وقوع النسخ في القرآن الكريم (2)

الآية الثانية: قوله تعالى: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (النحل: 101).

اختلف أهل العلم في دلالة هذه الآية على النسخ على مذاهب:

1-
ذهب أبو مسلم الأصفهاني إلى أن المراد بها: وإذا بدَّلنا آية من القرآن الكريم مكان آية في الكتب المتقدمة، مثل تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة.[1] فالآية تتحدث عن نسخ بعض الشرائع السابقة بشريعة الإسلام.

يعترض الدكتور مصطفى زيد على هذا الرأي بأن هذه الآية مكية وهي تخاطب مشركي مكة، بينما نسخ التوجه إلى القبلة إنما وقع بعد الهجرة بما يقارب السنة والنصف. هذا فضلا عن أن تغيير القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة لم يكن ليثير المشركين، لأنهم لا علاقة لهم به، بل كان مثيرا لليهود.[2] وهذا اعتراض وجيه على مثال تحويل القبلة.
كما يعترض الدكتور مصطفى زيد على رأي أبي مسلم الأصفهاني بكون كلمة "آية" لا ترد في لغة العرب بمعنى الشريعة.[3] ولكن يُجاب على هذا الاعتراض بأن القرآن لم يرد ناسخا لكل ما ورد في كتاب موسى والكتب السابقة، بل جاء مُقِرًّا لبعض ما فيها وناسخا للبعض الآخر، ويؤكد ذلك قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) (المائدة: 48)، ويكون التعبير هنا بـ"الآية" عن بعض آيات تلك الكتب، ويكون المعنى: بدلنا آية من القرآن الكريم مكان آية من كتاب موسى عليه السلام، وهو تعبير سائغ لغة.

2-
ذهب محمد جمال الدين القاسمي إلى أن المراد بـ"الآية" هنا المعجزة، ويكون المعنى: إبدال المعجزات الكونية التي كانت تُعْطَى للأنبياء السابقين مثل موسى وعيسى عليهما السلام بمعجزة القرآن التي هي معجزة نفسية عقلية. ويدعم هذا التفسير بكون السورة مكية، وليس في المكي منسوخ بالمعنى الذي يريدونه.[4]

3-
ذهب جمهور المفسرين إلى أن المراد بـ"الآية" هنا آيات القرآن الكريم، وأن المراد بالتبديل النسخ، حيث تُنسخ آيةٌ بآية أخرى.[5]

4-
ذهب عبد المتعال الصعيدي مذهبا غريبا في تفسير الآية، حيث يرى أن معنى قوله تعالى: (وإذا بدلنا) يعنى إننا لو بدلنا آية مكان آية لأعطينا الكفار الدليل على أن القرآن مفترى على الله وليس من عنده، ولذلك فإنه سدا للذريعة فإن الله تعالى لا ينسخ آية بآية ولا يبدل آية مكان آية. فيكون معنى الآية: إننا لا نبدل آية مكان آية، أي لا ننسخ آية بآية، حتى لا نعطي للكفار ذريعة للطعن في مصداقية القرآن الكريم وفي كونه من عند الله تعالى.[6] ويذكر في موضع آخر أن معنى الآية: "واعلم يا محمد أننا لو أنزلنا قرآنا خاليا من تجريح سيئاتهم وتهجينها، وجعلناه قرآنا ليِّن الأسلوب في قراعهم لما رجعوا عن مفترياتهم عليك... وإذا قرأ الباحث الآيات بعدها رأى نسق القرآن يعطي هذا المعنى ويؤكده، وهذا يخرج الآية من باب الناسخ والمنسوخ."[7] ولا تخفى على الناظر غرابة هذه الأقوال والتكلُّف في دفع القول بالنسخ.

الظاهر أن رأي الجمهور في أن التبديل هنا المراد به نسخ آيات القرآن الكريم بعضها ببعض ضعيف؛ لأن الآية أُتبعت بقوله تعالى: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (النحل: 102) وهذا حديث عن القرآن ككل وليس عن الآيات الناسخة أو المنسوخة فقط، ولا أظن المسلمين كانوا يتحرجون من النسخ -إن وقع- بما يجعلهم يتشككون في الوحي والرسالة حتى يحتاجوا إلى تثبيت! فالذي يؤمن بأن القرآن الكريم وحي من عند الله تعالى وأن محمدا رسول الله لا يدخله بعد ذلك شكّ في الوحي والرسالة إن وقع تبديل آيات مكان آيات أخرى؛ لأنه يعلم أنها كلها من مصدر واحد. ولكن المسلمين كانوا في حاجة إلى التثبيت بالوحي الذي ينزل من الله تعالى لإرشادهم إلى سبيل الحق في التعامل مع التحديات التي يواجهونها، وليطمئنهم أنهم على الحق مهما كانوا قِلَّةً ضعفاءَ وكان أعداؤهم كَثْرَةً أقوياء. وبهذا يكون المراد بقوله تعالى: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (النحل: 102) أن القرآن الكريم ينزل تثبيتا للمؤمنين فيما يواجهونه من تحديات، وليس في مسألة النسخ؛ لأنها لا تمثل مشكلة ولا تحديا للمجتمع المسلم. وبهذا يظهر ضعف قول الرازي في تفسير هذه الآية: "نزل القرآن من ربك ليثبت الذين آمنوا، أي ليبلوهم بالنسخ حتى إذا قالوا فيه هو الحق من ربنا حكم لهم بثبات القدم في الدين وصحَّة اليقين بأن الله حكيم فلا يفعل إلا ما هو حكمة وصواب."[8] كيف يكون التثبيت بما هو سبب الابتلاء! والواقع أنه لا يظهر وجهٌ لابتلاء المؤمنين بتبديل بعض آيات القرآن الكريم ببعض آخر!

ومما يُضعف أيضا رأي الجمهور في تفسير التبديل بنسخ آيات القرآن الكريم بعضها ببعض، أن هذه الآيات نزلت في مكة،[9] والكلام فيها عن الكفار. والنسخ إنما كان في المدينة وليس في مكة! فما يذكرونه عن نسخ التلاوة -بغض النظر عن صحة رواياته- كله في المدينة: فسورة الأحزاب التي يقولون بنسخ جزء منها مدنية، وما يُسمى "آية الرجم" وعقوبة الزنا إنما شُرعت في المدينة، والقرآن المزعوم في الرضاعة كان في المدينة، وسورة التوبة التي يقولون بنسخ جزء منها مدنية، والآيات التي يقولون إنها نزلت في شهداء بئر معونة ثم رفعت إنما كانت في المرحلة المدنية. كما أن الوقائع الثابتة في نسخ الأحكام إنما كانت في المدينة، وهي: تحويل القبلة، ونسخ عقوبة الحبس والأذى للزاني بالجلد والرجم، ونسخ تقديم الصدقة بين يدي مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ونسخ صمود واحد من المسلمين لعشرة من الكفار بصمود واحد لاثنين، والمسائل المتعلقة بالنسخ في الصيام، ونسخ وجوب الوصية بالميراث. وآيات السيف التي يزعم البعض أنها نسخت الآيات المتعلقة بالمهادنة والمسالمة مع الكفار هي من آخر ما نزل في المدينة. وبهذا يتبيَّن أن كل مسائل النسخ -ما ثبت منها وما هو مجرد دعاوى لا دليل عليها- كانت في المدينة، فأين محلّ الرد على المشركين في تبديل آية مكان آية، والنسخ لم يكن موجودا في مكة أصلا؟

ما سبق ذكره يستبعد كون قوله تعالى: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ...) يتحدث عن النسخ بين نصوص القرآن الكريم، ويرجح كونه يتحدث عن إنزال الله تعالى شريعة -هي شريعة الإسلام- تحلُّ محلَّ الشرائع السابقة. والسياق الذي وردت فيه الآية يشير إلى أن الحديث عن نزول القرآن الكريم، فالآية السابقة لهذه الآية تتحدث عن الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم عند قراءة القرآن (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) (النحل: 99) والآية التالية لها تتحدث عن كون القرآن الكريم تثبيتا للمؤمنين وهدى وبشرى للمسلمين. والآية التالية لها ترد على دعوى المشركين أن القرآن ليس من عند الله، بل هو افتراء من الرسول صلى الله عليه وسلم يتلقاه من رجل: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) (النحل: 103).

لو كان المشركون يؤمنون ببعض القرآن ثم اتهموا الرسول بالافتراء لَمَّا وقع النسخ والتبديل، لكان تفسير هذه الآية على أن المراد بها النسخ صحيحا، ولكن المعلوم أن المشركين اتهموا الرسول صلى الله عليه وسلم بالكذب والافتراء منذ تلا عليهم الآيات الأولى من الوحي، فمحل الافتراء عندهم هو ادعاؤه أنه يتلقى الوحي من الله عز وجل أصلا، ومن يتهم شخصا بالافتراء في أصل ما يقوله لا يهمه بعد ذلك تبديلُ كلامٍ مكان كلامٍ؛ لأن الكل عنده افتراء من أصله.

وما أورده الرازي من نسبة القول إلى ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: كان إذا نزلت آية فيها شدة، ثم نزلت آية أَلْيَن منها تقول كفار قريش: والله ما محمد إلا يسخر بأصحابه، اليوم يأمرُ بأمر وغدا ينهى عنه، وإنه لا يقول هذه الأشياء إلا من عند نفسه، فأنزل الله تعالى هذه الآية،[10] هي مقولة لا تصح، حيث ذكر مصطفى زيد أنه لا سند لها.[11]
أما ما ذهب إليه الدكتور مصطفى زيد من ترجيح تفسير الآية بالنسخ في القرآن الكريم لكون الآية مكية تخاطب المشركين، والمشركون كانوا عَبَدَة أوثان لا أهل كتاب، فلا يُتَصوَّر صدور الاعتراض منهم على نسخ شريعة موسى، وإنما يُتَصوَّر صدور هذا من اليهود،[12] فيُجاب عنه بأن المشركين كانوا يعرفون رسالة موسى عليه السلام وأن النبوة كانت في بني إسرائيل، ولا يبعد منهم استنكار خروج النبوة من بني إسرائيل، كما أنه لا يبعد أن يكون قد صدر الاعتراض من بني إسرائيل على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم في مكة، فجاء الرد عليهم وعلى المشركين، وكلاهما كان يتهم الرسول صلى الله عليه وسلم بافتراء القرآن وادعاء النبوة.

الآية الثالثة
: قوله تعالى: (يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) (الرعد: 39).
استدل كثير من المفسرين والأصوليين على وقوع النسخ في القرآن الكريم بهذه الآية. وقد تنوعت أقوال أهل التفسير في المراد بالمحو والإثبات: فقيل هو الإعدام والإيجاد في المخلوقات، وقيل هو التنويع في معجزات الأنبياء والرسل فتمحى معجزة رسول لتحل محلها معجزة رسول آخر، وقيل هو نسخ شريعة بشريعة أخرى، وقيل تغيير بعض ما يتعلق بالقضاء والقدر من بلاء الدنيا، وقيل محو الذنوب وإثباتها، وقيل نسخ آيات القرآن الكريم بعضها ببعض. وقد يكون هذا كلُّه مُحتَمَلا؛ فالله تعالى له القدرة على كل ذلك، وله السلطان المطلق في كل ما يشاء فعله.[13]

وعلى كل حال، هذه الآية واضح من سياقها أنها لا تتحدث بشكل مباشر عن النسخ في القرآن الكريم، وبذلك فسَّرها الرازي، حيث يقول وهو يُعدِّد شبهات المشركين التي تردُّ عليها الآيات: "قالوا: لو كان في دعوى الرسالة مُحِقًّا لما نسخ الأحكام التي نص الله تعالى على ثبوتها في الشرائع المتقدمة نحو التوراة والإنجيل... فوجب أن لا يكون نبيا حقا. فأجاب الله تعالى عنه بقوله: (يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)."[14] كما فسر الرازي لفظ "الآية" في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ) (الرعد: 38) بأنها المعجزة، حيث يقول: "قالوا: لو كان رسولا من عند الله لكان أي شيء طلبنا منه من المعجزات أتى به ولم يتوقف، ولما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنه ليس برسول، فأجاب الله تعالى عنه بقوله: (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) وتقريره أن المعجزة الواحدة كافية في إزالة العذر والعلة، وفي إظهار الحجة والبَيِّنَة، فأما الزائد عليها فهو مفوَّض إلى مشيئة الله تعالى، إن شاء أظهرها وإن شاء لم يظهرها."[15]

صحيح أن الآية بعمومها تشمل إمكان وقوع النسخ؛ لأن الله تعالى له السلطان المطلق والقدرة الكاملة على فعل ما يشاء، ومن ذلك تبديل آيات من القرآن الكريم مكان آيات أخرى، ولكن الإمكان شيء والوقوع شيء آخر، فالإمكان لا يعني بالضرورة الوقوع. والآية واضح من سياقها أنها لا تتعلق بنسخ نصوص القرآن الكريم.

نخلص مما سبق بيانه إلى أن أقل ما يقال في هذه الآيات -التي يستدلون بها على وقوع النسخ في القرآن الكريم- إنها ليست صريحة في قوع النسخ في القرآن الكريم، بل يظهر أن الراجح خلاف ذلك.

[1] الرازي، التفسير الكبير، ج20، ص118.
[2] مصطفى زيد، النسخ في القرآن، ج1، ص240-241.
[3] مصطفى زيد، النسخ في القرآن، ج1، ص237.
[4] محمد جمال الدين القاسمي، محاسن التأويل، ص3858-3859. وقد اعترض مصطفى زيد على هذا الرأي بكونه شاذا ومخالفا لما سماه إجماع المفسرين، ولكنه لم يناقش أدلته ولم يفندها. مصطفى زيد، النسخ في القرآن، ج1، ص241-242.
[5] الرازي، التفسير الكبير، ج20، ص118.
[6] عبد المتعال الصعيدي، لا نسخ في القرآن، ص25.
[7] عبد المتعال الصعيدي، لا نسخ في القرآن، ص17.
[8] الرازي، التفسير الكبير، ج20، ص118.
[9] مصطفى زيد، النسخ في القرآن، ج1، ص223.
[10] الرازي، التفسير الكبير، ج20، ص118.
[11] مصطفى زيد، النسخ في القرآن، ج1، ص229.
[12] مصطفى زيد، النسخ في القرآن، ج1، ص237.
[13] الرازي، التفسير الكبير، ج19، ص66-67.
[14] الرازي، التفسير الكبير، ج19، ص65.
[15] الرازي، التفسير الكبير، ج19، ص64.