طبيعة صراع العلويين وشيعتهم ضد خصومهم السياسيين (1)

يحاول الشيعة تصوير الصراع السياسي الذي قام بين بعض العلويين وشيعتهم وبين خصومهم السياسيين على أنه صراع بين الحق الذي يمثله العلويون وشيعتهم وبين الباطل الذي يمثله عامة الصحابة والأمويون والعباسيون وغيرهم. كما يحاولون تصوير بطش بعض حكام الأمويين والعباسيين ببعض العلويين الذين ثاروا عليهم على أنه محاولة منهم للقضاء على أهل البيت! ولكن الواقع لا يؤيِّد ذلك، بل الأحداث التاريخيّة تشير إلى أنّ الصراع كان صراعا سياسيّاً عصبيّاً.

الموقف السياسي العام للعلويين

لقد كان بعض العلويين (سلالة عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه) يرون أن عشيرتهم أفضل –بحكم القرابة من الرسول صلى الله عليه وسلم- من عشيرة الأمويين وعشيرة العباسيين، وأنهم أولى بالخلافة من غيرهم، فأعلنوا الثورة على السلطتين الأموية أو العباسية بغرض الوصول إلى الحكم، وغالباً ما كان يدفعهم إلى ذلك أهل العراق وخراسان.

وفي المقابل لم يكن كثير من العلويين يطمحون إلى الحكم، بل كانوا متعايشين أو متعاونين مع السلطة القائمة، ينعمون بما تقدمه لهم من العطايا، ويعيشون في سلم وأمان.

وثار بعض العلويين بسبب ما أصابهم من ظلم أو إهانة وليس سعيا إلى الحكم، مثل ما وقع مع يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد (ت 249هـ). فقد ذكر اليعقوبي سبب ثورته بقوله: "وكان يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام بسُرّ مَنْ رَأَى فأتى بَعْضَ الولاةِ في حاجة فلقيه بما لا يُحِبّ فخرج إلى الكوفة واجتمع إليه الناس فوثب بالكوفة وفتح الحبس وأطلق من كان فيه وأخرج عامل الكوفة وقوي أمره وكثر أتباعه...ثم انهزم أصحاب يحيى عنه وقُتِل في المعركة وحُمِل رأسه إلى محمد بن عبد الله بن طاهر...".([1]) من خلال هذه الأحداث يتبين أن سبب ثورة هذا الرجل من أحفاد عليّ بن أبي طالب لم يكن المطالبة بحقّ آل عليّ في الخلافة، وإنما كانت بسبب سوء المعاملة التي لقِيَها من الوالي.

استغلال شعار "آل البيت"

لقد كان من أهل خراسان والعراق من يرى عن قناعة أنّ العلويين والعباسيين أولى بالخلافة من غيرهم بحكم قرابتهم من النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولكن بعضهم كان متضايقاً من بعض الولاة الظلمة فتحرّكت في نفوسهم بواعث الثّورة والتمرّد، وكان أفضل غطاءٍ لتلك الثورة هو شعار آل البيت؛ لأنّ ذلك يعطي للثورة مشروعيّة دينيّة بحكم القرابة من الرسول صلى الله عليه وسلم، ومشروعية قَبَلِيّة بحكم كونهم من قريش.

كما أن بعض الداخلين الجدد في الإسلام من غير العرب -الذين اصطُلِحَ على تسميتهم في ذلك العهد بـ"الموالي"- كان لهم طموحهم السياسي بأن يكون لهم مكان في إدارة دواليب الحكم، خاصّة أنهم أصحاب رصيدٍ سياسيّ وحضاريّ، ولا يمكن أن يقبلوا بالعيش على هامش الأحداث السياسية. وفي مجتمع تسوده ثقافة العصبيّات لا يمكن لأيّ شخص أن يَطْلُبَ الزّعامة فيجد النُّصرة على ذلك، بل لابُدّ لكلّ طالبِ زعامةٍ من راية خفّاقة تكون كَلِمَتُها مسموعة لدى عصبيّة من العصبيّات يتستَّرُ بِسِتَارِهَا ويَعْمَلُ باسمها. وكانت راية "آل البيت" من أفضل الرّايات التي يلجأ إليها الطامحون إلى الحكم؛ فهو شعار يحمل مرجعيّة دينيّة بحكم انتساب أصحابه إلى صاحب الرسالة الإسلامية صلى الله عليه وسلم، كما أنهم أهل عصبيّة لها ماضيها العريق في وسط قريش والقبائل العربية.

ومن أبرز الأمثلة التي سجلها التاريخ لأولئك الطامحين إلى الحكم الذين رفعوا راية "آل البيت" من أجل تحقيق طموحاتهم السياسية ثورة المختار بن أبي عبيد الثقفي.
يقول اليعقوبي: "فخرج المختار إلى الحجاز فكان مع ابن الزبير فلمّا لم يَرَ ابن الزبير يستعمله شَخَصَ إلى العراق فَوَافَى وقد خرج سليمان بن صرد الخزاعي يطلب بدم الحسين عليه السلام، فلمّا صَارَ إلى الكوفة اجتمعت إليه الشيعة فقال لهم: إنّ محمد بن عليّ بن أبي طالب بعثني إليكم أميراً وأَمَرَنِي بقتال الـمُحِلِّين، والطّلب بدماء أهل بيته المظلومين، وإنّي والله قاتل ابن مرجانة، والمنتقم لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن ظلمهم. فصدّقه طائفة من الشيعة، وقالت طائفة نخرج إلى محمد بن عليّ فنسأله فخرجوا إليه فسألوه فقال: ما أحبّ إلينا من طَلَبَ بثأرِنا وأخذَ لنا بحقِّنا وقَتَلَ عدوَّنا، فانصرفوا إلى المختار فبايعوه وعاقدوه".([2])

ويروي المسعودي فصولاً أخرى من قصّة المختار بن أبي عبيد الثقفي، فيقول: "فقال المختار بن أبي عبيد الثقفي لابن الزبير: إني لأعرف قوماً لو أنّ لهم رجلاً له رِفْقٌ وعلم بما يأتي لاستخرجَ لَكَ منهم جُنْداً تغلب بهم أهل الشام، فقال: مَن هم؟ قال شيعة بني هاشم بالكوفة، قال: كُنْ أنت ذلك الرجل، فبعثه إلى الكوفة، فنَزل ناحية منها، وجعل يُظْهِر البكاء على الطالبيين وشيعتهم، ويظهر الحنين والجَزَع لهم، ويحثُ على أَخْذِ الثّأر لهم، والمطالبة بدمائهم، فمالت الشيعة إليه، وانضافوا إلى جملته، وسار إلى قصر الإمارة فأخرج ابن مطيع منه، وغلب على الكوفة، وابْتَنَى لنفسه داراً، واتّخذ بستاناً أنفق عليه أموالاً عظيمة أخرجها من بيت المال، وفرّق الأموال على الناس بها تفرقةً واسعة، وكتب إلى ابن الزبير [يعلمه أنه إنما أخرج ابن مطيع عن الكوفة لعجزه عن القيام بها، ويسوم ابن الزبير] أن يحسب له بما أنفقه من بيت المال، فأبى ابن الزبير ذلك عليه، فخلع المختار طاعته، وجحد بيعته، وكتب المختار كتاباً إلى عليّ بن الحسين السجاد يريده على أن يبايع له، ويقول بإمامته، ويظهر دعوته، وأنفذَ إليه مالاً كثيراً، فأبي عليٌّ أن يقبل ذلك منه أو يجيبه عن كتابه، وسَبَّهُ على رؤوس الملأ في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وأظهر كذبه وفجوره، ودخوله على الناس بإظهار الميل إلى آل أبي طالب، فلما يئس المختار من عليّ بن الحسين كتب إلى عمّه محمد بن الحنفية يريده على مثل ذلك، فأشار عليه عليّ بن الحسين أن لا يجيبه إلى شيء من ذلك، فإنّ الذي يحمله على ذلك اجتذابُه لقلوب الناس بهم، وتقرُّبُه إليهم بمحبّتهم، وباطنه مخالف لظاهره في الميل إليهم، والتولِّي لهم، والبراءة من أعدائهم، بل هو من أعدائهم لا من أوليائهم، والواجب عليه أن يُشْهِر أمره ويظهر كذبه، على حسب ما فعل هو وأظهر من القول في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى ابنُ الحنفية ابنَ عباس فأخبره بذلك، فقال له ابن عباس: لا تفعل، فإنك لا تدري ما أنت عليه من ابن الزبير، فأطاع ابن عباس وسكت عن عيب المختار. واشتدّ أمر المختار بالكوفة، وكثر رجاله، ومال الناس إليه، وأقبل يدعو الناس على طبقاتهم ومقاديرهم في أنفسهم وعقولهم، فمنهم من يخاطبه بإمامة محمد بن الحنفية، ومنهم من يدفعه عن هذا فيخاطبه بأن المَلَكَ يأتيه بالوحي ويخبره بالغيب، وتَتَبَّع قَتَلَةَ الحسين فقتلهم: قتلَ عمرو بن سعد بن أبي وقاص الزهري، وهو الذي تولّى حرب الحسين يوم كربلاء وقتله ومن معه، فزاد ميلُ أهل الكوفة إليه ومحبّتهم له".([3])

فأنت ترى من هذه النصوص أنّ المختار بن أبي عبيد كان طامحاً للسلطة، وإنما ترك عبد الله بن الزبير لأنه لم يُحقِّق له رغباته. وقد استطاع أن يستولي على الكوفة بخيانة عبد الله بن الزبير من جهة واستعطاف الناس بالدعوة إلى آل عليّ بن أبي طالب والثأر لهم من جهة أخرى، ولَمّا نزع عنه عبد الله بن الزبير غِطاء المشروعية توجّه إلى آل عليّ بن أبي طالب يطلب المشروعيّة عندهم تحت شعار "آل البيت"، فعرض الأمرَ على عليّ بن الحسين فرفض وفَضَحَه أمام الناس في المدينة، فلجأ بعدها إلى محمد بن الحنفية الذي كان له طموح لتولّي الخلافة فأقرّه على أعماله.
والنصّان صريحان في أنّه لا أحد من العلويين طلب من المختار بن أبي عبيد الدعوة إليه، ولا نصبه واحدٌ منهم أميراً على شيعة العلويين، وإنما هو ادّعى ذلك من عند نفسه ثمّ أقرّه محمد بن الحنفية بعد ذلك على تلك الإمارة والمضيِّ في مشروعه.

وعلى الرغم من الإجرام الذي اتّصف به المختار بن أبي عبيد الثقفي وادعائه أنه يأتيه الـمَلَك ويوحى إليه، وإعلان زين العابدين علي بن الحسين تبرُّأه منه،([4]) إلا أن بعض الشيعة يدافعون عنه لأنه أشفى غليلهم بقتل الذين اشتركوا في قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما، ويقولون إن ما فعله زين العابدين علي بن الحسين من البراءة من المختار بن أبي عبيد ولعنه علانية في المسجد كان من باب التّقيّة فقط.

وقد تفطَّنَ أبو عبد الله جعفر الصادق لمحاولات استغلال آل البيت العلوي من قِبَل أولئك الطامحين إلى السلطة، فرفض أن يَسْقُط فيما سقط فيه جَدُّهُ الحسين بن عليّ رضي الله عنهم. فقد أورد المسعودي أنّ أبا سلمة حفص بن سليمان أحد قادة الدعوة العباسية لما بلغه مقتل إبراهيم الإمام -إمام الدعوة العباسية في ذلك الوقت- قَرَّرَ العدول عن الدعوة للعباسيين وتغيير الدعوة إلى آل أبي طالب، فأرسل رسوله بنسختين من رسالة يعرض فيها الإمامة على كلّ من: جعفر الصادق، وأبي محمد عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب. فرفض أبو عبد الله جعفر الصادق الاستجابة لذلك العرض، وأحرق الرسالة قبل قراءتها، وقَبِلَ به أبو محمد عبد الله بن الحسن. وقد دار حوار بين جعفر الصادق وأبي محمد عبد الله بن الحسن، قال فيه جعفر الصادق: "يا أبا محمد ومتى كان أهل خراسان شيعة لك؟ أنت بعثت أبا مسلم إلى خراسان؟ وأنت أمرته بلبس السواد؟ وهؤلاء الذين قدموا العراق أنت كنت سبب قدومهم أو وجَّهْت فيهم؟ وهل تعرف منهم أحدا؟ فنازعه عبد الله بن الحسن الكلام، إلى أن قال: إنما يريد القومُ ابني محمداً لأنّه مهديُّ هذه الأمة. فقال أبو عبد الله جعفر: والله ما هو مهديّ هذه الأمة، ولئن شَهَرَ سيفه لَيُقْتَلَنّ، فنازعه عبد الله القول، حتى قال له: والله ما يمنعك من ذلك إلاّ الحسد، فقال أبو عبد الله: والله ما هذا إلاّ نُصْحٌ منّي لك، ولقد كَتَبَ إليّ أبو سلمة بمثل ما كتب به إليك، فلم يجد رسولُه عندي ما وجد عندك، ولقد أحرقتُ كتابه من قبل أن أقرأه، فانصرف عبد الله من عند جعفر مغضباً".([5])

والأمر ذاته وقع مع كلٍّ من زيد بن علي بن الحسين وأخيه محمد بن علي بن الحسين (محمد الباقر)، فقد طلب أهل الكوفة من زيد بن عليّ أن يقدم عليهم ليبايعوه بالخلافة وينصروه فاستشار أخاه محمد الباقر "فأشار عليه بأن لا يركن إلى أهل الكوفة؛ إذْ أنهم كانوا أهل غَدْر ليس لهم وفاء، وقال له: بها قُتِلَ جَدُّكَ عليٌّ، وبها طُعِنَ عمّك الحسن [وبها قتل أبوك الحسين] وفيها وفي أعمالها شُتِمْنا أهلَ البيت...فأبى إلاّ ما عزم عليه من المطالبة بالحقّ، فقال له: إني أخاف عليك يا أخي أن تكون غداً المصلوب بكُناسة الكوفة، وودعه أبو جعفر وأعلمه أنهما لا يلتقيان".([6]) وقد حصل ما توقعه جعفر الصادق.

ولم يقف الأمر عند حدّ تضايق أهل البيت العلوي ممن يصفون أنفسهم بأنهم شيعتهم والتّبَرُّؤ من بعضهم ولعنهم علانية، بل إن بعض أبناء عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وصل به الرّفض لِمَا يفعله الشيعة باسمهم إلى حدّ مقاتلة بعض زعماء الشيعة الذين كانوا يزعمون أنهم يقاتلون باسم آل عليّ واسترجاع حقِّهم المسلوب والثأر لهم! فقد أورد اليعقوبي أنّ عبيد الله بن عليّ بن أبي طالب كان يقاتل في صفوف مصعب بن الزبير ضدّ المختار بن أبي عبيد الثقفي الذي كان يقود شيعة العراق ويزعم أنّه يمثّل محمد بن عليّ بن أبي طالب (محمد ابن الحنفية) وأنه يأخذ بثأر آل عليّ رضي الله عنهم، وفي ذلك يقول: "وكان عبيد الله بن عليّ بن أبي طالب مع مصعب بن الزبير فجعل مصعب يقول: يا أيها الناس المختار كذَّاب وإنما يغُرُّكُم بأنه يطلب بدم آل محمد وهذا وليُّ الثَّأْر -يعني عبيد الله بن علي- يزْعم أنّه مُبْطِل فيما يقول".([7])

([1]) اليعقوبي. تاريخ اليعقوبي. ج3. ص121.
([2]) اليعقوبي. تاريخ اليعقوبي. ج3. ص5-6.
([3]) المسعودي. مروج الذهب ومعادن الجوهر. ج3. ص83-84.
([4]) روى ابن سعد في طبقاته: "أنّ عليّ بن حسين قام على باب الكعبة فلعن المختار، فقال له رجل: جعلني الله فداك، تلعنه وإنما ذُبِحَ فيكم؟ فقال: إنّه كان كَذّاباً يكذب على الله وعلى رسوله". ابن سعد. الطبقات الكبرى. ج5. ص164.
([5]) المسعودي. مروج الذهب ومعادن الجوهر. ج3. ص269.
([6]) المرجع نفسه. ج3. ص217.
([7]) اليعقوبي. تاريخ اليعقوبي. ج3. ص10.