نسخ التلاوة: مراجعة نقدية


بسم الله الرحمن الرحيم، وبه أستعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

بين يدي هذا البحث


بدأت -منذ مدة طويلة- في محاولةٍ لتحرير المباحث الأصولية بمنهج يتجاوز التجميع وتكرار المقولات والروايات دون تمحيص وتحرير إلى الغوص في أعماق تلك المباحث وأصولها وتدقيق النظر في كل ما هو وارد فيها. وكان على رأس القائمة موضوعات يلفها الاضطراب والغموض، وهي: الاستحسان، المصلحة المرسلة، سد الذرائع، القياس، النسخ.

ولما وصلت إلى النسخ، حررت جانبه الأصولي، وتهيَّبت من الخوض في غمار موضوع نسخ التلاوة. ولأنني لم أكن مطمئنا لما يُذكر فيه، فإنه لم يكن في حسابي تكرار تلك المقولات والروايات وإيرادها في بحثي، وبدا لي أن الأسلم إغفال الموضوع وعدم التعرض له لا بالإثبات ولا بالنفي؛ لأن منهجي أن لا أثبت مسألة إلا بعد تحريرها، وتحرير هذا الموضوع يتطلب جرأة وجهدا كبيرا في دراسة الروايات وتقليب وجوه النظر في الموضوع. هذا فضلا عن أن تدقيق النظر النقدي فيه قد يوصل صاحبه إلى نتيجة تخالف الرأي الشائع، وهي مخاطرة يتجنبها كثير من الباحثين.


وعلى الرغم من مرور فترة على الفراغ من تحرير الجانب الأصولي، والانتقال إلى الاشتغال بموضوعات أخرى، إلا أن نفسي لم تطمئن لذلك القرار، وظلت تحدثني: إلى متى يستمر القفز على تلك المسألة والاكتفاء بتكرار ما هو شائع؟ وبعد تردد طويل توكلت على الله وعزمت على بحث الموضوع بالتفصيل. وبعد حوالي سنة ونصف من البحث وتقليب وجوه النظر، توصلت إلى نتيجة مفادها أنه لا يوجد دليل ظاهر على وقوع نسخ التلاوة؛ فأغلب الروايات الواردة في ذلك لا تصح لضعف أسانيدها ونكارة متونها. وما صحّ سنده منها إما معلول المتن أو أن متنه لا يدل دلالة ظاهرة على قوع نسخ التلاوة في نصوص القرآن الكريم. وتبين لي أن دعوى نسخ التلاوة تعارض ما نص عليه الله عز وجل في مواضع كثيرة من كتابه العزيز من أن القرآن الكريم كتاب أُحْكِمَت آياتُه قبل إنزاله وبعد إنزاله، وأنه قد كان كتابا مميَّزًا ومحدَّد المعالم قبل إنزاله وبعد إنزاله.


ومن الغريب أن المفسرين والذين كتبوا في علوم القرآن يذكرون أن القرآن الكريم أُنْزِلَ جُملة واحدة في ليلة القدر إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم أُنْزِل بعد ذلك مُنَجَّما، وهو أمر يعارض دعاوى نسخ التلاوة. ومع ذلك يوردون الروايات التي تصف نزول القرآن الكريم وتدوينه بقلة الضبط والإحكام! ويزعمون أن النص الأخير للقرآن الكريم لم يثبت إلا بعد العرضة الأخيرة التي عرضها الرسول صلى الله عليه وسلم على جبريل عليه السلام! وأن النص القرآني لم يتم إحكامه إلا بعد ذلك!! ولا يقفون عند ذلك التعارض!


لا أزعم أن ما توصلت إليه في بحثي هذا هو الحق المطلق، ولكن أعتقد أني قد قدمت من الأدلة ما يكفي لإثباته. وقد يخالفني بعض أهل العلم والفضل في ما توصلت إليه من توجيه للروايات المتعلقة بقصة شهداء بئر معونة، ومسألة نسخ عشر رضعات بخمس رضعات، وما يُسمى "آية الرجم". ولا حرج فيه ذلك؛ فهذا سيفتح الباب لمزيد من البحث والتحقيق في هذه المسائل سعيا إلى كشف وجه الحق فيها.


وقبل عرض الدراسة المفصَّلة لأهم الروايات المتعلقة بنسخ التلاوة، لا بد من عرض الأسس التي يقوم عليها بحثي في هذا الموضوع، لتكون معيار الحكم عليه.


منطلقات البحث

أولا: لقد تبيَّن من خلال دراسة الآيات التي يُستدل بها على النسخ في القرآن الكريم (البقرة: 106، النحل: 101، الرعد: 39) أنه لا يوجد دليل صريح على وقوع نسخ التلاوة في القرآن الكريم، بل الظاهر أن تلك الآيات لا تشير إلى النسخ في آيات القرآن الكريم. والقاعدة المتفق عليها أن الأصل عدم النسخ، ومن ادَّعى النسخ في نص من نصوص القرآن الكريم -سواء نسخ الحكم أم نسخ التلاوة- فعليه إثبات ذلك بنص ظاهر الثبوت والدلالة.
انظر تفصيل ذلك في هذين الموضوعين:
http://www.feqhweb.com/vb/t25420.html
http://www.feqhweb.com/vb/t25437.html

ثانيا
: لقد تقرر في كلام الأصوليين أن النسخ إنما يدخل الأحكام فقط؛ لأن النسخ معناه التغيير والتبديل، وهو يكون في الأحكام بانتهاء العمل بالحكم القديم، وانتقال العمل إلى الحكم الجديد. أما الأخبار فلا يدخلها النسخ؛ لأنه لا يمكن تبديلها، وتبديلها يكون بمثابة تكذيب للخبر الأول، وهذا مستحيل في حق الشارع الحكيم. نعم، قد يلحق العبارة التي يرد فيها الخبر التخصيص والاستثناء، ولكن ينبغي التنبيه على أن التخصيص والاستثناء وإن كانا يسميان نسخا عند علماء الصدر الأول، إلا أنهما لا يدخلان في اصطلاح النسخ عند المتأخرين. والنسخ بالمعنى الذي استقر عليه عند الأصوليين -وهو التغيير والتبديل- لا يمكن أن يلحق الأخبار.[1]

وكذلك الكلام لا يمكن أن يدخله النسخ؛ لأن الكلام أمر معنوي إذا صدر لا يمكن نسخه. كيف يكون نسخ كلام الله تعالى بعد أن يُنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم قرآنا يُتلى؟ هل تتبخر تلك الآيات ولا تبقى كلاما لله تعالى؟ أم تبقى تلك الآيات لكنها تتحول إلى كلام غير إلهي؟ هذا كله غير معقول! وقد تفطَّن لهذا بعض القائلين بنسخ التلاوة، ومنهم الجويني، حيث يقول: "ثم الأمر بالتلاوة على نظم القرآن حُكْم غير القرآن، فيؤول القول في الحقيقة إلى نسخ حُكْم، فأما عين القرآن فلا يَرِدُ عليه نسخٌ أصلا."[2]


قيل في معنى نسخ التلاوة: إن نسخ تلاوتها بمعنى أنها أُخرجت من القرآن، فصارت كما لم تكن قرآنا قط![3] وهذا إن كان المراد به أنها لم تعد كلاما لله تعالى، فهو محال؛ لأن كلام الله تعالى لا ينقلب كلاما غير إلهي.


وقد يُقال إن نسخ التلاوة يكون بإنساء المسلمين أجزاء من القرآن الكريم بعد نزولها، مع بقائها كلاما لله تعالى، ولكنها تُصْبِح غير معروفة للمسلمين -بسبب إنسائهم إياها- ولا تُثْبَت في المصحف الشريف. وهذا الكلام يحتاج إلى الإجابة عن الإشكال الآتي: من المعلوم أنه كان هناك كُتَّاب للوحي، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمرهم بكتابة ما أوحي إليه، كما أنه كان من الصحابة من يكتب لنفسه القرآن الكريم. فإذا افترضنا إنساء الله تعالى الصحابة شيئا من القرآن، فذاك الجزء يبقى مكتوبا، ويمكنهم الرجوع إلى ما هو مكتوب، فكيف يكون منسوخا بالإنساء؟ قد يُقال إنه يُرفع أيضا من الصُّحُف كما رُفِع من الصدور! والجواب أنه لم ترد روايات صحيحة تصرِّح بهذا، وما جاء من الروايات التي تومئ إلى شيء من هذا فهي لا تصح كما سيأتي بيانه. وفضلا عن ذلك، فإن هذا أمر غريب يخالف وصف الله عز وجل لكتابه الكريم بأنه كان معلوما موصوفا بكونه "الكتاب" و"القرآن" قبل الوحي وبعده، وكان مُحْكَمَ الآيات قبل إنزاله، وبقيت آياته مُحْكَمَة بعد إنزاله. وأن الكتاب الذي كان في السماء قبل الإنزال هو نفسه الذي بقي بعد الإنزال. فكيف يقال إنه أُنسي المسلمون شيئا منه؟


وقيل إن نسخ التلاوة يعني نسخ مشروعية تلاوتها، حيث يُنْهَى المسلمون عن تلاوتها بعد نزولها، مع بقائها قرآنا وكلاما لله تعالى. هذا المعنى هو الذي استخدمه بعض الأصوليين في إثبات وقوع نسخ التلاوة. ذلك أنهم أثبتوا في تعريف النسخ أنه متعلق بالأحكام الشرعية، ولكنهم وجدوا أن الروايات التي تتحدث عن نسخ التلاوة ليس فيها سوى رواية واحدة فقط تتعلق بالأحكام الشرعية، هي نسخ عشر رضعات بخمس، أما ما يُسمى "آية الرجم" فليس فيه نسخ للحكم. ولما واجههم هذا الإشكال، قالوا إن الآية يتعلق بها أحكام: فتلاوتها حُكْم، وكتبها في القرآن حُكْم، وانعقاد الصلاة بها حُكْم، وما يُفهم من لفظها من تحليل وتحريم حُكْم، وما دامت هذه كلها أحكام فهي كلها قابلة للنسخ.[4] يقول الغزالي: "والنسخ لا يرفع ورودها ونزولها، ولا يجعلها كأنها غير واردة، بل يُلحقها بالوارد الذي لا يُتلى."[5]


ولا يخفى ما في هذا الاستدلال من تكلُّف؛ فالأصوليون عندما يتكلمون عن الحكم في تعريف النسخ إنما يتحدثون عن الحكم الثابت بدلالة الآية، وليس حُكْم تلاوتها أو كتابتها في المصحف. فالغزالي -نفسه- يعرف النسخ بأنه:
"الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم، على وجه لولاه لكان ثابتا به، مع تراخيه عنه."[6] ويعرفه الجويني بأنه: "اللفظ الدال على ظهور انتفاء شرط دوام الحكم الأول."[7]

وفضلا عما في هذا القول من تكلُّف، فإن هذا القول يجعلنا نتساءل: ما مصير تلك الآيات التي هي جزء من الكتاب الكريم الذي أُنْزِل جُملة في ليلة القدر، ثم جاء به جبريل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مُفرَّقا، وحفظه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه ودونوه في الصحف؟ أين ذهبت تلك الآيات التي مُنِع المسلمون من تلاوتها وإبقائها في المصحف بسبب تقرُّر نسخها؟ هل تبخرت؟ أم مسحها المسلمون من الصحف التي دُوِّنَت فيها؟ أم بقيت مكتوبة في بعض الصحف وتُركت لتتلف من تلقاء نفسها؟ وما المشكل في تلك الآيات حتى يكون هذا مصيرها؟ أم أنها رجعت إلى أصلها- الكتاب الذي أنزلت منه؟ وكيف ترجع إليه وهو كله قد أُنْزِل على الرسول صلى الله عليه وسلم؟


ثالثا
: يخبرنا الله عز وجل أن القرآن الكريم كان واضح الحدود معلوم الآيات قبل البدء في إنزاله على الرسول صلى الله عليه وسلم، ويشير إليه -عز وجل- بلفظ "الكتاب" ولفظ "القرآن": (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) (هود: 1)، (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (فصلت: 3)، (إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) (الإسراء: 9). ويذكر الله تعالى أن ذلك الكتاب المعلوم الحدود والآيات قد أُنْزِل في شهر رمضان: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآَنُ) (البقرة: 185)، ويقول تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ) (القدر: 1). فالقرآن الكريم كتاب واضح الحدود معلوم الآيات، أُنْزِلَ في ليلة القدر من شهر رمضان إلى السماء الدنيا، ثم أخذ جبريل ينزل به مفصلا على الرسول صلى الله عليه وسلم. جاء في السنن الكبرى للنسائي (7/ 247): حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ حَسَّانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "فُصِلَ القُرْآنُ مِنَ الذِّكْرِ فَوُضِعَ فِي بَيْتِ العِزَّةِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَجَعَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَنْزِلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرَتِّلُهُ تَرْتِيلًا."[8] وإذا ثبت هذا فإنه يكون دليلا قويا في نفي وقوع نسخ التلاوة، خاصة ما يتعلق منه بدعاوى رفع وإنساء المسلمين أجزاء كبيرة من القرآن. فهي دعاوى تخالف حقيقة كون مَتْن القرآن الكريم كان محددا قبل البدء في إنزاله، وأن القرآن الذي أُنْزِل في ليلة القدر من شهر رمضان جُمْلَةً إلى السماء الدنيا هو نفسه الذي أُنْزِلَ بعد ذلك مُفصَّلا على محمد صلى الله عليه وسلم، وجُمِع في المصحف. قال الله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا) (الفرقان: 32).

يقول الله عز وجل: (حم (*) وَالكِتَابِ الْمُبِينِ (*) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (*) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ) (الزخرف: 1-4)، ويقول عزّ وجلّ: (حم (*) وَالكِتَابِ الْمُبِينِ (*) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) (الدخان: 1-3). إنه "الكتاب" (بـلام التعريف) قبل إنزاله وبعد إنزاله.. هو "الكتاب" "المعرَّف" قبل إنزاله وهو نفسُه "الكتاب" و"القرآن" "المعرَّف" بعد إنزاله.
فالقرآن الكريم كان كتابا مُحدَّد المعالم والآيات قبل إنزاله مُفَصَّلا، وما حفظه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه ودوَّنوه وجمعوه بعد ذلك هو نفسه الذي كان موجودا -في اللوح المحفوظ وفي بيت العزة- قبل إنزاله. وهذا ينفي الزعم بأن معالم القرآن الكريم لم تتَّضح إلا بعد العرضة الأخيرة مع جبريل، بعد أن نُسِخ ما نُسِخ وبقي ما بقي! ولا بعد أن جمعه الصحابة في المصحف! كما توحي بعض الروايات التي يُستدل بها على نسخ التلاوة.

لقد كان القرآن الكريم كتابا مُحْكَما قبل إنزاله وبعد إنزاله. قال تعالى: (
كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) (هود: 1). إن الإحكام -بجميع معانيه- متحقق في القرآن الكريم قبل إنزاله على الرسول صلى الله عليه وسلم وبعد إنزاله عليه. وقد ذكر الرازي معاني الإحكام، وهي: عدم قبوله النسخ،[9] والنظم الرصيف المحكم الذي لا يقع فيه نقص ولا خلل، وكونه متَّصفا بالحكمة مشتملا عليها، وعدم وقوع التناقض فيه، وأنه بلغ الغاية في الفصاحة والجزالة.[10] ولا يخفى -من خلال هذه الآية- أن الله تعالى يصف كتابه الكريم كلَّه بالإحكام، وليس في الآية ما يدل على الاستثناء، ولكن الرازي تكلَّف في تأويل الآية بإيجاد الاستثناء نزولا عند الروايات التي تتحدث عن منسوخ التلاوة. وكان الأولى إخضاع الروايات التي تتحدث عن منسوخ التلاوة لمعنى هذه الآية، وليس العكس؛ لأن الآية أقوى ثبوتا ودلالة من تلك الروايات الضعيفة.

إن أغلب الروايات الواردة في منسوخ التلاوة توحي بأن عملية نزول القرآن الكريم وتدوينه كان ينقصها الضَّبط، أو هي أقرب إلى الفوضى. إنها روايات تزعم بأن الله عز وجل قد أنسى الصحابة الكثير من القرآن الكريم، ومع ذلك فالروايات نفسها تذكر أنهم ما زالوا يتذكرون شيئا ما أُنْسَوه! والروايات تذكر أن بعض كبار الصحابة كانوا يتذكرون بعض ما أُنْزِل من القرآن الكريم، ولكنهم لم يكونوا يعرفون أنه قد أُسْقِط، ولم يعلموا بذلك إلا بعد زمن طويل من انقطاع الوحي! والروايات تذكر أن الصحابة يتذكرون بعض النصوص لكنهم لا يعلمون هل كانت من القرآن الكريم أم من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم! والروايات تذكر أن الصحابة كانوا يَعُدُّون بعض النصوص من القرآن الكريم، ولكن لما نزلت سورة التكاثر أدركوا أن تلك العبارات لم تكن قرآنا! وكأن الصحابة لم يكونوا يفرقون بين كلام الله عز وجل وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم! وتبلغ الروايات قمة الغرابة عندما تزعم أن سورة من القرآن الكريم نزلت عَرَضًا، ولم يُعَلِّمها الرسول صلى الله عليه وسلم سوى لرجلين من الأنصار، وكان الرجلان يقرآن بها، ولكن فجأة نسيا تلك السورة كلها عندما قاما يصليان في الليل فلم يقدرا منها على حرف! وكأنها سورة نزلت خِلْسَة ورُفِعَت خِلْسَة دون أن تُدوّن أو يعلمها غيرهم من الصحابة! ورواية تزعم أن آية الرجم وآية رضاع الكبير كانتا مكتوبتين في ورقة ملقاة تحت سرير عائشة رضي الله عنها، فدخلت دابة فأكلتها! وبذلك ضاعت الآيتان!


تتحدث تلك الروايات عن أن أجزاء من القرآن الكريم قد أُسْقِطت! أو أنها قد أُنْسِيت! أو أنها قد ضاعت أو فُقِدت! أو أن الصحابة لم يكتبوها في المصحف لأنها مختلَّة النظم! أو أن الصحابة لما جمعوا المصحف لم يقدروا عليها! وهي عبارات غريبة لا تتناسب مع ما وصف به الله عز وجل القرآن الكريم: (
كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) (هود: 1)، فكيف يمكن أن تحدث تلك الفوضى مع هذا الكتاب المحْكَم قبل إنزاله وبعد إنزاله! وعلى الرغم من ذلك نجد من العلماء من يأوّل تلك العبارات الغريبة على أن المراد بها النسخ، ويحاول تسويغها!

رابعا
: وقوع النسخ في بعض الأحكام الشرعية حكمتُهُ ظاهرة، حيث إن ذلك من متطلبات التدرُّج في التشريع. وهذا ينطبق على نسخ الحكم مع بقاء التلاوة. أما نسخ التلاوة، خاصة مع بقاء الحكم، فلا تظهر له حكمة: ما الحكمة من رفع كلام الله الـمُعجِز المتعبَّد بتلاوته مع بقاء حُكْمِه؟ ليس في ذلك سوى توهين الحكم بغياب النص الذي يدل عليه.

إن ما يذكره بعض العلماء من مبررات لنسخ التلاوة -مثل القول بأنه ابتلاء للمسلمين بالظنون-[11] لا ينهض أن يكون مبررا؛ لأن المعهود من الشارع توجيه الناس إلى طُرُق اليقين لا إلى طُرُق الظنون. والابتلاء يكون بالخير ليظهر من يشكر، أو بالمصائب ليظهر من يصبر. أما إنزالُ قرآنٍ ثم رَفْعُهُ فلا يظهر فيه وجهٌ للابتلاء. فلو أن ذلك وقع حقًّا لم يكن فيه ابتلاء بالنسبة للمؤمنين، كما أنه لا ابتلاء فيه للكفار؛ لأنهم ينكرون كون القرآن وحيا أصلا، ولا يهمهم ما بقي منه وما رُفِع.


خامسا
: التأويل ضرورة يكون اللجوء إليه عندما يخالف النص الصحيح الثابت بعض حقائق الإسلام، أما إذا كان النص المخالف ضعيفا ومشكوكا في صحته وثبوته، فإنه لا يصح اللجوء إلى تأويل المشكوك في ثبوته، بل تكون تلك المخالفة عاملا مقويا لجانب الضعف في تلك الرواية، وسببا لإسقاطها.
لقد كان هدف الذين كتبوا في الناسخ والمنسوخ من المتقدمين الجمع، ولم يشتغلوا كثيرا بتمحيص الروايات. كما أن الذين كتبوا في التفسير وعلوم القرآن يغلب عليهم النقل، ويقلُّ فيهم التدقيق في الروايات وتمحيصها. والذين كتبوا في شرح الحديث يظهر عليهم الميل إلى التساهل في قبول روايات النسخ، ومحاولة تأويل ما فيها من مناكير، والتوفيق بين ما فيها من تعارض وتناقض ولو بوجوه ضعيفة. وسبب ذلك هو انطلاقهم من منطلق التسليم بوقوع نسخ التلاوة، وتفسير الآيات التي وردت فيها عبارات النسخ وتبديل آية مكان آية أخرى على أنها تشمل نسخ التلاوة.

في ضوء المقدمات التي سبق ذكرها، يظهر أن الأولى هو التدقيق في تلك الروايات وتمحيصها سَنَدًا ومَتْنًا دون تأويل أو تساهل.


وفي ختام هذه المقدمات أُلْفِتُ النظر إلى أن دراستي هذه ليس فيها مُحَاكَمَةٌ لكتب الحديث، وهي لا تقصد إلى شيء من ذلك، إنما هدفها القيام بدراسة للروايات المتعلقة بنسخ التلاوة في ضوء المقدمات التي سبق ذكرها. وأرجو من القارئ أن ينظر فيها نظرة موضوعية تُرَكِّز على صلب الموضوع، وأن لا يصرف الأمر إلى غير مقصده، فيأخذ في القول: كيف تنتقد هذه الرواية وقد وردت في هذا الكتاب أو في ذاك. إنني في هذه الدراسة افترض نفسي في القرن الثاني أو الثالث الهجري -قبل أن تبلغ حركة تدوين السنة أوجها ويستقر أمرُها- وقد وجدت هذه الروايات، فأقوم بدراستها من حيث السَّند والمتن للتأكُّد من صحتها وموافقتها لما هو ثابت حول القرآن الكريم وما هو موافق للسياق التشريعي للأحكام الشرعية.


[1]يقول الرازي: "الخبر إما أن يكون خبرا عما لا يجوز تغيُّرُه- كقولنا: العالَم مُحْدَث، وذلك لا يتطرق إليه النسخ. أو عما يجوز تغيُّره- وهو إما أن يكون ماضيا أو مستقبلا. والمستقبل إما أن يكون وعدا أو وعيدا، أو خبرا عن حكم كالخبر عن وجوب الحج. ويجوز النسخ في الكل." (الرازي، المحصول، ج3، ص325.
[2]الجويني، البرهان، ج2، ص256.
[3]الطحاوي، أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة، شرح مشكل الآثار، تحقيق شعيب الأرنؤوط (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1415هـ/ 1994م) ج5، ص279.
[4]الغزالي، المستصفى، ج1، ص122.
[5]الغزالي، المستصفى، ج1، ص122.
[6]الغزالي، المستصفى، ج1، ص107.
[7]الجويني، البرهان، ج2، ص246، 249.
[8]وفي مصنف ابن أبي شيبة (6/ 144) عن ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) [القدر: 1]، قَالَ: "رُفِعَ إِلَى جِبْرِيلَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ جُمْلَةً، فَرُفِعَ إِلَى بَيْتِ الْعِزَّةِ جَعَلَ يَنْزِلُ تَنْزِيلًا." وقد رواه أيضا الطبراني في المعجم الكبير (12/ 32)، والحاكم في المستدرك على الصحيحين (2/ 667): عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: "فُصِلَ الْقُرْآنُ مِنَ الذِّكْرِ فَوُضِعَ فِي بَيْتِ الْعِزَّةِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَجَعَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُنَزِّلُهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا) [الفرقان: 32] قَالَ سُفْيَانُ: "خَمْسُ آيَاتٍ وَنَحْوُهَا."وقد صححه الذهبي في تلخيصه.
[9]يقول الرازي: "فقوله (أحكمت آياته) أي لم تنسخ بكتاب كما نسخت الكتب والشرائع بها. واعلم أن على هذا الوجه لا يكون كل الكتاب محكما؛ لأنه حصل فيه آيات منسوخة، إلا أنه لما كان الغالب كذلك، صح إطلاق هذا الوصف عليه إجراء للحكم الثابت في الغالب مجرى الحكم الثابت في الكل." تفسير الرازي، ج17، ص185.
[10]الرازي، التفسير الكبير، ج17، ص185.
[11]جاء في كتاب الإتقان في علوم القرآن للسيوطي (ج3، ص81): "الضَّرْبُ الثَّالِثُ: مَا نُسِخَ تِلَاوَتُهُ دُونَ حُكْمِهِ وَقَدْ أَوْرَدَ بَعْضُهُمْ فِيهِ سُؤَالًا وَهُوَ مَا الْحِكْمَةُ فِي رَفْعِ التِّلَاوَةِ مَعَ بَقَاءِ الْحُكْمِ؟ وَهَلَّا بَقِيَتِ التِّلَاوَةُ لِيَجْتَمِعَ الْعَمَلُ بِحُكْمِهَا وَثَوَابِ تِلَاوَتِهَا؟ وَأَجَابَ صَاحِبُ الْفُنُونِ: بِأَنَّ ذَلِكَ لِيَظْهَرَ بِهِ مِقْدَارُ طَاعَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي الْمُسَارَعَةِ إِلَى بَذْلِ النُّفُوسِ بِطَرِيقِ الظَّنِّ مِنْ غَيْرِ اسْتِفْصَالٍ لِطَلَبِ طَرِيقٍ مَقْطُوعٍ بِهِ، فَيُسْرِعُونَ بِأَيْسَرِ شَيْءٍ، كَمَا سَارَعَ الْخَلِيلُ إِلَى ذَبْحِ وَلَدِهِ بِمَنَامٍ." هذا كلام غريب، فإبراهيم عليه السلام لم يقرر ذبح ابنه بناء على الظن من غير استفصال، بل بناء على وحي من الله تعالى هو حقُّ اليقين. وليس من شأن المسلم المسارعة إلى العمل بناء على الظنون والأوهام، بل من شأنه التثبُّت وبذل الجهد في طلب الحق.