بحث للدكتور عبد الرحمن الأطرم:
إذا ظهر أن الدين يمنع الزكاة فهل يقابل الدين بالمال الزكوي فقط، أم يقابل الدين بالمال الزكوي وغيره ولو كان من الحاجات الأصلية؟
اختلف الفقهاء في هذا ذلك على قولين:
القول الأول: أن المزكي يجعل الدين الذي عليه في مقابلة عروضه التي تباع لو أفلس ولو كانت تلك العرض عروض قنية، ويزكي ماله الزكوي، فإن لم تف عروضه بالدين الذي عليه جعل ما فضل في أمواله الزكوية وزكى الفاضل إن كان نصابا، وهذا مذهب المالكية([i]) ورواية عند الحنابلة([ii]) واختيار أبي عبيد([iii]).
جاء في الكافي لابن عبد البر([iv]): "ومن كان بيده عين وعليه من الدين مثله سقطت عنه الزكاة فإن كان له من العروض ما يفي بذلك الدين زكى ما بيده وسواء كان عرضا لتجارة أو لقنية" اهـ.
قال المرداوي في الإنصاف([v]): "ومن كان له عرض قنية يباع لو أفلس، يفي بما عليه من الدين جعل في مقابلة ما عليه من الدين وزكى ما معه من المال على إحدى الروايتين" فالضابط فيما يجعل مقابل الدين: هو العرض الذي يباع لو أفلس، أي: أنه من الفاضل عن الحاجة.
القول الثاني: أن المزكي يجعل الدين الذي عليه في مقابلة المال الزكوي فقط، فيمنع الدين وجوب الزكاة ولو كان له عرض قنية زائد عن حاجته الأصلية، وهذا مذهب الحنفية([vi])،والحنابلة([vii]).
جاء في بدائع الصنائع([viii]): "ثم إذا كان على الرجل دين وله مال الزكاة وغيره من عبيد الخدمة وثياب البذلة ودور السكنى فإن الدين يصرف إلى مال الزكاة عندنا سواء كان من جنس الدين أو لا ولا يصرف إلى غير مال الزكاة وإن كان من جنس الدين" اهـ.
جاء في شرح المنتهى([ix]): "ومن له عرض قنية يباع لو أفلس أي لو حجر عليه لفلس بأن كان فاضلا عن حاجته الأصلية يفي العرض بدينه الذي عليه ومعه مال زكوي جعل الدين في مقابلة ما معه من مال زكوي ولا يزكيه لئلا تختل المواساة ولأن عرض القنية كملبوسه في أنه لا زكاة فيه" اهـ
أدلة الأقوال ومناقشتها:
استدل أصحاب القول الأول بما يأتي:
الدليل الأول: أن اشتراط هذا الشرط هو الأحظ للفقراء، فاعتباره يحقق المصلحة التي من أجلها شرعت الزكاة([x]).
ويمكن أن يناقش: بأن مجرد كونه أحظ للفقراء لا يصح اعتباره علة مقتضية لاشتراط هذا الشرط، ثم إن الزكاة كما نظر فيها لمصلحة الفقير روعي فيها أيضا عدم الإجحاف بالمزكي.
الدليل الثاني: أن المكلف إذا وجد لديه من العروض الفاضلة عن حاجته ما يجعله في مقابلة الدين ووجد لديه مال زكوي؛ فهو مالك لنصاب فاضل عن حاجته لقضاء دينه؛ فتلزمه الزكاة، كما لو لم يكن عليه دين، ووجب جعل العروض في مقابل الدين؛ لأنه من ماله المملوك له فيكون مكان دينه([xi]).
ويمكن أن يناقش بعد التسليم بأن المدين والحالة هذه مالك لنصاب فاضل عن حاجته، بل هو محتاج إلى النصاب لقضاء دينه، فالوفاء إنما يكون ابتداء بماله الناض لا بعروض القنية التي لديه.
أما أصحاب القول الثاني فاستدلوا بدليلين:
الدليل الأول: أن إيجاب الزكاة على المدين لمجرد وجود عروض قنية يؤدي إلى اختلال المواساة([xii]).
الدليل الثاني: أن عرض القنية نُزِّل منزلة الملبوس في عدم وجوب الزكاة، والملبوس لا يجعل في مقابلة الدين، فكذا عرض القنية([xiii]).
ونوقش هذا الدليل: بأن عرض القنية يشبه الملبوس في عدم الزكاة، لكنه يفارقه أن الدين يقضى منه عند الفلس، واعتبار هذا المعنى في يقتضي أن الأولى جعل الدين في العرض لا في النصاب([xiv]). والله أعلم بالصواب.

([i]) انظر: الكافي لابن عبد البر 1/293، حاشية الدسوقي 1/459، شرح الخرشي 2/204.

([ii]) انظر: الفروع 3/459، الإنصاف مع الشرح الكبير 6/344.

([iii]) انظر: الأموال ص443.

([iv]) الكافي لابن عبد البر 1/294.

([v]) الإنصاف مع الشرح الكبير 2/344.

([vi]) انظر: المبسوط 2/179، فتح القدير 2/278.

([vii]) انظر: الفروع 3/459، الإنصاف مع الشرح الكبير 6/344.

([viii]) بدائع الصنائع 2/8، طبعة دار الكتاب العربي، بيروت.

([ix]) شرح المنتهى 2/183.

([x]) انظر: الفروع 3/495، الإنصاف مع الشرح الكبير 6/344.

([xi]) انظر: الأموال ص443، المغني 4/268، الشرح الكبير 6/347.

([xii]) انظر: شرح منتهى الإرادات 2/183، كشاف القناع 4/326.

([xiii]) انظر: حاشية ابن قندس مع الفروع 3/459، شرح منتهى الإرادات 2/183.

([xiv]) بحت زكاة المدين وتطبيقاته المعاصرة، للدكتور: أحمد الخليل، في مجلة العدل، العدد التاسع والعشرون، لشهر محرم 1427هـ، ص45.