممكن والممكنات لا بد لها من واجب، وكل محدث وممكن فقير مربوب مصنوع والمفتقرات لا بد لها من غني والمربوبات لا بد لها من رب والمخلوقات لا بد لها من خالق.
    وأيضا فإنه يقال: هذا الموجود إما أن يكون واجبا بنفسه وإما أن لا يكون واجبا بنفسه بل ممكنا بنفسه فهو واجبا بغيره والممكن بنفسه الواجب بغيره لا بد له من واجب بنفسه فلزم ثبوت الواجب بنفسه على التقديرين.
    وأيضا فالموجود: إما أن يكون محدثا وإما أن يكون قديما والمحدث لا بد له من قديم فلزم وجود القديم على التقديرين.
    وأيضا فالموجود إما إن يكون مخلوقا وإما أن لا يكون والمخلوق لا بد له من خالق، فيلزم ثبوت الموجود الذي ليس بخالق على التقديرين.
    وأيضا فإما أن يكون خالقا وإما أن لا يكون وقد علم فيما ليس بخالق- كالموجودات التي علم حدوثها- أنها مخلوقة والمخلوق لا بد له من خالق فعلم ثبوت الخالق على التقديرين.
    وأيضا فالموجود إما غني عن كل ما سواه وإما مفتقر إلى غيره والفقير إلى غيره لا بد له من غنى بنفسه فعلم ثبوت الغني بنفسه على التقديرين.
    فهذه البراهين وأمثالها كل منها يوجب العلم بوجود الرب سبحانه وتعالى الغني القديم الواجب بنفسه.
    وابن سينا وأتباعه كالرازي والآمدي والسهروردي المقتول وأتباعهم سلكوا في إثبات واجب الوجود طريقة الاستدلال بالوجود وعظموها وظن من ظن منهم أنها أشرف الطرق وأنه لا طريق إلا وهو يفتقر إليها حتى ظنوا أن طريقة الحدوث مفتقرة إليها. وكل ذلك غلط بل هي طريقة توجب إثبات واجب الوجود بلا ريب لو كانوا يفسرون الممكن بالممكن الذي هو ممكن عند العقلاء سلفهم وغير سلفهم وهو الذي يكون موجودا تارة ومعدوما أخرى.
    فأما إذا فسر الممكن بالممكن الذي ينقسم إلى قديم واجب بغيره وإلى محدث مسبوق بالعدم كما هو قول ابن سينا وأتباعه فلا يصح لهم على هذا الأصل الفاسد لا إثبات واجب بنفسه ولا إثبات ممكن يدل على الواجب بنفسه.
    وهذه الطريقة هي في الحقيقة مأخوذة من طريقة الحدوث
    وطريقة الحدوث أكمل وأبين فإن الممكن الذي يعلم أنه ممكن هو ما علم أنه وجد بعد عدمه، أو عدم بعد وجوده.
    هذا الذي اتفق العقلاء على أنه ممكن، وهو الذي يستحق أن يسمى ممكنا بلا ريب وهذا محدث فإذًا كل ممكن محدث... درء تعارض العقل والنقل. ج3- 265-266-267-268.

  11. الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ صفاء الدين العراقي على هذه المشاركة:


  12. #36
    :: مخضرم ::
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    الدولة
    العراق
    المدينة
    بغداد
    المؤهل
    دبلوم
    التخصص
    .....
    المشاركات
    1,437
    شكر الله لكم
    585
    تم شكره 2,253 مرة في 716 مشاركة

    افتراضي رد: دروس في الفلسفة تعليقات على مواضع من كلام الإمام ابن تيمية في العقليات

    الدرس الثالث والثلاثون- التوحيد والصفات

    التوحيد عند الفلاسفة يعنون به ما يلي:
    1- التوحيد في وجوب الوجود ويعنون به إلا أن يكون للمفهوم الكلي واجب الوجود إلا مصداق واحد في الخارج.
    2- التوحيد بمعنى نفي التركيب عن الواجب كالتركيب من أجزاء حسية أو من ذات وماهية أو من ذات وصفات.
    وأما التوحيد في الأفعال فهم لا يثبتون له إلا خلقا واحدا؛ لأن الواحد لا يصدر منه إلا واحد وهو العقل الأول والباقي تنسب إلى المبدأ الأول بالواسطة؛ لأن علة العلة علة.
    وأما الصفات فلا يثبتون له إلا الصفات السلبية مثل ليس بمركب وليس بجسم وليس بجاهل، والصفات الإضافية مثل الخلق والإيجاد، وأما الصفات الثبوتية فلا يصفونه بها سبحانه على المعنى الذي يتصوره مثبتة الصفات وإنما يقولون علمه عين قدرته عين إرادته وهي عين ذاته فلا فرق بين الذات والصفات لئلا يلزم تركب الواجب، فمثلا إذا قلنا: النار حارة. فهنالك في الخارج مصداق لذات النار ومصداق للحرارة العرضية القائمة بذات النار، وأما الحق سبحانه فليس صفاته زائدة على ذاته بل هي عين الذات فكل تلك الصفات كثرتها في الذهن فقط وأما في الخارج فلا يوجد إلا ذات بسيطة.
    هذا خلاصة ما ذكروه ها هنا في هذا المقام.
    وهذا هو توحيد القوم وهب أن ما ذكروه صحيح فهل هذا هو التوحيد الذي ينجي صاحبه من النار؟ وهل بعث الله الرسل ليخبروا أن الواحد هو البسيط غير المركب وأنه ليس له صفات حقيقة وأن يجب أن ينفوا عنه الكم المتصل والمنفصل؟ وأين الدعوة إلى إفرادة الله بالعبادة والتوكل والإنابة والرغبة والرهبة الذي دعت إليه الرسل وملئت به الكتب السماوية ؟!
    قال الشيخ الإمام: قلت: ليس مراد ابن سينا بالتوحيد الذي جاءت به الرسل، وهو عبادة الله وحدة لا شريك له، مع ما يتضمنه من أنه لا رب لشيء من الممكنات سواه، فإن إخوانه من الفلاسفة من أبعد الناس عن هذا التوحيد، إذ فيهم من الإشراك بالله تعالى، وعبادة ما سواه، وإضافة التأثيرات إلى غيره، ما هو معلوم لكل من عرف حالهم. ولازم قولهم: إخراج الحوادث كلها عن فعله.
    وإنما مقصوده التوحيد الذي يذكره في كتبه، وهو نفي الصفات، وهو الذي شارك فيه المعتزلة، وسموه أيضا توحيدا.
    وهذا النفي الذي سموه توحيدا، لم ينزل به كتاب، ولا بعث به رسول، ولا كان عليه أحد من سلف الأئمة وأئمتها، بل هو مخالف لصريح المعقول، مع مخالفته لصحيح المنقول. درء تعارض العقل والنقل. ج8- 246-247.
    وقال: وَقَدْ رَأَيْت مِنْ مُصَنَّفَاتِهِمْ فِي عِبَادَةِ الْكَوَاكِبِ وَالْمَلَائِكَةِ وَعِبَادَةِ الْأَنْفُسِ الْمُفَارِقَةِ - أَنْفُسِ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ - مَا هُوَ أَصْلُ الشِّرْكِ. وَهُمْ إذَا ادَّعَوْا التَّوْحِيدَ فَإِنَّمَا تَوْحِيدُهُمْ بِالْقَوْلِ؛ لَا بِالْعِبَادَةِ وَالْعَمَلِ. وَالتَّوْحِيدُ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّوْحِيدِ بِإِخْلَاصِ الدِّينِ للهِ وَعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. وَهَذَا شَيْءٌ لَا يَعْرِفُونَهُ. وَالتَّوْحِيدُ الَّذِي يَدَّعُونَهُ: إنَّمَا هُوَ تَعْطِيلُ حَقَائِقِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَفِيهِ مِنْ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ مَا هُوَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الْإِشْرَاكِ. فَلَوْ كَانُوا مُوَحِّدِينَ بِالْقَوْلِ وَالْكَلَامِ - وَهُوَ أَنْ يَصِفُوا اللَّهَ بِمَا وَصَفَتْهُ بِهِ رُسُلُهُ - لَكَانَ مَعَهُمْ التَّوْحِيدُ دُونَ الْعَمَلِ. وَذَلِكَ لَا يَكْفِي فِي السَّعَادَةِ وَالنَّجَاةِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ الله وَحْدَهُ وَيُتَّخَذَ إلَهًا؛ دُونَ مَا سِوَاهُ. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ: " لَا إلَهَ إلَّا الله" فَكَيْفَ وَهُمْ فِي الْقَوْلِ وَالْكَلَامِ مُعَطِّلُونَ جَاحِدُونَ؛ لَا مُوَحِّدُونَ وَلَا مُخْلِصُونَ؟. وَأَمَّا الْإِيمَانُ بِالرُّسُلِ: فَلَيْسَ فِيهِ لِلْمُعَلِّمِ الْأَوَّلِ وَذَوِيهِ كَلَامٌ مَعْرُوفٌ. وَاَلَّذِينَ دَخَلُوا فِي الْمِلَلِ مِنْهُمْ آمَنُوا بِبَعْضِ صِفَاتِ الرُّسُلِ وَكَفَرُوا بِبَعْضِ. وَأَمَّا الْيَوْمُ الْآخِرُ: فَأَحْسَنَهُمْ حَالًا مَنْ يُقِرُّ بِمَعَادِ الْأَرْوَاحِ دُونَ الْأَجْسَادِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُنْكِرُ الْمَعَادَيْنِ جَمِيعًا. وَمِنْهُمْ مَنْ يُقِرُّ بِمَعَادِ الْأَرْوَاحِ الْعَالِمَةِ دُونَ الْجَاهِلَةِ. وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ لِمُعَلِّمِهِمْ الثَّانِي أَبِي نَصْرٍ الْفَارَابِيِّ. وَلَهُمْ فِيهِ مِنْ الِاضْطِرَابِ مَا يُعْلَمُ بِهِ أَنَّهُمْ لَمْ يَهْتَدُوا فِيهِ إلَى الصَّوَابِ.
    وَقَدْ أَضَلُّوا بِشُبُهَاتِهِمْ مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْمِلَلِ مَنْ لَا يُحْصِي عَدَدَهُ إلَّا الله. نقض المنطق. ص 296-297.
    وقال: وَعُمْدَةُ ابْنِ سِينَا وَأَمْثَالِهِ عَلَى نَفْيِهَا ( أي الصفات ) هِيَ حُجَّةُ التَّرْكِيبِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ صِفَةٌ لَكَانَ مُرَكَّبًا، وَالْمُرَكَّبُ مُفْتَقِرٌ إِلَى جُزْئَيْهِ، وَجُزْءَاهُ غَيْرُهُ، وَالْمُفْتَقِرُ إِلَى غَيْرِهِ لَا يَكُونُ وَاجِبًا بِنَفْسِهِ.
    وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ عَلَى إِبْطَالِ هَذِهِ الْحُجَّةِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ بِسَبَبِ أَنَّ لَفْظَ " التَّرْكِيبِ " وَ " الْجُزْءِ " وَ " الِافْتِقَارِ " وَ " الْغَيْرِ " أَلْفَاظٌ مُجْمَلَةٌ. فَيُرَادُ بِالْمُرَكَّبِ مَا رَكَّبَهُ غَيْرُهُ، وَمَا كَانَ مُتَفَرِّقًا فَاجْتَمَعَ، وَمَا يَقْبَلُ التَّفْرِيقَ، والله سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ هَذَا بِالِاتِّفَاقِ، وَأَمَّا الذَّاتُ الْمَوْصُوفَةُ بِصِفَاتٍ لَازِمَةٍ لَهَا، فَإِذَا سَمَّى الْمُسَمِّي هَذَا تَرْكِيبًا، كَانَ هَذَا اصْطِلَاحًا لَهُ لَيْسَ هُوَ الْمَفْهُومَ مِنْ لَفْظِ الْمُرَكَّبِ. وَالْبَحْثُ إِذَا كَانَ فِي الْمَعَانِي الْعَقْلِيَّةِ لَمْ يُلْتَفَتْ فِيهِ إِلَى اللَّفْظِ فَيُقَالُ: هَبْ أَنَّكُمْ سَمَّيْتُمْ هَذَا تَرْكِيبًا فَلَا دَلِيلَ لَكُمْ عَلَى نَفْيِهِ. وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ نَاظَرَهُمْ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ فِي " التَّهَافُتِ ".... فَهَذِهِ الْحُجَّةُ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا هَؤُلَاءِ الْفَلَاسِفَةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ عَلَى نَفْيِ الصِّفَاتِ، مُؤَلَّفَةٌ مِنْ أَلْفَاظٍ مُجْمَلَةٍ. فَإِذَا قَالُوا:
    " لَوْ كَانَ مَوْصُوفًا بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الصِّفَاتِ لكانَ مُرَكَّبًا، وَالْمُرَكَّبُ مُفْتَقِرٌ إِلَى جُزْئِهِ، وَجُزْؤُهُ غَيْرُهُ وَالْمُفْتَقِرُ إِلَى غَيْرِهِ لَا يَكُونُ وَاجِبًا بِنَفْسِهِ ".
    قِيلَ لَهُمْ: قَوْلُكُمْ: " لَكَانَ مُرَكَّبًا " إِنْ أَرَدْتُمْ بِهِ: لَكَانَ غَيْرُهُ قَدْ رَكَّبَهُ، أَوْ لَكَانَ مُجْتَمِعًا بَعْدَ افْتِرَاقِهِ، أَوْ لَكَانَ قَابِلًا لِلتَّفْرِيقِ، فَاللَّازِمُ بَاطِلٌ، فَإِنَّ الْكَلَامَ هُوَ فِي الصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ لِلْمَوْصُوفِ الَّتِي يَمْتَنِعُ وُجُودُهُ بِدُونِهَا، فَإِنَّ الرَّبَّ سُبْحَانَهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا وَهُوَ لَيْسَ بِحَيٍّ وَلَا عَالِمٍ وَلَا قَادِرٍ، وَحَيَاتُهُ وَعِلْمُهُ وَقُدْرَتُهُ صِفَاتٌ لَازِمَةٌ لِذَاتِهِ.
    وَإِنْ أَرَدْتُمْ بِالْمُرَكَّبِ الْمَوْصُوفَ أَوْ مَا يُشْبِهُ ذَلِكَ. قِيلَ لَكُمْ : وَلِمَ قُلْتُمْ: إِنَّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ؟
    قَوْلُهُمْ: " وَالْمُرَكَّبُ مُفْتَقِرٌ إِلَى غَيْرِهِ ". قِيلَ: أَمَّا الْمُرَكَّبُ بِالتَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ فَهُوَ مُفْتَقِرٌ إِلَى مَا يُبَايِنُهُ، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ عَلَى الله. وَأَمَّا الْمَوْصُوفُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ اللَّازِمَةِ لِذَاتِهِ الَّذِي سَمَّيْتُمُوهُ أَنْتُمْ مُرَكَّبًا، فَلَيْسَ فِي اتِّصَافِهِ هُنَا بِهَا مَا يُوجِبُ كَوْنَهُ مُفْتَقِرًا إِلَى مُبَايِنٍ لَهُ. فَإِنْ قُلْتُمْ: هِيَ غَيْرُهُ، وَهُوَ لَا يُوجَدُ إِلَّا بِهَا، وَهَذَا افْتِقَارٌ إِلَيْهَا. قِيلَ لَكُمْ : إِنْ أَرَدْتُمْ بِقَوْلِكُمْ: " هِيَ غَيْرُهُ " أَنَّهَا مُبَايِنَةٌ لَهُ، فَذَلِكَ بَاطِلٌ . وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّهَا لَيْسَتْ إِيَّاهُ، قِيلَ لَكُمْ : وَإِذَا لَمْ تَكُنِ الصِّفَةُ هِيَ الْمَوْصُوفَ فَأَيُّ مَحْذُورٍ فِي هَذَا؟
    فَإِذَا قُلْتُمْ: هُوَ مُفْتَقِرٌ إِلَيْهَا.
    قِيلَ: أَتُرِيدُونَ بِالِافْتِقَارِ أَنَّهُ مُفْتَقِرٌ إِلَى فَاعِلٍ يَفْعَلُهُ، أَوْ مَحَلٍّ يَقْبَلُهُ؟ أَمْ تُرِيدُونَ أَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لَهَا فَلَا يَكُونُ مَوْجُودًا إِلَّا وَهُوَ مُتَّصِفٌ بِهَا؟ فَإِنْ أَرَدْتُمُ الْأَوَّلَ، كَانَ هَذَا بَاطِلًا، وَإِنْ أَرَدْتُمُ الثَّانِي، قِيلَ: وَأَيُّ مَحْذُورٍ فِي هَذَا؟... منهاج السنة. ج2- ص 164 إلى ص 168.

صفحة 3 من 3 الأولىالأولى 1 2 3

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 2 (0 من الأعضاء و 2 زائر)

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

جميع الموضوعات والمشاركات التي تطرح في الملتقى لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الملتقى، وإنما تعبر عن رأي كاتبها فقط.
وكل عضو نكل أمانته العلمية إلى رقابته الذاتية!.

﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران:98].