هل يقع الطلاق بالنية المجردة عن اللفظ ؟
اختلف الفقهاء في ذلك علي مذهبين
المذهب الأول: يري أصحابه عدم وقوع الطلاق في هذه الحالة.
قال جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية في المشهور عندهم والشافعية والحنابلة.
يقول السرخسي وهو بصدد الحديث عن الطلاق بإشارة الأخرس لا يتبين بإشارته حروف منظومة فبقي مجرد قصده الإيقاع وبهذا لا يقع شيء الا تري أن الصحيح لو أشار لا يقع شيء من التصرفات بإشارته "
وهذا يفيد عدم وقوع الطلاق بمجرد النية ، لأنه إذا كان لا يقع بإشارة الصحيح فأولي أن لا يقع بنيته المجردة.
وجاء في المغني لأبن قدامه: لا يقع الطلاق إلا بلفظ فلو نواه بقلبه من غير لفظ لم يقع.
الاستدلال علي ذلك:
ما روي عن ابي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت بها أنفسها ، مالم تعمل به أو تتكلم.
التوضيح:
لما كان الطلاق أحد طرفي النكاح ، ولما لم يصح النكاح بمجرد النية فكذلك الطلاق ـ ولأن خطرات القلب مغفورة للعباد إذا كانت فيما فيه ذنب فكذلك يلزمها حكمها في الأمور المباحة ـ ولأن اللفظ هو المعبر عما في النفس من الإرادة والعزم ، والقطع بذلك إنما يكون بعد مقارنة القول للإرادة فلا تكون الإرادة وحدها من غير قول ، فعلاً يعتد به وتترتب عليه أحكام العباد.
المذهب الثاني :ويري أصحابه وقوع الطلاق بالنية المردة.
قال بذلك مالك في الرواية غير المشهورة .
الاستدلال علي ذلك:
1- قوله تعالي : ( إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله(
"حيث أن اعمال القلوب في الثواب والعقاب كأعمال الجوارح ، ولهذا يثاب الحب والبغض والموالاة والمعاداة وعلى الله التوكل والرضى والعزم والطاعة ويعاقب علي الكبر والحسد ......." زاد المعاد جــــــــــ5،ص184
الرد: ليس في الآية أن المحاسبة بما يخفيه العبد ، ثم هو مغفور له أو معذب فإين هذا من وقوع الطلاق بالنية فالآية خارج محل النزاع.
2- ما روي عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلي الله عليه وسلم قال " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى"
قالوا : وهو صريح في اعتبار النية والمؤاخذة عليها.
الرد: نوقش هذا الحديث بأنه حجة عليهم ، لا لهم ، لأنه عليه السلام أخبر أن العمل مع النية هو المعتبر ، وليس النية وحدها " الثواب الأخروي فلم يخل فيه نية الطلاق.
3- ولأنه لما وقعت الفرقة بين الزوجين بنية الردة جاز أن تقع كذلك بنية الطلاق
الرد: نوقش هذا بأن من أعتقد الكفر بقلبه أو شك فهو كافر، لزوال الإيمان الي هو عقد القلب مع الإقرار ، فإن زال العقد الجازم كان نفس زواله كفراً فإن الإيمان أمر وجودي ثابت بالقلب فما لم يقم بالقلب حصل ضده وهو الكفر وهذا كالعلم والجهل إذا فقد العلم حصل الجهل وكذلك كل نقيضين اذا زال احدهما خلفه الآخر وليس كذلك الطلاق.
4- ولأن حظ النطق إفهام الغير والتعبير عما في النفس هو الوسيلة الأهم في التعبير عما يدور في النفس والوسيلة المثلي لإفهام الآخرين وهذا أمر مطلوب كذلك في الطلاق فلا يكتفي فيه بالنية المجردة اذ كيف نعلم بحدوث الطلاق من عدمه فنحن كبشر نحكم الظاهر والله يتولى السرائر .
5- أن المصًر علي المعصية يقضي فسقه ويؤاخذ علي إصراره وإن لم يفعل المعصية فكذلك الطلاق إذا أضمره في نفسه وعزم عليه.
الرد: اجيب عن ذلك بأن مؤاخذة المصًر على معصيته والحكم بفسقه إنما فيمن هو عمل المعصية ثم أصر عليها ، فهذا عمل اتصل به العزم علي معاودته فهذا هو المصًر وأما من عزم علي المعصية ولم يعملها فهو بين أمرين : إما أن تكتب عليه ، وأما أن تكتب له حسنة إذا تركها لله عز وجل .
الترجيح:
بعد عرض مذاهب الفقهاء وأدلتهم في هذا الصدد فالذي تطمئن وتسكن اليه النفس هو ما قال به جمهور الفقهاء من عدم وقوع الطلاق بالنية المجردة لقوة ما استدلوا به وللرد علي دليل المخالف فضلا عن أن الزواج قد ثبت بيقين بالعقد فلا يزول ولا يرتفع اثره إلا بيقين والنية المجردة لا تقوى علي ذلك إذ هي حديث النفس والشخص قد ينوي الشيء ويفعله وقد لا يفعله فاحتاج الأمر الي تعضيد النية وتقويتها باللسان أو ما ينوب عنه إذ هو المعبر عما تختلج به النفس وما يدور في القلب .
ولذلك قالوا:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل للسان علي ما في الفؤاد دليلا

موقف القانون الأحوال الشخصية المصري والإماراتي :
يفهم من نص المادة الرابعة من قانون الأحوال الشخصية المصري رقم 25لسنة1929 والمعدل بالقانون 100لسنة 1985والتى جاء فيها:
"كنايات الطلاق ، وهي ما تحتمل الطلاق وغيره لا يقع بها الطلاق الا بالنية "
أن الطلاق بالنية المجردة عن اللفظ لا يقع لأنه اذا كان اللفظ النكائي كقول الزوج لزوجته وقت الخلاف والغضب : اذهبي الي بيت أهلك ، لا يقع به الطلاق دون البحث عن قصد الزوج، فأولي أن لا يقع الطلاق بقصده المجرد.
والقول كذلك في قانون الأحوال الشخصية الإماراتي حيث جاء في المادة 99 منه:
1- الطلاق حل عقد الزواج الصحيح بالصيغة الموضوعة له شرعاً.
2- يقع الطلاق باللفظ أو الكتابة وعند العجز عنهما فبالإشارة المفهومة.
حيث أفادت المادة بفقرتيها أن الطلاق لا يقع الا بالصيغة التي تفيد وقوعه شرعا ويدل علي هذه الصيغة اللفظ أو الكتابة او الإشارة في حالة العجز عنهما متي كانت مفهومة .
فحصر وسائل الصيغة في اللفظ والكتابة والإشارة يفيد أن النية المجردة يقع بها الطلاق .
وهذا ما أكدته المذكرة الإيضاحية بصدد حديثها عن اللفظ النكائي بقولها :
"أما اللفظ النكائي فهو الذي يحتمل الطلاق وغيره ، فلا يقع به الطلاق الا بالنية ........ولا يمكن إثبات النية إلا بتصريح المتكلم نفسه ......"
وهو ظاهر في أن النية مالم يفصح عنها مظهر خارجي ، لا يعتد بها في الطلاق.