الموضوعات المميزة النشرات الشهرية احصائيات وأرقام تواصل معنا

بنرات متحركة

آخر مواضيع الملتقى

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 1 2
النتائج 16 إلى 28 من 28

الموضوع: تقنين الشريعة

  1. #1
    :: عضو مؤسس ::
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    الكنية
    أبو عمر
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    القريات
    المؤهل
    ماستر
    التخصص
    (LL.M) Master of Laws
    المشاركات
    765
    شكر الله لكم
    1
    تم شكره 57 مرة في 40 مشاركة

    Lightbulb تقنين الشريعة

    مارأيكم في مسألة تقنين الشريعة؟
    (هناك دائما فرصة لعمل شيء أفضل) أ.د عبدالكريم بكار

  2. #16
    :: عضو مؤسس ::
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    الكنية
    أبو عمر
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    القريات
    المؤهل
    ماستر
    التخصص
    (LL.M) Master of Laws
    المشاركات
    765
    شكر الله لكم
    1
    تم شكره 57 مرة في 40 مشاركة

    افتراضي

    الفصلُ الثالثُ : حُججُ الْمُخالفينَ وجوابُها :
    لقد ذكرَ الْمُخالفونَ بعضَ الْمُبَرِّراتِ التي يُدَندِنُ بها مَنْ سبَقَهُم بإحداثِ هذه الفتنةِ ؟ ومِنها :
    أنه بالتَّقنينِ تَتَحقَّقُ مصالِحٌ ، وتندفعُ مفاسد ؟ .
    والجوابُ :
    أنه مِنَ المعلومِ أنَّ دينَ الإسلامِ صالِحٌ لكلِّ زمانٍ ومكانٍ ، ولقد مَرَّتْ عليه عصورُ اتِّساعٍ كاتِّساعِ الدولةِ العباسيةِ في القاراتِ الثلاثِ ، ومعَ ذلكَ تحقَّقتِ العدالةُ بتحكيمِ الشريعةِ ، وانتشرَ اليُسْرُ ، وارتفعَ الْحَرَجُ , ولْمَ يُعرَفْ - عَبْرَ مرِّ التاريخِ عن واحدٍ من الأئمةِ الْمُعْتَبَرِينَ - وجوبُ إلزامِ القُضاةِ في أحكامِهم بمذهَبٍ واحدٍ ، فضلاً عمَّا يدعو إليه هؤلاءِ من تَقنينِ الشّريعةِ بما يُناسِبُ العصرَ الحاضرَ ؟! وعلى هذا ففي كلِّ عَصْرٍ تَقنينٌ جَديدٌ ( رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ)
    ومِنْ هذه الْمُبَرِّرَاتِ :
    أنه بالتَّقنينِ يَعرِفُ الناسُ والزُوَّارُ مِنْ خارجِ البلدِ المُسلمِ بما سيحكمُ به القضاةُ ؟ .
    والجوابُ : بأنَّ القوانينَ الوضعيةَ مدَّونةٌ ، ولَهَا لوائحُ تفسيريةٌ ، وَمَعَ ذلك يَجهَلُها السوادُ الأعظمُ من الناسِ ، وإنما يعرِفُها القليلُ من المتعلِّمينَ ، ولَهذا كَثُرَتْ مكاتبُ الْمُحَاماةِ في الدولِ التي تَحكُمُ بالقوانينِ ، والواقعُ خيرُ شاهدٍ .
    وأيضاً : فهؤلاء القِلَّةُ الذينَ يعرِفونَ هذه القوانينَ , هُمْ في الغالبِ مُختلفونَ مع قُضَاتِهِم ، فكلٌّ يُفَسِّرُ هذه القوانينَ على ما يرى ، فكَثُرَتْ عندَهم الاعتراضاتُ على تنفيذِ أحكامِ قُضَاتِهِم ، وأُنشِئَتْ مايُسَمَّى بالمحاكمِ الاستئنافيةِ ، وحتَّى القضاةُ مختلفونَ , فلم يَرْفَعِ اختلافَهم , ولَم ينفَعْهمْ التقنينُ حينئذٍ .
    ومِنْ هذه الْمُبَرِّرَاتِ :
    أنَّ في التقنينِ دفعاً لحكمِ القاضي بالتَّشَهِّي ؟ .
    والجوابُ : إنَّ اتِّهامَ القاضي في حُكمِه لَمْ يَسْلَمْ منه أَحَدٌ حتَّى خيْرُ الخلقِ  , فعن عبدِ الله بن مسعودٍ  قال : ( قَسَمَ النبيُّ  قِسْمَةً كبعضِ ما كانَ يَقسِمُ ، فقال رجلٌ من الأنصارِ : والله إنَّها لَقِسْمَةٌ مَا أُريدَ بِهَا وَجْهُ اللهِ ، قلتُ : أمَا لأَقُولَنَّ للنبيِّ  ، فأتيتُه وَهُوَ في أصحابِه فَسَارَرْتُهُ ، فَشَقَّ ذلك على النبيِّ  ، وتغيَّرَ وجهُهُ وغَضِبَ ، حتَّى وَدِدَتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أخبَرْتُه ، ثُمَّ قالَ : قَدْ أُوذِيَ موسى بأكثرَ مِنْ ذلكَ فَصَبَرَ ) (1) .
    ثُمَّ إنَّ من شَرْطِ توليةِ القاضي للقضاءِ : العدالةَ باتفاقِ الأئمةِ (2) , ومِن المعلومِ : أنَّ حكمَ القاضي في الحضانةِ للأمِّ - كما مثَّلَ على ذلكَ أحدُهم - لا يعمُّ جميعَ الأمهاتِ ، وحكمُ القاضي ينفذُ ظاهراً لا باطناً ، وهو عرضةٌ للخطأِ ، دائرٌ بينَ الأجرِ والأجرَيْنِ (3) .
    وفي مثلِ ذلكَ قال عمرُ بنُ الخطابِ رضيَ اللهُ عنه قولَتَه الْمشهورةَ : ( تِلْكَ على ما قَضَيْنَا ، وهذه على ما نَقْضِي ) (4) .
    فلا تثريبَ على القاضي في الحكمِ في هذه القضيةِ بكذا ، وعلى مثلِها بكذا مُبيِّناً وَجْهَ عُدولِهِ عن حكمهِ الأولِ .
    وأيضاً : فقدْ يتَوَفَّرُ في هذه القضيةِ مِنَ الوجوهِ والدَّلائلِ ما يكونُ حكمُها على خلافِ تلكَ القضيةِ التي يُظَنُّ مُشابَهتُها بها من كلِّ وجهٍ ، ولا يَعرِفُ ذلك إلاَّ مَنْ تذوَّقَ القضاءَ ، وترَوَّى بمعرفةِ ملابساتِ الخصوماتِ .

    ومِن هذهِ الْمُبَرِّرَاتِ :
    نُدرةُ وجودِ قاض بلَغَ رتبةَ الاجتهادِ ؟ .
    والجوابُ : أنَّ الجمهورَ على شرطيةِ توفُّرِ الاجتهادِ فيمَنْ يُولَّى القضاءَ ، وذلك : بأنْ يكونَ عارفاً بالأصولِ التي تُرجَعُ الأحكامُ إليها ، لا أنْ يكونَ عالِماً بحكمِ كلِّ قضيةٍ بعَيْنِها (5) ، وهكذا يُولَّى الأمثلُ فالأمثلُ ، ولَمْ يذكرِ العلماءُ الإلزامَ بمذهبٍ مُعيَّنٍ لا يجوزُ تعدِّيه ، فكيفَ بما يدعو إليه هؤلاء من قوانين
    ( وبالضوابطِ الشرعيةِ ؟ ) .
    وأيضاً : ففي الإلزامِ بالتقنينِ قضاءٌ على هؤلاءِ الندرةِ من المجتهدينَ لقطعِ طريقِ العلمِ ، والحرمانِ من استقلالِ النَّظَرِ .

    ومِن هذهِ الْمُبَرِّراتِ :
    أنَّ في الإلزامِ بالعملِ بالتّقنينِ دَفْعاً لتَأثيرِ الْمُغرِضِين ؟ .
    والجوابُ : لعلَّه خَفِيَ عليهم أنَّ هذا مِنْ أقوالِ دُعاةِ مَنْ يُسَمَّونَ ( دعاةُ فقهِ التَّيْسيرِ الْمُعاصِرِ ) (6) .

    (1) رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى ح5749 بابُ الصبر في الأذى , والإمام مسلم رحمه الله تعالى ح1062 بابُ إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبُّر مَنْ قَوِيَ إيمانُه .
    (2) انظر : مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ج28/388 .
    (3) روى البخاري ح6920 باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ , ومسلم ح1716 باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ , عن عمرو بن العاص  أنه سمعَ رسولَ الله  يقول : ( إذا حكمَ الحاكمُ فاجتهد ثُمَّ أصابَ فله أجران , وإذا حكم فاجتهد ثُمَّ أخطأ فله أجر ) .
    (4) انظر : سنن البيهيقي ج10/120 باب من اجتهد من الحكام ثُمَّ تغيَّر اجتهاده أو اجتهاد غيره فيما يسوغ فيه الاجتهاد لَمْ يرد ما قضى به , والمصنف لعبد الرزاق ح19005 كتاب الفرائض ، والمغني لابن قدامة ج9/57 .
    (5) انظر : المغني ج11/382 ، والمحلَّى لابن حزم ج9/442 .
    (6) بدأ هذا المنهج : بانصراف كثير من الناس إلى استفتاء فقهاء الرخص , وانصرافهم عن أهل العلم والعمل , مِمَّن منعتهم هيبة الدين من التلاعب بالرخص .
    ومن أبرز أصولهم : النظر إلى المقاصد دون النصوص , التوسُّع في فهم خاصية اليُسر في الإسلام , تتبُّع الرخص , ترك الْمُحكم واتِّباع الْمُتشابه , تعميم إعمال قاعدة عموم البلوى في التخفيف , الأخذ بمبدأ التلفيق , جعل الخلاف دليلاً , البحث عن الأقوال الساقطة ليرفعوا - بزعمهم - الْحَرَجَ عن الكثير من الناس الذين وقعوا في كثير من المعاصي ... وينتمي لمنهج التيسير المعاصر مدرستان هما : مدرسة مَنْ يُسمُّون أنفسهم بالمفكِّرين الإسلاميين , وغالبهم من المتأثِّرين بحركة الإخوان المسلمين , والثانية : مدرسة العلمانيين , ومن أبرز سماتهم : أنهم يعتبرون أنَّ الدين صحيح ما لَمْ يتعارض مع التطوُّر , انظر : منهج التيسير المعاصر - دراسة تحليلية - رسالة ماجستير , للشيخ عبدالله الطويل
    (هناك دائما فرصة لعمل شيء أفضل) أ.د عبدالكريم بكار

  3. #17
    :: عضو مؤسس ::
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    الكنية
    أبو عمر
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    القريات
    المؤهل
    ماستر
    التخصص
    (LL.M) Master of Laws
    المشاركات
    765
    شكر الله لكم
    1
    تم شكره 57 مرة في 40 مشاركة

    افتراضي

    الفصلُ الرابعُ : الأدِلَّةُ على حُرمةِ تَقنينِ الشَّريعةِ :
    1 - قولُه تعالى : (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ), والقِسْطُ والعَدْلُ : أنْ يَحكمَ القاضي بما يدينُ اللهَ بهِ مِنَ الحقِّ ، لا بما أُلزِمَ به مِن تَقنينٍ قد يكونُ يرى الحقَّ بخلافِه .
    2 - قولُه تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) .
    ( يأمرُ اللهُ سبحانَه في هذهِ الآيةِ بطاعَتهِ وطاعَةِ رسولِهِ صلى اللهُ عليه وسلمَ ، لأنَّ في ذلكَ خيرَ الدنيا والآخرةِ ، وعِزَّ الدنيا والآخرةِ ، والنجاةَ مِن عذابِ اللهِ يومَ القيامَةِ , ويأمرُ سبحانَه بطاعةِ أُولي الأمرِ عَطفاً على طاعةِ اللهِ والرسولِ صلى اللهُ عليه وسلمَ مِن غيرِ أن يُعيدَ العامِلَ ، لأنَّ أُولي الأمرِ إنما تجبُ طاعتُهُم فيما هو طاعةٌ للهِ تعالى ولرسولِه صلى اللهُ عليه وسلمَ ، وأمَّا ما كان مَعصيةً للهِ تعالى ورسولِه صلى الله عليه وسلمَ فلا تجوزُ طاعةُ أحدٍ من الناسِ فيه كائناً مَن كانَ ، لقولِ النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلمَ : ( السمعُ والطاعةُ على الْمَرءِ الْمُسلمِ فيما أَحبَّ وكَرِهَ ما لَمْ يُؤمَرْ بمعصيةٍ ، فإذا أُمِرَ بمعصيةٍ فلا سَمْعَ ولا طاعةَ )(1) .
    ثُمَّ أمَرَنا اللهُ سبحانه أنْ نَرُدَّ ما تنازعْنا فيه إلى اللهِ والرسولِ ، فقالَ تعالى :.(فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ )
    والرَّدُّ إلى اللهِ : هو الردُّ إلى كتابهِ الكريمِ ، والرَّدُّ إلى الرسولِ صلى اللهُ عليه وسلمَ : هو الرَّدُّ إليهِ في حياتهِ عليه الصلاةُ والسلامُ ، وإلى سُنَّتِهِ بعدَ وفاتِه صلى الله عليه وسلَّم , ثُمَّ قالَ سبحانَه : (ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) يُرشِدُنا سبحانَه إلى أنَّ رَدَّ مشاكِلِنا كلِّها إلى اللهِ والرسولِ خَيرٌ لنا ، وأحسنُ عاقبةً في العاجِلِ والآجِلِ ... ) (2) .
    وقال الإمامُ ابنُ القيمِ رحمه الله تعالى : ( فمَنَعَنا سبحانه من الرَّدِّ إلى غيرهِ وغيرِ رسولِه صلى الله عليه وسلَّم ، وهذا يُبطِلُ التَّقليدَ .. ) (3) .
    3 - قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ :. (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)
    ( أقسمَ اللهُ سبحانه في هذه الآيةِ الكريمةِ : أنَّ العبادَ لا يُؤمنونَ حتى يُحكِّموا الرسولَ صلى الله عليه وسلَّم فيما شجرَ بينهم ، وينقادوا لحكمِه ، راغبينَ مُسلِّمينَ من غيرِ كراهةٍ ولا حَرَجٍ ، وهذا يَعُمُّ مشاكِلَ الدينِ والدنيا ، فهو صلَّى الله عليه وسلَّم الذي يَحكمُ فيها بنفسِهِ في حياته ، وبسُنَّتِه بعدَ وفاتهِ ، ولا إيمانَ لِمَنْ أعرَضَ عن ذلكَ أو لَمْ يرضَ به ) (4) .

    4 - قولُ الله تعالى : (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا)
    , قال الإمامُ ابنُ القيم رحمه الله تعالى : ( فقطعَ سبحانَه وتعالى التخييرَ بعد أمرهِ وأمرِ رسولهِ صلَّى الله عليه وسلَّم ، فليسَ لمؤمنٍ أنْ يختارَ شيئاً بعدَ أمرهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ، بلْ إذا أمرَ فأمْرُه حَتْمٌ ، وإنما الْخِيَرةُ في قولِ غيره إذا خَفِيَ أمرُه ، وكان ذلكَ الغيرُ من أهلِ العلمِ به وبسُنَّته ، فبهذه الشروطِ يكونُ قولُ غيرهِ سائغَ الاتِّباعِ ، لا واجبَ الاتِّباعِ ، فلا يجبُ على أحدٍ اتِّباعُ قولِ أحدٍ سواه .. ) (5) .

    5 - قولُه صلَّى الله عليهِ وسلَّم : ( القضاةُ ثلاثةٌ ، واحدٌ في الجنةِ ، واثنانِ في النارِ ، فأمَّا الذي في الجنةِ : فَرَجُلٌ عَرَفَ الحقَّ فقضى به ، ورجُلٌ عَرَفَ الحقَّ فجارَ في الحكمِ فَهُوَ في النارِ ، ورجُلٌ قَضى للناسِ على جَهْلٍ فَهُوَ في النَّارِ ) (6) , وقالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ رحمهُ الله : ( ويجبُ العملُ بمُوجبِ اعتقادِه فيما لَهُ وعليه إجماعاً ) (7) , وعلى هذا فإنْ عَمِلَ القاضي بالتَّقنينِ وهو يَرَى أنه خِلافُ الحقِّ دَخَلَ في هذا الوعيدِ ، واللهُ تعالى أعلمُ .

    6 - إنَّ ما دعا إليه هؤلاءِ هو خلافُ ما عليه هديُ القرونِ الْمُفضَّلةِ ، فلا يُعلَمُ مِن هَدْيِ الصحابةِ رضي اللهُ عنهم مَعَ مشاركتِهِم في العِلمِ والمشاورةِ مع بعضِهم لبعضٍ : إلزامُ واحدٍ منهم للآخَرِ بقولِه ، بل المعروفُ الْمعهودُ بالنقلِ خلافُه (8) .
    وقد صرَّح بحكايةِ الإجماعِ على ذلك غيرُ واحدٍ : كشيخِ الإسلامِ ابنِ تيميةَ في الفتاوى ج27/296-297 ج30/79 ج35/357 ، والإمامِ ابنِ القيمِ في إعلامِ الموقعين ج2/217 .
    قالَ الإمامُ الشافعيُّ رحمه الله تعالى : ( أجمعَ الناسُ على أنه مَن استبانَتْ له سنةُ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّم لَمْ يكنْ له أنْ يدَعَها لقولِ أحدٍ ) (9) .
    7 - لعلَّه خَفِيَ عليهم : أنَّ التَّقْنينَ مَدْخَلٌ لتَغييرِ الشَّريعةِ بزيادةٍ أو نقصٍ ، وتبديلٍ ، وتعديلٍ (10) ، فَهُوَ طريقٌ إلى الحكمِ بغيرِ ما أنزلَ الله ؟ .
    قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ رحمهُ اللهُ : ( ووليُّ الأمرِ : إنْ عرَفَ ما جاءَ به الكتابُ والسنةُ حَكَمَ بين الناسِ به ، وإنْ لَمْ يعرِفْه وأمْكَنَه أنْ يعلمَ ما يقولُ هذا ، وما يقولُ هذا ، حتًّى يعرفَ الحقَّ حكَمَ به ، وإنْ لَمْ يمكنْه لا هذا ولا هذا ترَكَ المسلمينَ على ما هُمْ عليه ، كلٌ يعبُدُ الله على حَسَبِ اجتهادِه ، وليسَ له أنْ يُلْزِمَ أحداً بقبولِ قولِ غيرهِ وإنْ كانَ حاكِماً ، وإذا خرَجَ ولاةُ الأمرِ عن هذا : فقد حكَموا بغيرِ ما أنزلَ اللهُ ، ووقعَ بأسهُم بينَهم .. وهذا مِنْ أعظمِ أسبابِ تغيُّرِ الدُّوَلِ ، كما قَدْ جرَى مثلَ هذا مرَّة بعدَ مرَّة في زمانِنا وغيرِ زمانِنا ، ومَنْ أرادَ اللهُ سعادَته جعلَه يَعتبرُ بما أصابَ غيرَه ، فيسلُكَ مسلَكَ مَنْ أَيَّدَه اللهُ ونصَرَهُ ، ويجتَنِبَ مَسلَكَ مَنْ خَذَلَهُ الله وأهانَه .. ) (11) .
    وقال رحمه اللهُ تعالى : ( ومَنْ أوجبَ تقليدَ إمامٍ بعينهِ استُتِيبَ ، فإنْ تابَ وإلاَّ قُتلَ ، وإنْ قال ينبغي كانَ جاهلاً ضالاً ) (12) .
    8 - قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ رحمه اللهُ تعالى في بيانِ حكمِ من اتَّبعَ عالِماً مجتهداً قاصِداً اتِّباعَ الرسولِ صلى اللهُ عليه وسلمَ في تحريمِ حلالٍ أوْ تحليلِ حرامٍ : ( ولَكنْ مَنْ عَلِمَ أنَّ هذا أخطأَ فيما جاءَ به الرسولُ صلى اللهُ عليه وسلَّم ، ثُمَّ اتَّبَعَهُ على خَطَئِه ، وعدَلَ عَنْ قولِ الرسولِ صلى اللهُ عليه وسلَّم , فهذا له نصيبٌ من هذا الشِّركِ الذي ذمَّه الله (13) , لاسيَّما إن اتَّبَعَ في ذلكَ هَوَاهُ ونصَرَه باللسانِ واليدِ ، مَعَ عِلْمِهِ بأنه مُخالِفٌ للرسولِ صلى الله عليه وسلَّم ، فهذا شِرْكٌ يَستحِقُّ صاحبُه العقوبةَ عليه ، ولهذا اتفقَ العلماءُ على أنه إذا عرَفَ الحقَّ لا يجوزُ له تقليدُ أحدٍٍ في خلافِه .. ) (14) .
    9 - إذا حكمَ القاضي بالتقنينِِ فهلْ سَيقولُ : إنَّ هذا هو دينُ اللهِ الذي أرسلَ به رسولَه صلى اللهُ عليه وسلَّم , وأنزلَ به كتابَهُ , وشرَعَهُ لعبادِه , ولا دينَ له سواهُ ؟ أو يقول : إنَّ دينَ اللهِ الذي شَرَعَهُ لعبادِه خلافُهُ ؟ أو يقول : لا أدري ؟ ولا بُدَّ للقاضي مِن قولٍ مِن هذه الأقوالِ , ولا سَبيلَ له إلى الأولِ قَطعاً , فإنَّ دينَ اللهِ الذي لا دينَ له سواهُ لا تَسوغُ مُخالفَتُه , وأقَلُّ درجاتِ مُخالِفِه أنْ يكونَ من الآثمينَ , والثاني لا يَدَّعيهِ , فليسَ له مَلجأٌ إلاَّ الثالثَ ؟ فيا لله العَجَب ! كيف تُستباحُ الفروجُ والدماءُ والأموالُ والحقوقُ وتُحلَّل وتُحرَّم بأمرٍ أحسنُ أحوالِه وأفضلِها : لا أدري ؟ .
    فإنْ كنتَ لا تَدري فتِلكَ مُصيبةٌ وإنْ كنتَ تدري فالمصيبةُ أعظمُ (15) .

    10 - إذا عُمِلَ بمَا دَعَا إليه هؤلاء - لا قدَّرَ اللهُ - فسَيُلزَمُ القضاةُ الْجُدُدُ عندَ التَّعيينِ بالحكمِ بالتَّقنينِ الجديدِ , قالَ الإمامُ ابنُ قدامةَ رحمه الله تعالى : ( ولا يجوزُ أن يُقلَّدَ القضاءُ لواحِدٍ على أنْ يَحكُمَ بمذهبٍ بعينِه ، وهذا مذهبُ الشافعيِّ ، ولا أعلمُ فيه خلافاً .. ) (16) .

    11 - بالنَّظرِ إلى حالِ التَّقنينِ الْمُلْزَمِ به في الدوَلِ : نَجِدُ أنه لَمْ يثبتْ على وَتيرةٍ واحدةٍ ، بلْ مِن تَغييرٍ إلى تَغييرٍ , وتَبديلٍ إلى تبديلٍ ؟ .
    ونَتيجةً لهذا ( فالفَرنسيونَ ومَنْ حَذا حذوَهم تركوا للمحاكِمِ حقَّ الاجتهادِ في تفسيرِ النصوصِ وفي تطبيقِها على القواعِدِ العمليةِ وعلى القضايا التي تُعرَضُ عليهِم ) (17) .
    وقالَ العلاَّمةُ محمدُ الأمينِ الشّنقيطي رحمه الله : ( إنَّ التدوينَ المذكورَ سَنَّ به فاعلوه التغييرَ لِمَن يأتي بعدَهم , لأنهم بتدوينِهم ألغَوْا أقوالَ أهلِ العلمِ الْمُخالِفَة لِما دوَّنوا , وذلكَ يدعو لصَرْفِ النّظرِ عن أصولِها ومدارِكِها الشرعيةِ , فالذينَ يأتُونَ بعدَهم يُوشِكُ أنْ يقولوا : هؤلاءِ الذينَ دوَّنوا ترَكوا أقوالاً قالَها مَن هو أعلمُ منهم وأقدمُ زماناً , وسنَفعلُ معهم مثلَ ما فَعَلوا معَ غيرِهم , فسيكونُ ذلكَ طريقاً إلى التغييرِ والتعديلِ , ويُوشِكُ أنْ ينتهيَ ذلكَ إلى التَّبديلِ الكلِّيِّ - نَرجو الله أنْ لا يُقدِّرَ ذلك - والأُمَّتان اللَّتانِ دوَّنَتا بعضَ الأحكامِ الشرعيةِ - أعني الأتراكَ والْمصريينَ - انتهى أمرُهُما إلى التبديلِ الكُلِّي )(18) .
    ( فما دام أنَّ هذه الحقيقةَ الْمُرَّةَ ماثِلةٌ أمامَنا , فكيفَ نلجأُ إليها , وبالتالي نستَثمرُ مساوئَها , فاللهُمَّ إنا نضرَعُ إليك مِنْ أصابعِ التصنُّع )(19) .

    12 - أدانَ أحدُ الدَّاعينَ للتقنينِ نفسَهُ عندما قال : ( إنَّ الفتوى تتغيَّرُ بتغيُّرِ الزمانِ والمكانِ ) !!؟ .
    فنقولُ : إنَّ التقنينَ يُعتبرُ حَجْرَاً على الأحكامِ الاجتهاديةِ , فيَمنَعُ تغيُّرَ الفتوى بتغيُّرِ الزمانِ , والقاعِدةُ الشرعيةُ : تغيُّرُ الفتوى بتغيُّرِ الأزمنةِ والأحوالِ (20) .
    قالَ سماحةُ الشيخِ محمدُ بنُ إبراهيمَ رحمه الله : ( وحكمُ اللهِ ورسولهِ  لا يختلفُ في ذاتِه باختلافِ الأزمانِ وتطوُّرِ الأحوالِ وتجدُّدِ الحوادثِ ، فإنه مَا مِن قضيةٍ كائنةً ما كانت إلاَّ وحكمُها في كتابِ الله تعالى وسنةِ رسولِه  نصَّاً أو ظاهراً , أو استنباطاً أو غير ذلك ، عَلِمَ ذلك مَنْ عَلِمَهُ ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ , وليسَ معنى ما ذكَرَه العلماءُ مِنْ تغيُّر الفتوى بتغيُّرِ الأحوالِ : ما ظنَّه مَنْ قَلَّ نصيبُهم أو عُدِمَ مِن معرفةِ مداركِ الأحكامِ وعِلَلِها ، حيث ظنُّوا أنَّ معنى ذلك بِحَسَبِ ما يُلائِمُ إرادتَهم .. فيحرِّفونَ لذلك الكَلِمَ عَنْ مَوَاضعِه , وحينئذٍ : معنى تغيُّر الفتوى بتغيُّرِ الأحوالِ والأزمانِ : مُرادُ العلماء منه ما كانَ مُسْتَصْحَبَةٌ فيه الأصولُ الشرعيةُ ، والعِلَلُ الْمَرْعِيَّة ، والمصالِحُ التي جِنسُها مرادٌ للهِ تعالى ورسولِه )(21)

    13 - التَّقنينُ سَبيلٌ لِهَجْرِ الفِقهِ الشَّرعيِّ كلِّه , وعدمِ الرجوعِ إليه إلاَّ للموادِ الْمُقنَّنَةِ إنْ كانتْ من الفقهِ الإسلاميِّ .

    14 - التَّقنينُ سببٌ رئيسٌ للقضاءِ على التراثِ الإسلاميِّ قضاءً نهائياً في مجالِ البيانِ لأحكامِ المعاملاتِ اكتفاءً بالتقنينِ .

    15 - التقنينُ فيه تَضييقٌ على المسلمينَ بحَملِهم على قولٍ واحدٍ بصفةٍ مستديمةٍ (22)

    (1) رواه الإمام البخاري ح6725 بابُ السمع والطاعة للإمام ما لَمْ تكن معصية
    (2) مِنْ بيان أصحاب الفضيلة العلماء : ( محمد بن إبراهيم ، وعبدالعزيز الشثري ، وعبداللطيف بن إبراهيم ، وعمر بن حسن ، وعبد العزيز بن باز ، وعبدالله بن حميد ، وعبدالله بن عقيل ، وعبدالعزيز بن رشيد ، وعبداللطيف بن محمد ، ومحمد بن عوده ، ومحمد بن مهيزع ) بتصرُّف يسير ، انظر : مجموع فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى وإياهم ج12/261 .
    (3) إعلام الموقعين ج2/170 .
    (4) مِنْ بيان أصحابِ الفضيلة العلماء السالفِ ذكرُهم , والمصدر نفسه ج12/261 .
    (5) زاد المعاد ج1/38 .
    (6) رواه أبو داود ح 3573 بابٌ في القاضي يخطئ ، وابن ماجة ح2315 بابُ الحاكم يجتهد فيصيب الحق ، والترمذي ح1322 بابُ ما جاء عن رسول الله  في القاضي ، والنسائي في الكبرى ح 5922 ذكرُ ما أعدَّ الله للحاكم الجاهل ، ووثَّقَ رجاله شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله ح1884 قسم الحديث .
    (7) الفتاوى الكبرى ج4/624 .
    (8) انظر : جامع بيان العلم لابن عبدالبر ج2/59 ، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ج35/384 ، إعلام الموقعين ج2/189 , 209 ، 211 ، 260
    (9) الروح ص264 , إعلام الموقعين ج2/282 , الاتباع لابن أبي العز الحنفي ص24 .
    (10) انظر : ج3/207 من أبحاث هيئة كبار العلماء .
    (11) مجموع الفتاوى ج35/387-388 .
    (12) الفتاوى الكبرى ج4/625
    (13) كأنه يُشير إلى قول الله تعالى : (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ), وروى الترمذي ح3095 في باب : ومن سورة التوبة , عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال : ( أتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليبٌ من ذهب , فقال : يا عديُّ اطرَح عنك هذا الوثن , وسمعته يقرأُ في سورة براءة : (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) قال : أَمَا إنهم لم يكونوا يَعبدونهم , ولكنهم كانوا إذا أحلُّوا لهم شيئاً استحلُّوه , وإذا حرَّموا عليهم شيئاً حرَّموه ) .
    ورواه أيضاً : البيهقي في الكبرى ح20137 باب : ما يقضي به القاضي ويُفتي به المفتي فإنه غير جائزٍ له أن يُقلِّد أحداً من أهل دهرِه , ولا أن يحكم أو يُفتي بالاستحسان
    وحسَّنه شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ في كتابِ الإيمانِ ص64 , واحتجَّ به ابنُ عبدِ البرِ في جامعِ بيان العلم ج2/109 على فسادِ التقليدِ .
    (13) مجموع الفتاوى ج7/71
    (14) إعلام الموقعين للإمام ابن القيم رحمه الله ج2/191 بتصرف .
    (15) المغني ج9/106 .
    (16) انظر : مقدمة في إحياء علوم الدين للمحامي المحمصاني ص100
    (17) فقه النوازل ج1/96 .
    (18) فقه النوازل ج1/88 .
    (19) انظر : إعلام الموقعين ج3/14-107 .
    (20) مجموع فتاوى سماحته ج12/289 .
    (21) قال العلامةُ الشيخُ بكر أبو زيد - وفقه الله تعالى - : ( لقد أفاض الإمامُ ابن القيم رحمه الله تعالى في الرَّدِّ على الْمُقلِّدة من واحدٍ وثمانين وجهاً في نحو تسعين صحيفة من كتاب : إعلام الموقعين ج2/189-260 وهي بجملتها تنسحب على مطلب إقامة الأدلة على المنع من إلزام القاضي بمذهب مُعيَّن أو قولٍ مُقنَّنٍ ) فقه النوازل ج1/
    (هناك دائما فرصة لعمل شيء أفضل) أ.د عبدالكريم بكار

  4. #18
    :: عضو مؤسس ::
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    الكنية
    أبو عمر
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    القريات
    المؤهل
    ماستر
    التخصص
    (LL.M) Master of Laws
    المشاركات
    765
    شكر الله لكم
    1
    تم شكره 57 مرة في 40 مشاركة

    افتراضي

    فتبيَّنَ لنا مِمَّا مضى :
    أنَّ تقنينَ الشريعةِ والذي يُريدُ به مَنْ دَعَا إليه - مَعَ إحسانِ الظنِّ به - درءَ مَفْسَدَةِ اختلافِ القضاةِ ؟ يَستلزمُ مفاسدَ أعظمَ من ذلك : فهو خُطوةٌ إلى الانتقالِ عن الشريعةِ الإسلاميةِ إلى الأنظِمةِ الوضعيةِ (1) , ولعلَّ مَنْ دَعَا إليه يجهلُ ذلك , أوْ يَتجاهَلُه .
    فدعوةُ الداعينَ للتَّقنينِ - هدانا الله وإيَّاهم - : ممتنعةٌ شرعاً وواقِعاً ، فموقعُ دعوتِهم مِنْ أحكامِ التكليفِ حَسَبَ الدلائلِ والوجوهِ الشرعيةِ أنه : مُحَرَّمٌ شرعاً ، لا يجوزُ الإلزامُ به ، ولا الالتزامُ به .
    ودعوتُهُم مولودةٌ غريبةٌ ، ليستْ في أحشاءِ أُمَّتنا الإسلاميةِ ، غَريبةٌ في لغتِها ، غَريبةٌ في سيرِها وأصالةِ منهجِها ، غريبةٌ في دينِها ومعتَقدِها ، فهي أجنبيةٌ عنها ، ومجلوبةٌ إليها ، فغريبٌ جِدَّاً على هؤلاءِ أنْ يحتَضنوها بمجرَّدِ فكرة : اللهُ أعلمُ بدوافعِهم إليها ، هدانا الله وإياهم لِمَا اختُلفَ فيه من الحقِّ بإذنِه ، إنه سبحانه يهدي مَنْ يشاءُ إلى صراطٍ مستقيمٍ (2) .
    (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)
    أسألُ اللهَ تعالى لي وللداعينَ للتَّقنينِ ولعمومِ المسلمينَ الهدايةَ والرَّشادَ ، والرجوعَ للعلماءِ الْمُعتبَرِينَ , وعلينا جميعاً أنْ نُولِّي حارَّها مَنْ تولَّى قارَّها , وهذا من سنةِ أميرِ المؤمنينَ عمرَ  , فعن محمدِ بنِ سيرينَ قالَ : ( قالَ عُمَرُ  لابنِ مسعودٍ : أَلَمْ أُنَبَّـأْ , أو أُنبئتُ أنَّكَ تُفتِي وَلَستَ بأميرٍ , وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قارَّهَا )
    (3) .
    ومن الحلولِ لدفعِ هذه النازلةِ :
    بذلُ المزيدِ من العنايةِ باخْتيارِ القضاةِ ، وإعدادُهم وتأهيلُهم تَأهيلاً عِلمياً ، وتَدريباً عَمَلياً رفيعاً ، وزيادةُ أعدادِهم مِمَّن تتوفرُ فيهم الشروطُ حسب الاستطاعةِ بغضِّ النظرِ عن تاريخِ تخرُّجِهم من الكلياتِ الشرعية .
    ومنها : مُكاتبةُ علماءِ المناطقِ والْمُدنِ والقرى : لترشيحِ مَنْ يرونَه أهلاً لذلكَ مِن كبارِ طُلاَّبهم من مُعلِّمينَ أو موظفين , أو مُتفرِّغينَ .
    ومنها : تركيزُ المحاكمِ في الْمُدن ، والاكتفاءُ بطلبةِ عِلمٍ مُرشَّحينَ من علمائِنا يُوكَلُ إليهم مع الوعظِ والإرشادِ والإمامةِ : القضاءُ في حدودٍ معيَّنةٍ في القرى بعدَ تدريبهِم ، ومرجعُهم أقربُ قاضٍ لقريَتِهم .
    ومنها : الرفعُ لهيئةِ كبارِ العلماءِ ومجلسِ القضاءِ الأعلى عن القضايا المستجِدَّة الهامَّةِ والتي رُبَّما يَشتَبهُ الحكمُ فيها على بعضِ القضاةِ , فيستعينونَ بما تتوصلُ إليه هيئةُ كبارِ العلماءِ ومجلسِ القضاءِ لا لإلزامِهم به ، ولكنْ ليكونَ عوناً لهم على البحثِ عن الحقِّ .
    ومنها : عدمُ السماحِ للصحافَةِ بالتعرُّضِ لِمثلِ هذه القضايا مع طَلبةِ العلمِ ، فضلاً عن الروابضِ والْمُتعالِمينَ .
    فعن أبي هريرةَ  قال : قالَ رسولُ اللهِ  : ( سيأتي على الناسِ سَنَواتٌ خدَّاعاتٌ ، يُصدَّقُ فيها الكاذبُ ، ويُكَذَّبُ فيها الصادقُ ، ويُؤتَمَنُ فيها الْخائنُ ، ويُخوَّنُ فيها الأمينُ ، ويَنطقُ فيها الرُّويبضةُ ، قيل : وما الرُّويبضةُ ؟ قال : الرَّجلُ التافهُ في أمرِ العامَّةِ ) رواه الإمامُ أحمدُ (4) .
    إلى غيرِ ذلكَ مِن الحلولِ والتي لا يخفى مثلُها وغيرُها على أصحابِ الفضيلةِ رئيسِ وأعضاءِ مجلسِ القضاءِ الأعلى وكبارِ القضاةِ إن شاء اللهُ .
    وقد ذهبَ أكابرُ العلماءِ في عصرِنا هذا إلى حرمةِ ( تَقنينِ الشريعةِ ) ومنهم مِمَّن وقفتُ عليه :
    محمدُ الأمين الشنقيطي ، وعبدُ الله بنُ حُمَيد ، وعبدُ العزيزِ بنُ بازٍ ، وعبدُ الرازقِ عفيفي ، وإبراهيمُ بن محمد آل الشيخ ، وعبدُ العزيز بنُ صالح ، ومحمدُ الحركان ، وسليمانُ العبيد - رحمهم الله تعالى - .
    وعبدُ الله بنُ عبدِ الرحمنِ الغديَّان ، وصالحُ بنُ محمد اللحيدان (5) , وعبدُ الله بنُ عبدِ الرحمنِ الجبرين (6) ، وصالحُ بن فوزان الفَوزان (7) ، وبكرُ بنُ عبدِ الله أبو زيد (8) , وعبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ العجلان
    (9) , وعبدُ الله بنُ محمد الغنيمان (10) , وعبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الله الراجحي (11) - وفَّقَهم الله تعالى - .
    وأختِمُ رسالتي هذه بما رواه يزيدُ بنُ عميرةَ قالَ : ( كانَ معاذُ لا يَجلِسُ مجلساً للذكرِ إلاَّ قال : الله حَكَمٌ قِسْطٌ ، هلَكَ الْمُرتابون ، إنَّ مِنْ ورائكم فِتَناً يَكثرُ فيها المالُ ، ويُفتحُ فيها القرآنُ ، حتَّى يَأخُذَهُ المؤمنُ والمنافقُ ، والرَّجلُ والمرأةُ ، والصغيرُ والكبيرُ ، والعبدُ والْحُرُّ ، فيوشِكُ قائلٌ أنْ يقولَ : ما للناسِ لا يَتَّبعونِي وقدْ قرأتُ القرآنَ ، ما هُمْ بمُتَّبِعيَّ حتَّى أبتدِعَ لَهم غيرَهُ ، فإيَّاكم وما ابتُدِعَ فإنَّ ما ابتُدِعَ ضلالةٌ ، وأُحذِّركم زَيْغَةَ الحكيمِ ، فإنَّ الشيطانَ قد يقولُ كلمةَ الضلالةِ على لسانِ الحكيمِ ، وقد يقولُ الْمُنافقُ كلمةَ الحقِّ , قالَ : قلتُ لمعاذ : ما يُدرينِي رحمكَ الله أنَّ الحكيمَ قد يقولُ كلمةَ الضلالةِ ، وأنَّ الْمنافقَ قدْ يقولُ كلمةَ الحقِّ , قال : بلى ، اجتنبْ مِِِنْ كلامِ الحكيمِ المشتهِرَاتِ التي يُقالُ لها : ما هذه ، ولا يَثْنِينَّكَ ذلكَ عنه ، فإنه لعلَّه أنْ يُراجعَ ، وتلَّقَ الحقَّ إذا سَمعتَه ، فإنَّ على الحقِّ نوراً ) (12) .
    وقال حذيفةُ بنُ اليمانِ  : ( كانَ الناسُ يسألونَ رسولَ الله  عن الخيرِ ، وكنتُ أسْأَلُه عن الشرِّ مَخافةَ أنْ يُدركَنِي , فقلتُ : يا رسولَ الله : إنا كنَّا في جاهليةٍ وشرٍّ ، فجاءنا اللهُ بهذا الخيرِ ، فهل بعدَ هذا الخيرِ شرٌّ ؟ قال  : نعَم ! فقلتُ : هل بعدَ ذلك الشرِّ مِن خيرٍ ؟ قال  : نعم , وفيه دَخَنٌ قلتُ : وما دَخَنُه ؟ قال  : قومٌ يسْتَنُّونَ بغيرِ سُنَّتِي ، ويَهْدونَ بغيرِ هديِي ، تَعرِفُ منهم وتُنكِرُ , فقلتُ : هل بعدَ ذلكَ الخيرِ مِنْ شرٍّ ؟ قال  : نعَمْ , قومٌ من جِلْدَتِنا ! ويتكَلَّمونَ بألسِنَتِنا ! قلتُ : يا رسولَ الله : فما ترى إنْ أدرَكني ذلك ؟ قال  : تلزمُ جماعةَ المسلمينَ وإمامَهُم ! فقلتُ : فإنْ لَمْ تكنْ لَهم جماعةٌ ولا إمامٌ ؟ قال  : فاعتزِلْ تلكَ الفِرَقَ كُلَّها ، ولَوْ أنْ تعضَّ على أصلِ شجرةٍ ، حتَّى يُدركَكَ الموتُ وأنتَ على ذلك ) (13) .

    قال شيخُ الإسلامِ محمدُ بنُ عبدِ الوهاب رحمه الله تعالى : ( قال أبو العاليةَ : تعلَّموا الإسلامَ , فإذا تعلَّمتمُوه فلا ترغَبوا عنه , وعليكم بالصراطِ المستقيم , فإنه الإسلامُ , ولا تنحَرِفوا عن الصراطِ يميناً ولا شمالاً , وعليكم بسنةِ نبيِّكم  , وإيَّاكم وهذه الأهواءَ . انتهى , تأمَّل كلامَ أبي العالية هذا ما أجلَّهُ , واعرف زمانَهُ الذي يُحذِّرُ فيه من الأهواءِ التَّي منِ اتَّبَعَها فقد رَغِبَ عن الإسلامِ , وتفسيرَ الإسلامِ بالسنةِ , وخوفَه على أعلامِ التَّابعينَ وعلمائِهم من الخروجِ عن السنةِ والكتابِ !! يتبينُ لكَ معنى قولِه تعالى : (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ)
    .
    وقوله تعالى :. (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)
    وأشباهُ هذه الأصولِ الكبارِ التي هي أصلُ الأصولِ , والناسُ عنها في غفلةٍ , وبمعرفَتِه يتبيَّنُ معنى الأحاديثِ في هذا البابِ وأمثالها , وأمَّا الإنسانُ الذي يقرأُها وأشباهَها , وهو آمِنٌ مُطمَئِنٌ أنها لا تنالُه !! ويظنُّها في قومٍ كانوا فبادوا (!! أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) (14) .
    وفَّق الله القائمينَ على القضاءِ للصوابِ والإخلاصِ في الأقوالِ والأعمالِ ، ونفعَ بهم البلادَ والعبادَ ، وأعانَهم على ذكرِه , وشكرِه , وخشيتِه , وحُسنِ عبادته ، ونُصرةِ كتابهِ , وسنةِ نبيِّه صلى الله عليه وسلَّم , وعبادِه الصالحين ، وهداهم لِمَا اختُلِفَ فيه من الحقِّ بإذنِه , إنه سبحانه يهدي مَنْ يشاءُ إلى صراطٍ مستقيم .
    كما أسألُه سبحانه أنْ يهديَ ضالَّ المسلمين , وأنْ يُذهب عنَّا وعنهم البأسَ , وأنْ يصرِفَ عنَّا وعنهم كيدَ الكائدينَ , وأنْ يحفَظَنا بالإسلامِ قائمينَ , وقاعدينَ , وراقدينَ , وأن لا يُشْمِتَ بنا الأعداءَ ولا الحاسدينَ , إنَّ الله لسميعُ الدعاءِ (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ )
    ( الدينُ النصيحةُ , قُلنا : لِمَنْ ، قال صلى الله عليه وسلَّم : للهِ , ولكتابهِ , ولرسولِه , ولأئمةِ المسلمينَ , وعامَّتِهم ) (15) .
    وصلى الله وسلَّم على عبدِه ورسولِه محمدٍ وآلِه وصحبِه وسلم .
    كتبه
    عبد الرحمن بن سعد الشثري (16)


    (1) قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله : ( وإيضاح ذلك : أنَّ النظام الوضعي تتركب حقيقته من شيئين : أحدهما : صورته التي هي شكله وهيئته في ترتيب موادِّه والحرص على تقريب معانيها وضبطها بالأرقام .
    والثانية : حقيقة روحه التي هي مشابكة لذلك الهيكل والصورة كمشابكة الروح للبدن , وتلك الروح هي حكم الطاغوت , فصار التدوين مشتملاً على أحدهما والواحد نصف الاثنين , ومما يُظن ظناً قوياً ويُخشى خشية شديدة أنَّ وضع شكل وصورة النظام الوضعي بالتدوين وضع حجر أساس لنفتح روح هذا الهيكل الأصلية فيه , ولا شكَّ أنَّ الظروف الراهنة ومخايل الظروف الْمُستَقبلَة تُؤكد أنَّ تيارات الإلحاد الجارفة في أقطار المعمورة الناظرة إلى الإسلام بعين الحطِّ والإزدراء يغلب على الظنِّ ويُخاف خوفاً شديداً أنها بقوة مغناطيسها الجذَّابة التي جذبت غير هذه البلاد من الأقطار من نظامها الإسلامي التي توارثته عشرات القرون إلى النظام الوضعي الذي شَرَعه الشيطان على ألسنة أوليائه , ستجذب هذه البلاد يوماً ما إلى ما جذبت إليه غيرها من الأقطار التي فيها مئات العلماء كمصر , لضعف الوازع الديني في الأغلبية الساحقة من شباب المسلمين , وكون الثقافة المعاصرة من أعظم الأسباب للانتقال إلى القوانين الوضعية , فجميع الملابسات العالمية مُعينة على الشرِّ المحذور إلا ما شاء الله , ولا سيما إنْ كانت هيئة كبار العلماء قد يُقال أنها ابتدأت وضع الحجر الأساسي لذلك بالرضا بالانتقال عمَّا توارثته الأمة جيلاً بعد جيل إلى وضع نظام شرعي ديني في مسلاخ نظام وضعي بشري شيطاني , وليس هذا من الأمور الدنيوية البحتة التي تُؤخذ عن الكفار , لأنه أمرٌ قد يُقال : إنه ذريعةٌ إلى أعظم فساد ديني ) فقه النوازل ج1/95-96 .
    (2) انظر : أبحاث هيئة كبار العلماء بالمملكة ج3/115-272 , وفقه النوازل ج1/9-100 للشيخ بكر بن عبدالله أبو زيد , وغالبُ ما كتبتُ ههنا ملَخَّصٌ منهما .
    (3) أخرجه الدارمي واللفظ له ح175 بابُ : الفتيا وما فيه من الشِّدَّةِ ص77 , وعبد الرزاق في مصنفه ح15293 , وابن عبد البر في الجامع ج2/143 , والذهبي في السير ج2/495 .
    قال أبو داود في سننه ح4481 : ( وقال الأصمعي : وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قارَّهَا : ولِّ شديدَها مَنْ تَوَلَّى هَيِّنَهَا ) , وقال الذهبي رحمه الله تعالى : ( يَدلُّ على أنَّ مذهبَ عمر رضي الله عنه : أن يَمنع الإمامُ من أفتى بلا إذن ) السير ج2/495 .
    وروى المروزي فيما رواه الأكابر ح47 ص61 : عن ابن وهب قال : ( سمعتُ منادياً يُنادي بالمدينة : ألا لا يُفتي الناسَ إلا مالكُ بن أنس , وابن أبي ذئب ) .
    (4) ح7899 ، وابن ماجة ح 4036 بابُ شدَّة الزمان ، وجوَّد إسناده الحافظ في الفتح 13/84 .
    (5) انظر : ج3/239 من أبحاث هيئة كبار العلماء .
    (6) ذكرَ ذلك وفقه الله في إجابةٍ على سؤال وُجِّه إلى فضيلته في أحد دروسه هذا العام 1426 .
    (7) انظر : مقال الشيخ وفقه الله الذي نُشر في جريدة الجزيرة عدد 11913 في 3/4/1426 .
    (8) انظر : فقه النوازل ج1/9-100 للشيخ بكر بن عبدالله أبو زيد .
    (9) كما في تقديمه وفقه الله تعالى في أول هذه الرسالة .
    (10) كما في تقديمه وفقه الله تعالى في أول هذه الرسالة .
    (11) ذكرَ ذلك في إجابةٍ على سؤالٍ وُجِّه إليه في 23/8/1426 .
    (12) رواه أبو داود ح4611 بابُ لزوم السنة , وعبد الرزاق في مصنفه ح20750 , والحاكم في المستدرك وصحَّحه ح8422 كتاب الفتن والملاحم .
    (13) رواه البخاري ح3411 بابُ علامات النبوة في الإسلام , ومسلم واللفظ له ح1847 بابُ وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كلِّ حال , وتحريم الخروج على الطاعة ومفارقة الجماعة .
    (14) كتاب فضل الإسلام ص28-29 لشيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى .
    (15) رواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى ح196 بابُ بيان أنَّ الدين النصيحة .
    (16) آملُ منك أخي الكريم : موافاتي باقتراحاتك وملاحظاتك على 0555775888 والمؤمن مرآة أخيه , والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه .
    (هناك دائما فرصة لعمل شيء أفضل) أ.د عبدالكريم بكار

  5. #19
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    أم القرى
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    الشريعة..
    المشاركات
    122
    شكر الله لكم
    12
    تم شكره 58 مرة في 25 مشاركة

    افتراضي

    بلاش تكتب نقاش..

    الشغلة كلها نسخ ولصق..

    فين أراء الباحثين..

    كنت قد زورت كلاما لكن ما دام الدعوة كده إلى لقاء آخر

    ......................... .......................

  6. #20
    :: عضو مؤسس ::
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    الكنية
    أبو عمر
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    القريات
    المؤهل
    ماستر
    التخصص
    (LL.M) Master of Laws
    المشاركات
    765
    شكر الله لكم
    1
    تم شكره 57 مرة في 40 مشاركة

    افتراضي

     اقتباس: المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبوحاتم مشاهدة المشاركة
    بلاش تكتب نقاش..

    الشغلة كلها نسخ ولصق..

    فين أراء الباحثين..

    كنت قد زورت كلاما لكن ما دام الدعوة كده إلى لقاء آخر

    ......................... .......................
    أخي المبارك لقد نبهت في بداية هذا الموضوع لهذا الكتاب الذي أنقل منه وأردت مناقشة ماورد فيه من النتائج التي توصل إليها الباحث من قبل مشايخنا الأفاضل لا من قبلي
    وأرجو من فضيلتكم إبداء مازورته في صدرك حول هذه المسألة لكي أستضيء بمعرفة رأيك أيها الباحث
    ولله درك على هذ الاكتشاف الذي خفي على غيرك بأن (الشغلة كلها نسخ ولصق)
    (هناك دائما فرصة لعمل شيء أفضل) أ.د عبدالكريم بكار

  7. #21
    :: عضو مؤسس ::
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    الكنية
    أبو عمر
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    القريات
    المؤهل
    ماستر
    التخصص
    (LL.M) Master of Laws
    المشاركات
    765
    شكر الله لكم
    1
    تم شكره 57 مرة في 40 مشاركة

    افتراضي

    إتماما لعملية النسخ واللصق المجرمة من قبل البعض فهذه مقالة تبنى فيها الباحث القول بجواز التقنين فمع المقالة

    تقنين الأحكام الشرعية بين المانعين والمجيزين
    الدكتور عبد الرحمن بن أحمد الجرعي
    14 - 10 - 2008



    "التقنين" لغة واصطلاحًا:

    أولًا ـ "التقنين" لغة: مصدر "قنن"، بمعنى "وضع القوانين"، وهي كلمة مولدة ـ أي غير عربية الأصل ـ، والقانون: "مقياس كل شيء "، [مصطفى إبراهيم وزملاؤه، المعجم الوسيط، مادة قنن، (2/769)].

    ثانيًا ـ "التقنين" اصطلاحًا: صياغة الأحكام الفقهية ذات الموضوع الواحد، التي لم يترك تطبيقها لاختيار الناس، في عبارات آمرة، يميز بينها بأرقام متسلسلة ومرتبة ترتيبًا منطقيًّا بعيدًا عن التكرار والتضارب.

    وقد ظهرت محاولات عديدة لتقنين الفقه الإسلامي في القرنين الماضيين، منها: "الفتاوى الهندية"، لجماعة من علماء الهند، لتقنين العبادات والعقوبات والمعاملات، ومجلة "الأحكام العدلية"، التي تضمنت جملة من أحكام: البيوع والدعاوى والقضاء، وصدرت هذه المجلة عام 1869م، واحتوت على 1851 مادة، استُمِد أغلبها من الفقه الحنفي، وقد ظلت هذه المجلة مطبقة في أكثر البلاد العربية، إلى أواسط القرن العشرين [جهود تقنين الفقه الإسلامي، وهبه الزحيلي، ص(23)، ومسيرة الفقه الإسلامي، المحاميد، ص(64)].

    المانعون للتقنين وأدلتهم:

    قال بالمنع طائفة من المعاصرين، ومنهم: الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، والشيخ بكر أبو زيد، والشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسام، وممن قال بالمنع كذلك: هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية؛ حيث تناولت موضوع التقنين تحت عنوان "تدوين الراجح من أقوال الفقهاء"، وقسمته إلى جزأين، الأول حول التدوين، والثاني حول اللزوم [انظر مجلة البحوث الإسلامية، العدد (31)، ص(65)، والعدد (33)، ص(52)]، وصدر قرارها بالأغلبية بالمنع من التقنين.

    أهم أدلة القائلين بمنع التقنين:

    1ـ الآيات التي توجب الحكم بما أنزل الله، ومنها قوله تعالى: ((إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ)) [النساء:105]، وقوله تعالى: ((فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ)) [ص:26]، فهاتان الآيتان تأمران بالحكم بما أنزل الله وهو الحق، والحق لا يتعين بالراجح من أقوال الفقهاء، لأنه راجح في نظر واضعيه دون سواهم؛ فلا يصح الإلزام به، ولا اشتراطه على القضاة عند توليتهم ولا بعدها [تدوين الراجح، بحث اللجنة الدائمة، العدد (32)، ص(38)].ومن الآيات كذلك قوله تعالى: ((وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ)) [الشورى:10]، وقوله تعالى: ((فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)) [النساء:59]، ووجه الاستدلال بهاتين الآيتين: أن الواجب هو الرجوع إلى حكم الله ورسوله، ولا يتعين حكم الله ورسوله في مذهب معين أو رأي معين، ولا في قول مرجح، والحكم بالرأي الراجح حكم بغير ما يعتقد القاضي أنه حكم الله ورسوله، فهو حرام، ويلزم منه منع الإلزام بالتقنين، [تدوين الراجح، بحث اللجنة الدائمة، العدد (32)، ص(38)، وفقه النوازل، بكر أبو زيد، (1/57)].

    ويمكن أن يُجاب عن الاستدلال بالآيات السابقة أنها عامة، وليست في موضوع الإلزام، ويصعب القول بأن ما يختاره العلماء من الأقوال الراجحة هو خلاف الحق، أو أننا إذا رجعنا إلى قولهم فإننا نرجع إلى غير كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فمن أين أخذ هؤلاء إذن؟قوله صلى الله عليه وسلم: ((القضاة ثلاثة؛ واحد في الجنة، واثنان في النار، فأما الذي في الجنة؛ فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق وجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار)) [أبو داود، (3575)، والألباني، (3573)]، ووجه الاستدلال به أن الحكم المانع من الإثم هو الذي يرى القاضي أنه الحق، والرأي الراجح المدون ليس بالضرورة أن يكون هو رأي الحق في نظر القاضي؛ فإن قضى بخلاف ما عرف أنه الحق أثم، ويلزم منه منع الإلزام بالتقنين [بحث تدوين الراجح، بحث اللجنة الدائمة، العدد (32)، ص(37)]، ويُجاب عن هذا الاستدلال بما أُجيب به عن الاستدلال السابق.

    2. الإجماع على عدم إلزام الناس بقول واحد وحملهم عليه، كما نُقِل عن شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، ويُجاب عنه بأن هذا الإجماع غير مسلَّم، لأنه قد وجد من العلماء من قال بخلافه.

    3. ثم إن القول بالمنع من الإلزام بقول واحد قول صحيح؛ لو كان جميع القضاة من المجتهدين، أما وقد علمنا أن العدد المطلوب تعيينه من القضاة للفصل في خصومات الناس، يلزم بتعيين من لم يصل إلى مرتبة الاجتهاد ـ وهم كثير ـ، فيصبح تعينهم جائزًا للضرورة أو الحاجة؛ وبالتالي فإن إلزامهم بقول واحد في هذه الحالة أمر سائغ [انظر مسيرة الفقه الإسلامي، المحاميد، ص(446)].

    4. أن تدوين القول الراجح والإلزام به مخالف لما جرى عليه العمل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وخلفائه الراشدين، ومن بعدهم من السلف الصالح، وعُرضت هذه الفكرة من قِبل أبي جعفر المنصور على الإمام مالك؛ فردها وبين فسادها، ولا خير في شيء اعتُبِر في عهد السلف من المحدثات [المتون الفقهية، محمد حمدي، ص(467)]، ويمكن أن يُجاب عن هذا بأن عدم وجود هذه الفكرة عند السلف لا يعني منعها؛ فلعل دواعيها لم توجد، ورأي الإمام مالك رحمه الله قد خالفه فيه غيره، حتى وإن لم يخالفه غيره فليس قوله بمجرده حجة.

    5. أن الصياغة للأحكام الفقهية بأسلوب معين، سواءً أكان من قِبل أفراد أو لجان ستتأثر ببشريتهم، ونسبتها إلى حكم الله ليست دقيقة، بينما صياغة نصوص الشرع ربانية معجزة ويمكن نسبتها إلى الله، فيُقال أحكام الله تعالى [من أجوبة الشيخ عطية محمد سالم، علماء ومفكرون عرفتهم، الدكتور محمد المجذوب، ص(212)].ويُجاب عن هذا بأن التقنين مثله مثل الفقه؛ فهو لا يخرج عن صياغة فقهية لا أكثر، وما بقي من ترتيب ووضع أرقام متسلسلة، ما هو إلا أمر شكلي يُسهِّل الرجوع للأحكام، ولا يؤثر في مضمونها [انظر مسيرة الفقه الإسلامي، المحاميد، ص(445)].

    6. التقنين لا يرفع الخلاف في الآراء، وهو من أهم مبررات التقنين، وهذا ما أثبتته تجربة الدول التي دونت الأحكام المعمول بها، حيث يختلف القضاة في تفسير النصوص [انظر فقه النوازل، بكر أبو زيد، (1/87-88)، ومجلة البحوث الإسلامية، العدد (31)، ص(61)]، ويُجاب عنه بالتسليم بما ذكروه، لكن التقنين يحد من الاختلاف وإن لم يرفعه، وهذا هو المطلوب [انظر مسيرة الفقه الإسلامي، المحاميد، ص(446)].

    7. أن كلمة "تقنين"، يُخشى منها أن تكون طريقًا لإحلال القوانين الوضعية مكان الشريعة الإسلامية؛ فيكون التشابه في الاسم أولًا، ثم المضمون ثانيًا، عياذًا بالله، فمنع هذه التسمية واجب من باب الحذر، [انظر فقه النوازل، بكر أبو زيد، (1/90)]، ويُجاب بأن هذه التسمية "التقنين" ونحوها، إنما هي مواصفات واصطلاحات، المراد منها مفهوم ومعلوم للجميع، ولا مشاحة في الاصطلاح، والتخوف من المصطلح لإشكاليته أو مشاكلته يمكن أن يُحل بإيجاد مصطلح مناسب.وما يُذكر من أن التقنين خطوة إلى إلغاء الشريعة الإسلامية، والاستدلال بعمل بعض الدول التي دونت الراجح من أقوال المذهب الذي تنتسب إليه في مواد، ثم ألزمت بالعمل به في محاكمها، ثم ألغت الشريعة مطلقًا؛ فهذا مردود بأن تلك الدول لم يقتصر تنكرها للدين على السلك القضائي في المحاكم، وإنما نفضت يدها من الدين مطلقًا، وانتقلت إلى دولة علمانية، وكثير من الدول الإسلامية لم يكن القضاء عندها مقننًا، بل كانت تحكم بالراجح من مذهب إمام من أئمة المسلمين، فكان منها ـ عياذًا بالله ـ أن ألغت العمل بالشريعة الإسلامية، وأخذت بقوانين أوروبا، فليس التدوين ـ التقنين ـ وسيلة إلى تحقق ما بدت المخاوف منه [وجهة نظر المخالفين لقرار هيئة كبار العلماء، بحث تدوين الراجح، مجلة البحوث، العدد (33)، ص(50)].

    المجيزون للتقنين وأدلتهم:

    أجاز التقنين جمهور الفقهاء المعاصرين، ومنهم بعض أعضاء هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، كما تبين ذلك في وجهة نظر المتحفظين على قرار الهيئة بمنع التقنين من أقوال الفقهاء، وهم: الشيخ صالح بن غصون، والشيخ عبد المجيد بن حسن، والشيخ عبد الله خياط، والشيخ عبد الله بن منيع، والشيخ محمد بن جبير، والشيخ راشد بن خنين [انظر بيان وجهة نظر هؤلاء العلماء وأسماؤهم في بحث تدوين الراجح، مجلة البحوث، العدد (33)، ص(29) ومابعدها].وممن يرى الجواز كذلك من أعضاء هيئة كبار العلماء: الدكتور صالح بن عبد الله بن حميد [الجامع في فقه النوازل، صالح بن عبد الله بن حميد، ص(101)]، ومن المجيزين للتقنين كذلك الشيخ عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ [انظر: مجلة أضواء الشريعة، الصادر عن كلية الشريعة بالرياض، العدد (4)، ص(13)، وفيها كتب الشيخ بحثًا بعنوان (أحكام الشريعة بين التطبيق والتدوين)]، والدكتور عبد الرحمن القاسم حيث كتب فيه بحثًا واسعًا خلص فيه إلى جواز التقنين وضرورته [انظر: الحكم القضائي، أبو البصل، ص(291)]، وكذا الشيخ محمد رشيد رضا، والشيخ أحمد شاكر، والشيخ محمد أبو زهرة، والشيخ مصطفى الزرقا، والشيخ علي الطنطاوي، والدكتور وهبة الزحيلي، والدكتور يوسف القرضاوي، والشيخ محمد بن الحسن الحجوي صاحب كتاب الفكر السامي.

    استدل القائلون بجواز التقنين بأدلة أهمها ما يلي:

    1. الأدلة الدالة على طاعة ولي الأمر [مجلة البحوث الإسلامية، العدد (32)، ص(44)]، ومنها قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)) [النساء:59]، ويستدل المجيزون للتقنين كذلك بالأحاديث الواردة لطاعة ولي الأمر، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((السمع والطاعة على المرء المسلم، فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)) [البخاري، (6725)]، فإذا أمر الإمام بالتقنين جاز، لدخوله تحت طاعته.

    ويجاب عن هذا الاستدلال عمومًا بأن طاعة ولي الأمر فيما لا معصية فيه مما لا ينازع فيه، لكن الشأن في النظر للتقنين هل هو سائغ ويحقق مصلحة للأمة كما يراه المجيزون، أو هو محرم وبالتالي فهو معصية ليس لولي الأمر أن يأمر بتنفيذها، كما يراه المانعون للتقنين.

    2. أن القضاة هم بمثابة الوكلاء عن الإمام وهم نواب له، لأنهم صاروا قضاة بإذنه، والوكيل مقيد بشروط موكله فلا يخرج عن حدودها، فإذا ألزمه بالقضاء على مذهب معين أو بالتقنين، وجب عليه التقيد بذلك [مسيرة الفقه الإسلامي، ص(441)، والحكم القضائي، ص(295)].

    3. أن الإجماع يكاد يكون منعقدًا على أن من توفرت فيه شروط الاجتهاد من القضاة لا يجوز إلزامه بالحكم بمذهب معين، أما إذا كان القاضي مقلدًا ـ كما هو حال أكثر قضاة اليوم ـ فأقوال الفقهاء صريحة بأن إلزام هؤلاء بالحكم بمذهب معين أمر سائغ، ومن لا يرى هذا الإلزام من الفقهاء إنما يمنعونه لأنهم لا يرون تولية القضاة غير المجتهدين، وهذا فيه من الحرج ما لا يعلمه إلا الله، فلم يبق إلا الإلزام بمذهب معين لهؤلاء القضاة غير المجتهدين [بيان وجهة المخالفين لقرار هيئة كبار العلماء، بحث تدوين الراجح، مجلة البحوث، العدد (33)، ص(46)].

    ويمكن أن يجاب عن هذا: بأن الاجتهاد يتجزأ كما قرره بعض المحققين من أهل العلم [انظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية، (20/212)]، وبالتالي فإذا كان لدى القاضي القدرة على الإحاطة بالباب أو المسألة بتصورها، وأقوالها وأدلتها، وكان لديه معرفة حسنة بأصول الفقه، فلا مانع من اجتهاده في هذه القضية، والله أعلم.

    4. حاجة المستجدات إلى حكم شرعي يتم بالنص عليها في التقنين وتركها لاجتهاد القضاة ليس من الحكمة؛ لكثرة مشاغلهم، وعدم تفرغهم للبحث والاستقصاء في كل مستجد، وخصوصًا مع تطور الحياة وكثرة المستجد فيها.

    5. أن ترك القضاة يحكمون بما يصل إليه اجتهادهم يؤدي إلى فوضى واختلاف في الأحكام للقضية الواحدة [انظر: مسيرة الفقه الإسلامي، المحاميد، ص(441)]، بل وقع هذا الاختلاف أحيانًا بين محكمتي التمييز في الرياض ومكة المكرمة [انظر: بحث تدوين الراجح، مجلة البحوث، العدد (33)، ص(48)]، وربما أحدث ذلك بلبلة واضطرابًا، وأهدر الثقة بالمحاكم الشرعية، ففي التقنين توحيد للأحكام في الدولة ببيان الراجح الذي يحكم به [جهود تقنين الفقه الإسلامي، الزحيلي، ص(28)].
    6. أن منع الجائز لدى بعض أهل العلم قد يترتب عليه حصول مفسدة، ويخشى أن في الإبقاء على الوضع القائم ـ وهو عدم التقنين ـ ما يدعو إلى ما لا تحمد عقباه، وفي التاريخ من ذلك عبر، فالمبادرة إلى وضع تدوين للأحكام الشرعية أمر مطلوب، وأقدر البلاد على ذلك هي المملكة العربية السعودية، بحكم تطبيقها للشريعة الإسلامية، وانتشار الثقافة الشرعية الإسلامية بين أبنائها، حتى يكون عملها نموذجًا يحتذى به [جهود تقنين الفقه الإسلامي، الزحيلي، ص(28)، وبحث تدوين الراجح، مجلة البحوث، العدد 33، ص(48)].

    7. أن التقنين لا يخلو من مفاسد، لكن المصالح العامة التي يحققها التقنين والتي تعود على الضروريات الخمس بالعناية والرعاية والحفظ ـ كما مر في أدلة هذا القول ـ كل ذلك يدعو إلى التغاضي عن هذه المآخذ تطبيقًا للقاعدة القائلة: (إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما [الأشباه والنظائر، جلال الدين السيوطي، ص(87)]) [بحث تدوين الراجح، مجلة البحوث، العدد (33)، ص(46)].

    الرأي المختار:

    بعد أن ذكرت القولين بمنع التقنين وجوازه، وذكرت الأدلة، يظهر لي والله أعلم اختيار القول الثاني، ومفاده: جواز التقنين وذلك لما يلي:

    1. وجاهة أكثر الأدلة والتعليلات التي استدلوا بها.

    2. الإجابة عن أكثر أدلة القائلين بمنع التقنين.

    3. ما استجد في واقعنا المعاصر من ظروف تقتضي إعادة النظر في النظام القضائي، ليكون هذا النظام أكثر ضبطًا ووضوحًا بالنسبة للقاضي أو المتقاضي، وكذلك فإن احتكاك بلدنا ببقية بلدان العالم، خاصة مع الانفتاح العالمي على غيرنا، مما يستدعي كتابة المواد التي يتقاضى إليها، خاصة أن غيرنا سيطالبنا بها إذا أردنا أن نقاضيه إلى شرعنا، فلا يمكن أن نحيله إلى مجموعة من كتب الفقه المذهبي أو المقارن، فإن لم يوجد شيء مقنن ومرتب، فإما أن تفوت علينا مصالح لا نستغني عنها، وإما أن نتحاكم إلى قوانين ليس لها علاقة بالشريعة الإسلامية، و الأخذ بالتقنين ـ وإن شابه شيء ـ فإنه من باب ارتكاب أدنى المفسدتين لدرء أعلاهما.



    ما رأي مشايخنا الأفاضل؟
    (هناك دائما فرصة لعمل شيء أفضل) أ.د عبدالكريم بكار

  8. #22
    :: عضو مؤسس ::
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    الكنية
    أبو عمر
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    القريات
    المؤهل
    ماستر
    التخصص
    (LL.M) Master of Laws
    المشاركات
    765
    شكر الله لكم
    1
    تم شكره 57 مرة في 40 مشاركة

    افتراضي

    المصدر الذي نقلت منه هذه المقالة هو موقع لواء الشريعة للدكتور عبدالعزيز كامل حفظه الله
    (هناك دائما فرصة لعمل شيء أفضل) أ.د عبدالكريم بكار

  9. #23
    :: قيم الملتقى المالكي ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    الدولة
    موريتانيا
    المدينة
    كرو
    المؤهل
    معد لرسالة الدكتوراه
    التخصص
    الفقه المقارن
    المشاركات
    2,270
    شكر الله لكم
    612
    تم شكره 454 مرة في 278 مشاركة

    افتراضي رد: تقنين الشريعة

    جزاك الله خيرا
    وأذكر أنني قرأت في فتاوى الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله أنه سئل عن معنى كلمة التقنين فقال إنها مأخوذة من القانون وهي كلمة عربية بالتجنس والتقنين عربية بالتبني يعني أن كلمة القانون معربة لم تولد في بطاح الحجاز ولا في روابي نجد ولا في جبال السراة
    والتقنين محدثة ومشتقة من القانون
    والله أعلم

  10. #24
    :: مشرف الملتقى الفقهي المتخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    جدة
    المؤهل
    ماجستير
    التخصص
    علوم
    المشاركات
    2,547
    شكر الله لكم
    86
    تم شكره 525 مرة في 252 مشاركة

    افتراضي رد: تقنين الشريعة

    لعلكم تتابعون هذا الحوار حول تقنين القضاء والحلقات التي تلي هذه الحلقة: http://www.youtube.com/watch?v=JdFGhI9aa_I
    قال السبكي في فتاويه:
    وَالْعِلْمُ صَعْبٌ لَا يُنَالُ بِالْهُوَيْنَا، وَلَيْسَتْ كُلُّ الطِّبَاعِ تَقْبَلُهُ،
    بَلْ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَغِلُ عُمْرَهُ وَلَا يَنَالُ مِنْهُ شَيْئًا،
    وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُفْتَحُ عَلَيْهِ فِي مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ، وَهُوَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ.

  11. #25
    :: متـابـــع ::
    تاريخ التسجيل
    Jun 2009
    الدولة
    اليمن
    المدينة
    صنعاء
    المؤهل
    منهجية ماجستير
    التخصص
    شريعة
    العمر
    44
    المشاركات
    75
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 16 مرة في 10 مشاركة

    افتراضي رد: تقنين الشريعة

    مشكلة واقعية للتقنين
    عندنا في اليمن , تم تقنين احكام الشريعة الأسلامية ولا بأس كان في ذلك إعانة للقضاة القاصرين الذين لم يتمكنوا من الأحاطة بالأحكام الشرعية مع الأسف الشديد وهم اكثر القضاة في هذا العصر و لا حول ولا قوة الا بالله إذ انك تصاب بصاعقة عندما تقابل قاضياً حالقاً لحيته لابساً كرافته يشرب سيجارة يخرج دخانها من منخريه , وتكاد تصاب بالسكتة القلبية عندما تسمع بعض القضاة يتكلم بكلمات لا تسمعها الا من السقط والأراذل نسأل الله السلامة والعافية ......
    المهم استفاد من تقنين الشريعة بعض القضاة لكن كان الضرر اكبر من المصلحة وكانت المفسدة عظيمة جدا جدا جدا
    اذا انه تم تقييد القضاة المجتهدين الذين ينزلون الاحكام الشرعية بناءا على النصوص وكذلك مراعاة للقواعد والمصالح والنظر في الواقع وهذا الامر لا يمكن ان يشملة التقنين بل هذه امر متعذر بل مستحيل

    كذلك بعد ان صارت احكام الشريعة الاسلامية على شكل مواد قانونية جا من اصحاب القانون من ينظر اليها ويطالب بتعديلها وكانها عبارة عن اجتهادات شخصية لا انها احكام شرعية

    فذهبت هيبة الشرع بل قد وجد من ابنا المسلمين وبناتهم من يطالب بتعديل كافة القوانين لانها في نظرهم غير صالحة

    هذه بعض المفاسد الواقعية في بلادنا وليس الخبر كالمعاينة

    والله يوفق المسلمين لما فيه الخير والصلاح

  12. #26
    :: قيم الملتقى المالكي ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    الدولة
    موريتانيا
    المدينة
    كرو
    المؤهل
    معد لرسالة الدكتوراه
    التخصص
    الفقه المقارن
    المشاركات
    2,270
    شكر الله لكم
    612
    تم شكره 454 مرة في 278 مشاركة

    افتراضي رد: تقنين الشريعة

     اقتباس: المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبد الحميد بن عبدالمحسن بن علاو مشاهدة المشاركة
    مشكلة واقعية للتقنين
    عندنا في اليمن , تم تقنين احكام الشريعة الأسلامية ولا بأس كان في ذلك إعانة للقضاة القاصرين الذين لم يتمكنوا من الأحاطة بالأحكام الشرعية مع الأسف الشديد وهم اكثر القضاة في هذا العصر و لا حول ولا قوة الا بالله إذ انك تصاب بصاعقة عندما تقابل قاضياً حالقاً لحيته لابساً كرافته يشرب سيجارة يخرج دخانها من منخريه , وتكاد تصاب بالسكتة القلبية عندما تسمع بعض القضاة يتكلم بكلمات لا تسمعها الا من السقط والأراذل نسأل الله السلامة والعافية ......
    المهم استفاد من تقنين الشريعة بعض القضاة لكن كان الضرر اكبر من المصلحة وكانت المفسدة عظيمة جدا جدا جدا
    اذا انه تم تقييد القضاة المجتهدين الذين ينزلون الاحكام الشرعية بناءا على النصوص وكذلك مراعاة للقواعد والمصالح والنظر في الواقع وهذا الامر لا يمكن ان يشملة التقنين بل هذه امر متعذر بل مستحيل

    كذلك بعد ان صارت احكام الشريعة الاسلامية على شكل مواد قانونية جا من اصحاب القانون من ينظر اليها ويطالب بتعديلها وكانها عبارة عن اجتهادات شخصية لا انها احكام شرعية

    فذهبت هيبة الشرع بل قد وجد من ابنا المسلمين وبناتهم من يطالب بتعديل كافة القوانين لانها في نظرهم غير صالحة

    هذه بعض المفاسد الواقعية في بلادنا وليس الخبر كالمعاينة

    والله يوفق المسلمين لما فيه الخير والصلاح
    لقد عبرت عن الواقع المر للعالم الإسلامي وما نرى فيه من إسناد الأمور إلى غير أهلها وكيف لا وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وهو الصادق المصدوق والمعصوم

  13. #27
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الرياض
    المؤهل
    معد لرسالة الدكتوراه
    التخصص
    فــقه وأصـوله
    المشاركات
    76
    شكر الله لكم
    1
    تم شكره 10 مرة في 6 مشاركة

    افتراضي رد: تقنين الشريعة

    جزاكم الله خيرًا، بحث مهم.

  14. #28
    :: مخضرم ::
    تاريخ التسجيل
    Jun 2010
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    بريدة
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    الدراسات الإسلامية..
    المشاركات
    1,248
    شكر الله لكم
    17
    تم شكره 85 مرة في 75 مشاركة

    افتراضي رد: تقنين الشريعة

    شكر الله لكم..
    *أشار الله تعالى إلى خير سلاح حال وقوع المسلم تحت اعتداء من ظالم :
    "ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين"
    *وتأمل خطوات استخلاف (المستضعفين) :
    "أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض"
    د.محمد بن عبد الله الربيعة.

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 1 2

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. تقنين الشريعة أضرراره ومفاسده للشيخ عبد الله بن بسام
    بواسطة عبد الرحمن بن عمر آل زعتري في الملتقى ملتقى النظرية الفقهية والتقنين المعاصر
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 18-02-17 ||, 07:05 PM
  2. حكم تقنين أحكام الشريعة
    بواسطة حمد الدوسري في الملتقى الملتقى الفقهي العام
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 18-02-17 ||, 07:01 PM
  3. برنامج مادة "قضايا في تقنين الفقه الإسلامي" في الجامعة الإسلامية بماليزيا
    بواسطة د. فؤاد بن يحيى الهاشمي في الملتقى ملتقى الدورات المتخصصة، والدروس العلمية، والمؤتمرات والندوات
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 14-04-01 ||, 08:51 PM
  4. مختصر بحث تقنين العقوبات التعزيرية
    بواسطة طارق بن طلال عنقاوي في الملتقى ملتقى النظرية الفقهية والتقنين المعاصر
    مشاركات: 17
    آخر مشاركة: 12-01-30 ||, 10:55 AM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

جميع الموضوعات والمشاركات التي تطرح في الملتقى لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الملتقى، وإنما تعبر عن رأي كاتبها فقط.
وكل عضو نكل أمانته العلمية إلى رقابته الذاتية!.

﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران:98].