الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد فهذه كلمات موجزة حول موضوع الإعجاز العلمي، تمهيداً أو مساعدة لمن تطلب علم هذا الباب من المباحث المعاصرة:

يمكن تقسيم أنواع الإعجاز في السنة والكتاب إجمالاً إلى أربعة أقسام:

الأول: الإعجاز البلاغي: وقد اهتم الطيبي رحمه الله في شرحه للمشكاة بإبراز هذه النواحي البلاغية في كلامه. ومن كتب المتأخرين في هذا كتاب "الحديث النبوي الشريف من الوجهة البلاغية" للدكتور: كمال عز الدين.

الثاني: الإعجاز الغيبي: فمن وجوهه ما أخبر به النبي
صلى الله عليه وسلم؛ من أخبار الأمم في الماضي والحاضر والمستقبل، ومنها ما أثبتته الدراسات فيما يندرج تحت مسمى الإعجاز العلمي والطبي وما إلى ذلك..

أما الأحاديث التي تضمنت الإخبار عن حوادث كائنات وعلامات ستكون في المستقبل، فوقعت كما أخبر صلى الله عليه وسلم، فقد أفرد هذا النوع بعض الباحثين بالتصنيف، من ذلك كتاب "أحاديث سيد المرسلين عن حوادث القرن العشرين" لعبدالعزيز عز الدين السيروان.

وفيما يخص الإعجاز العلمي فلمحمود مهدي استنبولي، كتاب "دلائل النبوة المحمدية في ضوء المعارف الحديثة، مصحوبة بتوجيهات وطرائف هائمة".

وأما فيما يخص ما جاء في كلامه
صلى الله عليه وسلم عن بعض الأمور في حياته فوقع كما أخبر، فقد أفرد الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتابه "دلائل النبوة " الفصل التاسع والعشرين في ما أخبر به صلى الله عليه وسلم من الغيوب فتحقق على ما أخبر به في حياته وبعد موته. دلائل النبوة لأبي نعيم ... وكأعلام النبوة للماوردي وللقاضي عبد الجبار والرد على النصارى للقرطبي، ومصنفات كثيرة جدا (كتب دلائل النبوة ، وسيرة الرسول، وفضائله، و كتب التفسير، والحديث، و المغازي).
الثالث: ما رآه الصحابة حسا في حياته مما جرى على يديه عليه السلام أو على يدي أصحابه ومن بعدهم من الكرامات فإنها تعتبر شواهد للرسول والكتاب الذي اتبعوه.
الرابع: تشريعات يشهد بصلاحيتها في الواقع وللبشرية جمعاء من سلمت فطرته، وفي هذا وجه ظهر لي وهو دخول الناس من جميع الأجناس وأقطار العالم في دين الله أفواجاً رغم الهجمات الشرسة على الإسلام وأهله وما يطلق عليه "إسلام فوبيا" (1) ومع استضعاف المسلمين مما لا يجعل لأحدٍ سبباً لدخول فيه سوى القناعة بشرائعه وحسنها ووقر الإيمان في قلبه، ولك أن ترى العدد الكبير من الطائفين والقائمين بالمسجد الحرام، فإنه لو تكلف ملك على جمع من يجتمعون في العمرات، بل عشرهم، على محبته من غير أن يعطيهم في الدنيا شيئاً ما كان ذلك. فأن يجتمعوا على محبة الله ورسوله من بقاع وأجناس متعددة، فهو أمر لا يمكن أن يكون إلى من الله جل وعلا.
_________________________

(1) والغرب كانوا حريصين على ألا يعرف احد من شعوبهم النبي صلى الله عليه وسلم، ومنصفة منهم صاحبة كتاب "شمس الإسلام تسطع على الغرب" وبكتابها "الله ليس كذلك" وغيرها، وهي مستشرقة ألمانية، تقرر أن هناك حملةً من التشويه المتعمد للإسلام والقرآن والنبي صلى الله عليه وسلم.





وبسط الكلام في الأقسام المذكورة يطول، ويمكن الاطلاع على الإحالات المشار إليها للتوسع.
ولكن من المهم ، بيان ضابط نوع من الأنواع المشار إليها أوجزه في كلمات، وهو الإعجاز العلمي.
فإن العلم التجريبي غير كامل، فهو لا يقدم تفسيرًا نهائيًا شاملا قاطعًا، فهو يتعلق بالظاهر من أمور الكون لا بالباطن منها، فهو يعطي الجواب عن (كيف) و لا يعط الجواب عن (ما) و (لمِ)! وهذا ما وصفه الله عن هذا العلم فقال تبارك وتعالى: {يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ َ} (الروم: 7)، فهذا غاية العلم التجريبي {ظاهر الحياة الدنيا}!
ومن قصور العلم أنه لا يستطيع التحكم في شيء، والتنبؤ بما يمكن أن يحصل، على مستوى الأفراد، فكل شيء بالنسبة إلى العلم التجريبي المتعلق بظاهر الحياة الدنيا، ذو طبيعة احتمالية ونتيجة لهذا القصور فإن الاكتشافات العلمية ذات طبيعة فجائية، فإن طريق البحث غير متحكم فيه، والباحث في مسائل العلم التجريبي يبدأ و لا يدري متى ينتهي ولا ماذا عليه أن يفعل بالضبط، سواء سلكوا طريق البحث الاستدلالي أم طريق البحث الاستقرائي!
وقد كتب عن هذه الحقيقة جماعة منهم : وارين ويفر في مقال له بعنوان (عدم كمال العلم) ضمن كتاب العلم معنى وطريقة، لصمويل رابورت، وهيلين رايت، ترجمه محمد أحمد بنونه، مكتبة الأنجلو/ القاهرة، نشر بالاشتراك مع مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر/ القاهرة، نيويورك. و د. محمد الغمراوي
، في كتابه الإسلام في عصر العلم، في فصل بعنوان :العلم قرآني بطبيعته وفصل: مقارنة بين العلم القديم والعلم الحديث و د. عماد الدين خليل في كتابه "مدخل إلى موقف القرآن من العلم" ص 21.
أما (الطب) فهو من العلم التجريبي.
فالإعجاز العلمي والطبي في القرآن والسنة النبوية يقصد به : ما جاء فيهما من أخبار غيبية تتعلق بجوانب العلم التجريبي والطبي : من جهة سبق الرسول إلى معرفته في ذلك الوقت، بل لم يقف على بعضه إلا الآن، وبعضه الآخر لم يقف عليه أصلا.

ومن هذه الأحاديث على سبيل المثال :

1-عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا تقوم الساعةُ حتى تعودَ أرضُ العربِ مروجا وأنهاراً )

فهذا الحديث فيه إشارة إلى قضية علمية، فقوله: "تعود" يفيد أنها كانت كذلك، وسترجع، وهذه حقيقة أثبتها علماء الجيولوجيا (علم طبقات الأرض) حيث قرروا أن الجزيرة العربية كانت تجري فيها الأنهار، وأنها ستعود كما كانت.

ويلاحظ هنا أن الحديث لم يسق أصلاً لبيان هذه الحقيقة العلمية وإنما جاء ذكرها عرضاً لا غرضاً، انما سيق من أجل موضوع الصدقة وعدم قبول الناس لها "حتى يخرج الرجل بزكاة ماله فلا يجد أحداً يقبلها" الحديث.
قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ»(مُتَّفَقٌ عليه)

هذا الحديث فيه إعجاز علمي، إذ أمر فيه بغسل الإناء من لعاب الكلب سبع مرات، أولاهن بالتراب، فبالغ في غسل الإناء، وأمر بالتراب، وذلك في سؤر الكلب دون غيره من السباع.
وقد أثبت العلم الحديث أن في لعاب الكلب نوع من الميكروبات الضارة لا يقتلها إلا التراب.
ويلاحظ هنا : أن الحديث لم يذكر القضية العلمية ذاتها، إنما ذكر أمرًا يفيد مراعاة معناها، فلم يقل مثلا: إن في لعاب الكلب ما لا يذهب إلا بالتراب. كما أنه ساق هذه الأمر في بيان كيفية إزالة نجاسة لعاب الكلب من الإناء.
وفي هذه التنبيهات بيان أن تعيّن التراب وسبع غَسَلاتٍ تعبُّد لمَورِدِ النصِّ، وإن لم تعرف الحكمة، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى لا بد من التنبيه
على أمر خطير يسلب المؤمن حقيقة التعبد عند أدائه للعبادات وذلك بما يقرره بعضهم من اكتشاف أمر علمي يتحقق أثره عند أداء عبادة ما... فيرغب الناس في فعلها لتحصيل الأثر العلمي المذكور في الصحة مثلا ... فيصير أداء الإنسان لهذه العبادة ،لا شعورياً شيئاً فشيئاً، من أجل حصول ھذا الأثر الصحي المذكور دون استحضار نية التعبد والتقرب بها لله جل وعلا. حتى تذوب وتتآكل نية الاخلاص وقصد التعبد في أداء ھذه العبادة. والمسلم إنما يقوم بالعبادة استجابة لأمر لله سبحانه لا بقصد تحصيل ھذه المصلحة أو تلك فإنه يعتقد أنه يريد وجه لله ورضاه وأن كل الخير يحصل له بذلك، لا خصوص ھذا الأمر الثابت علمياً أو ذاك، فهكذا ينبغي أن نكون .
وبالله التوفيق.