الأعياد المنصوص عليها فى الاسلام
كثر في الغرب تخصيص أيام بعينها في السنة للاحتفال بشيء يرغبون في تذكير المجتمع به؛ لأنهم يشعرون بأهميته، أو لأنهم يشعرون بإهمال في حقّ جانب أو شخص أو فئة اجتماعية، فيبحثون عن مناسبة لتذكير المجتمع بها، وهذا هو المنطلق والأساس لفكرة الأعياد والأيام التي كثر تخصيصها في الغرب، مثل: يوم المرأة، ويوم الطفل، ويوم الأم، ويوم العمال… إلخ.
وهم في هذا لا ينطلقون فيما يبتدعونه من دين أو شرع، وإنما يخترعون هذه الأعياد بمحض أهوائهم ونظرتهم وحاجاتهم الاجتماعية، فعيد العمال نابع من رغبتهم في مراعاة حقوق العمال وإنصافهم، وعيد المرأة لأنهم يرون المرأة مسلوبة الحقوق مظلومة في مجتمعاتهم، ويوم الطفل لأن الطفل يتعرض في الغرب لأمراض اجتماعية كثيرة، وعيد الأم نبع من علل وأمراض في مجتمعات ليس لديها شرع صحيح تقوم عليه، ففي المجتمعات الغربية قصور كبير في علاقاتهم الاجتماعية، ولا سيما علاقة الأبناء بالأمهات، ولعلاج هذا القصور ابتدعوا عيدًا يعالجون به تقصيرهم وإهمالهم وعقوقهم في يوم واحد في السنة، وهكذا ظهرت هذه البدعة لتلبي تلك الرغبة المحدودة.
وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- عن وقوع متابعة أمته للأمم السابقة من اليهود والنصارى والفرس، وليس هذا من المدح لفعلهم هذا، بل هو من الذم والوعيد، فعن أبي سعيد –رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لتتبعن سَنن من قبلكم، شبرًا بشبرٍ وذراعًا بذراعٍ، حتى لو سلكوا جحر ضبٍّ لسلكتموه"، قلنا: يا رسول الله: اليهود والنصارى؟! قال: "فمن؟!". رواه البخاري ومسلم.
وعن أبي هريرة –رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبرًا بشبرٍ وذراعًا بذراعٍ"، فقيل: يا رسول الله: كفارس والروم؟! فقال: "ومن الناس إلا أولئك؟!". رواه البخاري. وأخذ القرون هو: المشي على سيرتهم.
وقد تحقق ما قاله -صلى الله عليه وسلم-، وتابع جهلة هذه الأمة ومبتدعتها الأمم السابقة من اليهود والنصارى والفرس في عقائدهم ومناهجهم وأخلاقهم وهيئاتهم، ومما يهمّنا الآن أن ننبّه عليه هو اتباعهم ومشابهتهم في ابتداع "عيد الأم"، وهو اليوم الذي ابتدعه النصارى تكريمًا -في زعمهم- للأم، فصار يومًا يصل فيه الناس أمهاتهم ويبعثون لهن الهدايا والرسائل، فإذا انتهى اليوم عادت الأمور لما كانت عليه من القطيعة والعقوق.
أيها المسلمون: تنبع مشكلة كثير من الأعياد المبتدعة المخترعة لدى بعض الناس من أنها تحمل معنى جميلاً، لكنها في الوقت نفسه أعياد تخالف الشرع وتتعارض مع هدي الكتاب والسنّة، فالناس متفقون على وجوب البر بالأم ووجوب تكريمها ورعاية حقوقها؛ لأنه أمر فطري وإن قصّر فيه بعضهم، وهذا هو المعنى الجميل الذي من أجله يتبع كثير من الناس الغرب في الاحتفال بما يُسمى عيد الأم، لكن تخصيص يوم محدد في العام للاحتفال بالأم يتعارض مع تحديد الشرع لأعياد المسلمين بعيدين لا ثالث لهما، عَنْ أَنَسٍ –رضي الله عنه- قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الْمَدِينَةَ وَلأَهْلِ الْمَدِينَةِ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَقَالَ: "قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ وَلَكُمْ يَوْمَانِ تَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ يَوْمَيْنِ خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ النَّحْرِ". رواه أحمد.
عباد الله: المعاني الجميلة والأشياء التي تحتاج إلى تقديرٍ كثيرةٌ، ولا يختلف أحد في أنها تستدعي الذكر والإشادة والاحتفال، ولكن هل يعني ذلك أن نقوم بعمل احتفال خاص لها دون اهتمام بمراعاة حدود الإسلام وضوابطه في الاحتفال والأعياد؟! الجواب: لا؛ لأن في ديننا ضوابط وأحكامًا يجب أن نسير عليها، والشر كل الشر في مخالفتها، قال -عز وجل-: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)، فمهما كان في هذا الاحتفال من معان جميلة فإنها لا تُخرجه عن كونه بدعة؛ لأنه أولاً ليس من أمر الإسلام، قال -صلى الله عليه وسلم-: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد". أخرجه مسلم.
ثانيًا: ليس هناك دليل على تخصيص الأم باحتفال؛ لأنها قامت بتربية أولادها وتعبت في تنشئتهم، ولو كان هذا حقًا لما تركه الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولبيّنه للناس، كيف وهو الذي عرّفنا قدر الأم ومنزلتها وحقوقها؟!
ثالثًا: ليس هناك دليل على تخصيص يوم محدد بعينه لهذا الاحتفال، فالإسلام وصى بتكريم الأم، ورفع من قدرها ومكانتها، ونبّه على حقوقها، ومع ذلك لم يأمر بتخصيص يوم معين لتكريمها والاحتفال بها.
رابعًا: ليس هناك دليل على تخصيص يوم 21 مارس أو غيره من الأيام من كل عام للاحتفال بهذا اليوم، إنما هي أهواء لا أساس لها في الشرع.
خامسًا: أن الاحتفال بهذا اليوم موافق لاحتفال المجوس وغيرهم بعيد وثني هو النيروز، وهو بدء فصل الربيع.
سادسًا: أن تعظيم هذا اليوم تحوّل إلى عقيدة تربّت عليها أجيال، حتى رأوها من واجبات البر بالأم، وهذا من النتائج التي يُنهى عن البدع من أجلها.
سابعًا: أن في الاحتفال به موافقة لليهود والنصارى في أعيادهم، وهذا ما يخالف مقصود الشرع، حيث شرعت لنا في الإسلام كثير من العبادات على وجه وكيفية قُصد بها من ضمن ما قُصد مخالفة الكفار، والبُعد عن التشبه بهم وموافقتهم؛ سواء في الوقت، أم في المكان، أم في المناسبة، أم في الكيفية، أم في الجهة.
ثامنًا: أنه عيد ليس له أصل في شرعنا ولا في شرعهم، ولا نزل به أمر في كتاب من كتب الأنبياء -عليهم السلام-، بل لم يؤثر عن أحد في كتاب لا في الصحيح ولا في الضعيف من الأحاديث والروايات، قال شيخ الإسلام: "فليس النهي عن خصوص أعيادهم، بل كل ما يعظمونه من الأوقات والأمكنة التي لا أصل لها في دين الإسلام، وما يحدثونه فيها من الأعمال يدخل في ذلك".
الإسلام ينشئ المجتمعات ابتداءً على مراعاة الحقوق؛ ما يمنع ظهور الأمراض الاجتماعية، وانظروا إلى الأم كيف كرّمها الإسلام أحسن تكريم فجعل البر بها والتذكير بحقوقها حقًا مشروعًا طوال السنة كلها، بل إن حقها أعظم وأجل من أن يدرك في العمر كله وليس في يوم في السنة.
ومن عدل الإسلام أنه لم يهدر حق الأب أو يهمله، لكنه سبحانه وزع الحقوق بالعدل بينهما، قال تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا)، فهنا ذكر الله تعالى حق الوالدين معًا.
أما نسبة حق الأم إلى حق الأب فقد جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟! قَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "أُمُّكَ"، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟! قَالَ: "أُمُّكَ"، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟! قَالَ: "أُمُّكَ"، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟! قَالَ: "ثُمَّ أَبُوكَ". رواه البخاري. ومقتضاه أن يكون للأم ثلاثة أمثال ما للأب من البر، وكان ذلك لصعوبة الحمل ثم الوضع ثم الرضاع، فهذه تنفرد بها الأم وتشقى بها ثم تشارك الأب في التربية، وقد وقعت الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَاَمَيْنِ)، فسوَّى بينهما في الوصاية، وخص الأم بالأمور الثلاثة.