حكم اقامة صلاة الجمعة والجماعات في المساجد عند وقوع نوازل الاوبئة والامراض المعدية
د. صلاح الدليمي/ بغداد 12/3/ 2020م
بات من المؤكد ان وباء فايروس كورنا الجديد قد اجتاح اغلب الدول العالم ومنها البلاد الاسلامية، مما تسبب في ذعر واضرار بالحياة البشرية على كافة الاصعدة، واصاب الحياة العامة بالشلل المطبق، مما دفع الدول والحكومات الى اخذت كافة الاجراءات الوقائية لمنع انتشار هذا الوباء وتقليل من اضراره الى اقصى حد، حيث اغلقت المدارس والجامعات ومنعت التجمعات وطالبت الجميع بعدم التواجد في الاماكن المزدحمة لان فايروس "كوفيد 19" عادةً ما ينتقل لدى البشر من إنسان إلى آخر، في أثناء فترة حضانة الفيروس التي تبلغ 14 يومًا، عبر الرذاذ الملوث، أو الأيدي الملوثة، أو السطوح الملوثة بالفيروس، كما جاء في تقارير منظمة الصحة العالمية، اي يمكن أن ينتشر عن طريق الأيدي والأسطح الملوثة بالعدوى، والتي يجري لمسها بشكل متكرر. في المستشفيات، يمكن أن تكون مقابض الأبواب، على سبيل المثال، بالإضافة إلى لوحات مفاتيح الهواتف الثابتة، وطاولات وإطارات الأسرّة وغيرها من الأشياء الموجودة في محيط المرضى، والتي غالبًا ما تكون مصنوعةً من المعدن أو البلاستيك، فاذا كان من اليقين او غلبة الظن ان مثل هكذا حالات تسبب انتقال العدوى بين البشر وعلى هذا الاساس اغلفت الجامعات والمدارس فمن باب اولى ينسحب هذا الحكم على المساجد ودور العبادة بل ان لم يكون اكثر خطورة خصوصا انه هذا الفايروس سريع الانتشار لان يجتمع فيها المصلون ويقترب بعضهم البعض وبلامس احد الاخر، مع ان هناك ما هو اشد خطورة من ذلك هو السجاد الذي يسجد عليه المصلون ويتناوب عليه اكثر من شخص في الصلوات مما يؤدي ان تكون مكان ملوث وبيئة حاضنة للفايروس ويلامسها المصلين بأيدهم ووجوههم اثناء سجودهم لان هذا الفايروس يستقر على الاجسام فهو غير موجود في الهواء الطلق، فاذا سقط على جسم معدني صلب فانه يعش 12 ساعة اما اذا سقط على جسم من الفايبر او الخشب الاقمشة فانه يعش 9 ساعات، اما على اليدين فانه يعش 10 دقائق، ان كل هذه المخاوف متحقق في المساجد ودور العبادة اكثر من غيرها نتيجة عدم المبالاة التي نراها عند رواد المساجد، وعدم الاخذ بالإجراءات الوقائية والاحترازية في المساجد ودور العبادة .
وان تلك الاجراءات التي تتخذ الدول والحومات ما بات يعرف بالحجر الصحي وان اختلفت اشكاله تتطابق تماما مع توجيهات الرسول صلى الله عليه وسلم في مثل هكذا نوازل حيث قال عليه الصلاة والسلام في حديث رواه البخاري "فرّ من المجذوم كما تفر من الأسد"، والجذام مرض معد، والأمر بالفرار منه كي لا تقع العدوى وفي ذلك دلالة على إثبات التأثير للعدوى بإذن الله تعالى والحث على البعد عن أسبابها. وقال عليه الصلاة والسلام في حديث اخر عند البخاري « لاَ تُورِدُوا المُمْرِضَ عَلَى المُصِحِّ ». وروي عنه عليه الصلاة والسلام انه قال «إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها. أخرجه البخاري. ومن أسباب نهي المصاب عن الخروج من بلد المرض لئلا ينقل المرض إلى غيره بل يعزل عن الأصحاء في ذلك البلد؛ وقد ذكر ابن الأثير في الكامل في التاريخ 2 /377 ما حاصله : "أنَّ عمرو بن العاص رضي الله عنه، خرج بالناس عندما أصابهم طاعون عمواس إلى الجبال، حتى رفعه الله عنهم، وأن فعله هذا بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلم ينكره".
فالأحكام الشرعية في النوازل تبنى على اليقين وغلبة الظن، وبات من اليقين ان هذا الفايروس واقع في بلادنا وينتشر بهذا الطرق والوسائل، وان الواجب على المسلم الالتزام بكل الاجراءات الوقائية حفاظا على نفسه والصالح العام، ومنها عدم اقامة الصلاة الجمعة والجماعات في المساجد لحين زوال هذا النازلة من اجل الوقاية منها ومنع انتشارها بين الناس خصوصا مع ضعف الامكانيات الصحية في البلاد وعدم وجود قدرة على تعفير المساجد بعد كل صلاة وعدم وجود اجهزة تحديد المصابين من عدمه في المساجد، لذا اصبح من الواجب على الجهات الرسمية التي ترتبط بها المساجد ودور العبادة اتخاذ تلك الخطوات وعدم التردد في ذلك حفاظا على سلامة المصلين وحياتهم، وان اي تهاون او تساهل او تماهي قد يحول البلد الى بؤرة وباء ولات حين مندم، لان اذا انتشر هذا الوباء اما ضعف الامكانيات سوف يسبب كارثة انسانية كبيرة قد تؤدي الى يخيم شبح الموت البلاد والعباد، وقد يؤول الامر الى العجر الطبي في تدارك هذه الكارثة الانسانية، فلابد من التعامل مع هذا الوباء بشكل جدي دون التهاون مع تداعياته واسبابه، قال الحسن البصرى رحمه الله: "الفتن إذا أقبلت عرفها كل العالم وإذا أدبرت عرفها كل الجاهل"، اي إذا أقبلت لا يعرف حقيقتها إلا العالم وينخدع بها من ليس بعالم.
وان القول بوجوب عدم اقامة صلاة الجمعة والجماعات في المساجد عند اجتياح الامراض والاوبئة المعدية البلاد يقوم وفقا للاعتبارات الشرعية الاتية:
اولا: حفظ النفس وصيانتها من مقاصد الشريعة الإسلامية الخمسة، حيث يرى جمهور الفقهاء أن الشريعة الإسلامية تدور أحكامها حول حماية خمس أمور هي أمهات لكل الأحكام الفرعية، وتسمى بالضروريات الخمس وهي: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ المال، وحفظ العرض، وحفظ العقل. التي دأب الشرع على العناية بها، وإيجاب حفظها من جهة الوجود والعدم، أي من جهة تزكيتها والعناية بها وصونها عما يخدش جمالها، ومن جهة الذود عن حماها وتبيين حرمتها والكف عن أذاها أو قتلها. يقول الامام الشاطبي (الموافقات: 2/552):"وحفظ الشريعة للمصالح الضرورية وغيرها يتم على وجهين، يكمل أحدهما الآخر، وهما: حفظها من جانب الوجود لا يحققها، يوجدها، يثبتها ويرعاها وحفظها من جانب العدم بإبعاد كل ما يزيلها أو ينقصها، أو يجعلها تختل أو تتعطل، سواءً كان شيئاً واقعاً أو متوقعاً الشرع يمنعه، أي شيء يخل بالضروريات، أو ينقصها، أو يعطلها، أو يخل بها يمنعه الشرع، سواءً كان واقعاً أو متوقعاً، فإذا كان واقعاً فالشرع يريد رفعه وإزالته، وإذا كان متوقعاً فالشرع يريد منع وقوعه وتجنبه".
لقد قدم الشارع الحكيم مصلحة حفظ النفس على اقامة بعض التكاليف الشرعية او خفف منها او اسقط بعضها كما في المسافر الذي اسقط عنه ركعتين الصلاة الرباعية، وشرع له القصر والجمع بين الصلوات المكتوبة وكذلك في رخص في اداء الصيام للمسافر وغيرها من الاحكام الشرعية. لهذا فان وجوب حفظ النفس في حالة اليقين وغلبة الظن عند تعرضهم للأخطار على اقامة الجمعة او الجماعات في المساجد خصوصا انهما من المسائل المختلف في فرضية ووجوب اقامتها في المساجد بين فقهاء المذاهب. فهي واجبة عند الحنفية والحنابلة ووجه عند الشافعية وفي قول لبعض المالكية، وسنة عند أكثر المالكية ووجه عند الشافعية وذهب الشافعية في المعتمد عندهم إلى أن صلاة الجماعة فرض كفاية.
ثانيا: القاعدة الفقهية الضرورات تبيح المحظورات: والمعنى العام للقاعدة ان حالة الضرورة التي يكون الانسان فيها تبيح له تناول المحرم عليه شرعا، بدليل قوله تعالى " إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ" البقرة:173. وتفسير هذه الآية : "فمن اضطر" الى شيء من هذه المحرمات، والمضطر هو المكلف بالشيء الملجأ اليه المكروه عليه، والمراد هنا من خاف التلف، والمضطر اما بإكراه او بجوع في مخمصة أو بفقر لا يجد شيئاً البتة فإن التحريم يرتفع مع وجود هذه الأقسام بحكم الاستثناء في قوله ((فلا إثم عليه)) وتباح له الميتة فأما الإكراه فيبيح ذلك إلى زوال الإكراه وأما المخمصة فلا يخلو إن كانت دائمة فلا خلاف في جواز الشبع منها.
فاذا اجاز الشرع اكل الميتة من اجل الحفاظ على النفس من الهلاك، فكيف بترك بعض الطاعات من اجل وقاية تلك الانفس من خطر الاصابة بتلك الاوبئة والامراض المعدية التي تسبب الضرر اليقين للنفس البشرية، فتكون ترك اقامة الجماعات والجمع في المساجد من باب اولى .
ثالثا: قاعدة درء المفاسد مقدم الى جلب المصالح: من القواعد الفقهية التي حام حولها كثير من كلام أهل العلم في كتب الأحكام والقواعد الفقهية والمقاصد، مما يؤكد على أهمية هذه القاعدة ومكانتها بين القواعد الفقهية. معنى القاعدة: تدل القاعدة على أن المفاسد متى ما كانت أكبر من المصالح فإن الواجب دفعها قدر الإمكان، ولا ينظر في تحقيق المصلحة لكونها مغمورة في المفسدة، أما إذا كانت المصلحة أعظم من المفسدة فالقول الراجح هو الإتيان بتلك المصلحة لكون المفسدة مغمورة في تلك المصلحة، وإن تساوت المفاسد والمصالح وهو أمر يكاد يكون متعذراً فقد اختلف فيه العلماء على ثلاثة أقوال:
القول الأول: دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة.
القول الثاني: إن جلب المصلحة أولى من دفع المفسدة.
القول الثالث: التوقف أو بالتخيُّر في كل حالة بحسبها وما يلابسها.
فان الاختلاط والتجمع اصبح من اليقين انه من اهم اسباب انتشار هذا الوباء المعدي، فهذه المفسدة مقدم دفعها على مصلحة اقامة الجمع والجماعات في المساجد.
رابعا: يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام: ويقصد به ان الضرر العام يصيب عموم الناس فلا اختصاص لاحد بهذا الضرر اذ الكل معرضون له، اما الضرر الخاص فهو الذي يصيب فردا معينا، او فئة قليلة من الناس، ولهذا كان الضرر دون الضرر العام ولهذا يدفع الضرر العام وان استلزم دفعه ايقاع ضرر خاص فيحتمل ونوع هذا الضرر الخاص لغرض دفع او منع وقوع الضرر العام.
فان عدم اقامة الجمعة والجماعات في المسجد فيه ضرر يخص فئة معينة على العكس فان الاستمرار في التجمعات الذي تؤول الى انتشار الفايروس مما قد يتسبب الى الاضرار العام بالمجتمع، فالحفاظ على الصحة العامة والالتزام بضوابط الحجز الصحي العامة فان اثرها على الصالح العام.
خامسا: قاعدة سد الذرائع تقوم على المقاصد والمصالح، فهي تقوم على أساس أن الشارع ما شرع أحكامه إلا لتحقيق مقاصدها من جلب المصالح ودرء المفاسد، فإذا أصبحت أحكامه تستعمل ذريعة لغير ما شرعت له، ويتوسل بها إلى خلاف مقاصدها الحقيقية، فإن الشرع لا يُقرُّ إفساد أحكامه وتعطيل مقاصده. يقول ابنُ القيم في أعلام الموقعين، (3/ 118).: "لا يجوز الإتيانُ بفعل يكون وسيلة إلى حرام وإن كان جائزًا"
فحسب الإمام القرافي في كتاب التنقيح، ص: 449.أن الأمور ليست بحسب مآل نية الفاعل، وإنما بحسب نتائجها وغاياتها، و هذا ما أقرَّه أبو زهرة في كتابه مالك، ص: 343، فقال: "إن أصل سدِّ الذرائع لا يعتبر النية فيه على أنها الأمر الجوهري في الإذن أو المنع، وإنما النظر به إلى النتائج والثمرات، فلما كان المقصد الأساس للشريعة الإسلامية هو إقامة المصالح ودفع المفاسد، فكل ما يؤدي إلى ذلك من ذرائع وأسباب يكون له حكم ذلك المقصد الأصلي.
سادسا: حديث الصلاة في الرحال: ما روي عند البخاري ومسلم: أن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح فقال: " ألا صلوا في الرحال، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر يقول: ألا صلوا في رحالكم وفي رواية: كان يأمر مناديه في الليلة الممطرة والليلة الباردة ذات الريح أن يقول: ألا صلوا في رحالكم. وجاء في حاشية ابن عابدين (1 / 373)، عن عبد الله بن عباس: أنه قال لمؤذنه في يوم مطير: إذا قلت: أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمدا رسول الله فلا تقل: حي على الصلاة. قل: صلوا في بيوتكم. قال: فكأن الناس استنكروا ذاك. فقال: أتعجبون من ذا؟ قد فعل ذا من هو خير مني. إن الجمعة عزمة. وإني كرهت أن أحرجكم، فتمشوا في الطين والدحض. ووجه الدلالة : فان دلالة النص من هذين الحديثين تشير الى ان ايقاف الصلاة الجماعة في المسجد، وجعلها في البيوت كان بسبب ضرر المتحتم من الامطار، فيكون مناط الحكم وقوع ضرر المتحقق للقادمين للمسجد، فيفهم من النص الحديث ان وجود اي سبب يحلق الضرر بالمصلين يكون مانعا كذلك من اقامة الصلاة في المساجد لاشتراكهما بنفس العلة.
سابعا: حديث الخوف او المرض: ورى اهل السنن عن ابن عباس قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَن سمعَ المُناديَ فلم يمنعْه من اتباعِه عُذر -قالوا: وما العُذرُ؟ قال: خوف أو مرضٌ- لم تُقبَل منه الصَّلاة التي صلَّى"، قال البيهقي في السنن الصغير(1/190): " وما كان من الأعذار في معناها فله حكمهما". وقال ابن قدامة في المغني: " ويعذر في ترك الجماعة والجمعة الخائف .... والخوف ثلاثة أنواع "خوف على النفس، خوف على المال، خوف على الأهل". وقد توفرت الأدلة المعتبرة على أن وجوب الجمعة مشروط بما إذا لم يكن على الإنسان ضرر في نفسه، أو ماله، أو أهله، منها قوله تعالى:( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، وقوله تعالى:( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ).
ثامنا: فتوى الرملي الشافعي : سئل شهاب الدين أحمد بن حمزة الأنصاري الرملي الشافعي (ت: 957هـ) كما جاء في كتاب الفتاوى له(1/242): عما لو عم عذر كالمطر هل تسقط الجمعة عن أهل محله أو لا؟ . فأجاب) بأنه تسقط الجمعة عن أهل محل عمه العذر المذكور. وهذه الفتوى تشير الى امكانية منع اقامة صلاة الجمعة او الجماعات في المساجد بشكل عام وليس على نطاق الفرد او فئة محددة او معينة، لجميع اهل المحلة او المدينة عند وجود الاعذار المشروعة لا يعد ذلك محرما شرعيا.
واخيرا: ان القول بوجوب منع اقامة جمعة والجمعات في المساجد بسبب الحوف من انتشار الامراض الوبائية حماية المجتمع من كارثة انسانية لا يعني غلق المساجد بل يمكن الابقاء على المسجد مفتوحة واقامة الاذان الصلاة فيها من قبل الامام والكادر الاداري للمسجد بعد اتخاذ الاجراءات الوقائية المطلوبة .
ونسال الله ان يحفظ الجميع من كل الشرور وان يرفع عنا البلاء والامراض والاسقام ومن كافة ديار المسلمين والانسانية جمعاء .
.