شرح نظم نهاية التدريبكتاب الحجبسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا كتاب شرح نظم نهاية التدريب، وما لي فيه من شيء، فالنظم نظم العلامة الأديب شرف الدين يحيى بن موسى بن رمضان بن عميرة العمريطي الشافعي الأنصاري رحمه الله والشرح من كلام العلماء رحمهم الله المنثور في كتبهم. غير أني قصدت إلى منثور كلام علمائنا فوضعته على المنظوم، فكان عقدا زبرجديا يبهر القارئين، ويسر الناظرين، وما كان ذلك باليسير لولا أن الله يسره، فالحمد لله أولا وآخرا. قصدت بذلك حمل نفسي على التفقه في دين الله؛ فمن وسائل التعليم حضور الدروس بين يدي المشايخ، ومن وسائله قراءة الكتب، ومن وسائله التصنيف.ثم نفع نفسي أيضا حين ينتفع به غيري فيصلني ثواب ذلك في حياتي وبعد موتي، وربما دعا طالب علم صالح لي، غفر الله لي وله ولوالدينا ولمشايخنا ولجميع المسلمين. كتاب الحجتعريف الحجالحج بفتح الحاء وكسرها، لغة: مطلق القصد وقيل كثرة القصد إلى من يعظم.وشرعا قصد البيت الحرام للنسك.حكمه:قال الناظم:كل امرئ فملزم كما أمر بأن يحج مرة ويعتمر كل امرئ توفرت فيه الشروط التي سيذكرها الناظم بعد هذا البيت فقد وجب عليه أن يحج وأن يعتمر مرة واحدة في العمر.والأصل في وجوب الحج: الكتاب والسنة والإجماع:أما الكتاب: فقوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة: 196]{ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} [آل عمران: 97]وأما السنة: فما روى ابن عمر: أن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ قال: «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان» فذكر منها الحج، وفيه أخبار كثيرة.وأجمع المسلمون على وجوبه.والعمرة لغة: الزيارة. وقيل: القصد إلى مكان عامر. وشرعا: قصد الكعبة للنسك.والعمرة واجبة ولا يغني عنها الحج وان اشتمل على أركانها.ودليل وجوبها قوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] ولقوله: {وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة: 196] أي ائتوا بهما تامين. ولخبر ابن ماجه والبيهقي وغيرهما بأسانيد صحيحة «عن عائشة قالت: يا رسول الله هل على النساء جهاد؟ قال: نعم جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة» ووجه الدلالة منه: أنها سألته عن وجوب الجهاد على النساء؟ فقال: نعم، وفسره بوجوب الحج والعمرة.وجوب الحج والعمرة مرة واحدة في العمر:فرض الحج والعمرة لا يجب في العمر إلا مرة واحدة، ولا يتكرر كالصلاة والصيام لقوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) {آل عمران 97) ومن حج مرة فقد امتثل الأمر.ولخبر مسلم عن أبي هريرة «خطبنا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا فقال رجل: يا نبي الله أكل عام؟ فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لو قلت: نعم لوجبت ولما استطعتم». ولخبر الدارقطني بإسناد صحيح عن سراقة قال: قلت: يا رسول الله، عمرتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد؟ فقال: لا، بل للأبد» .فالحج والعمرة لا يجبان بأصل الشرع إلا مرة واحدة في العمر وقد يجبان أكثر من مرة لعارض كنذر وقضاء عند إفساد التطوع.ويجبان أيضا كل سنة لإحياء الكعبة المشرفة وجوبا كفائيا بشرط الاستطاعة إن قام به البعض سقط الطلب عن الباقين وإلا أثموا جميعا.شروط وجوب الحجقال الناظم:إن كان حرا مسلما مكلفا وأمكن المسير و الخوف انتفىوواجدا لزاده والراحله زيادة عن كل ما يحتاج لهذكر الناظم هنا شروط وجوب الحج والعمرة التي إذا اجتمعت في امرئ فقد وجب عليه الحج والعمرة، وهي أن يكون:1- حرا: فلا يجبان على من فيه رق لأن منافعه مستحقة لسيده وفي إيجاب ذلك عليه إضرار لسيده.2- مسلما: فلا يجبان على كافر أصلي وجوب مطالبة كما في الصلاة، أما المرتد بعد الاستطاعة فلا يسقطان عنه، فإن أسلم معسرا استقر في ذمته بتلك الاستطاعة، أو موسرا ومات قبل التمكن حج واعتمر عنه من تركته، ولو ارتد في أثناء نسكه بطل في الأصح فلا يمضي في فاسده.3- مكلفا: والمكلف هو البالغ العاقل، فلا يجبان على صبي ولا مجنون لعدم تكليفهما كسائر العبادات.4- وأمكن المسير: إمكان المسير إلى مكة بأن يكون قد بقي من الوقت ما يتمكن فيه من السير المعتاد لأداء النسك.5- والخوف انتفى: فلو خاف في طريقه على نفسه أو ماله سبعا أو عدوا او رصديا وهو من يأخذ مالا على المراصد ولا طريق له سواه لم يجب عليه الحج وإن كان ما يأخذه يسيرا، ويكره بذل المال لهم لأنه يحرضهم على التعرض للناس، نعم إن كان الباذل هو الأمام او نائبه وجب الحج. وسواء أكان الذين يخافهم مسلمين أم كفارا، لكن إن كانوا كفارا وأطاقوا مقاومتهم استحب لهم الخروج للحج ويقاتلونهم لينالوا ثواب الحج والجهاد، وإن كانوا مسلمين لم يستحب الخروج والقتال. ولو كان له طريق آخر آمن لزمه سلوكه وإن كان أبعد من الأول إذا وجد ما يقطعه به. وكما يعتبر الأمن العام يعتبر الأمن الخاص حتى لو كان الخوف في حقه وحده لم يقض من تركته.ويجب ركوب البحر لمن لا طريق له سواه إن غلبت السلامة في ركوبه كسلوك طريق البر عند غلبة السلامة. فإن غلب الهلاك أو استوى الأمران لم يجب بل يحرم ركوبه لما فيه من الخطر. وليس النهر العظيم كجيحون في معنى البحر لأن المقام فيه لا يطول، وخطره لا يعظم. وتلزمه أجرة الخفارة لأنها من أهب الحج فيشترط في وجوب الحج قدرته عليها.6- وواجدا لزاده والراحلة: للخبر الذي صححه جمع وضعفه آخرون «أنه - صلى الله عليه وسلم - سئل عن السبيل في الآية، فقال: الزاد والراحلة» .فإن لم يجد الزاد لم يلزمه الحج، وإن وجد الزاد، ولم يجد الماء لم يجب عليه الحج؛ لأن الحاجة إلى الماء أشد. وإن وجد الزاد والماء بأكثر من ثمن مثلهما في المواضع التي جرت العادة بوجودهما فيه لم يجب عليه الحج؛ لأن وجود الشيء بأكثر من ثمن مثله كعدمه.وإن لم يجد راحلة، أو وجدها بأكثر من ثمن مثلها أو أجرة مثلها، أو وجد راحلة لا تصلح لمثله، بأن يكون شيخا هرما أو شابا مترفا لا يقدر على الركوب إلا بالمحمل (بفتح الميم الأولى وكسر الثانية كالمجلس كذا ضبطه الجوهري وغيره، وقال غيره: بكسر الأولى وفتح الثانية وهو مركب يركب عليه على البعير)، والعمارية (محمل كبير مظلل يجعل على البعير من الجانبين كليهما). لم يجب عليه الحج، حتى يجد ذلك.فإن وجد الزاد والراحلة لذهابه دون رجوعه، فإن كان له في البلد أهل لم يجب عليه الحج، وإن لم يكن له أهل ففيه وجهان:أحدهما: يجب عليه؛ لأن البلاد في حقه سواء.والثاني: لا يجب عليه، وهو الصحيح؛ لأن عليه مشقة في المقام بغير وطنه.اشتراط كون الزاد والراحلة فاضلين عن حاجاته:وكذلك لا يجب عليه الحج إلا بعد أن يفضل عن نفقته ونفقة من تلزمه نفقته ما يكفيه للحج؛ لأن النفقة على الفور، والحج على التراخي.ويشترط كون الزاد والراحلة فاضلين عن دينه الحال والمؤجل، وفاضلين أيضا عن مؤنة من عليه نفقتهم مدة ذهابه وإيابه.والمؤنة تشمل النفقة والكسوة والخدمة والسكنى وكل ما يلزم.فمن كان مستطيعا بماله وبدنه في ذهابه وعوده، لكنه عادم لنفقة عياله فلا حج عليه؛ لئلا يضيعوا، لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت " فكان المـقام على العيال والإنفاق عليهم أولى من الحج.شروط وجوب الحج على المرأة:أجمعت الأمة على أن المرأة يلزمها حجة الإسلام إذا استطاعت لعموم قوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ وقوله صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس» الحديث. واستطاعتها كاستطاعة الرجل.ويشترط في وجوب نسك المرأة زائدا على ما تقدم أن يخرج معها:1- زوج أو محرم لها بنسب أو رضاع أو مصاهرة؛ لأن سفرها وحدها حرام وإن كانت في قافلة لخوف استمالتها وخديعتها، ولخبر الصحيحين «لا تسافر المرأة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم» وفي رواية فيهما: «لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم» 2- أو نسوة ثقات.واشتراط النسوة هو شرط للوجوب. أما الجواز فيجوز لها أن تخرج لأداء حجة الإسلام مع المرأة الثقة على الصحيح في شرحي المهذب ومسلم. فهاتان مسألتان: إحداهما: شرط وجوب حجة الإسلام، والثانية: شرط جواز الخروج لأدائها. وكذا يجوز لها الخروج وحدها إذا تيقنت الأمن على نفسها، وعليه حمل ما دل من الأخبار على جواز سفرها وحدها.أما سفرها وإن قصر لغير فرض فحرام مع النسوة مطلقا وعليه حمل الشافعي الخبر السابق. وفارق الواجب غيره بأن مصلحة تحصيله اقتضت الاكتفاء بأدنى مراتب مظنة الأمن بخلاف ما ليس بواجب فاحتيط معه في تحصيل الأمن.أما حج التطوع وغيره من الأسفار التي لا تجب فليس للمرأة أن تخرج إليه مع امرأة، بل ولا مع النسوة الخلص كما قاله في المجموع وصححه في أصل الروضة، لكن لو تطوعت بحج ومعها محرم فمات فلها إتمامه قاله الروياني، ولها الهجرة من بلاد الكفر وحدها. وليس للمرأة الحج إلا بإذن الزوج، فرضا كان أو غيره، ولو منعها منه لم يجز لها الخروج له، وإذا أخرت الفرض لمنعه، وماتت، قضي من تركتها، ولا تعد عاصية، ما لم تتمكن من الحج قبل النكاح.ولا يجوز للمعتدة عن طلاق أو وفاة السفر إلى الحج أو العمرة، لأن الله نهى المعتدات عن الخروج من بيوتهن، قال تعالى: {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن}.استطاعة الحج بالغير:قد تجتمع شروط وجوب الحج على إنسان ولكنه يعجز عن الحج أو العمرة:1- بالموت.2- أو عن الركوب إلا بمشقة شديدة لكبر أو زمانة لا يرجى زوالها.فمن مات وفي ذمته حج وجب الإحجاج عنه من تركته كما تقضى منها ديونه. وروى مسلم عن بريدة أن امرأة قالت: يا رسول الله إن أمي ماتت ولم تحج قط أفأحج عنها؟ قال: «حجي عنها» .وروى النسائي وغيره بإسناد جيد «أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الحج عن أبيه فقال: «أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه، أكان ذلك يجزئ عنه؟». قال: نعم. قال: «فاحجج عنه»ومن عجز عن الحج بنفسه لكبر أو زمانة لا يرجى زوالها ففرض الحج عليه واجب، وعليه أن يستأجر من يحج عنه، إن وجد أجرة من يحج عنه بأجرة المثل، ويشترط كونها فاضلة عن الحاجات المذكورة فيمن حج بنفسه، لكن لا يشترط نفقة العيال ذهابا وإيابا، فإنه إذا لم يفارق أهله يمكنه تحصيل نفقتهم. فالاستطاعة كما تكون بالنفس تكون ببذل المال وطاعة الرجال؛ ولهذا يقال لمن لا يحسن البناء: إنك مستطيع بناء دارك إذا كان معه ما يفي ببنائها، وإذا صدق عليه أنه مستطيع وجب عليه الحج.عن ابن عمر أن رجلا قام عند نزول قوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) {آل عمران: 97) فقال: يا رسول الله ما السبيل؟ فقال: «زاد وراحلة» فصار وجوب الحج متعلقا بوجود الزاد والراحلة.وروى الترمذي وقال حسن صحيح أن أبا رزين العقيلي أتى النبي - صلى الله عليه وسلم – فقال: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج، ولا العمرة، ولا الظعن، قال: «حج عن أبيك واعتمر».أركان الحج:قال الناظم:أركانه الإحرام والوقوف مع حلق وسعي وطواف إذ رجعأعمال الحج:أعمال الحج ثلاثة أقسام: أركان، وواجبات، وسنن . وقد بدأ الناظم بذكر الأركان.تعريف الركن:الركن والواجب عند الشافعية مترادفان إلا في هذا الباب فقط (باب الحج)، فالفرض ما لا توجد ماهية الحج إلا به، ولا يجبر تركه بدم. والواجب ما يجبر تركه بدم ولا يتوقف وجود الحج على فعله.وقد ذكر الناظم أركان الحج، وذكر واجباته، وذكر سننه، فذكر هنا أن للحج خمسة أركان نذكرها على ترتيبه:الركن الأول: الإحرام:الإحرام نية الدخول في حجة أو عمرة، سمي إحراما لأنه يمنعه من المحظورات كلها.والإحرام له إطلاقان:الأول – وهو المراد هنا -: يطلق على نية الدخول في النسك إذ معنى أحرم أدخل نفسه في حالة حرم عليه بها ما كان حلالا له، أي نوى الدخول في ذلك، وبهذا الاعتبار يعد ركنا.الثاني: يطلق على الأثر الحاصل بالمصدر فيراد به نفس الدخول في النسك، أي الحالة الحاصلة المترتبة على النية، وهذا مرادهم حين يقولون: (ينعقد الإحرام بالنية)، وحين يقولون: (يبطل الإحرام بالردة، ويفسد بالجماع)، وحين يقول القائل: (نويت الإحرام).وقت الإحرام:أ- وقت الإحرام بالحج: شوال، وذو القعدة، وعشر ليال من ذي الحجة، آخرها آخر ليلة النحر.ولو أحرم بالحج في غير أشهره، كأن أحرم به في رمضان أو أحرم مطلقا لم ينعقد حجا. وانعقد إحرامه بذلك عمرة مجزئة عن عمرة الإسلام. ب- وأما العمرة، فجميع السنة وقت للإحرام بها، ولا تكره في وقت منها، ويستحب الإكثار منها في العمر، وفي السنة الواحدة.وقد يمتنع الإحرام بالعمرة لا بسبب الوقت، بل لعارض، كالمحرم بالحج، لا يصح إحرامه بالعمرة على الأظهر.وإذا تحلل عن الحج التحللين، وعكف بمنى للمبيت والرمي، لم ينعقد إحرامه بالعمرة، لعجزه عن التشاغل بعملها، نص عليه. فإن نفر النفر الأول فله الإحرام بها، لسقوط بقية الرمي، والمبيت عنه.مكان الإحرام:وسيأتي الحديث عن المواقيت المكانية عند قول الناظم: والواجب الإحرام من ميقاته.كيفية الإحرام:1- ينوي مريد الاحرام بقلبه دخوله فيما يريده من النسك (الدخول في الحج أو العمرة أو فيهما). 2- ثم يتلفظ بما نواه –استحبابا- فيقول نويت الحج مثلا.3- وبعد ذلك يلبي فيقول: (لبيك اللهم الخ)، ويندب التلفظ بما نواه في التلبية الأولى فقط بلا رفع صوت بحيث يسمع نفسه على المعتمد.فإن لبى بلا نية لم ينعقد إحرامه، وإن نوى ولم يلب انعقد على الصحيح.الركن الثاني: الوقوف بعرفة:الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج، وهو من أعظم أركانه؛ لأن فوات الحج وإدراكه يتعلق به.والدليل عليه: قوله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ: «الحج عرفة، فمن أدرك عرفة.. فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفة.. فقد فاته الحج»تحديد الموقف في أي موضع وقف من عرفة جاز؛ لأن الكل عرفة.زمان الوقوف: أول وقت الوقوف: إذا زالت الشمس يوم عرفة، وآخره: إذا طلع الفجر الثاني من يوم النحر؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - «وقف بعد الزوال» رواه مسلم، وروى أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة خبر «الحج عرفة ومن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر» وفي رواية من «جاء عرفة ليلة جمع أي ليلة مزدلفة قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج». ومن فاته الوقوف بعرفة فقد فاته الحج فإن الحج عرفة.القدر الذي يحصل به إدراك الوقوف: إذا حصل بعرفة ـ من حين الزوال إلى طلوع الفجر الثاني من يوم النحر ـ لحظة: إما قاعدا أو قائما أو راكبا أو سائرا.. فإنه يجزئه؛ لحديث الحارث بن مضرس أنه قال: أتيت النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وهو بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة، فقلت: يا رسول الله أتيت من جبل طيئ، أكللت مطيتي، وأتعبت نفسي، ولم أدع حبلا إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال ـ - صلى الله عليه وسلم - : " من صلى صلاتنا هذه، وكان قد وقف معنا بعرفة ساعة من ليل أو نهار.. فقد تم حجه، وقضى تفثه». قال ابن الصباغ: و (الحبل) : هو الواحد من حبال الرمل..ولا يشترط الجمع بين الليل والنهار حتى لو أفاض قبل الغروب صح وقوفه ولا يلزمه الدم على الصحيح. الأفضل في الوقوف:الأفضل أن يقف من حين الزوال إلى أن تغرب الشمس من ليلة النحر، ثم يدفع من عرفة؛ لما روى علي: «أن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وقف بها حتى غابت الشمس، ثم دفع منها».الركن الثالث: الحلق أو التقصير:والمذهب أنه نسك يثاب عليه ويتحلل به التحلل الأول فعلى هذا هو ركن من أركان الحج والعمرة لا يصح الحج ولا العمرة إلا به، ولا يجبر بدم ولا غيره، ولا يفوت وقته ما دام حيا، لكن أفضل أوقاته ضحوة النهار يوم الأضحى، ولا يختص بمكان لكن الأفضل أن يفعله الحاج بمنى، والمعتمر بالمروة، فلو فعله في بلد آخر إما وطنه وإما غيره جاز بلا خلاف ولا يزال حكم الإحرام جاريا عليه حتى يحلق.بم يحصل الحلق أو التقصير:الحلق هو استئصال الشعر بالموسى. والتقصير هو قطع الشعر من غير استئصال.والحلق والتقصير ليسا متعينين، فالمدار على إزالة الشعر بأي نوع من أنواع الازالة، حلقا، أو تقصيرا، أو نتفا، أو إحراقا، أو قصا.والمستحب أن يحلق جميع شعر رأسه، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وإن أراد التقصير فالمستحب: أن يقصر من جميع شعر رأسه كالحلق. وإن اقتصر على حلق ثلاث شعرات أو تقصيرها أجزأه، ولا فرق بين أن يقصر من الشعر الذي يحاذي الرأس أو من الشعر الذي نزل عن حد الرأس فإنه يجزئه؛ لأن المقصود تقصير شعر الرأس، وذلك يقع على ما حاذى الرأس وعلى ما نزل عنه، بخلاف المسح في الوضوء فإن المقصود منه مسح الرأس، وذلك لا يقع على ما نزل عن حد الرأس. والدليل على أنه إن اقتصر على حلق ثلاث شعرات أو تقصيرها أجزأه: أنه حلق أو قصر من شعر رأسه ما يقع عليه اسم الجمع المطلق، فأجزأه، كالأكثر.ولا فرق بين أن يحلق بالموسى أو بالنورة، أو يقصره بالجلم أو بأسنانه، أو يقطعه بيده، أو ينتفه فإنه يجزئه؛ لأن القصد إزالته، وقد وجد.وإن كان أصلع، فإن كان على رأسه شعرة أو شعرتان أو ثلاث وجب عليه إزالة ذلك، وهكذا لو كان على رأسه زغب وجب عليه أن يزيل منه ما يقع عليه اسم الجمع المطلق وهو ثلاث.وإن لم يكن عليه شعر أصلا، بأن حلق ولا شعر عليه، أو كان قد حلق واعتمر من ساعته فالمستحب له أن يمر الموسى على رأسه ولا يجب عليه ذلك، لأن الله تعالى أمر بحلق شعر الرأس، وهذا لا شعر على رأسه فلم يتناوله الأمر.وأما النساء فلا يحلقن، وإنما يقصرن؛ لما روى ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس على النساء حلق، ولكن على النساء التقصير» . ولأن الحلق في النساء مثلة، فلم يؤمرن به.قال الشافعي: (وأحب أن تجمع ضفائرها، وتأخذ من أطرافها قدر أنملة؛ لتعم الشعر كله، وإن قصرت ثلاث شعرات أجزأها كالرجل).وقت الحلق أو التقصير:ووقته في العمرة بعد الفراغ من السعي وفي الحج عند طلوع الفجر يوم النحر فضيلة وبعد منتصف ليلة النحر جوازا. ولا آخر لوقته ويكره تأخيره عن يوم النحر، وأشد منه تأخيره عن أيام التشريق، ثم عن خروجه من مكة.واعلم أنه ليس للحج ركن يفوت بفوات وقته إلا الوقوف وأما باقي الأركان فلا آخر لوقتها. ومن برأسه علة تمنعه من التعرض للشعر يصبر إلى الإمكان ولا يفدي؛ إذ الركن لا يجبر بدم؛ لأن الماهية لا تحصل إلا بجميع أركانها.الركن الرابع: السعي:السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج والعمرة، إذا تركه لم يحل من إحرامه، ولم ينجبر بالدم لقوله صلى الله عليه وسلم: " اسعوا، فإن الله كتب عليكم السعي» . وهذه اللفظة أبلغ لفظة في كون السعي فرضا.وأما قول الله تعالى: {فلا جناح عليه أن يطوف بهما} [البقرة: 158] فأراد رفع الجناح عنهم في السعي بينهما؛ لأنهم كرهوا ذلك خوفا من التشبه بالمشركين؛ لأنه كان عليهما لهم صنمان: إساف ونائلة، فكانوا يطوفون بينهما، فلما جاء الإسلام تحرج المسلمون من الطواف بينهما فأنزل الله تعالى: {إن الصفا والمروة} [البقرة: 158] الآية.واجبات السعي ثلاثة:1- السعي بعد طواف ركن أو قدوم بحيث لا يتخلل بين السعي وطواف القدوم الوقوف بعرفة ومن سعى بعد طواف قدوم لم تسن له إعادته بعد طواف الإفاضة؛ عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة، فطاف بالبيت، ثم صلى ركعتين، ثم سعى بين الصفا والمروة. ثم تلا: " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة " الأحزاب: 212- أن يسعى سبعا، ذهابه من الصفا إلى المروة مرة، وعوده منها إليه مرة أخرى.3- الترتيب في السعي، وهو أن يبدأ بالصفا، ويختم بالمروة، لما روى جابر: «أن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ لما خرج إلى السعي.. تلا قوله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} [البقرة: 158]. ثم قال: " ابدأوا بما بدأ الله به ". وبدأ بالصفا، حتى فرغ من آخر سعيه على المروة» .فإذا مشى من الصفا إلى المروة احتسب له بذلك مرة، فإذا مشى من المروة إلى الصفا احتسب له بذلك مرة ثانية، حتى يستوفي المشي بينهما سبع مرات، ويحصل له الوقوف على كل واحد من الصفا والمروة أربع مرات.حكم الطهارة للسعي:يستحب إذا سعى أن يكون على طهارة؛ لأنه قربة وعبادة، فاستحب أن يكون فيها على طهارة.فإن سعى محدثا أو جنبا أو كانت المرأة حائضا أو نفساء صح؛ «لقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة وقد حاضت: " اصنعي ما يصنع الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت» فخص الطواف بالنهي، فدل على أن فعل الباقي جائز.الركن الخامس: طواف الإفاضة:إذا رمى الحاج ونحر وحلق فإنه يفيض إلى مكة ويطوف بالبيت، وهذا الطواف يسمى: طواف الإفاضة؛ لأنه يفيض من منى إلى مكة؛ ولذا قال الناظم: «والطواف إذ رجع» أي: من منى إلى مكة، ويسمى: طواف الزيارة؛ لأنه يزور البيت بعد أن فارقه ويعود إلى منى، ويسمى: طواف الفرض؛ لكونه ركنا.وهذا الطواف ركن من أركان الحج لا يتم الحج إلا به؛ لقوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج: 29].وعن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر صفية بنت حيي، فقيل: إنها قد حاضت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لعلها حابستنا"، قالوا: يا رسول الله، إنها قد أفاضت، فقال: "فلا إذا" رواه أبو داودفدل على: أن هذا الطواف لا بد منه. وقت طواف الإفاضة:وأول وقت هذا الطواف: إذا انتصف الليل من ليلة النحر، وليس لآخره حد غير أن المستحب أن يطوف يوم النحر؛ لـ: «أن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ طاف يوم النحر».أنواع الطواف:واعلم أن الطواف ثلاثة أنواع: طواف الافاضة وهو ركن –كما علمت- لا بد منه ولا يصح الحج بدونه. وطواف الوداع وهو واجب، وسيأتي. وطواف القدوم وهو سنة، ويسمى أيضا طواف الورود، وطواف التحية لأنه تحية البقعة، وسيأتي أيضا.واجبات الطواف:للطواف –بأنواعه الثلاثة- ثمانية واجبات:وواجبات الطواف بأنواعه ثمانية: أحدها: طهره عن حدث وخبث.وثانيها: ستر العورة.وثالثها: نية الطواف إن استقل بأن لم يشمله نسك كسائر العبادات، وإلا فهي سنة.ورابعها: بدؤه بالحجر الاسود محاذيا له في مروره ببدنه: أي بجميع شقه الايسر.وخامسها: جعل البيت عن يساره مارا تلقاء وجهه. وسادسها: كونه سبعا يقينا، ولو في الوقت المكروه، فإن ترك منها شيئا - وإن قل - لم يجزئه.ولو شك في عدد الطواف أو السعي أخذ بالأقل.وسابعها كونه في المسجد.وثامنها: عدم صرفه لغيره، كطلب غريم، وكإسراعه خوفا من أن تلمسه امرأة.سنن الطواف:أما سنن الطواف، فخمس:الأولى: أن يطوف ماشيا إلا لعذر؛ كمرض أو نحوه، أو يحتاج لظهوره ليستفتى، فإن ركب بلا عذر لم يكره.الثانية: أن يستلم الحجر الأسود بيده في ابتداء الطواف، ويقبله ويضع جبهته عليه. فإن منعته الزحمة من التقبيل، اقتصر على الاستلام. فإن لم يمكن، اقتصر على الإشارة باليد، ولا يشترط بالفم إلا التقبيل. ولا يقبل الركنين الشاميين، ولا يستلمهما. ويستلم الركن اليماني، ولا يقبله. ويستحب، أن يقبل اليد بعد استلام اليماني، وبعد استلام الحجر الأسود إذا اقتصر على استلامه للزحمة.ويستحب تقبيل الحجر، واستلامه، واستلام اليماني عند محاذاتهما في كل طوفة، وهو في الأوتار آكد؛ لأنها أفضل.الثالثة: الدعاء، فيستحب أن يقول في ابتداء الطواف: بسم الله، والله أكبر، اللهم إيمانا بك، وتصديقا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعا لسنة نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم -. ويقول بين الركنين اليمانيين: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. ويدعو في جميع طوافه بما شاء. وقراءة القرآن في الطواف أفضل من الدعاء غير المأثور. وأما المأثور، فهو أفضل منها على الصحيح. وعلى الثاني: أنها أفضل منه.الرابعة: الرمل - بفتح الميم والراء - وهو الإسراع في المشي مع تقارب الخطى دون الوثوب والعدو. ويقال له: الخبب. وغلط الأئمة من ظن أنه دون الخبب.ويسن الرمل في الطوفات الثلاث الأول. ويسن المشي على الهينة في الأربعة الأخيرة، وإنما يسن الرمل في طواف يستعقب السعي. الخامسة: الاضطباع. وهو أن يجعل وسط ردائه تحت منكبه الأيمن، وطرفيه على عاتقه الأيسر، ويبقي منكبه الأيمن مكشوفا. وكل طواف سن فيه الرمل سن فيه الاضطباع، وما لا فلا.لكن الرمل مخصوص بالطوفات الثلاث الأول، والاضطباع يعم جميعها. ويسن أيضا في السعي بين الصفا والمروة على المذهب الذي قطع به الجمهور. ولا يسن في ركعتي الطواف على الأصح، لكراهة الاضطباع في الصلاة. فعلى هذا، إذا فرغ من الطواف، أزال الاضطباع ثم صلى الركعتين، ثم أعاد الاضطباع وخرج للسعي.صفة الطواف التي إذا اقتصر عليها صح طوافه:إذا دخل المسجد فليقصد الحجر الأسود، ويستحب أن يستقبل الحجر الأسود بوجهه ويدنو منه بشرط أن لا يؤذي أحدا بالمزاحمة فيستلمه (أي يمسحه بيمينه) ثم يقبله من غير صوت يظهر في القبلة ويسجد عليه ويكرر التقبيل والسجود عليه ثلاثا. ثم يبتدئ الطواف ويقطع التلبية في الطواف ويستحب أن يضطبع مع دخوله في الطواف فإن اضطبع قبله بقليل فلا بأس. وكيفية الطواف أن يحاذي بجميعه جميع الحجر الأسود. فلا يصح طوافه حتى يمر بجميع بدنه على جميع الحجر وذلك بأن يستقبل البيت ويقف على جانب الحجر الذي إلى جهة الركن اليماني بحيث يصير جميع الحجر عن يمينه ويصير منكبه الأيمن عند طرف الحجر ثم ينوي الطواف لله تعالى ثم يمشي مستقبل الحجر مارا إلى جهة يمينه حتى يجاوز الحجر فإذا جاوزه انفتل وجعل يساره إلى البيت ويمينه إلى خارج، ولو فعل هذا من الأول وترك استقبال الحجر جاز، ثم يمشي هكذا تلقاء وجهه طائفا حول البيت أجمع فيمر على الملتزم وهو ما بين الحجر الأسود والباب ثم يمر إلى الركن الثاني بعد الأسود ويسمى الركن العراقي ثم يمر وراء الحجر بكسر الحاء وسكون الجيم وهو في صوب الشام والمغرب فيمشي حوله حتى ينتهي إلى الركن الثالث ويقال لهذا الركن والذي قبله الركنان الشاميان وربما قيل الغربيان ثم يدور حول الكعبة حتى ينتهي إلى الركن الرابع المسمى بالركن اليماني ثم يمر منه إلى الحجر الأسود فيصل إلى الموضع الذي بدأ منه فيكمل له حينئذ طوفة واحدة ثم يطوف كذلك حتى يكمل سبع طوفات، وكل مرة طوفة والسبع طواف كامل.وإلى هنا يكون قد انتهى الكلام حول أركان الحج الخمسة التي ذكرها الناظم وهي: الإحرام، والوقوف بعرفة، والحلق، السعي، وطواف الإفاضة.وبقي ركن لم يذكره الناظم وهو:الركن السادس: الترتيب بين معظم أركان الحج، وهو ثلاثة أركان: 1- الإحرام: (نية الدخول في النسك) وهي مقدمة على جميع الأركان.2- الوقوف: فيقدم الوقوف على طواف الركن والحلق، وأما هما، فلا ترتيب بينهما.3- الطواف: فيقدم الطواف على السعي إن لم يكن سعى بعد طواف القدوم، فإن كان قد سعى بعده سقط عنه، ولا تسن إعادته وعليه، فلا يكون هناك ترتيب بين المعظم.ودليل الترتيب فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - مع قوله: خذوا عني مناسككم.أركان العمرةذكرها الناظم بقوله:وكلها غير الوقوف تعتبر أركان كل عمرة بها اعتمروكل أركان الحج التي سبق ذكرها -غير الوقوف بعرفة- أركان للعمرة، فتكون أركان العمرة أربعة على كلام الناظم وهي: الإحرام، والحلق أو التقصير، والسعي، والطواف.يضاف إلى هذه الأركان الأربعة ركن الترتيب الذي أضيف في أركان الحج فتكون أركان العمرة خمسة.غير أن الترتيب في العمرة يكون في جميع الأركان، فيبدأ بالإحرام، ثم بالطواف، ثم بالسعي، ثم بالحلق أو التقصير.واجبات الحجوالواجب الإحرام من ميقاته والرمي للجمار في أوقاتهوأن يبيت الشخص بالمزدلفه وفي منى الليالي المشرفهوترك ما يسمى مخيطا ساترا وأن يطوف للوداع آخراواجبات الحج ستة: كون الإحرام من الميقات، ورمي الجمار، والمبيت بمزدلفة، والمبيت ليالي منى، وترك لبس المخيط (والمقصود التحرز عن محرمات الإحرام)، وطواف الوداع.الواجب الأول: الإحرام من الميقات:تعريف الميقات:الميقات في اللغة الحد والمراد به هنا زمن العبادة ومكانها.الميقات الزماني للحج: فالميقات الزماني للحج: شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة، ولا يجوز الإحرام بالحج إلا في وقته، فلو أحرم به في غير وقته انعقد عمرة.الميقات الزماني للعمرة: وجميع السنة وقت لإحرام العمرة وقد يمتنع الإحرام بها لعوارض منها: ما لو كان محرما بحج فإن العمرة لا تدخل عليه. ومنها ما لو أحرم بها قبل نفره لاشتغاله بالرمي والمبيت. ومنها ما لو كان محرما بعمرة فإن العمرة لا تدخل على أخرى.الميقات المكاني للحج:1- في حق المكي: وأما الميقات المكاني للحج في حق من بمكة سواء كان من أهلها أم لا نفس مكة.2- في حق غير المكي: غير المكي صنفان:الصنف الأول: من مسكنه بين الميقات ومكة: فميقاته القرية التي يسكنها أو الحلة التي ينزلها البدوي.الصنف الثاني: من مسكنه فوق الميقات الشرعي ويسمى هذا الآفاقي فيجب عليه الإحرام من ميقات بلده. والمواقيت الشرعية خمسة: أحدها: ذو الحليفة: وهو ميقات المتوجه من المدينة.والثاني: الجحفة: وهو ميقات المتوجهين من الشام ومصر والمغرب. والثالث: يلملم: ميقات المتوجهين من تهامة اليمن.الرابع: قرن: ميقات المتوجهين من نجد اليمن ونجد الحجاز.الخامس: ذات عرق: ميقات المتوجهين من العراق وخراسان.والأصل في المواقيت خبر الصحيحين أن ابن عباس قال: «إن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشأم الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، هن لهن، ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك، فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة».ومن سلك طريقا لا تنتهي إلى ميقات أحرم من محاذاته فإن حاذى ميقاتين أحرم من محاذاة أقربهما إليه فإن استويا في القرب إليه أحرم من محاذاة أبعدهما من مكة وإن لم يحاذ ميقاتا أحرم على مرحلتين من مكة.أحكام مجاوزة الميقات: 1- من جاوز ميقاتا غير مريد نسكا ثم أراده فميقاته موضعه لما ذكر في الحديث.2- ومن وصل إليه مريدا نسكا لم يجز مجاوزته بغير إحرام بالإجماع، فإن جاوزه لزمه العود ليحرم منه إلا إذا كان له عذر كأن ضاق الوقت أو كان الطريق مخوفا فإنه لا يلزمه العود.فإن لم يعد للعذر أو غيره لزمه دم، وإن عاد وأحرم من الميقات فلا دم عليه، سواء كان دخل مكة أم لا.وإن أحرم ثم عاد إلى الميقات. فله حالان:الأولى: إن عاد إليه قبل تلبسه بنسك فلا دم عليه لقطعه المسافة من الميقات محرما، وأداء المناسك بعده.الثانية: إن عاد بعد تلبسه بنسك لزمه دم لتأدي النسك بإحرام ناقص. ولا فرق في لزوم الدم للمجاوز بين أن يكون عالما بالحكم ذاكرا له أو ناسيا أو جاهلا به، ولا إثم على الناسي والجاهل.ميقات العمرة المكاني:ميقات العمرة لمن هو خارج الحرم ميقات الحج لقوله في الحديث السابق «ممن أراد الحج والعمرة». ومن بالحرم يلزمه الخروج إلى أدنى الحل ولو بخطوة من أي جهة شاء فيحرم بها لأنه - صلى الله عليه وسلم - «أرسل عائشة بعد قضاء الحج إلى التنعيم فاعتمرت منه» . رواه الشيخان والتنعيم أقرب أطراف الحل إلى مكة على ثلاثة أميال منها وقيل أربعة فلو لم يكن الخروج واجبا لما أمرها به لضيق الوقت برحيل الحاج. فإن لم يخرج وأتى بأفعال العمرة أجزأته عن عمرته في الأظهر وعليه دم لتركه الإحرام من الميقات. ولو خرج إلى الحل بعد إحرامه فقط سقط الدم على المذهب.أيهما أفضل للآفاقي، أن يحرم من دويرة أهله أم من الميقات؟قال في أسنى المطالب: والإحرام من الميقات أفضل منه من دويرة أهله خلافا للرافعي في تصحيحه عكسه؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - «أحرم بحجته وبعمرة الحديبية من ذي الحليفة» روى الأول الشيخان والثاني البخاري؛ ولأن في مصابرة الإحرام بالتقديم عسرا، وتغريرا بالعبادة وإن كان جائزا، وإنما جاز قبل الميقات المكاني لا قبل الزماني؛ لأن تعلق العبادة بالوقت أشد منه بالمكان، ولأن المكاني يختلف باختلاف البلاد بخلاف الزماني.الواجب الثاني: رمي الجمار:والواجب رمي سبعين حصاة، سبع ترمى يوم النحر إلى جمرة العقبة فقط، وإحدى وعشرين حصاة ترمى أول يوم من أيام التشريق إلى الجمرات الثلاث، إلى كل جمرة سبع، فيبدأ بالجمرة الأولى من جانب المزدلفة ويختم بجمرة العقبة وهي تلي مكة، وكذلك يفعل في اليوم الثاني والثالث، إلا إذا نفر النفر الأول -وهو بعد الرمي في اليوم الثاني من أيام التشريق- قبل غروب الشمس فيسقط عنه الرمي في اليوم الأخير.وقت رمي جمرة العقبة: يدخل وقت رمي جمرة العقبة بانتصاف ليلة النحر لمن وقف قبل ذلك، والأفضل أن يرمي بعد طلوع الشمس، ويبقى وقت الاختيار إلى غروب شمس يوم النحر، وأما وقت الجواز فإلى آخر أيام التشريق.وقت رمي أيام التشريق:يدخل رمي كل يوم من أيام التشريق بزوال شمسه، ويخرج وقت الاختيار بغروبها، وأما وقت الجواز فإلى آخر الوقت من أيام التشريق.شروط صحة الرمي:1- ترتيب الجمرات بأن يرمي أولا إلى الجمرة التي تلي مسجد الخيف، ثم إلى الوسطى ثم إلى جمرة العقبة.2- كونه سبع مرات فلو رمى سبع حصيات مرة واحدة أو حصاتين كذلك إحداهما بيمينه والأخرى بيساره لم يحسب إلا واحدة، ولو رمى حصاة واحدة سبع مرات كفى.3- أن يسمى رميا فلا يكفي وضع الحصاة في المرمى؛ لأن المأمور به الرمي فلا بد من صدق الاسم عليه، ولأنه خلاف الوارد.4- كونه بيد لأنه الوارد فلا يكفي الرمي بغيرها كقوس ورجل.5- كونه بحجر؛ لذكر الحصى في الأخبار وهو من الحجر فيجزي بأنواعه ولو مما يتخذ منه الفصوص كياقوت وعقيق وبلور لا غيره كلؤلؤ وإثمد وجص وجوهر منطبع كذهب وفضة وحديد.6- قصد المرمى أي أن لا يقصد غير الرمي فيه، فلو رمى إلى غيره كأن رمى في الهواء فوقع في المرمى لم يحسب.7- تحقق وقوع الحجر في المرمى وإن لم يبق فيه كأن تدحرج وخرج منه، فلو شك في إصابته لم يحسب؛ لأن الأصل عدم الوقوع فيه وبقاء الرمي عليه.ما يلزم من ترك الرمي:لو ترك رمي يوم أو يومين، عمدا كان أو سهوا أو جهلا، تداركه في باقي أيام التشريق ولياليها، ويكون حينئذ أداء، وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام جوزه للرعاة وأهل السقاية، وقيس عليهم غيرهم. وإن لم يتداركه في باقي أيام التشريق لزمه دم بترك ثلاث رميات فأكثر.وفي الرمية الأخيرة من اليوم الأخير مد طعام وفي الأخيرتين منه مدان.الواجب الثالث: المبيت بمزدلفة:يجب بعد الدفع من عرفة المبيت بمزدلفة، ويحصل المبيت بلحظة من النصف الثاني من الليل ولو بالمرور. ويجوز الدفع منها بعد نصفه؛ وبقية المناسك كثيرة شاقة ويدخل وقتها بنصف الليل فسومح في التخفيف لأجلها. فمن لم يكن بها في النصف الثاني بأن لم يبت بها، أو بات لكن نفر قبل النصف ولم يعد إليها فيه لزمه دم لتركه الواجب. نعم إن تركه لعذر كأن خاف، أو انتهى إلى عرفة ليلة النحر واشتغل بالوقوف عن المبيت، أو أفاض من عرفة إلى مكة وطاف للركن ففاته المبيت لم يلزمه شيء.الواجب الرابع: المبيت بمنى:يجب المبيت بمنى ليالي أيام التشريق الثلاثة وهي التي عقب يوم العيد للاتباع المعلوم من الأخبار الصحيحة مع خبر «خذوا عني مناسككم».ومقدار الواجب من المبيت معظم الليل وهذا يتحقق بما زاد على النصف ولو بلحظة.وإنما يلزم مبيت الليلة الثالثة لمن غربت الشمس عليه وهو مقيم بمنى، وحينئذ يلزمه رمي اليوم الثالث، فمن ترك المبيت في الليالي الثلاث لزمه دم، أو في ليلة فمد، أو ليلتين فمدان. نعم؛ يجوز تركه للمعذور ولا دم عليه؛ كرعاء الإبل وأهل سقاية العباس ولو من غير بني هاشم، فللصنفين أن يدعوا رمي يوم ويقضوه في تاليه قبل رميه، لا رمي يومين متواليين، فلو نفروا يوم النحر بعد رميه عادوا في ثاني التشريق، ولهم النفر مع الناس على الصحيح. ولأهل السقاية فقط إذا كانوا بمنى عند الغروب أن ينفروا بعده، ويتركوا المبيت، ورمي الغد. ومن المعذورين: من له مال يخاف عليه ضياعه لو بات، أو مريض يحتاج إلى تعهده، أو يطلب آبقا، أو أمرا يخاف فوته، فلا شيء عليهم على الصحيح، ولهم النفر بعد الغروب.وشرط جوازه لغير المعذور قبل غروب شمس اليوم الثاني: أن يكون بات الليلتين قبله، أو تركه لعذر. والتأخير إلى اليوم الثالث أفضل، وللإمام آكد؛ كما نقله في «المجموع» وأقره. ولو نفر فغربت قبل انفصاله من منى، أو عاد لشغل قبل الغروب أو بعده لم يلزمه المبيت على الصحيح، فلو تبرع به لم يلزمه الرمي في الغد، ولو غربت وهو في شغل الرحيل فالأصح في «الروضة»: جواز النفر.الواجب الخامس: اجتناب محرمات الإحرام:يجب على المحرم بحج أو عمرة أو بهما أن يتحرز من أمور كثيرة ذكر الناظم منها عشرة في الباب التالي لهذا الباب، وهو باب محرمات الإحرام.وقد أشار الناظم إلى هذا الواجب بقوله وهو يعدد واجبات الحج:وترك ما يسمى مخيطا ساترا ......................... ............وسيأتي إيضاحه مع بقية المحرمات في الباب التالي.الواجب السادس: طواف الوداع:من فرغ من مناسكه وأراد المقام بمكة فليس عليه طواف وداع، وإن أراد الخروج طاف للوداع ولا رمل فيه ولا اضطباع، وهذا الطواف واجب مستقل ليس من المناسك على المعتمد فيجب على غير نحو حائض كنفساء بفراق مكة ولو مكيا أو غير حاج ومعتمر أو فارقها لسفر قصير كما في المجموع.ولو أراد الحاج الرجوع إلى بلده من منى لزمه دخول مكة لطواف الوداع. ما يلزم من خرج بلا وداع: من وجب عليه طواف الوداع فخرج بلا وداع عصى ووجب عليه العود للطواف ما لم يبلغ مسافة القصر من مكة، فإذا بلغها لم يجب عليه العود بعد ذلك، ومتى لم يعد وجب عليه الدم. ومن عاد قبل مسافة القصر وطاف سقط عنه الدم. وإن عاد بعد بلوغ مسافة القصر لم يسقط عنه الدم.ولو طهرت النفساء والحائض فإن كان قبل مفارقة بناء مكة لزمها العود والطواف لزوال عذرها، وإن كان بعد مفارقة البناء لم يلزمها العود.المكث في مكة بعد طواف الوداع: ينبغي أن يقع طواف الوداع بعد الفراغ من جميع أشغاله ويعقبه الخروج من غير مكث، فإن مكث بعده لغير عذر أو لشغل غير أسباب الخروج كشراء متاع أو قضاء دين أو زيارة صديق أو عيادة مريض ونحو ذلك فعليه إعادة الطواف، وإن اشتغل بأسباب الخروج كشراء الزاد بلا مكث وشد الرحل ونحوهما لم يعد الطواف وكذا لو أقيمت الصلاة فصلاها معهم لم يعد الطواف.من أخر طواف الإفاضة فطافه عند الخروج فهل يكفيه عن طواف الوداع؟طواف الوداع لا يدخل تحت غيره من الأطوفة، بل لا بد من طواف يخصه، حتى لو أخر طواف الإفاضة وفعله بعد أيام منى وأراد السفر عقبه لم يكف.واجبات العمرةوأما واجبات العمرة فشيئان: الإحرام من الميقات، واجتناب محرمات الإحرام.سنن الحجو يستحب أن يلبي الفتى و أن يطوف للقدوم إذ أتى و أن يكون مفردا لما ذكر بأن يحج ثم بعد يعتمرو ركعتان للطواف أكدا كذا البياض و الإزار و الرداللحج سنن كثيرة ذكر الناظم رحمه الله منها خمسا وهي: التلبية، وطواف القدوم، والإفراد في الحج، وركعتا الطواف، ولبس إزار ورداء أبيضين.أولا: التلبية:يستحب أن يكثر المحرم من التلبية، ويستحب أن يلبي قائما وقاعدا، وراكبا وماشيا ومضطجعا، وجنبا وحائضا؛ لما روى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما أهل مهل قط إلا بشر، ولا كبر مكبر قط إلا بشر " قيل: يا رسول الله، بالجنة؟ قال: " نعم».ويتأكد استحبابها عند تغير الأحوال والأزمان والأماكن، كصعود وهبوط، وركوب ونزول، واجتماع الرفاق، وعند السحر وإقبال الليل والنهار، وأدبار الصلاة وفي سائر المساجد، ولا يلبي في طوافه وسعيه. ويستحب له رفع الصوت بالتلبية، عن أبي بكر الصديق، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل، أي الأعمال أفضل؟ قال: «العج، والثج» ومعنى (العج) : رفع الصوت بالتلبية، و (الثج) : إسالة دم الهدي.وإن كانت امرأة لا ترفع صوتها، بل تقتصر على إسماعها نفسها؛ لأنه يخاف الافتتان بها.صفة التلبية:صفة التلبية أن يقول: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) ؛ لما روى ابن عمر: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يلبي هكذا) .ولا يقطع التلبية بكلام، فإن سلم عليه إنسان رد عليه، وإذا رأى شيئا فأعجبه قال: لبيك إن العيش عيش الآخرة.و (التلبية) : مأخوذة من قولهم: ألب بالمكان، إذا لزمه وأقام فيه، ومعناه: أنا مقيم عند طاعتك، وعلى أمرك، غير خارج عن ذلك، ولا شارد عنه، ثم ثنوه للتأكيد.ويستحب أن يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد التلبية ويسأل الله رضوانه والجنة ويستعيذ به من النار ثم يدعو بما أحب لنفسه ولمن أحب. والأعجمي أن أحسن التلبية بالعربية، وإلا لبى بها بلسانه.متى تقطع التلبية؟لا يقطع الحاج التلبية إلا مع أول حصاة يرمي بها جمرة العقبة، ويبتدئ بالتكبير، وكذلك المعتمر لا يزال يلبي حتى يفتتح الطواف.ثانيا: طواف القدوم:يسن لحاج دخل مكة قبل الوقوف أن يبدأ بطواف القدوم ومثله الحلال؛ لخبر «الصحيحين» عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم أول شيء بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ، ثم طاف بالبيت.والمعنى فيه أن الطواف تحية البيت لا المسجد فلذلك يبدأ به، ويستثنى منه ما لو خاف فوت مكتوبة أو سنة مؤكدة أو وجد جماعة قائمة أو تذكر فائتة مكتوبة، فإنه يقدم ذلك على الطواف، ولو أقيمت الصلاة وهو في أثناء الطواف قطعه وصلى؛ لأن ما ذكر يفوت والطواف لا يفوت.ويختص طواف القدوم بحلال دخل مكة، وبحاج دخلها قبل الوقوف.أما الداخل مكة بعد الوقوف والمعتمر فلا يطلب منهما طواف القدوم.وذوات الهيئة من النسوة لجمال أو شرف يؤخرن الطواف إلى الليل لأنه أستر لهن وأسلم لهن ولغيرهن من الفتنة.ثالثا: الإفراد:يؤدى النسكان على ثلاثة أوجه: أحدها: الإفراد، ويحصل بأن يحرم بالحج من ميقات بلده ويفرغ منه، ثم يحرم بالعمرة كإحرام المكي بأن يخرج إلى أدنى الحل فيحرم منه بالعمرة ويأتي بعملها. الثاني: القران، والأكمل يحصل بأن يحرم بهما معا في أشهر الحج من ميقات بلده، ويعمل عمل الحج فقط؛ لأن عمل الحج أكثر فيحصلان ويدخل عمل العمرة في عمل الحج فيكفيه طواف واحد وسعي واحد لما رواه الترمذي وصححه أنه - صلى الله عليه وسلم - قال «من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي واحد عنهما حتى يحل منهما جميعا» صححه الترمذي. وهذه هي الصورة الأصلية للقران.والصورة الثانية تحصل بأن يحرم بالعمرة وحدها ولو قبل أشهر الحج، ثم يحرم بالحج في أشهر الحج قبل أن يشرع في طواف العمرة. ويكون بذلك قارنا بإجماع كما قاله ابن المنذر، فيكفيه عمل الحج لما روى مسلم أن عائشة - رضي الله تعالى عنها - «أحرمت بعمرة فدخل عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - فوجدها تبكي، فقال ما شأنك؟ قالت: حضت وقد حل الناس ولم أحل ولم أطف بالبيت، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أهلي بالحج ففعلت ووقفت المواقف حتى إذا طهرت طافت بالبيت وبالصفا والمروة، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد حللت من حجك وعمرتك جميعا».الثالث: التمتع ويحصل بأن يحرم بالعمرة في أشهر الحج من ميقات بلده ويفرغ منها ثم ينشئ حجا من عامه من مكة. فهذه هي أوجه أداء النسكين: الإفراد، والتمتع، والقران، وكلها جائزة لحديث عائشة رضي الله عنها قالت (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج وعمرة ومنا من أهل بحج وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج) رواه البخاري ومسلم وفي رواية لمسلم (منا من أهل بالحج مفردا ومنا من قرن ومنا من تمتع).وأفضل هذه الثلاثة هو الإفراد؛ ولهذا ذكره الناظم في المستحبات فقال:و أن يكون مفردا لما ذكر بأن يحج ثم بعد يعتمر وقد ذكر في أفضلية الإفراد أدلة كثيرة منها حديث عائشة السابق :(وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج) رواه البخاري ومسلم، وفي رواية لمسلم: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج) وفي رواية له أيضا عنها: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بالحج مفردا). ثم شرط كون الإفراد أفضل من التمتع والقران أن يعتمر في تلك السنة، فلو أخر العمرة عن سنته فكل من التمتع والقران أفضل من الإفراد لأن تأخير العمرة عن سنة الحج مكروه.رابعا: ركعتا الطواف:يسن أن يصلي بعد الفراغ من الطواف ركعتين، وفعلهما خلف المقام أولى للاتباع، رواه الشيخان فإن لم يفعلهما خلف المقام فعلهما في الحجر ففي المسجد ففي الحرم فحيث شاء متى شاء، ولا يفوتان إلا بموته ويقرأ فيهما بسورتي الكافرون والإخلاص للاتباع، رواه مسلم وأن يجهر بهما ليلا مع ما ألحق به من الفجر إلى طلوع الشمس ويسر فيما عدا ذلك كالكسوف ويجزئ عن الركعتين فريضة ونافلة أخرى.تنبيه: يسن أن يضطبع الذكر في جميع كل طواف يرمل فيه -وهو الذي يعقبه السعي- فإذا فرغ وأراد أن يصلي ركعتي الطواف أزال هيئة الاضطباع وغطى منكبه؛ لأن ذلك لم يرد فيه اضطباع، ولا هو في معنى ما ورد فيه، ولأن هيئة الاضطباع مكروهة في الصلاة، فإذا فرغ من الركعتين أعاد الاضطباع للسعي.لبس إزار ورداء أبيضين:إذا أراد الذكر الإحرام فيجب أن يتجرد عن مخيط ثيابه؛ لأن ترك لبس المخيط في الإحرام لازم ومن ضرورة لزومه لزوم التجرد قبل الإحرام، فيكون هذا التجرد واجبا لغيره.فإذا تجرد الذكر فيستحب أن يلبس إزارا ورداء أبيضين لما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (انطلق النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة بعد ما ترجل وادهن ولبس إزاره ورداءه هو وأصحابه...) رواه البخاري في صحيحه.وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خيار ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم) قال النووي: حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي وغيرهما بأسانيد صحيحة قال الترمذي هو حديث حسن صحيح.ويكره المصبوغ وغير البياض ولو بعضا وإن قل ولو قبل نسجه.والإزار: ما يستر أسفل البدن، والرداء: ما يستر أعلاه.باب محرمات الإحراموهذه عشر خصال تحرم من محرم وكلها ستعلملبس المخيط مطلقا من الذكر وستر بعض رأسه بلا ضررووجهها كرأسه إذا استتر وقلم أظفار كذا حلق الشعروقتل صيد كالحلال في الحرم والقطع من أشجاره كالصيد ثموالوطء والنكاح والمباشره بشهوة ومس طيب عاشرهثم الفدا في كل ما منها وجد إلا النكاح فهو غير منعقدوالظفر فيه المد والظفران كالشعرتين فيهما مدانوالنسكان مطلقا قد أبطلا بالوطء إلا وطء من تحللاوواجب بالوطء هدي والقضا وكونه في فاسد به مضىومن يفت وقوفه تحللا بعمرة إن كان عن حصر خلاأو فاته ركن سواه لم يحل من ذلك الإحرام إلا إن فعلوإن يفته واجب يرق دما أو سنة فما بشيء ألزمامحرمات الإحرام: أي ما يحرم بسبب الإحرام. يحرم على المحرم بحج أو عمرة أو بهما خصال كثيرة المذكور منها هنا عشر خصال:الأولى: لبس المخيط:يحرم على الرجل دون المرأة لبس المخيط كالقميص، والسراويل، والخف، والقباء، وكل محيط (بضم الميم وبالحاء المهملة) بالبدن، أو بعضو منه سواء كان محيطا بخياطة أو غيرها.قال النووي: قال أصحابنا ولا يتوقف التحريم والفدية على المخيط بل سواء المخيط وما في معناه، وضابطه أنه يحرم كل ملبوس معمول على قدر البدن أو قدر عضو منه بحيث يحيط به بخياطة أو غيرها فيدخل فيه درع الزرد والجوشن والجورب واللبد والملزق بعضه ببعض سواء المتخذ من جلد أو قطن أو كتان أو غير ذلك ولا خلاف في هذا كله.واللبس الحرام الموجب للفدية محمول على ما يعتاد في كل ملبوس فلو التحف بقميص أو قباء أو ارتدى بهما أو اتزر بسراويل فلا فدية لانه لبس ليس لبسا له في العادة فهو كمن لفق إزارا من خرق وطبقها وخاطها فلا فدية عليه بلا خلاف وكذا لو التحف بقميص أو بعباءة أو إزار ونحوها ولفها عليه طاقا أو طاقين أو أكثر فلا فدية وسواء فعل ذلك في النوم أو اليقظة.والأصل في ذلك الأخبار الصحيحة كخبر الصحيحين عن ابن عمر «أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال: لا يلبس القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف إلا أحدا لا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا يلبس من الثياب شيئا مسه زعفران أو ورس» زاد البخاري «ولا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين». وله أن يتقلد المصحف وحمائل السيف وأن يشد الهميان والمنطقة في وسطه ويلبس الخاتم.وإن احتاج إلى لبس المخيط لمداواة أو حر أو برد جاز ووجبت الفدية.الثانية: تغطية بعض الرأس من الرجل:يحرم تغطية بعض الرأس من الرجل ولو البياض الذي وراء الأذن سواء أستر البعض الآخر أم لا بما يعد ساترا عرفا، مخيطا أو غيره كالعمامة والطيلسان (ما يوضع على الرأس كالشال)، وكذا الطين والحناء الثخينان لخبر الصحيحين «أنه - صلى الله عليه وسلم - قال في المحرم الذي خر من على بعيره ميتا: لا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا» بخلاف ما لا يعد ساترا كاستظلال بمحمل وإن مسه. وأفاد قول الناظم: (وستر بعض رأسه بلا ضرر) أنه إن ستر ذلك بغير عذر حرم عليه ولزمته الفدية، فإن كان لعذر من حر أو برد أو مداواة كأن جرح رأسه فشد عليه خرقة فيجوز لقوله تعالى {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78] لكن تلزمه الفدية قياسا على الحلق بسبب الأذى.الثالثة: ستر بعض وجه المرأة:يحرم ستر بعض وجه المرأة -ولو أمة- بما يعد ساترا ، فوجهها كرأس الذكر في عدم جواز ستره إلا لحاجة فيجوز مع الفدية، ويجب على الحرة أن تستوعب رأسها بالستر للصلاة ولو لزم على ذلك ستر بعض الوجه مراعاة للصلاة، وإذا أرادت المرأة ستر وجهها عن الناس أرخت عليه ما يستره من نحو ثوب متجاف عنه بنحو خشبة بحيث لا يقع الساتر على بشرة الوجه، فإن وقعت الخشبة فأصاب الثوب وجهها بغير اختيارها، ورفعته في الحال فلا فدية، وإن كان عمدا أو استدامته لزمتها الفدية.ولها لبس المحيط في باقي بدنها إلا القفاز وهو شيء يعمل لليد.الرابعة والخامسة: قلم الأظفار وحلق الشعر:يحرم على الذكر وغيره (قلم أظفار كذا حلق الشعر)؛ يعني: إزالة الشعر من الرأس أو غيره حلقا أو غيره، أو الظفر من اليد أو الرجل قلما أو غيره؛ لقوله تعالى: {ولا تحلقوا رءوسكم} أي: شيئا من شعرها {حتى يبلغ الهدي محله}، وقيس على شعر الرأس شعر باقي البدن، وعلى الحلق غيره، وعلى إزالة الشعر إزالة الظفر بجامع الترفه في الجميع، والمراد بالشعر في الآية: الجنس الصادق بالواحدة فصاعدا، وتكمل الفدية في إزالة ثلاث شعرات، أو ثلاثة أظفار؛ لأنها تجب على المعذور بالحلق للآية كما سيأتي، فعلى غيره أولى، والشعر يصدق بالثلاث، وقيس بها الأظفار، ولا يعتبر جميعه بالإجماع، ويعتبر إزالة الثلاث أو الثلاثة دفعة واحدة في مكان واحد. ولو حلق جميع شعر رأسه دفعة واحدة في مكان واحد لم تلزمه إلا فدية؛ لأنه يعد فعلا واحدا، وكذا لو حلق شعر رأسه وبدنه على التواصل، ويقاس بالشعر في ذلك الأظفار من اليدين والرجلين. ولو حلق شعر رأسه في مكانين، أو مكان واحد، لكن في زمانين متفرقين وجبت فديتان. ولو أزال ثلاث شعرات، أو ثلاثة أظفار في ثلاثة أمكنة، أو ثلاثة أوقات وجب في كل واحدة ما يجب فيها لو انفردت؛ وهو مد طعام على الأظهر، وفي الثنتين أو الاثنين مدان. ويجوز قطع ما غطى عينيه من شعر حاجبه أو رأسه، ومنكسر ظفر، وقلع شعر داخل جفنه تأذى بهما، ولا فدية في الجميع، ولا في قطع عضو، أو جلدة عليه شعر أو ظفر، ولا في إزالة محرم مجنون أو مغمى عليه أو صبي لا يميز شعرا أو ظفرا على الأصح في «المجموع». ويجوز للمعذور في الحلق أن يحلق ويفدي؛ للآية المتقدمة؛ كأن يحتاج إليه لكثرة قمل أو وسخ، أو حاجة أخرى في رأسه، أو سائر بدنه.السادسة: الصيد:يحرم على المحرم ذكرا أو أنثى ولو خارج الحرم، وعلى الحلال بالحرم ولو غير محرم اصطياد كل صيد مأكول بري وحشي، أو متولد منه ومن غيره، من طير أو دابة، وكذا وضع اليد عليه بشراء أو غيره.والأصل في ذلك قوله تعالى: {وحرم عليكم صيد البر} أي: أخذه {ما دمتم حرما} [المائدة: 96] وقوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} [المائدة: 95] ولحديث ابن عباس في الصحيحين: (إن هذا البلد حرام بحرمة الله، لا يعضد شجره، ولا ينفر صيده، ولا تلتقط لقطته إلأ من عرفها، ولا يختلى خلاه). قال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر فإنه لقينهم وبيوتهم، قال: (إلا الإذخر). أي: لا يجوز تنفير صيده لمحرم ولا حلال فغير التنفير أولى. وقيس بمكة باقي الحرم.وقول الناظم: (والقطع من أشجاره كالصيد ثم)يعني أنه يحرم قطع نبات الحرم على المحرم والحلال كما يحرم اصطياد صيده؛ لحديث ابن عباس السابق. ثم النبات ضربان شجر وغيره.الضرب الأول: الشجر: أما الشجر فيحرم التعرض بالقلع والقطع لكل شجر رطب حرمي غير مؤذ. فاحترز بالرطب عن اليابس فلا يحرم قطعه ولا ضمان فيه كما لو قد صيدا ميتا نصفين.واحترز بغير مؤذ عن العوسج وكل شجرة ذات شوك فلا يحرم ولا يتعلق بقطعه ضمان كالحيوان المؤذي.واحترز بالحرمي عن أشجار الحل. ويجوز أخذ أوراق الأشجار، لكن يؤخذ بسهولة، ولا يجوز خبطها بحيث يؤذي قشورها.ويجوز أخذ ثمار شجر الحرم وإن كانت أشجارا مباحة كالأراك، ويجوز أخذ عود السواك ونحوه.ولا فرق في الشجر بين ما ينبت بنفسه وما يستنبته الناس كالنخيل فيحرم قطعه. الضرب الثاني من نبات الحرم: غير الشجر وهو نوعان:النوع الأول:ما زرعه الآدمي كالحنطة والشعير والذرة والبقول والخضراوات فيجوز لمالكه قطعه ولا جزاء عليه، وإن قطعه غيره فعليه قيمته لمالكه ولا شيء عليه للمساكين.وإن نبت –ما من شأنه أن يزرعه الآدمي- بنفسه كالحنطة والبقول وغيرهما فيجوز أخذه قطعا وقلعا.النوع الثاني: ما لم ينبته الآدمي وهو أربعة أصناف: (الأول) الإذخر وهو مباح فيجوز قلعه وقطعه بلا خلاف لحديث ابن عباس ولعموم الحاجة إليه. (والثاني) الشوك فيجوز قطعه وقلعه كما سبق في العوسج وشجر الشوك. (الثالث) ما كان دواء كالسنا ونحوه فيجوز قطعه وقلعه قياسا على الإذخر الذي استثناه الشارع فيقاس عليه أخذ غيره للعلف والدواء بجامع الحاجة.(الرابع) الكلأ فيحرم قطعه وقلعه إن كان رطبا، فإن قلعه لزمته القيمة، هذا إذا لم يخلف المقلوع فإن أخلف فلا ضمان على الصحيح، هذا إذا عاد كما كان فإن عاد ناقصا ضمن ما نقص.هذا كله في غير اليابس، أما اليابس فيحل قطعه مطلقا، ويحل قلعه بشرط موت أصله ولم يرج نباته. ويجوز تسريح البهائم في كلأ الحرم لترعى واستدل بحديث ابن عباس قال: (أقبلت راكبا على أتان فوجدت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار فدخلت في الصف وأرسلت الأتان يرتع) رواه البخاري ومسلم. ومنى من الحرم.ويجوز أخذ الكلأ لعلف البهائم ولا ضمان، كما لو أرسل دابته ترعى ولأن تحريم الاحتشاش إنما كان لتوفير الكلأ للبهائم.وإنما يحرم الاختلاء والاحتشاش للبيع وغيره من الأغراض سوى العلف.السابعة: الجماع:يحرم على المحرم الوطء بإدخال الحشفة أو قدرها من مقطوعها ولو لبهيمة في قبل أو دبر للإجماع ولقوله تعالى {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} [البقرة: 197] أي: فلا ترفثوا ولا تفسقوا، فلفظه خبر ومعناه النهي، والرفث فسره ابن عباس بالوطء.ويحرم على المرأة الحلال تمكين زوجها المحرم من الجماع لأنه إعانة على معصية ويحرم على الحلال جماع زوجته المحرمة.الثامنة: عقد النكاح: يحرم على المحرم النكاح، أي عقد النكاح؛ لما في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا ينكح المحرم ولا ينكح» بكسر الكاف فيهما وفتح الياء في الأولى وضمها في الثانية: أي لا يتزوج، ولا يزوج غيره.فيحرم على المحرم أن يتزوج، ويحرم عليه أن يزوج موليته بولاية خاصة كالأب والأخ والعم ونحوهم، أو بولاية عامة وهو السلطان والقاضي ونائبه. فإن كان الزوج أو الزوجة أو الولي أو وكيل الزوج أو وكيل الولي محرما فالنكاح باطل لأنه منهي عنه لهذا الحديث الصحيح والنهى يقتضي الفساد.التاسعة: المباشرة: يحرم على المحرم المباشرة بشهوة فيما دون الفرج كالمفاخذة والقبلة واللمس باليد بشهوة. وتجب الفدية بالمباشرة بشهوة وإن لم ينزل.وأما اللمس بغير شهوة فليس بحرام بلا خلاف.وأما الاستمناء باليد فحرام بلا خلاف لأنه حرام في غير الإحرام ففي الإحرام أولى. ولا تجب الفدية بالاستمناء إلا إن أنزل.ويحرم كذلك النظر بشهوة، واللمس بشهوة مع الحائل. ولا تجب الفدية بهذين وإن أنزل.العاشرة: استعمال الطيب:يحرم على الرجل والمرأة استعمال الطيب وهذا مجمع عليه لحديث ابن عمر في الصحيحين: "لا يلبس المحرم القميص ، ولا العمامة ، ولا البرنس ، ولا السراويل ، ولا ثوبا مسه ورس ولا زعفران" فنص على الورس والزعفران؛ لينبه على غيرهما؛ لأن غيرهما من الطيب أعلى منهما.واستعمال الطيب هو أن يلصق الطيب ببدنه أو ملبوسه على الوجه المعتاد في ذلك الطيب فلو طيب جزءا من بدنه بغالية أو مسك مسحوق أو ماء ورد لزمته الفدية سواء الالصاق بظاهر البدن أو باطنه بأن أكله، أو احتقن به، أو استعط، أو اكتحل، أو لطخ به رأسه أو وجهه أو غير ذلك من بدنه أثم ولزمته الفدية.ولو لبس ثوبا مبخرا بالطيب أو ثوبا مصبوغا بالطيب أو علق بنعله طيب لزمته الفدية.ولو احتوى على مجمرة فتبخر بالعود بدنه أو ثيابه لزمته الفدية لأنه يعد استعمالا. ولو شد مسكا أو كافورا أو عنبرا في طرف ثوبه أو جبته أو لبسته المرأة حشوا بشيء منها وجبت الفدية قطعا لأنه استعماله. ولو شد العود فلا فدية لأنه لا يعد تطيبا بخلاف شد المسك. ولو شم الورد فقد تطيب ولو شم ماء الورد فلا بل استعماله أن يصبه على بدنه أو ثوبه. ولو حمل مسكا أو طيبا غيره في كيس أو خرقة مشدودة فلا فدية.ولو جلس على فراش مطيب أو أرض مطيبة أو نام عليها مفضيا إليها ببدنه أو ملبوسه لزمته الفدية.ولو داس بنعله طيبا لزمته الفدية.ولا يجوز أن يستعمل الادهان المطيبة كدهن الورد والزنبق وتجب بها الفدية لأنه يراد للرائحة. وأما غير المطيب كالزيت والشيرج والسمن والزبد فإنه يجوز استعمالها في غير الرأس واللحية لأنه ليس فيه طيب ولا تزيين. ويحرم استعمالها في شعر الرأس واللحية لأنه يرجل الشعر ويزينه وتجب به الفدية. فإن استعمله في رأسه وهو أصلع جاز لأنه ليس فيه تزيين، وإن استعمله في رأسه وهو محلوق لم يجز لأنه يحسن الشعر إذا نبت.ولا يحرم على المحرم استعمال الطيب جاهلا كونه طيبا، أو ظانا أنه يابس لا يعلق به منه شيء، أو ناسيا لإحرامه، ولا فدية في ذلك، ولا فيما إذا ألقت عليه الريح الطيب، لكن تلزمه المبادرة إلى إزالته في هذه الصورة، وفيما قبلها عند زوال عذره، فإن أخر وجبت الفدية؛ كما تجب في استعماله المحرم، وتجب فيه المبادرة إلى الإزالة أيضا.حكم من ارتكب محرما من محرمات الإحرامقال الناظم رحمه الله:ثم الفدا في كل ما منها وجد إلا النكاح فهو غير منعقدتنقسم محرمات الإحرام التي تقدم ذكرها من حيث وجوب الفدية على من فعل واحدا منها إلى قسمين:القسم الأول: ما تجب فيه الفدية، وهو كل المحرمات المذكورة ما عدا النكاح.القسم الثاني: ما لا تجب فيه الفدية، وهو عقد النكاح، لعدم حصول المقصود منه وهو الانعقاد، بخلاف باقي المحرمات لأنه استمتع بما هو محرم عليه.وستعرف ما يقصد بالفدية هنا في الفصل القادم.ومن المحرمات التي تدخل تحت القسم الأول وهو ما يجب على من ارتكبها الفدية: حلق الشعر، وقلم الأظفار. ولكن الناظم أراد أن ينبهنا إلى شرط ما تجب فيه الفدية الكاملة في إزالة الشعر أو الأظفار، وهي أن يكون المزال ثلاث شعرات فأكثر، أو ثلاثة أظفار فأكثر.أما أقل من ذلك فإنه يجب فيها ما ذكره بقوله:والظفر فيه المد والظفران كالشعرتين فيهما مدانأي والواجب في إزالة ظفر واحد مد واحد من الطعام، وفي إزالة ظفرين مدان، وفي شعرة واحدة مد، وفي شعرتين مدان؛ وذلك لعسر تبعيض الدم فعدل إلى الطعام لأن الشرع عدل الحيوان به في جزاء الصيد وغيره.والنسكان مطلقا قد أبطلا بالوطء إلا وطء من تحللاوواجب بالوطء هدي والقضا وكونه في فاسد به مضىوتنقسم محرمات الإحرام من حيث فساد النسك بفعل واحد منها إلى قسمين:القسم الأول: ما لا يفسد النسك بارتكابه، وهو كل المحرمات ما عدا الوطء.القسم الثاني: ما يفسد النسك بارتكابه، وهو الوطء، فلا يفسد الإحرام شيء من محرماته إلا الوطء في الفرج فقط وإن لم ينزل.فإن جامع المحرم عمدا في العمرة قبل الفراغ من أعمالها، أو في الحج قبل التحلل الأول، فسد نسكه.وإن جامع المحرم بعد التحلل الأول لم يفسد حجه كما أفتى به ابن عباس رضي الله عنهما، ولا يعرف له مخالف، وعليه شاة.فشرط فساد الحج بالوطء أن يكون قبل التحلل الأول؛ فإن الحج له تحللان، يحصل التحلل الأول منهما بفعل اثنين من ثلاثة وهي: رمي جمرة العقبة، وإزالة الشعر، وطواف الإفاضة المتبوع بالسعي إن لم يكن سعى بعد طواف القدوم. ويحل به سائر محرمات الإحرام إلا ما يتعلق بالنساء من عقد النكاح، والجماع ومقدماته. وإذا فعل الثالث من الثلاثة المذكورة حصل له التحلل الثاني وحل له باقي محرمات الإحرام.ويجب على من أفسد نسكه بالوطء ثلاثة أشياء ذكرها الناظم بقوله:وواجب بالوطء هدي والقضا وكونه في فاسد به مضى1 – فيجب على الواطئ هدي وهو بدنة، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فسبع شياه، فإن لم يجد قوم البدنة بالدراهم، واشترى بالدراهم طعاما مجزئا في الفطرة وتصدق به على مساكين الحرم، فإن لم يجد صام عن كل مد يوما. 2 - والقضاء على الفور، وإن كان الفاسد تطوعا.3 - وإتمامه كما كان يتمه لو لم يفسده لإطلاق قوله تعالى {وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة: 196] فإنه لم يفصل بين الصحيح والفاسد.وهذا معنى قول الناظم: وكونه في فاسد به مضى، يعني أنه يأتي ببقية أفعاله، كما كان يفعل ذلك لو لم يفسد، ويجتنب فيه من المحظورات ما كان يجتنبه قبل الإفساد.والموطوءة لا شيء عليها غير الإثم.تنبيه:يقول فقهاء الشافعية: والباطل والفاسد عندنا سواء إلا في مواضع يسيرة منها الحج، والعارية والخلع والكتابة.ويبينون الفرق بين الباطل والفاسد في الحج بقولهم: إن الحج يبطل بالردة ويفسد بالجماع، وحكم الباطل أنه لا يمضي فيه بخلاف الفاسد.وأنت ترى الناظم يقول: والنسكان مطلقا قد أبطلا بالوطء.وكان التعبير الصحيح أن يقول: فسدا بالوطء.حكم من ترك مأمورا في الحج أو العمرةومن يفت وقوفه تحللا بعمرة إن كان عن حصر خلاأو فاته ركن سواه لم يحل من ذلك الإحرام إلا إن فعلوإن يفته واجب يرق دما أو سنة فما بشيء ألزماترك مأمور في الحج أو العمرة ينقسم إلى ثلاثة أقسام:القسم الأول: ترك ركن.القسم الثاني: ترك واجب.القسم الثالث: ترك سنة.القسم الأول: ترك ركن:إذا ترك ركنا فلا يخلو من حالين، إما أن يكون المتروك ركن الوقوف بعرفة، وإما أن يكون سواه.الحالة الأولى: من ترك ركن الوقوف بعرفة:وحكمه يختلف باختلاف السبب الذي ترك ركن الوقوف لأجله، فترك الوقوف إما أن يكون بسبب حصر، أو لا، فإن لكل منهما حكما، وقد ذكر الناظم ذلك بقوله:ومن يفت وقوفه تحللا بعمرة إن كان عن حصر خلا1- حكم من فاته الوقوف بسبب غير الحصر:زمان الوقوف بعرفة من زوال الشمس اليوم التاسع من ذي الحجة إلى طلوع الفجر من يوم النحر، فمن أدرك الوقوف بعرفة في هذا الزمان ساعة من ليل أو نهار فقد أدرك الحج، ومن فاته الوقوف بعرفة في هذا الزمان فقد فاته الحج، ويلزمه أن يتحلل بأعمال عمرة وهي الطواف والسعي والحلق.أما السعي فإن كان سعى عقب طواف القدوم كفاه ذلك ولا يسعى بعد الفوات، وإن لم يكن سعى وجب السعي بعد الطواف.ومن فاته الحج وتحلل يلزمه قضاء الحج فرضا كان أو تطوعا على الفور وهو في السنة الآتية، ويلزمه مع القضاء الهدي أيضا وهو دم كدم التمتع؛ لما روى مالك في الموطأ بإسناده عن سليمان بن يسار أن هبار بن الأسود جاء يوم النحر وعمر بن الخطاب ينحر هديه فقال: يا أمير المؤمنين أخطأنا العدة؛ كنا نظن أن هذا اليوم يوم عرفة. فقال له عمر: اذهب إلى مكة فطف بالبيت أنت ومن معك، واسعوا بين الصفا والمروة، وانحروا هديا إن كان معكم، ثم احلقوا أو قصروا، ثم ارجعوا، فإذا كان عام قابل فحجوا وأهدوا، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع).2- حكم من فاته الوقوف بسبب حصر (أي: منع):إنما يجب القضاء في فوات لم ينشأ عن حصر، فإن نشأ عنه بأن حصر فسلك طريقا آخر أطول من الأول ففاته الحج وتحلل بعمل عمرة فلا إعادة عليه إن كان نسكه نفلا لأنه بذل ما في وسعه، أما لو سلك طريقا آخر مساويا للأول أو أقرب منه أو صابر إحرامه غير متوقع زوال الإحصار ففاته الوقوف فعليه الإعادة والله أعلم.الحالة الثانية: من ترك ركنا من أركان الحج غير الوقوف، أو ترك ركنا من أركان العمرة:الأركان لا يتم الحج ويجزئ حتى يأتي بجميعها، ولا يحل من إحرامه مهما بقي منها شيء، حتى لو أتى بالأركان كلها إلا أنه ترك طوفة من السبع، أو مرة من السعي لم يصح حجه ولم يحصل التحلل الثاني، وكذا لو حلق شعرتين لم يتم ولا يحل حتى يحلق شعرة ثالثة ولا يجبر شيء من الأركان بدم ولا غيره بل لا بد من فعله.وثلاثة منها وهي الطواف، والسعي، والحلق لا آخر لوقتها، بل لا تفوت ما دام حيا، ولا يختص الحلق بمنى والحرم بل يجوز في الوطن وغيره.والعمرة في ذلك مثل الحج.القسم الثاني: ترك واجب: من ترك شيئا من واجبات الحج أو العمرة لزمه الدم، وهو شاة تجزئ في الأضحية، ويصح الحج بدونه سواء تركها كلها أو بعضها عمدا أو سهوا لكن العامد يأثم.القسم الثاني: ترك سنة: وأما السنن، سنن الحج أو العمرة، فمن تركها كلها فلا شيء عليه، لا إثم ولا دم ولا غيره، لكن فاته الكمال والفضيلة وعظيم ثوابها.فصل في بيان الدماء و ما يقوم مقامهاوسائر الدماء في الإحرام محصورة في خمسة أقساموالدماء الواجبة على الحاج والمعتمر محصورة في خمسة أقسام:الأول: المرتب المقدر.الثاني: المخير المقدر. الثالث: المخير المعدل.الرابع: المرتب المعدل.الخامس: المرتب المعدل الذي تجب فيه بدنة.الأول: المرتب المقدر:فالأول المرتب المقدر بترك أمر واجب و يجبربذبح شاة أولا و صاما للعجز عنه عشرة أياماثلاثة في الحج في محله و سبعة إذا أتى لأهله (مرتب) لا ينتقل إلى خصلة إلا إن عجز عما قبلها، (مقدر) شيء معين لا يزيد ولا ينقص.ويجب هذا الدم بترك واجب من الواجبات التي مرت في قول الناظم:والواجب الإحرام من ميقاته والرمي للجمار في أوقاتهوأن يبيت الشخص بالمزدلفه وفي منى الليالي المشرفهوترك ما يسمى مخيطا ساترا وأن يطوف للوداع آخرافهذه الواجبات – ما عدا ترك لبس المخيط – يجب بتركها دم وتفصيلها كالتالي:1- أن يترك الإحرام في الميقات، وقد تقدم الكلام عن أحكام مجاوزة الميقات في واجبات الحج فارجع إليه.2- أن يترك البيتوتة ليالي منى إلا الرعاة وأهل السقاية، وقد تقدم الكلام عن أحكام ترك المبيت في واجبات الحج فارجع إليه.3- أن يترك طواف الوداع إلا الحائض، والمكي، وكل من أراد أن يقيم بمكة، وقد تقدم الكلام عن أحكام من خرج بلا وداع في واجبات الحج فارجع إليه.4- أن يترك الرمي، وقد تقدم الكلام عن أحكام ترك الرمي في واجبات الحج فارجع إليه.5- أن يترك المبيت بمزدلفة، وقد تقدم الكلام عن أحكام ترك المبيت بمزدلفة في واجبات الحج فارجع إليه.فالواجب في ترك واجب من هذه الواجبات مرتب مقدر وهو ذبح شاة، فهو مخاطب به ابتداء، فإن عجز عنه حسا أو شرعا وجب عليه صوم عشرة أيام: ثلاثة في الحج أي بعد الإحرام به وقبل يوم النحر، وسبعة في بلده، والمراد به المحل الذي قصد التوطن فيه سواء الموضع الذي خرج منه وغيره حتى لو استوطن مكة صام بها.وهناك أربعة أسباب أخرى يجب بها هذا الدم وهي:1- التمتع ويجب به الدم بأربعة شروط: أولها: أن يكون إحرامه بالعمرة في أشهر الحج.ثانيها أن يحج في عامه.ثالثها أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام حين إحرامه بها والمراد بحاضريه من هو مستوطن بالحرم أو على دون مرحلتين منه فلا يكفي مجرد الإقامة بدون استيطان.رابعها: أن لا يعود قبل الإحرام بالحج أو بعده وقبل التلبس بنسك إلى الميقات الذي أحرم بالعمرة منه أو إلى مثل مسافته أو إلى ميقات أقرب منه وإلا فلا دم عليه.2- القران ويجب به الدم بشرطين: أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام، وأن لا يعود إلى الميقات قبل الوقوف بعرفة.3- فوات الوقوف بعرفة، وقد تقدم الكلام عن الفوات.4- مخالفة المنذور كأن نذر المشي أو الركوب أو الإفراد أو الحلق فخالف ذلك. فجملة الدماء في هذا القسم تسعة.الثاني: المخير المقدر:ثاني الدما مخير مقدر بنحو حلق من أمور تحظرفالشاة أو ثلاثة أيام يصومها أو آصع طعاملستة هم من مساكين الحرم لكل شخص نصف صاع منه ثمومعنى (التخيير) أنه يجوز العدول إلى غيره مع القدرة عليه ومعنى (التقدير) أن الشرع جعل البدل المعدول إليه مقدرا بقدر لا يزيد عليه ولا ينقص منه. فإذا حلق رأسه أو قلم أظفاره لزمه الفدية وهي ذبح شاة، أو إطعام ثلاثة آصع لستة مساكين، كل مسكين نصف صاع، أو صوم ثلاثة أيام.والأصل في التخيير قوله تعالى {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} التقدير فحلق شعر رأسه ففدية. ثم إن كل واحد من هذه الثلاثة قد ورد بيانه في خبر الصحيحين «أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لكعب بن عجرة أيؤذيك هوام رأسك قال نعم قال فاحلق رأسك وانسك شاة أو صم ثلاثة أيام أو تصدق بفرق من طعام على ستة مساكين» والفرق بفتح الفاء والراء ثلاثة آصع. فقد ورد النص في الشعر، والقلم في معناه، وكذا بقية الاستمتاعات كالطيب والادهان واللبس ومقدمات الجماع على الأصح لإشتراك الكل في الترفه.فهذا الدم يجب بواحد من ثمانية أسباب: السبب الأول: إزالة الشعر بأي طريق كان من مميز لم يتحلل أزال من نفسه أو أزيل منه باختياره ثلاث شعرات فصاعدا من الرأس أو غيره أو بعض كل منهما في زمان واحد عرفا في مكان واحد فلو أزال ثلاث شعرات في ثلاثة أزمان فالفدية لا تكمل بل تجب عليه ثلاثة أمداد وكذا في تعدد المكان.والسبب الثاني: قلم الأظفار ولو انكسر بعض الظفر وتأذى به جاز قطع المنكسر أو قلمه ولا فدية كشعر نبت داخل الجفن.والسبب الثالث: اللبس من محرم مميز عامد عالم بالتحريم، وتكرر الفدية بتكرر اللبس والستر مع اختلاف الزمان والمكان.والسبب الرابع: دهن شيء من شعر رأسه أو لحيته ولو محلوقين بدهن ما.والسبب الخامس: استعمال الطيب على الوجه المألوف فيه كالتبخر بالعود بخلاف أكله وحمله ووضعه في النار من غير أن يعد متطيبا به على العادة، ولا شيء بشم نحو ماء الورد من غير مس إذ العادة فيه التضمخ، ولا شيء في زهر البادية ونبتها لأنه لا يعد طيبا عرفا، ومن الطيب الرياحين كالورد واستعمالها يكون بملاقاتها للأنف فلا شيء بشمها من غير إلصاقها بالأنف.والسبب السادس: مقدمات الجماع ولو بين التحللين، لكن لو جامع بعد ذلك اندرجت فدية المباشرة في دم الجماع الواقع بعدها سواء كان بدنة أو شاة أو بدل البدنة وسواء أطال الزمن بين المقدمات والجماع أم قصر.والسبب السابع: الوطء بعد الجماع المفسد متصلا كان أو منفصلا وتتعدد الفدية بتكرر الجماع ولو كثرت المرات وإن كان على التوالي المعتاد مع اتحاد المكان وإن لم يسبق التكفير على الصحيح.والسبب الثامن: الوطء بين التحللين وإذا تكرر الجماع بين التحللين قال بعض المتأخرين الظاهر أن حكمه حكم تكرره بعد الإفساد. فهذه الأسباب الثمانية فديتها إما ذبح شاة مجزئة في الأضحية، أو تصدق بثلاثة آصع لستة من المساكين لكل مسكين نصف صاع، أو صوم ثلاثة أيام.الثالث: المخير المعدل:ثالثها مخير معدل بقطع نبت أو بصيد يقتل(مخير) بمعنى أنه يجوز العدول إلى غيره مع القدرة (معدل) بمعنى أن الشرع أمر فيه بالتقويم والعدول إلى غيره بحسب القيمة وذلك لآية {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام} [المائدة: 95] وأخذ اسم التعديل من قوله تعالى {أو عدل ذلك صياما} [المائدة: 95] .وله سببان:أحدهما: (بقطع نبت):فيجب في قطع أو قلع الشجرة الحرمية الكبيرة بأن تسمى كبيرة عرفا بقرة سواء أخلفت أم لا، ويجوز إخراج بدنة عنها، ثم إن شاء ذبح ذلك وتصدق به على مساكين الحرم، أو أعطاهم بقيمته طعاما، أو صام لكل مد يوما فهو دم تخيير وتعديل كدم الصيد.وفي الصغيرة إن قاربت سبع الكبيرة شاة، فإن صغرت جدا بأن لم تقارب السبع ففيها القيمة، يتصدق بقدرها طعاما أو يصوم بعدد الأمداد.. ولو أخذ غصنا من شجرة حرمية فأخلف مثله في سنته بأن كان لطيفا كالسواك فلا ضمان فيه، فإن لم يخلف أو أخلف لا مثله أو مثله لا في سنته فعليه الضمان. والواجب في غير الشجر من النبات –الذي لا يستنبت- القيمة لأنه القياس ولم يرد نص يدفعه. السبب الثاني: (أو بصيد يقتل):أي قتل الصيد البري الوحشي المأكول هو أو أحد أصوله ولو عرض له التأنس بشرط أن يكون فاعل ذلك مميزا ولو ناسيا أو جاهلا أو مخطئا أو مكرها.جزاء الصيد:والصيد ضربان: مثلى: وهو ماله مثل من النعم وهي الإبل والبقر والغنم. وغير مثلي: وهو ما لا يشبه شيئا من النعم.حكم المثلي:فإن يكن للصيد مثل في النعم فليذبح المثل ابتداء في الحرمأو يشتري لأهل ذلك الحرم حبا بقدر ما له من القيمأو يعدل الأمداد منه صوما يصومه عن كل مد يومايخير القاتل في المثلي بين: أن يذبح مثله في الحرم ويتصدق به على مساكين الحرم إما بأن يفرق لحمه عليهم وإما بأن يسلم جملته إليهم مذبوحا ويملكهم إياه ولا يجوز أن يدفعه إليهم حيا. وبين أن يقوم المثل دراهم ثم لا يجوز تفرقة الدراهم بل: إن شاء اشترى بها طعاما وتصدق به على مساكين الحرم. وإن شاء صام عن كل مد يوما. ويجوز الصيام في الحرم وفي جميع البلاد، وإن انكسر مد وجب صيام يوم.والمقصود بالمثل في قول الناظم: (فليذبح المثل) المماثلة بالخلقة والصورة تقريبا لا تحقيقا.ففي إتلاف النعامة -ذكرا كان أو أنثى- بدنة، فلا تجزئ بقرة ولا سبع شياه أو أكثر؛ لأن جزاء الصيد يراعى فيه المماثلة، وفي واحد من بقر الوحش أو حماره بقرة، وفي الغزال وهو ولد الظبية إلى أن يطلع قرناه معز صغير، ففي الذكر جدي وفي الأنثى عناق، فإن طلع قرناه سمي الذكر ظبيا والأنثى ظبية وفيها عنز وهي أنثى المعز التي تم لها سنة، وفي الأرنب عناق وهي أنثى المعز إذا قويت ما لم تبلغ سنة، وفي اليربوع جفرة وهي أنثى المعز إذا بلغت أربعة أشهر، وفي الضبع كبش، وفي الثعلب شاة، وما سوى هذا المذكور إن كان فيه حكم، عدلين من السلف عملنا به، وإن لم يكن رجعنا فيه إلى قول عدلين عارفين (أي فقيهين بباب الشبه) لقوله تعالى {يحكم به ذوا عدل منكم} الآيةوخيروا في الصوم و الإطعام في إتلاف صيد حيث مثله نفيوأما غير المثلي كالجراد والعصافير فيجب فيه قيمته، ولا يجوز أن يتصدق بها دراهم، بل يقوم بها طعاما ثم يتخير: إن شاء أخرج الطعام ،وإن شاء صام عن كل مد يوما فإن انكسر مد صام يوما. فحصل من هذا أنه في المثلي مخير بين ثلاثة أشياء: الحيوان والطعام والصيام، وفي غير المثلي بين الطعام والصيام.حكم الحمام:الحمام غير مثلي فكان القياس في قتله التخيير بين الطعام والصيام، لكن نقل عن الصحابة أنهم حكموا في الحمام وهو ما عب -أي شرب الماء بلا مص- وهدر -أي رجع صوته وغرد- كاليمام والقمري والفاختة وكل مطوق، أن في الواحدة منه شاة من ضأن أو معز، وهو بالخيار بين الشاة وبين الطعام وبين الصيام.الرابع: المرتب المعدل:(مرتب) لا ينتقل إلى خصلة إلا إن عجز عما قبلها، (معدل) بمعنى أن الشرع أمر فيه بالتقويم والعدول إلى غيره بحسب القيمة.وهذا الدم يجب في سببين: السبب الأول: الإحصار.السبب الثاني: الجماع المفسد للنسك.غير أن الإحصار تجب فيه الشاة، والجماع تجب فيه البدنة.وقد جعل الناظم السبب الأول قسما رابعا، والسبب الثاني قسما خامسا، فقال في السبب الأول:رابعها مرتب معدل فواجب بالحصر حيث يحصلدم فإن لم يستطع فليطعم قوتا يرى بقدر قيمة الدموصام عند العجز عن إطعام ما يعدل الأمداد من أيامإذا أحصر العدو المحرم عن المضي في الحج من كل الطرق فله التحلل سواء كان وقت التحلل واسعا أو ضيقا. ثم إن كان الوقت واسعا فالأفضل أن لا يعجل التحلل فربما زال الإحصار فأتم الحج وإن كان الوقت ضيقا فالأفضل أن يعجل التحلل لئلا يفوت الحج. ويجوز للمحرم بالعمرة التحلل إذا أحصر كالحج.ثم إنه يلزم المتحلل بالإحصار ذبح شاة أو ما يقوم مقامها من بدنة أو بقرة أو سبع إحداهما في موضع الإحصار يفرقها حيث أحصر، وله إرسالها إلى الحرم وحينئذ فلا يحل إلا بعد علمه بنحرها. ولا يعدل عن الشاة إلى بدلها إن وجدها، فإن لم يجدها فالأصح أنه يأتي ببدلها وهو إخراج طعام بقيمتها، فإن عجز صام حيث شاء عن كل مد يوما ويجبر المنكسر.واعلم أن التحلل يحصل بثلاثة أشياء: ذبح ونية التحلل بذبحها ثم الحلق؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - في قصة الحديبية: "قوموا فانحروا ثم احلقوا" ولا بد من مقارنة النية لكل من الذبح والحلق، ولا يحصل إلا باجتماع هذه الثلاثة. فإن لم يجد الشاة وكان يطعم بدلها توقف التحلل عليه كتوقفه على الذبح. وإن كان يصوم فالمعتمد كما في المجموع وغيره أن التحلل لا يتوقف على الصوم بل له التحلل حالا بالحلق مع النية؛ لطول زمنه فتعظم المشقة في مصابرة الإحرام لفراغه.فإن عجز عن الشاة وبدلها ثبتت الشاة أو بدلها في ذمته وجاز له التحلل في الحال بالنية والحلق على الأصح.الخامس: المرتب المعدل الذي تجب فيه بدنة:خامسها يختص بالمجامع مرتب معدل كالرابعلكن هنا البعير قبل معتبر وبعده للعجز رأس من بقروعند عجز عنه سبع من غنم ثم الطعام يشترى عند العدمبقيمة البعير حيثما وجد وعدله من الصيام إن فقدولم يجب كون الصيام في الحرم والهدي والإطعام فيه ملتزمتقدم في محرمات الإحرام أنه لا يفسد الإحرام شيء من محرماته إلا الوطء في الفرج فقط وإن لم ينزل.فإن جامع المحرم عمدا في العمرة قبل الفراغ من أعمالها، أو في الحج قبل التحلل الأول، فسد نسكه.وأنه يجب على الواطئ هدي وهو بدنة، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فسبع شياه، فإن لم يجد قوم البدنة بالدراهم، واشترى بالدراهم طعاما مجزئا في الفطرة وتصدق به على مساكين الحرم، فإن لم يجد صام عن كل مد يوما.ولا يكون الطعام ولا الهدي إلا في الحرم، ويكون الصوم حيث شاء لأنه لا منفعة لأهل الحرم في صيامه.وشربنا من ماء زمزم ندب للدين والدنيا وكل ما طلبكالعلم والنكاح أيضا و الشفا وأن نزور بعد قبر المصطفىصلى عليه ربنا وسلما وآله و صحبه وكرماختم الناظم رحمه الله كتاب الحج بذكر أمرين يندب فعلهما، وهما:الأمر الأول: الشرب من ماء زمزم:قال النووي: قال الشافعي والأصحاب وغيرهم: يستحب أن يشرب من ماء زمزم وأن يكثر منه وأن يتضلع منه أي يتملى ويستحب أن يشربه لمطلوباته من أمور الآخرة والدنيا فإذا أراد أن يشربه للمغفرة أو الشفاء من مرض ونحوه استقبل القبلة ثم ذكر اسم الله تعالى ثم قال: (اللهم إنه بلغني أن رسولك صلى الله عليه وسلم قال: "ماء زمزم لما شرب له" اللهم إني أشربه لتغفر لي اللهم فاغفر لي، أو اللهم إني أشربه مستشفيا به مرضي اللهم فاشفني) ونحو هذا ويستحب أن يتنفس ثلاثا كما في كل شرب فإذا فرغ حمد الله تعالى وقد جاء في هذه المسائل أحاديث كثيرة منها حديث جابر قال: (ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر فأتى بني عبد المطلب يستقون على زمزم فقال انزعوا بني عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم فناولوه دلوا فشرب منه) رواه مسلم. وعن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في ماء زمزم (إنها مباركة إنها طعام طعم وشفاء سقم) رواه مسلم وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم (أتى زمزم فشرب وهم يسقون من زمزم فقال أحسنتم وأجملتم كذا فاصنعوا) وفي رواية (إنكم على عمل صالح) رواه البخاري ومسلم وعن جابر إن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ماء زمزم لما شرب له). وعن عثمان بن الأسود قال: (حدثني جليس لابن عباس قال: قال لي ابن عباس: من أين جئت؟ قلت: شربت من زمزم، قال: شربت كما ينبغي؟ قلت: كيف أشرب؟ قال: إذا شربت فاستقبل القبلة ثم اذكر الله تعالى ثم تنفس ثلاثا وتضلع منها فإذا فرغت فاحمد الله فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم).الأمر الثاني: زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم:ذكر الناظم أنه تندب زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد فراغ الحج ففي حديث «من حج ولم يزرني فقد جفاني» رواه ابن عدي في الكامل وغيره، وروى الدارقطني وغيره: «من زار قبري وجبت له شفاعتي» ولكن هذه الأحاديث وما في معناها لم يصح منها شيء. وفي شرح المهذب: زيارة قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أهم القربات، فإذا انصرف الحاج والمعتمرون من مكة استحب لهم استحبابا متأكدا أن يتوجهوا إلى المدينة لزيارته صلى الله عليه وسلم.ملحقفيه ذكر مسألة شد الرحل لزيارة القبوربمناسبة قول الناظم رحمه الله: وأن نزور بعد قبر المصطفىيقول الشيخ ابن عثيمين في شرحه على زاد المستقنع عند قول المؤلف:قوله: «وتستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبري صاحبيه».قال: وظاهر كلام المؤلف رحمه الله : أن الحاج إذا انتهى من الحج يشد الرحل إلى المدينة ليزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبري صاحبيه، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء:فمنهم من قال: إن شد الرحل إلى القبور لا بأس به؛ لأنه شد لعمل صالح، فالرسول صلى الله عليه وسلم أمر بزيارة القبور، ولم ينه عن شد الرحل إليها بل قال: «زوروا القبور فإنها تذكر الآخرة»، وخير قبور يشد إليها الرحل قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبرا صاحبيه.ومنهم من قال: إن شد الرحال لزيارة القبور مكروه.ومنهم من قال: إنه محرم، وهو الذي نصره شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ وقرره بأدلة إذا طالعها الإنسان تبين له أن ما ذهب إليه هو الحق. انتهى كلام الشيخ ابن عثيمين.وهذا بحث في هذه المسألة كتبه أبو معاذ السلفي ننقله بتصرف فيه:قال:أقسام زيارة القبور وحكم شد الرحال إليها المبحث الأول:معنى شد الرحال وتوضيح الفرق بينه وبين زيارة القبورالأصل في هذا المبحث قوله - صلى الله عليه وسلم -: { لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى } متفق عليه. وهذا لفظ مسلم.وعلى ضوئه نوضح معنى شد الرحال:الرحال: جمع رحل، وهو سرج البعير الذي يركب عليه.والمراد: لا يقصد ــ بالسفر ــ موضع من المواضع بنية العبادة والتقرب إلى الله تعالى إلا إلى هذه الأماكن الثلاثة؛ تعظيما لشأنها وتشريفا. عبر بذلك لأن من أراد سفرا شد رحله ليركب ويسير( انظر "جامع الأصول" لابن الأثير (5/260،9/283).قال ابن حجر رحمه الله في "فتح الباري"(3/77):(المراد النهي عن السفر إلى غيرها، قال الطيبي: هو أبلغ من صريح النهي، كأنه قال: لا يستقيم أن يقصد بالزيارة إلا هذه البقاع لاختصاصها بما اختصت به، والرحال بالمهملة جمع رحل وهو للبعير كالسرج للفرس، وكنى بشد الرحال عن السفر، لأنه لازمه، وخرج ذكرها مخرج الغالب من ركوب المسافر وإلا فلا فرق بين ركوب الرواحل والخيل والبغال والحمير والمشي في المعنى المذكور، ويدل عليه قوله في بعض طرقه: { إنما يسافر } أخرجه مسلم).الخلاصة: أنه لا تشد الرحال لمكان أو بقعة من البقاع طاعة لله تعالى وتقربا إليه إلا إلى المساجد الثلاثة لما لها من مزيد من الفضل على سائر البقاع، أما الأسفار العادية كالذي لتجارة أو زيارة قريب أو صديق أو لسياحة ونحوها فلا مدخل لها هنا، فإنها من المباحات الباقية على أصلها. انظر: "صحيح المقال في مسألة شد الرحال"(ص71).أما زيارة القبور فأن يقوم شخص من بيته إلى مقابر قريته أو مدينته أو إلى مكان قريب لا يتطلب منه القيام باستعدادات السفر المعروفة والمعبر عنها بشد الرحال فيقوم على قبور المسلمين ليدعو ويستغفر لهم. وزيارة القبور بالصفة المذكورة هي المشروعة.وبهذا يتبين الفرق بين شد الرحال وبين زيارة القبور، فشد الرحال لا يجوز إلا إلى هذه المساجد الثلاثة، وزيارة القبور تشرع في حالة خلوها من شد الرحال ومن أمور أخرى يأتي بيانها.وعلى هذا لو سافر إنسان من بلد إلى بلد مثل أن يسافر من مصر إلى دمشق لأجل مسجدها أو بالعكس، أو إلى مسجد قباء من بلد بعيد لم يكن هذا مشروعا باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم. انظر "الجواب الباهر" (ص28) تحقيق مطرجي.يقول ابن تيمية في"الجواب الباهر" ضمن"مجموع الفتاوى" (27/342) مشيرا إلى الفرق بينهما:(فمن سافر إلى المسجد الحرام أو المسجد الأقصى أو مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - فصلى في مسجده وصلى في قباء وزار القبور كما مضت به سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهذا هو الذي عمل العمل الصالح، ومن أنكر هذا السفر فهو كافر يستتاب فإن تاب وإلا قتل.وأما من قصد السفر لمجرد زيارة القبر ولم يقصد الصلاة في مسجده وسافر إلى مدينته فلم يصل في مسجده - صلى الله عليه وسلم - ولا سلم عليه في الصلاة بل أتى القبر ثم رجع فهذا مبتدع ضال مخالف لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولإجماع أصحابه ولعلماء أمته).يعني أن من سافر من بلد بعيد إلى مدينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليس في نيته وقصده إلا إتيان القبر الشريف وأن أي شيء آخر يقوم به في المدينة إنما هو تابع لهذا الغرض الأساسي فهو مبتدع مخالف للسنة ولإجماع الصحابة، ولهذا يقول العلامة ابن عبد الهادي في "الصارم المنكي في الرد على السبكي"(ص27):(والسفر إلى زيارة القبور مسألة وزيارتها من غير سفر مسألة أخرى. ومن خلط هذه المسألة بهذه المسألة وجعلهما مسألة واحدة وحكم عليهما بحكم واحد وأخذ في التشنيع على من فرق بينهما وبالغ في التنفير عنه فقد حرم التوفيق وحاد عن سواء الطريق).وإذا علم الفرق بين شد الرحال وبين زيارة القبور من حيث المعنى فليعلم الفرق بينهما من حيث الحكم الشرعي، وذلك ببيان حكم كل منهما. المبحث الثاني:زيارة القبور في الشريعة الإسلاميةفي هذا المبحث نتناول موضوع زيارة القبور في الشريعة الإسلامية حكما وحكمة وصفة، وعلى هذا المحور تدور المطالب التالية:المطلب الأول: حكم زيارة القبور في الشريعة الإسلامية:لقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد نهى عن زيارة القبور في أول الأمر سدا للذريعة، فلما تمكن التوحيد في قلوب الناس أذن لهم في زيارتها على الوجه الذي شرعه، فمن زارها على غير الوجه المشروع الذي يحبه الله ورسوله فإن زيارته غير مأذون فيها. انظر "إغاثة اللهفان" (1/313).والدليل على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: { كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها } رواه مسلم.المطلب الثاني: حكمة زيارة القبور:بعد أن تخلو مقاصد الزيارة من أي لون من ألوان تقديس الأموات، وممارساتها من النطق بما يسخط الرب أو القيام به فقد بين الشارع الحكمة من استحباب الزيارة وهي ثلاث حكم مقصودة:الأولى: تذكر الآخرة والاعتبار والاتعاظ.الثانية: الدعاء للميت المزور والاستغفار له والسلام عليه وفي ذلك إحسان إليه.الثالثة: يقول ابن القيم في"إغاثة اللهفان"(1/337):(إحسان الزائر إلى نفسه باتباع السنة والوقوف عند ما شرعه الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيحسن إلى نفسه وإلى المزور). المبحث الثالث:حكم الشرع في شد الرحال إلى مشاهد الأموات:لم يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين وأتباعهم ولا أحد من أهل القرون الثلاثة المفضلة أنه أجاز شد الرحال إلى مسجد غير المساجد الثلاثة للصلاة فيه بعد أن بلغه الحديث.أما شد الرحال إلى القبور فمن باب أولى وأحرى.ثم نقل الحافظ ابن حجر وغيره في المسألة خلافا بين المتأخرين الذين عاصروا شيوع البدع وانتشار الخرافات وانصراف أكثر الطوائف عن سنن الحق فقال في"فتح الباري"(3/78-79): (واختلف في شد الرحال إلى غيرها ــ يعني المساجد الثلاثة ــ كالذهاب إلى زيارة الصالحين أحياء وأمواتا وإلى المواضع الفاضلة لقصد التبرك بها والصلاة فيها، فقال الشيخ أبو محمد الجويني: يحرم شد الرحال إلى غيرها عملا بظاهر هذا الحديث. وأشار القاضي حسين إلى اختياره، وبه قال عياض وطائفة...إلى أن قال: والصحيح عند إمام الحرمين وغيره من الشافعية أنه لا يحرم، وأجابوا عن الحديث بأجوبة ... الخ).وقال النووي في"شرح مسلم"(9/106):(واختلف العلماء في شد الرحال وإعمال المطي إلى غير المساجد الثلاثة كالذهاب إلى قبور الصالحين وإلى المواضع الفاضلة ونحو ذلك،فقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا: هو حرام، وهو الذي أشار القاضي عياض إلى اختياره.والصحيح عند أصحابنا، وهو الذي اختاره إمام الحرمين والمحققون أنه لا يحرم ولا يكره).وقال الموفق ابن قدامة في"المغني"(3/117):(فصل: فإن سافر لزيارة القبور والمشاهد فقال ابن عقيل: لا يباح له الترخص لأنه منهي عن السفر إليها. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: { لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد } متفق عليه. والصحيح إباحته وجواز القصر فيه...الخ).استند من قال بالمنع من شد الرحال إلى ما سوى المساجد الثلاثة قاصدا العبادة بما يلي:أولا: جاءت النصوص الشرعية الصحيحة بالمنع من شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة من ذلك حديث أبي هريرة المتفق عليه: { لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد... } الحديث فأورده كما رأيت بصيغة الخبر { لا تشد } والخبر هنا بمعنى النهي. بل نقل الحافظ عن الطيبي أنه أبلغ في الحظر من صريح النهي، كما تقدم آنفا.ويبينه ما رواه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:{ لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى } .ومعلوم أيضا أن هذا الحصر المفهوم من صيغة النفي مع الاستثناء يفيد أنه لا يجوز شد الرحال إلى غير الأماكن المذكورة كقبور الأنبياء والصالحين، ويؤكد الحصر ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: { إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد: مسجد الكعبة ومسجدي هذا ومسجد إيليا } .ثانيا: كيف فهم السلف الصالح من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم هذه النصوص؟ نعرف فهم الصحابة لكلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مسألة ما إذا وجدناهم يعملون بمقتضاه، وإذا استدلوا به على تقرير مفهوم معين، ولا ريب أن الثاني أقل من الأول، بل إنه من النوادر التي لا يظفر بها إلا في أفراد المسائل، أما مسألتنا هذه فقد اجتمع فيها عمل الصحابة واستدلالهم، فعن عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال:(لقي أبو بصرة الغفاري أبا هريرة وهو جاء من الطور فقال: من أين أقبلت؟ قال: من الطور صليت فيه. قال: أما لو أدركتك قبل أن ترحل ما رحلت، إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: { لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى } رواه النسائي، وأحمد، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، وهذا سند صحيح.يفهم من هذا أن أبا هريرة - رضي الله عنه - لم يكن قد بلغه النهي عن شد الرحال، فلما أخبره بذلك هذا الصحابي الجليل وافقه.يقول ابن حجر في "الفتح" (3/78):(فدل على أنه يرى حمل الحديث على عمومه ووافقه أبو هريرة).وعن قزعة قال: سألت ابن عمر: آتي الطور؟ فقال:(دع الطور ولا تأتها، وقال: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) قال الألباني في "تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد" (ص139):(رواه الأزرقي في"أخبار مكة"وإسناده صحيح).وعلى هذا فلا خلاف بين الصحابة في حمل هذا الحديث على عمومه في كل مكان يقصد للتعبد المحض، ومن الناحية العملية لم ينقل عن أحد منهم ما يخالف هذا الحمل.ثالثا: أن فقهاء السلف لم يكونوا يعدون السفر إلى الأماكن غير المساجد الثلاثة من الطاعات. ولذلك ذهبوا إلى أن من نذر أن يأتي شيئا من تلك الأماكن فلا شيء عليه ألبتة، لأن النذر لا يجب الوفاء به إلا إذا كان موضوعه طاعة الله تعالى. لقوله - صلى الله عليه وسلم -: { من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصه فلا يعصيه } رواه البخاري وغيره.بل اتفقوا على أنه لو نذر أن يسافر إلى المساجد الثلاثة بدون نية الصلاة فيها أو مع حج أو عمرة بالنسبة للبيت الحرام لم يلزمه شيء، لأن مجرد إتيانها لا تتعلق به طاعة.أدلة من قال بجواز شد الرحال إلى القبر النبوي وقبور الصالحين:استدل هؤلاء بالأحاديث الواردة في الإذن بزيارة القبور مطلقا، وبأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأتي قباء راكبا وماشيا.قال الموفق بن قدامة رحمه الله في"المغني"(3/117):(الصحيح إباحته ــ أي السفر لزيارة القبور والمشاهد ــ وجواز القصر فيه، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأتي قباء راكبا وماشيا وكان يزور القبور، وقال: { زوروها تذكركم الآخرة } ).وأجابوا عن استدلال من قال بالتحريم بحديث: { لا تشد الرحال إلا ثلاثة مساجد } بما يلي:أن المراد بالحديث أن الفضيلة التامة إنما هي في شد الرحال إلى هذه المساجد بخلاف غيرها فإنه جائز.واستدل له ابن حجر بأنه قد وقع في رواية لأحمد بلفظ: { لا ينبغي للمطي أن تعمل } قال: وهو لفظ ظاهر في غير التحريم.ومنها: أن المراد حكم المساجد فقط، وأنه لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد للصلاة فيه غير هذه الثلاثة، وأما قصد غير المساجد لزيارة صالح أو قريب أو صاحبأو طلب علم أو تجارة أو نزهة فلا يدخل في النهي.ومنها: أن المراد قصدها بالاعتكاف فيها.كما استدلوا ببعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي تحث على زيارة القبر النبوي.وقد اعترض الأولون على أدلة هؤلاء فقالوا:إن الأحاديث الواردة في زيارة القبور ليس فيها حديث واحد يدل على شد الرحل إليها، وفعله - صلى الله عليه وسلم - يبين ذلك، فقد كان يزور البقيع وشهداء أحد وهو بالمدينة، وليس في ذلك إعمال سفر ولا شد رحل، ولم يكن أصحابه من بعده يشدون الرحل إلى قبره ولا إلى قبر غيره، وكانوا يزورون القبور ولا يقصدونها بالسفر، فعرف الفرق بين المسألتين، ثم إن القائلين بالجواز قد فرقوا بين زيارة القبور بدون شد رحل وزيارتها بشد رحل.قال ابن قدامة في"المغني"(3/517):(لا نعلم بين أهل العلم خلافا في إباحة زيارة الرجل القبور).فحكى الاتفاق على إباحتها هنا، مع أنه ذكر الخلاف في زيارتها بشد الرحل كما تقدم،وقال النووي في"المجموع"(5/310):(اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على أنه يستحب للرجال زيارة القبور وهو قول العلماء كافة، نقل العبدري فيه إجماع المسلمين).فحكى الاستحباب هنا، وأما في مسألة شد الرحل إلى زيارة القبور فقد ذكر كما مر معنا قولين: التحريم والجواز لا غير.وهذا مصير منهم إلى التفريق بين الزيارتين، وهو يضعف الاحتجاج بالأحاديث الواردة في الزيارة، إذ لو كان الاستدلال بها صحيحا لما فرق في الحكم بين الحالين.وهذا يقوي حجة من استدل بحديث: { لا تشد الرحال } على منع السفر لزيارة القبور، إذ يقال للذين ذهبوا إلى الاستحباب في الزيارة المجردة عن قصد السفر، وجواز الأخرى، المصحوبة بقصد السفر، لولا أنكم فهمتم من هذا الحديث ما فهمه المانعون، لما فرقتم بين المسألتين فجعلتم الأولى مستحبة والأخرى جائزة.أما استدلال ابن قدامة رحمه الله بإتيان النبي - صلى الله عليه وسلم - قباء، فقد قصد به بيان أن النفي الوارد في حديث شد الرحال ليس للتحريم بل لنفي الفضيلة، وهو يرد بذلك على المحتجين به على تحريم شد الرحال إلى القبور.وقد أبطل شيخ الإسلام حجة ابن قدامة فقال في "مجموع الفتاوى"(27/187):(وأما السفر إلى بقعة غير المساجد الثلاثة، فلم يوجب أحد من العلماء السفر إليه إذا نذره، حتى نص العلماء على أنه لا يسافر إلى مسجد قباء، لأنه ليس من المساجد الثلاثة، مع أن مسجد قباء يستحب زيارته لمن كان في المدينة، لأن ذلك ليس بشد رحل، كما في الحديث الصحيح: { من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء لا يريد إلا الصلاة فيه كان كعمرة } .وبهذا يظهر بطلان حجة أبي محمد المقدسي، لأن زيارة النبي - صلى الله عليه وسلم - لمسجد قباء لم تكن بشد رحل، وهو يسلم لهم أن السفر إليه لا يجب بالنذر) اهـ.وقال العيني في"عمدة القاري"(6/285):(فإن قلت: ما الجمع بين قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: { لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد } وبين كونه كان يأتي مسجد قباء راكبا؟ قلت: قباء ليس مما تشد إليه الرحال، فلا يتناوله الحديث المذكور) اهـ.وأما بالنسبة لتأويل من قال بجواز شد الرحال لزيارة قبور الصالحين لحديث: { لا تشد الرحال } فقد أجاب المانعون عليهم بما يلي:أما الأول والذي أولوا فيه قوله - صلى الله عليه وسلم -: { لا تشد الرحال } بأن المراد الفضيلة التامة وأن شد الرحال إلى غيرها جائز فغير متعمد.أما أولا: فلأن لفظ الحديث يأباه حيث ورد بالنفي مع الحصر المؤكد والنهي الصريح، ونص هذا شأنه لا شك أن صرفه وحمله على الفضيلة التامة يعد تحكما في نصوص الشرع وإقحاما للعقول في تخصيصها وتقييدها.وأما ثانيا: فلأن هذا التأويل يصادم فهم الصحابة وجميع أئمة الفقه، ولا ريب أن فهم الصحابة أقرب إلى إدراك مراد الشارع من فهم الخلف المتأخرين.وهذا الوجهان ينسحبان على جميع أجوبتهم.وأما قولهم: إن السفر إلى ما عدا هذه الأماكن جائز، فالجواب أن يقال: إن الجواز يطلق بإطلاقات ثلاثة:الإطلاق الأول: الإذن في الفعل، وهو بهذا الإطلاق يشمل أحكاما، وهي الوجوب والندب والإباحة.قال صاحب"مراقي السعود" عن الإباحة:(وهي والجواز قد ترادفا في مطلق الإذن لدى من سلفا).الإطلاق الثاني: الإذن في الفعل والترك، وهو بهذا الإطلاق يشمل أحكاما أيضا هي: الندب والإباحة والكراهة.الإطلاق الثالث: التخيير بين الفعل والترك على السواء، وهو بهذا لا يشمل إلا الإباحة.إذا ذهب هؤلاء المخالفون إلى أن مقصودهم بالجواز هنا الوجوب أو الندب طولبوا بالدليل على ذلك؛ لأنه لا يجوز في الشريعة الإسلامية أن يذهب أحد من الناس إلى الحكم بإيجاب شيء أو ندبه ما لم يقم دليل شرعي عليه.وهذا الدليل لا سبيل إليه؛ لأنه غير موجود أصلا، وإن قالوا: إنه جائز بمعنى مباح كان ذلك إيذانا منهم بالعدول عن رأيهم في شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، إذ كيف يعقل أن يسافر مسافر من مكان بعيد يقطع القفار ويجوب الفيافي والفلوات قاصدا قبر رجل صالح أو مشهد من المشاهد المقدسة عنده ولا يقصد بذلك العبادة ونيل الأجر والثواب؟ وإنما لأنه مباح فقط كسائر المباحات.والحق الذي لا ريب فيه أن السفر إلى القبور إنما يقصد به العبادة، والعبادة لا تكونإلا بواجب أو مستحب. فلما حصل الاتفاق على أن السفر إلى القبور ليس بواجبولا مستحب كان من فعله على وجه التعبد مبتدعا مخالفا للإجماع، والتعبد بالبدعة ليس بمباح.وأما قول ابن حجر إن لفظ: { لا ينبغي } ظاهر في غير التحريم.فالجواب من وجهين:1ــ على فرض التسليم بذلك فماذا نفعل بالنهي الصريح: { لا تشدوا الرحال } فإنه إذا ورد في مسألة نهي بلفظ صريح في التحريم وآخر غير صريح فيه تعين المصير إلى مقتضى اللفظ المحرم.هذا على فرض التسليم بأن { لا ينبغي } ظاهر في غير التحريم، ودون هذا التسليمخرط القتاد.2ــ رد العلامة الشيخ ابن باز رحمه الله على الحافظ ابن حجر رحمه الله في هذا الكلام فقال في"الفتح"(3/79 هامش 1):(ليس الأمر كما قال، بل ظاهر في التحريم والمنع، وهذه اللفظة في عرف الشارع شأنها عظيم، كما في قوله تعالى: { وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا } ]مريم:92[، وقوله: { قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء... } الآية ]الفرقان:18[).وأما الثاني: فلا يحتاج إلى الإطالة حوله، لأنه إذا كان المراد بهذا الحديث النهي عن شد الرحال إلى مسجد من المساجد للصلاة فيه غير المساجد الثلاثة كان النهي عن شد الرحال إلى القبور ومشاهد الصالحين أولى وأحرى.أما ما ذكره من زيارة الأقارب والأصدقاء فلا محل له هنا إذ المحظور قصد الأماكن التي لا تقصد إلا للعبادة. ولا يظن بمن ذكر أنهم حملوا الحديث على ظاهره أن مذهبهم تحريم السفر على وجه الإطلاق.وأما الثالث: فهو أضعف هذه التأويلات فحمل الحديث على الاعتكاف تحكم بلا دليل، وقد اعترف ابن حجر فقال في"الفتح"(3/79):(لم أر عليه دليلا).قلت: لو قال الحافظ ذلك في سائر ما أجابوا به لاستراح من تكلف البحث عن دليل معدوم، ولأراح غيره من توضيح أمر واضح جلي.نخلص من كل ما سبق إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يشرع أبدا السفر إلى القبور لا بقوله ولا بفعله، وآية ذلك أن هذا الأمر لم ينزل في الإذن به قرآن ولم يثبت فيه حديث من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو فعله، فلو كان مشروعا لتحقق فيه كل ذلك أو بعضه ولسن لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك برحلات وجولات إلى قبور الأنبياء والصالحين، ولملئت الكتب برحلات الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ونحن نجد دواوين الإسلام من صحاح وسنن ومسانيد وكتب فقه السلف الصالح قد سجلت كل حقوق الأموات من عيادتهم وهم مرضى إلى غسلهم وتكفينهم وتشييعهم ودفنهم وزيارة قبورهم والاستغفار والدعاء لهم والنهي عن الجلوس على قبورهم من جهة.ومن جهة أخرى النهي عن البناء على قبور الموتى أو اتخاذها مساجد، حماية لعقيدة الأحياء من المسلمين، كل هذا قد طفحت به دواوين الإسلام المشار إليها بينما هي خالية خلوا كاملا من حديث نبوي واحد صحيح أو حسن أو قول صاحب أو أحد من أهل القرون المفضلة أو احد من أئمة الهدى يتعلق بقضية الحث على السفر إلى القبور.فهذا الإمام مالك مع عنايته بجمع سنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - لا تجد له كلمة في "موطئه" تشير إلى السفر وشد الرحال إلى قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا إلى قبر غيره، وهذه كتب تلاميذه التي دونوا فيها فقه هذا الإمام لا نجد فيها بابا ولا فصلا ولا حديثا يحث المسلمين على شد الرحال والسفر إلى قبر نبي من الأنبياء أو صالح من الصالحين، بل مبالغة منه في التحفظ فقد كره أن يقول الرجل: زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم. انظر: "الشفاء" للقاضي عياض(2/84).وكذلك الإمام أبو حنيفة وأصحابه وأبو يوسف ومحمد نبحث في كتبهم فلا نجد ذكرا لهذه المسألة.وهذا الإمام الشافعي الذي دون فقهه العظيم في "الأم" فلم يعقد بابا أو فصلا ولا حديثا واحدا بشأن السفر إلى قبور الأنبياء.وكذلك الإمام أحمد لا تجد في مسنده العظيم ولا في مسائله المدونة أثرا لهذه المسألةولا خبرا، وهذا الصحيحان وبقة الأمهات الستة وأخواتها من دواوين الإسلام المعتبرة خلت خلوا كاملا عن قضية شد الرحال والسفر إلى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أو إلى قبور غيره من الأنبياء.فما السر إذن في عمل هؤلاء الصحابة والتابعين والأئمة من الفقهاء والمحدثين؟ هل ينقصهم حب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحب الصالحين من أولياء الله تعالى؟ كلا، إن شيئا من ذلك لم يحدث ولكنها الغفلة ووسوسة شياطين الإنس والجن لعواطف الحب العمياء التي لا تميز بين حق وباطل، ولا بين جفاء وإفراط وتفريط.أما بالنسبة للأحاديث الضعيفة والموضوعة التي فيها حث على زيارة القبر النبوي فقد ذكرها الشيخ العلامة حماد الأنصاري رحمه الله في رسالته "كشف الستر عما ورد في السفر إلى القبر" وبين ضعفها فقال رحمه الله:أدلة المجيزين لشد الرحل وعدم قابليتها للاستدلال بها على دعواهم أربعة عشر حديثا.وقال بعد أن ذكرها وخرجها: هذه أربعة عشر حديثا يستدل بها القائلون على جواز شد الرحل إلى القبر، وهذا جملة ما احتج به من أجاز شد الرحل إلى زيارة القبر الشريف بمجرده.فقد تبين لك أن جميع هذه الأخبار ليس فيها حديث صحيح، ولا حسن، بل كلها ضعيفة جدا، أو موضوعة لا أصل لها كما تقدم لك عن أئمة هذا الشأن مفصلا، فلا تغتر بكثرة طرقها وتعددها، فكم من حديث له طرق أضعاف هذه الطرق التي سردناها عليك، ومع ذلك فهو موضوع عند أهل الباب، لأن الكثرة لا تفيد إذا كان مدارها على الكذابين، أو المتهمين، أو المتروكين، أو المجهولين كما سمعت في هذه الأحاديث، فإنها لا تخلو من كذاب، أو متهم، أو متروك، أو مجهول لا يعرف أبدا، ومثل هذا لا يصلح للتقوية كما هو معلوم عند أهل هذا الفن، هذا إذا لم يكن من الصحيح ما يبطلها، فكيف وهو موجود ومعلوم في الصحيح كما تقدم من منع شد الرحل إلى غير المساجد الثلاثة.هـ.قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم" (2/772ــ773): (لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديث واحد في زيارة قبر مخصوص، ولا روى أحد في ذلك شيئا لا أهل الصحيح ولا السنن ولا الأئمة المصنفون في المسند كالإمام أحمد وغيره، وإنما روى ذلك من جمع الموضوع وغيره، وأجل حديث روي في ذلك حديث رواه الدارقطني وهو ضعيف باتفاق أهل العلم بالأحاديث المروية في زيارة قبره - صلى الله عليه وسلم - كقوله:"من زارني وزار أبي إبراهيم الخليل في عام واحد ضمنت له على الله الجنة"، و"من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي"، و"من لم يحج ولم يزرني فقد جفاني"، ونحو هذه الأحاديث مكذوبة موضوعة).المبحث الرابع:هل انفرد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بقوله بتحريم شد الرحال لزيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وقبور الصالحين؟!:واعلم أن هذا القول، أعني تحريم شد الرحال إلى القبور، مع كونه هو مذهب السلف، وهو الذي تقتضيه أدلة الشرع، التي منها ما هو صريح أو كالصريح في الدلالة على المراد، كحديث: { لا تشد الرحال } ، ومنها ما يتضمنه ويستلزمه، كحديث: { لا تتخذوا قبري عيدا } وأحاديث النهي عن اتخاذ القبور مساجد، إلا أن بعض المتأخرين نسبوه إلى ابن تيمية وحده وجعلوه من أفراده، وأمتحن رحمه الله بسبب ذلك من قبل بعض القضاة في عصره، فحكموا بمنعه من الفتيا وبحبسه، والقصة مشهورة معلومة، مع أنه قد سبقه إلى القول بذلك جمهور السلف وطائفة من الخلف، كالقاضي عياض، وهو من أئمة المالكية، وأبي محمد الجويني من أئمة الشافعية، وابن عقيل وهو من مشاهير علماء الحنابلة، وكلهم سابقون لابن تيمية وقد قالوا بتحريم شد الرحال إلى القبور، والذين حكوا أقوالهم وذكروا الخلاف في المسألة كابن قدامة المقدسي والنووي سابقون له أيضا، فكيف يدعي بعد ذلك انفراده بهذا القول ويشنع عليه ذلك التشنيع؟!قال علامة حضرموت ومفتيها السيد عبدالرحمن بن عبيد الله السقاف (ت:1300هـ) كما في كتابه (إدام القوت) (ص584): (نص إمام الحرمين - ومثله القاضي حسين - على تحريم السفر لزيارة القبور، واختاره القاضي عياض بن موسى بن عياش في (إكماله) وهو من أفضل متأخري المالكية. وقام وقعد في ذلك الشيخ الإمام ابن تيمية، وخطأه قوم وصوبه آخرون، ومهما يكن من الأمر فليسعه ما وسع الجويني والقاضيين حسين وعياضا، ولكنهم أفردوه باللوم! والقول واحد)وقد انتصر لهذا القول جمهرة من أهل العلم في عصر شيخ الإسلام وبعده:فمنهم ابن الكتبي الشافعي ومحمد بن عبد الرحمن البغدادي المالكي وابن البتي الحنبلي وأبو عمرو بن أبي الوليد المالكي، وهؤلاء كانوا معاصرين لشيخ الإسلام، ولما سجن بسبب فتواه في شد الرحال، كتبوا مؤيدين له فيما ذهب إليه. انظر"مجموع الفتاوى" (27/194ــ206).ومنهم الأئمة الأعلام: ابن القيم، وابن عبد الهادي، وابن كثير، وهم معاصرون لشيخ الإسلام وتلامذة له.ومن المتأخرين: صديق حسن خان القنوجي، والمباركفوري شارح الترمذي، وشمس الحق الآبادي صاحب"عون المعبود"، والشيخ عبد العزيز الدهلوي، والشيخ ولي الله صاحب كتاب"حجة الله البالغة"، والشنقيطي صاحب"أضواء البيان"، وعلامة الشام جمال الدين القاسمي، ورشيد رضا، ومحب الدين الخطيب، وأحمد شاكر، والمعلمي اليماني، ومحمد عبدالرزاق حمزة، والألباني، وابن باز، وابن عثيمين...وغيرهم ممن لا يحصيهم عدد من مشاهير علماء الأمصار.وليس المقصود من ذكر هؤلاء الاحتجاج بأقوالهم ومذاهبهم، وإنما الغرض الرد على من زعم انفراد ابن تيمية بهذا المذهب.علما بأن ابن تيمية رحمه الله لم يقل بتحريم زيارة القبور أو زيارة قبره - صلى الله عليه وسلم -، وإنما قال بتحريم شد الرحال إلى ذلك أو يقترن بالزيارة شيء من المخالفات والبدع.وإليك النقول التالية التي تبين هذا الأمر:قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في"الجواب الباهر"(25ــ26):(قد ذكرت فيما كتبته من المناسك أن السفر إلى مسجده وزيارة قبره ــ كما يذكر أئمة المسلمين في مناسك الحج ــ عمل صالح مستحب، وقد ذكرت في عدة مناسك الحج السنة في ذلك وكيف يسلم عليه - صلى الله عليه وسلم - والصلاة تقصر في هذا السفر المستحب باتفاق أئمة المسلمين، لم يقل أحد من أئمة المسلمين أن هذا السفر لا تقصر فيه الصلاة، ولا نهى أحد عن السفر إلى مسجده، وإن كان المسافر إلى مسجده يزور قبره - صلى الله عليه وسلم -، بل هذا من أفضل الأعمال الصالحة، ولا في شيء من كلامي وكلام غيري نهي عن ذلك، ولا نهي عن المشروع في زيارة قبور الأنبياء والصالحين ولا عن المشروع في زيارة سائر القبور، بل قد ذكرت في غير موضع استحباب زيارة القبور كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يزور أهل البقيع وشهداء أحد رضي الله عنهم، وإذا كانت زيارة قبور عموم المؤمنين مشروعة فزيارة قبور الأنبياء والصالحين أولى).وقال أيضا في كتابه"الرد على الأخنائي"(ص16ــ17):(قال المعترض ــ الأخنائي ــ:"أما بعد فإن العبد لما وقف على الكلام المنسوب لابن تيمية المنقول عن نسخة فتياه ظهر لي ــ من صريح ذلك القول وفحواه ــ مقصده السيئ ومغزاه، وهو تحريم زيارة قبور الأنبياء وسائر القبور والسفر إليها ودعواه أن ذلك معصية محرمة مجمع عليها".فيقال: هذا الكلام مع قلته فيه من الكذب الباطل والافتراء ما يلحق صاحبه بالكذابين المردودي الشهادة، أو الجهال البالغين في نقض الفهم والبلادة.وكان ينبغي له أن يحكي لفظ المجيب بعينه ويبين ما فيه من الفساد وإن ذكر معناه فليسلك سبيل الهدى والسداد.فأما أن يذكر عنه ما ليس فيه ولا يذكر ما فيه فهذا خروج عن الصدق والعدل إلى الكذب والظلم.وذلك أن الجواب ليس فيه تحريم زيارة القبور ألبتة، لا قبور الأنبياء والصالحين، ولا غيرهم، ولا كان السؤال عن هذا وإنما فيه الجواب عن السفر إلى القبور وذكر قولي العلماء في ذلك.والمجيب ــ يقصد ابن تيمية نفسه ــ قد عرفت كتبه وفتاويه مشحونة باستحباب زيارة القبور وفي جميع مناسكه يذكر استحباب زيارة قبور أهل البقيع وشهداء أحد ويذكر زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل مسجده والأدب في ذلك وما قاله العلماء، وفي نفس الجواب قد ذكر ذلك ولم يذكر قط أن زيارة القبور معصية ولا حكاه عن أحد بل كان يعتقد حين كتب هذا الجواب أن زيارة القبور مستحبة بالإجماع ثم رأى بعد ذلك نزاعا هو نزاع مرجوح والصحيح أنها مستحبة...) إلى آخر كلامه رحمه الله.وقال الإمام ابن عبد الهادي في"الصارم المنكي في الرد على السبكي"(ص24):(وليعلم قبل الشروع في الكلام مع هذا المعترض أن شيخ الإسلام رحمه الله لم يحرم زيارة القبور على الوجه المشروع في شيء من كتبه ولم ينه عنها ولم يكرهها بل استحسنها وحض عليها، ومناسكه ومصنفاته طافحة بذكر استحباب زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وسائر القبور).ونقل الإمام ابن كثير في"البداية والنهاية"(14/124) عن البرزالي أنه قال:(دخل القاضي جمال الدين بن جملة وناصر الدين مشد الأوقاف، وسألاه ــ يعني ابن تيمية ــ عن مضمون قوله في مسألة الزيارة، فكتب ذلك في درج وكتب تحته قاضي الشافعية بدمشق: قابلت الجواب عن هذا السؤال المكتوب على خط ابن تيمية إلى أن قال:(وإنما المحز جعله زيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وقبور الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصية بالإجماع مقطوعا بها)، فانظر الآن هذا التحريف على شيخ الإسلام، فإن جوابه على هذه المسألة ليس فيه منع زيارة قبور الأنبياء والصالحين، وإنما ذكر قولين في شد الرحل والسفر إلى مجرد زيارة القبور، وزيارة القبور من غير شد رحل إليها مسألة، وشد الرحل لمجرد الزيارة مسألة أخرى، والشيخ ــ أي ابن تيمية ــ لم يمنع الزيارة الخالية من شد رحل بل يستحبها ويندب إليها وكتبه ومناسكه تشهد بذلك. ولم يتعرض إلى هذه الزيارة في هذا الوجه في الفتيا أي التي بحث فيها في شد الرحل لزيارة القبور، ولا قال أنها معصية، ولا حكى الإجماع على المنع منها ولا هو جاهل قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: { زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة } والله سبحانه لا يخفى عليه شيء ولا تخفى عليه خافية: { وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون } ) اهـ.وقال ابن عابدين رحمه الله في"رد المحتار"(4/53):(وما نسب إلى الحافظ ابن تيمية الحنبلي من أنه يقول بالنهي عنها، فقد قال بعض العلماء: إنه لا أصل له، وإنما يقول بالنهي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، أما نفس الزيارة فلا يخالف فيها كزيارة سائر القبور).وقال الشيخ الألباني رحمه الله في "السلسلة الضعيفة"(1/46):(يظن كثير من الناس أن شيخ الإسلام ابن تيمية ومن نحى نحوه من السلفيين يمنع زيارة قبره - صلى الله عليه وسلم -، وهذا كذب وافتراء وليست أول فرية على ابن تيمية رحمه الله تعالى، وكل من له اطلاع في كتب ابن تيمية يعلم أنه يقول بمشروعية زيارة قبره - صلى الله عليه وسلم - واستحبابها إذا لم يقترن بها شيء من المخالفات والبدع، مثل شد الرحل والسفر إليها لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: { لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد } والمستثنى منه ليس هو المساجد فقط كما يظن كثيرون بل هو كل مكان يقصد للتقرب إلى الله فيه سواء كان مسجدا أو قبرا أو غير ذلك، بدليل ما رواه أبو هريرة قال ــ في حديث له ــ: (فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري فقال: من أين أقبلت؟ فقلت: من الطور، فقال: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت! سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: { لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد } الحديث أخرجه أحمد وغيره بسند صحيح.فهذا دليل على أن الصحابة فهموا الحديث على عمومه، ويؤيده أنه لم ينقل عن أحد منهم أنه شد الرحل لزيارة قبر ما، فهم سلف ابن تيمية في هذه المسألة، فمن طعن فيه فإنما يطعن في السلف الصالح رضي الله عنهم).المحتوياتكتاب الحج 5تعريف الحج 5حكمه: 5شروط وجوب الحج 7أركان الحج: 15أعمال الحج: 15تعريف الركن: 15الركن الأول: الإحرام: 15الركن الثاني: الوقوف بعرفة: 17الركن الثالث: الحلق أو التقصير: 19الركن الرابع: السعي: 22الركن الخامس: طواف الإفاضة: 24صفة الطواف التي إذا اقتصر عليها صح طوافه: 28الركن السادس: الترتيب بين معظم أركان الحج، وهو ثلاثة أركان: 30أركان العمرة 30واجبات الحج 31الواجب الأول: الإحرام من الميقات: 32الواجب الثاني: رمي الجمار: 36الواجب الثالث: المبيت بمزدلفة: 38الواجب الرابع: المبيت بمنى: 39الواجب الخامس: اجتناب محرمات الإحرام: 41الواجب السادس: طواف الوداع: 41من أخر طواف الإفاضة فطافه عند الخروج فهل يكفيه عن طواف الوداع؟ 43واجبات العمرة 43سنن الحج 43أولا: التلبية: 43صفة التلبية: 44ثانيا: طواف القدوم: 45ثالثا: الإفراد: 46رابعا: ركعتا الطواف: 48لبس إزار ورداء أبيضين: 49باب محرمات الإحرام 50الأولى: لبس المخيط: 51الثانية: تغطية بعض الرأس من الرجل: 52الثالثة: ستر بعض وجه المرأة: 53الرابعة والخامسة: قلم الأظفار وحلق الشعر: 53السادسة: الصيد: 54السابعة: الجماع: 58الثامنة: عقد النكاح: 58التاسعة: المباشرة: 59العاشرة: استعمال الطيب: 59حكم من ارتكب محرما من محرمات الإحرام 62حكم من ترك مأمورا في الحج أو العمرة 65القسم الأول: ترك ركن: 66القسم الثاني: ترك واجب: 68فصل في بيان الدماء و ما يقوم مقامها 69الأول: المرتب المقدر: 69الثاني: المخير المقدر: 72الثالث: المخير المعدل: 75الرابع: المرتب المعدل: 79الخامس: المرتب المعدل الذي تجب فيه بدنة: 81ملحق 85فيه ذكر مسألة شد الرحل لزيارة القبور 85أقسام زيارة القبور وحكم شد الرحال إليها 86المبحث الأول: 86المبحث الثاني: 89المبحث الثالث: 90المبحث الرابع: 106