مقدمة:
إن السِّياسَةُ الشَّرعِيَّةُ: رِعَايَةُ شُؤونِ الأُمَّةِ فِي الداخِل والخَارج بمَا لَا يُخالِف الشَّرِيعَةَ الإِسلامِيَّة.
وَقَد عَرَّفَهَا خَلَّافٌ بقَولِهِ: " هِي تَدبِيرُ الشُّؤونِ العَامَّة للدَّولَةِ الإِسلامِيَّةِ بِمَا يَكفُلُ تَحقِيقَ المَصالِح وَدَفعَ المَضَار, ممَّا لَا يَتعدَّى حُدودَ الشَّرِيعَة وَأُصولهَا الكليَّة وَإِنْ لَمْ يَتَّفِق وَأَقوالَ الأئمَّة المُجتَهِدِين".

وَمَعنَى قَولِه:"وَإِنْ لم يَتَّفِق وَأَقوالَ الأئمَّةِ المُجتَهِدِين ":
أَنَّ السِّياسَةَ الشَّرعِيَّةَ لَيسَت حَكْرًا علَى الأئمَّة المُتقدِّمِين؛ بلْ لَا بأسَ مِن أنْ يَجتَهِدَ العَالِمُ المُتبَحِّرُ مِن أُولِي الأَمرِ فِيمَا يَجِدُّ لِلأُمَّة مِن الأَحداث وَمَا يَنزِلُ بهَا مِن النَّوازِل, وَلِذلِك قَالَ:" فالسِّياسَةُ الشَّرعِيَّةُ علَى هَذا هِي العَمَلُ بالمَصالِح المُرسَلَة؛ لأنَّ المَصلَحَةَ المُرسَلَةَ هِيَ التِي لَم يَقُم مِنَ الشَّارِعِ دَلِيلٌ علَى اعتِبَارِهَا وَلَا علَى إِلغَائها".

إِذَنْ يَدُورُ أَمرُ السِّياسَة علَى الإِصلاحِ وَالتَّدبِيرِ وَالرِّعَايَةِ, وَالاجتِهَادِ وَالعَمَل, وَإِدارَةِ الشُّؤون وَالأُمور العَظِيمَة, وَأَماكِنِ الدَّولَةِ الثَّقِيلَة؛ كَالوزارَاتِ وَالجُيوش وَالمُعاهَداتِ الدَّولِيَّةِ وَالدُّوَلِ المُجاوِرَة.

فهذا البحث حول سياسة النبي
صلى الله عليه وسلم الخارجية في أنموذج صلح الحديبية، وسيكون الحديث فيها حول ما يتيسر استخراجه من الفوائد المتعلقة بالسياسة الشرعية من هذا الصلح ثم نبذة فقهية حول الصلح وضوابطه، وبالله التوفيق:
نبذة عن الغزوة (1)
الحديبية هي قرية متوسطة سميت بذلك لبئر كان فيها، فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال كنا مع النبي
صلى الله عليه وسلم؛ أربعة عشرة مائة، والحديبية بئر، فنزحناها فلم نترك فيها قطرة. (2)
وكانت في السنة السادسة بالإجماع، نقله ابن كثير في البداية والنهاية وغيره.

الفوائد من الصلح:
نمر على ذكر مقاطع من الغزاة دون التعرض لتفاصيل نذكر بعد سياقها الفوائد السياسية منها:
ذكر أهل السير أن النبي
صلى الله عليه وسلم أخبر أصحابه أنه رآهم يدخلون المسجد الحرام محلقين رؤوسهم ومقصرين. وهذا مصداق ما جاء في سورة الفتح {لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ} [الفتح: 27]. ويشهد له ما جاء عن عمر بن الخطاب في مراجعته النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري في صحيحه، ويأتي أن شاء الله.

__________________________ ____________
(1)
كذا يسمي أهل السير كل وقعة وجد النبي فيها، وتسمى كذلك "صلح الحديبية"
(2) أخرجه البخاري (4150
)



فهذا فيه فائدة بشارة الرعية بما يسرهم حين بروز علامات خير في البلاد أو نحوه مما يبعث الأمل في قلوب الرعية.
ومما يستفاد من الأحداث التي قبل الخروج إلى مكة وإبرام الصلح، استعمل النبي
صلى الله عليه وسلم على المدينة نميلة بن عبد الله الليثي. "استنفر العرب ومن حوله من أهل البوادي من الأعراب ليخرجوا معه، وهو يخشى من قريش الذي صنعوا، أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت، فأبطأ عليه كثير من الأعراب، وخرج رسول الله بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق من العرب" (2)
وقد وصف الله تعالى حال هؤلاء الأعراب وأنهم تخلفوا عمداً، فقال: { سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا. يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ، قل فمن يملك لكم من الله شيئاً إن أراد بكم ضراً أو أردا بكم نفعاً ، بل كان الله بما تعملون خبيراً. بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا }
ويفهم من رواية البخاري أن المسلمين كانوا يحملون أسلحتهم استعداد للدفاع عن أنفسهم في حالة الاعتداء عليهم. (2)
وهذا فيه:
-1- عدم ترك الخليفة الأكبر مكان خلافته بلا وال يقوم على شؤونها لئلا تحدث الفوضى في غيابه وفي استخلف نبي الله موسى لهارون على بني إسرائيل
أسوة، وفيه شاهد لمن قال بوجوب تنصيب الخليفة وشدة حاجة الأمة إليه.
-2- اظهار الاستعداد لمواجهة حال القرب من دار الحرب حتى إن لم تكن اللإمام نية القتال من باب الإرهاب المعنوي لئلا يظهر للعدو ضعفاً فيعتدي عليه .
-3- عدم إظهار السلطان التردد للجيش والمضي فيما ظهر له فيه صلاح أمته ولو قلت الفئة المساندة له،ولئلا يتسبب في زعزعة ثقة الرعية، لعدم رجوع النبي
ï·؛ رغم عدم إتباع الأعراب له، إلا أن يتبين له عدم المصلحة، فالرجوع للحق فضيلة.
وبعث بين يديه بسر بن سفيان الخزاعي الكعبي عينا له إلى قريش ليأتيه بخبرهم. (3) ولما أتى العين للنبي ï·؛ بخبر الأحابيش والجموع ليصدوه عن البيت ويقاتلوه، استشار أصحابه وقرر المضي في ما أراد من أداء العمرة ومن صدهم قاتلوه.
وفي قصة الصلح : دعوةٌ إلى الصَّبر عند اشتداد استفزاز الكفَّار، فقد حصَل منهم استفزازٌ للمسلمين عند كتابة الصُّلح وبعد كتابته، وممَّا حصل: محاولةُ ثمانين من قريشٍ مهاجمةَ المسلمين على غِرَّة،


_________________________ ______
(1)
السيرة لابن إسحاق
(2) السيرة في ضوء المصادر الأصلية للد. مهدي رزق الله
(3) ن .م






ثمَّ محاولةٌ أخرى في ثلاثين رجلاً(1)، وقد أَسِرَهُم المسلمُون وانتظروا فيهم حُكمَ النَّبِيِّ
ï·؛ الَّذي أمر بإطلاق سَراحهم. فيما رواه مسلم.

قال محمد بن الحسين رحمه الله في الشريعة: «وقد قال لله عز وجل { وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ }وفي هذه الآية تفضل النبي صلى الله عليه وسلم على جماعة من أهل مكة ، ظفر بهم النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن كانوا مكروا به ، فلم يبلغهم الله تعالى ما أرادوا من المكر، وظفر بهم ، فعفا عنهم رأفة منه ورحمة بهم .
قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن صالح البخاري قال حدثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم قال : حدثني علي بن الحسين بن واقد قال : حدثني أبي قال : حدثني ثابت قال : حدثني عبد الله بن مغفل المزني قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديبية ، في ظل الشجرة التي قال الله عز وجل في القرآن {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} وكأني بغصن من أغصان تلك الشجرة على ظهر رسول صلى الله عليه وسلم ، فرفعته عن ظهره ، و علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وسهيل بن عمرو ، جالسان بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه : اكتب بسم الله الرحمن الرحيم ، فأخذ سهيل بن عمرو بيده ، فقال : ما نعرف الرحمن الرحيم ، اكتب في قصتك ما نعرف ، فقال : اكتب باسمك اللهم ، هذا ما صالح عليه محمد رسول الله وأهل مكة ، فأمسك سهيل بيده ، وقال : لقد ظلمناك إن كنت رسوله ، اكتب في قصتك ما نعرف ،
قال : اكتب : هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب - وأنا رسول الله -

فبينما نحن كذلك ، إذ خرج علينا ثلاثون شابا عليهم السلاح ، فثاروا في وجوهنا ، فدعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فأخذ الله عز وجل بأبصارهم ، فقمنا إليهم فأخذناهم .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل جئتم في عهد أحد ؟ وهل جعل لكم أحد أمانا ؟ فقالوا : اللهم لا ، فخلى سبيلهم ، فأنزل الله عز وجل : {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا } .

فالنبي
صلى الله عليه وسلم أطلق سراحهم رحمة بهم، وفي الحديث في الصحيحين " في كل كبد رطبة أجر" فحث ï·؛ على رحمة البشر والكفار المستحقين لها ومن باب أولى: الرحمة بالمسلمين، ففي المعاملة مع الكفار، الأصل عند الرسول صلى الله عليه وسلم وفي الإسلام الرحمة وحسن الخلق والبر بهم، أي بالكفار الذين لم يحاربونا ولم يخرجونا من ديارنا وأموالنا، فنبر بهم لعلهم يسلمون، كما كان يتألفهم صلى الله عليه وسلم والمنافقين، وهذا من كمال أخلاقه وحكمته صلى الله عليه وسلم؛ فنشر الله تعالى الخير والإسلام على يده.
وهي تعاليم للأئمة والأمراء ينبغي مراعاتها.
_________________________ _________
(1) على قول يجمع بين الروايات، ففي رواية ، ذكر أنهم ثلاثون: وفيه علي بن حسن بن واقد وفيه ضعف يسير، كذا أبوه، لكن عليا متابع فالوهم من أبيه، فإنه خالف الرواية الثابت عند مسلم وأحمد والترمذي والنسائي وأبي داود من طريق أنس. ونص رواية مسلم أنهم كانوا ثمانين.




وحصلت أمورٌ غيرُها تَحَمَّلَها النَّبِيُّ
صلى الله عليه وسلم؛ منها: رفض سُهيل كتابة «الرحمن» وأبدل ذلك بكتابة «باسمك اللَّهم»، ورفضُه كتابةَ محمَّد «رسول الله» وأبدلَ ذلك بكتابة: «محمد بن عبد الله»، واشترطت قريش أن يرجعَ المسلمون فلا يَعْتَمِرُوا هذا العام، بل يأتون في العامِ المقبل، كما اشترطت أن لا يأتيَ رجلٌ منهم إلى النَّبِيِّ ï·؛ إلاَّ ردَّه ولو كان قَدِمَ لأجل الإسلام، وفي هذ بيانٌ للسِّياسةِ الشَّرعيَّة الَّتي ينبغي أن يَتَحَلَّى بها الإمامُ الأعظمُ أو من كان دونَه.

وفيه كذلك حُسْنُ تربيةِ الأتباع على حُسن الظنِّ بالله والثِّقة المطلقةِ بوَعده.

وبينما هم كذلك إذ دخل أبو جَنْدَل بنُ سُهَيل بنِ عَمْرٍو يَرسُف في قيودِه ” لأنه كان مسلما وكانوا قد قيدوه بالحديد “ وقد خرج من أسفل مكَّةَ حتَّى رمى بنفسه بين أَظْهُرِ المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمَّد أوَّلُ من أُقاضيك عليه أنْ تردَّه إليَّ؛ فقال النَّبيُّ
صلى الله عليه وسلم: «إِنَّا لَمْ نَقْضِ الكِتَابَةَ بَعْدُ ».
فقال سهيل: «والله إذًا لم أُصالحك على شيءٍ أبدًا»، وأمضى النَّبِيُّ
صلى الله عليه وسلم ما أراد سهيل؛ وهذه فائدة أخرى: إنَّه الوفاءُ ولو مع المشْرِك.
تأمل! فالنَّبِيُّ
صلى الله عليه وسلم وهو «وليُّ أمر المسلمين» يُطلِقُ سراح من يحاول قتلَ المسلمين من الكفَّار، ويسلِّم أبا جَندل لهم، وأبو جَندل ينادي في المسلمين بعدما أُمضيت رغبةُ سُهيل وشُروطه: «يا مَعشَر المسلمين! أَتَرُدُّوني إلى أهلِ الشِّرك فيَفتِنُوني في دِيني» (1)

ومن فوائد الصلح فيما ذكر سهل بن حنيف رضي الله عنه يوم صَفِّين: «اتَّهموا رأيَكُم، والله لقد رَأَيْتُنِي يوم أبي جَندل -أي يوم صلح الحديبية إذ أخذ المشركون أبا جندل أمام أعين المسلمين- ولو أنِّي أستطيعُ أن أرُدَّ أمرَ رسول الله لرَدَدْتُهُ»؛ وإنَّما قال ذلك لِمَا عَرَض لهم فيه مِن الإشكالِ، وإنَّما نزلت سورةُ الفتح بعدما خالطهم الحزنُ والكآبةُ لشدَّة الإشكالِ عليهم والْتِبَاسِ الأمرِ.
هذا فيه أن الولي الأكبر أو أحد أوانه قد يتبين له ما لا يتبين لغيره، ولا يلزمه بيانه إن رأى المصلحة في كتمانه وإعماله، لأن النبي
صلى الله عليه وسلم لم يطلعهم على المقصد من الصلح إبتداءً -والله أعلم-.

وقد ظهر أثرُ هذا الصُّلح المبْرَمِ بين النَّبيِّ
صلى الله عليه وسلم وقريش، وكان للإسلام والمسلمين فيه النِّصيبُ الأوفرُ، وبه تَحَقَّقَ النَّصرُ الأكبرُ بعد أن كَرِهَهُ جماعةٌ منهم وضاقت أنفسُهم به، وقد جعلَ الله فيه خيرًا كثيرًا }وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} .

والدَّليلُ على ذلك دعوةُ النَّبيِّ
صلى الله عليه وسلم قريشًا إلى الصُّلح الَّذي به تُعَظَّمُ حُرماتُ الله وتُحفظُ الدِّماءُ والأموالُ والأعراضُ حيثُ قال صلى الله عليه وسلم : «لاَ يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ إِلاَّ أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا»، قال الخطَّابي: «معنى تعظيمِ حُرُماتِ الله في هذه القصَّةِ تَركُ القتالِ في الحرم، والجُنوح إلى المُسالمة، والكفِّ عن إراقةِ الدِّماء»

_________________________ _____________
(1) مقتبس من دراسات في السيرة بعنوان : صلح الحُدَيبِية... الفَتحُ المُبِينُ




قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الكِتَابِ في رواية: «فلمَّا انتهى إلى النَّبيِّ
صلى الله عليه وسلم جرى بينهما القولُ حتَّى وقع بينهما الصُّلحُ على أن تُوضع الحربُ بينهما عشرَ سنين وأن يَأمَنَ النَّاسُ بعضُهم بعضًا، وأن يَرْجِعَ عنهم عامَهُم هذا ..ولمَّا كانت الهُدْنَةُ وَوُضِعَتِ الحربُ وأَمِنَ النَّاسُ، كَلَّمَ بعضُهم بعضًا، والْتَقَوْا وتَفَاوَضُوا في الحديث والمنازعةِ ولم يُكَلَّمْ أحدٌ بالإسلام يَعقِلُ شيئًا في تلك المدَّة إلاَّ دخلَ فيه,
ولقد دخل في تَيْنِكَ السَّنتين مثلُ منْ كان في الإسلام قبلَ ذلك أو أكثر -يعني من صَنَادِيدِ قُريش ـ، وكان في الصُّورة الظَّاهرة ضَيْمًا للمسلمين وفي الصُّورة الباطنة عِزًّا لهم, فإنَّ النَّاس لأجل الأمن الَّذي وقعَ بينهم اختلَط بعضُهم ببعض من غيرِ نَكِيرٍ, وأسمعَ المسلمون المشركينَ القرآنَ, وناظروهم على الإسلامِ جهرةً آمنين, وكانوا قبل ذلك لا يتكلَّمون عندَهم بذلك إلاَّ خُفْيَةً, وظهر من كان يُخفي إسلامَه؛ فذلَّ المشركون من حيث أرادوا العِزَّةَ وقُهِرُوا من حيث أرادوا الغَلَبَة.
قال الشيخ الطاهر بن عاشور في تفسيره عند قوله تعالى { وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم }الآية : "وهذه الآية أشارت إلى كف عن القتال يسره الله رفقا بالمسلمين وإبقاء على قوتهم في وقت حاجتهم إلى ذلك بعد وقعة بدر ووقعة أحد ، واتفق المفسرون الأولون على أن هذا الكف وقع في الحديبية . وهذا يشير إلى ما روي من طرق مختلفة وبعضها في سنن الترمذي وقال : هو حديث صحيح ، وفي بعضها زيادة على بعض أن جمعا من المشركين يقدر بستة أو باثني عشر أو بثلاثين أو سبعين أو ثمانين مسلحين نزلوا إلى الحديبية يريدون أن يأخذوا المسلمين على غرة ففطن لهم المسلمون فأخذوهم دون حرب فأمر النبيء - صلى الله عليه وسلم - بإطلاقهم وكان ذلك أيام كان السفراء يمشون بين النبيء - صلى الله عليه وسلم - وبين أهل مكة ولعل النبيء - صلى الله عليه وسلم - أطلقهم تجنبا لما يعكر صفو الصلح ."

قلت: فيه أن من الحكمة عقد الهدنة حال الضعف، فإن العدو إذا تمكن من البلد ولم يقدر على دفعه، فإنه للمسلمين الذين احتل العدو أرضهم أن يدخلوا معه في هدنة وصلح؛ حقناً لدماء المسلمين، وحتى لا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة،
كما دخل الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع كفار مكة في صلح وهدنة وهم قد اغتصبوا أرض المسلمين في مكة وديارهم، كما قال تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر:8]، [ومع ذلك صالح النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قريشاً يوم الحديبية سنة ست من الهجرة، ولم يمنع هذا الصلح ما فعلته قريش من ظلم المهاجرين في دورهم وأموالهم، مراعاة للمصلحة العامة التي رآها النبي
صلى الله عليه وسلم لجميع المسلمين من المهاجرين وغيرهم، ولمن يرغب الدخول في الإسلام].

و في الصلح من الفوائد الحكمة وبُعْدِ النَّظرِ وتركِ الاستعجالِ، والدَّاعيةِ إلى وجوب الثِّقة بالله، وفي وعدِه بِنَصْرِ المؤمنين والتَّحَلِّي بالصَّبر والاحتسابِ: كما كانت إجاباتِ الرَّسولِ
صلى الله عليه وسلم لعمر -رضي الله عنه- وهو يُكَلِّم النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم في مضمون تلك الشُّروط. فقد جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، ألَسْنا على الحق وعدوّنا على الباطل ؟ قال: بلى، قال: فلِمَ نعطي الدّنِيّة في ديننا؟
فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري.
قال عمر: قلتُ: أوَلَسْت كنت تحدّثنا أنّا سنأتي البيت فنطوف به ؟
قال النبي
صلى الله عليه وسلم: بلى، ولكنْ قال له صلى الله عليه وسلم فأخبرتك أنّا نأتيه العام؛ يعني: هل أخبرتك أنّا نأتيه هذه السنة ؟ قلت: لا،
قال: فإنك آتيه ومطّوف به، ثم ذهب عمر إلى أبي بكر - رضي الله عنه - فقال له مثلما قال للنبي
ï·؛، فردّ عليه أبو بكر بمثل ما ردّ عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- سواء بسواء وقال لعمر: استمسك بغرزه فو اللهِ إنه على الحق. وفي جواب أبي بكر لعُمَرَ بنظير ما أجابه النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم دلالةٌ على أنَّه كان أكملَ الصَّحابة وأعرفَهم بأحوالِ رسولِ الله ï·؛؛ وأعلمَهم بأمور الدِّين وأشدَّهم موافقةً لأمر الله تعالى ـ؛ فكان صاحب النبي صلى الله عليه وسلم في جميع أحواله.

وهذا فيه: اتخاذ الحاكم المستشار الأعلم بحاله وقدرته وحال الرعية والمصالح الشرعية.

قَالَ الزُّهْرِيُّ: «قَالَ عُمَرُ: فَعَمِلْتُ لِذَلِكَ أَعْمَالًا» وفي رواية: «وكان عمر يقول: ما زِلْتُ أتصدَّق وأصوم وأصلِّي وأَعْتِقُ من الَّذي صَنَعْتُ يومئذٍ، مخافةَ كلامي الَّذي تكلَّمتُ به » فهذا فيه: تواضع الفاروق وعدم انتصاره لنفسه إذا تبين له الحق.
وهذا من ناحية سياسية: إشارة لمن كلف إدارة مؤسسة ما أن لا يتمادى في الباطل إذا تبين له ألحق فلا معصوم إلا الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا عمر الفاروق المحدث الملهم وقد كان منه ما كان. فلا يتحمل صحب المنصب السياسي خشيت الوقوع من أعين الناس كما يسول الشيطان للبعض، والله العاصم.

ومن عظات صُلح الحديبية: أنَّ الله أنزل في شأنِها قرآنًا يُتْلى إلى يوم الدِّين، ليبقى أثرُ ذلك الدَّرسِ في قلوب المسلمين يَفْزَعُونَ إليه ويهتدون بحُكْمِه وحِكَمِهِ كلَّما تَعَرَّضُوا في معاملتهم إلى شَبِيهِ ما وقع لأسلافهم، وهذا إثْرَ رجوع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ومن معه إلى المدينة، وهو قوله تعالى: {إِنَّ فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً}.. الآيات.
فأرسل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى عمر رضي الله عنه فأقرأه إيَّاها، فقال: يا رسول الله! أو فَتْحٌ هو؟ قال: «نَعَمْ»، فطابت نفسُه ورجع.
(1)

_________________________ ____________
(1) مقتبس من دراسات في السيرة بعنوان : صلح الحُدَيبِية... الفَتحُ المُبِينُ