عبارة "جاهدوا كما جاهدتم أول مرة"

روى أبو عبيد القاسم بن سلام: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ عُمَرَ الْجُمَحِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَلَمْ نَجِدْ فِيمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا أَنْ (جَاهِدُوا كَمَا جَاهَدْتُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ)؟ فَإِنَّا لا نَجِدُهَا، فَقَالَ: أُسْقِطَتْ فِيمَا أُسْقِطَ مِنَ القُرْآنِ."[1]

هذه الرواية لا تُصرِّح بالنسخ في زمن نزول الوحي، وإنما تتحدث عن إسقاط أجزاء من القرآن الكريم، ولا تُبيِّن كيف أُسقِطت؟ ولا تحدد من الذي أسقطها، وتترك الباب مفتوحا للتأويل. من يعتقد في وجود منسوخ التلاوة ويحسن الظن بالرواية سيأوِّلها على أن المراد بالإسقاط النسخ! والذي يريد الطعن في الصحابة -مثل الشيعة- سيفسرها بأن الصحابة أسقطوا أجزاء من القرآن الكريم لا تخدم أغراضهم، خاصة أنها تتحدث عن عمر بن الخطاب الذي يعدُّه الشيعة عدوهم الأول! وفضلا عن ذلك، فإن عبارة الإسقاط لا تليق بقدسية القرآن الكريم، وهي أقرب إلى التأويل الثاني!

في سند هذه الرواية ابن أبي مريم، وهو: أبو عبد الله سعيد بن الحكم بن أبي مريم الجمحي المصري. جاء في كتاب: سير أعلام النبلاء: "سَعِيْدُ بنُ أَبِي مَرْيَمَ أَبُو مُحَمَّدٍ الجُمَحِيُّ هُوَ: الحَافِظُ، العَلاَّمَةُ، الفَقِيْهُ، مُحَدِّثُ الدِّيَارِ المصْرِيَّةِ... قَالَ أَبُو دَاوُدَ: ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ عِنْدِي حُجَّةٌ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ، وَغَيْرُهُ: ثِقَةٌ... قُلْتُ: يَقَعُ فِي حَدِيْثِ سَعِيْدٍ غَرَائِبُ لِسَعَةِ عِلْمِهِ... وُلِدَ: سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَمائَةٍ، وَمَاتَ: سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِيْنَ وَمائَتَيْنِ."[2]

الظاهر أن هذه الرواية من غرائب ابن أبي مريم التي أشار إليها الذهبي، خاصة وأنه قد رواها بالعنعنة عن نافع بن عمر الجمحي.

[1] أبو عبيد القاسم بن سلام، فضائل القرآن، ص325.
[2] الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج10، ص327- 329.