قضاء العبادات والنيابة فيها
تأليف: نوح بن علي سلمان
مكتبة الرسالة الحديثة



الخاتمة
بعد أن وصلنا إلى نهاية المطاف في هذا البحث، أشير إلى بعض الأمور التي لاحظتها خلال إعدادي لهذه الرسالة، سواء ما يتعلق بجوهر الموضوع، أو بما له به علاقة:
(1) أن الفقهاء منهم من يرى الواجبات الشرعية أعمالا معينة لها أركانها وشروطها التي لا تنفصل عنها ولا تتصور بدونها، وهذه الأعمال واجبة في ذمة المكلف يجب أن تؤدى كاملة أن عاجلا بالأداء، أو آجلا بالقضاء، بينما يرى فقهاء آخرون أنها وظيفة الوقت تؤدى بالممكن من شروطها وأركانها وتسقط بهذا المطالبة عن المكلف، وهذا سبب خلافهم في وجوب القضاء في كثير من المسائل التي تتعلق بالأعذار.
(2) أما إذا لم يكن عذر فالمذاهب الأربعة ترى أن الواجبات تثبت في الذمة كاملة ولابد من إبرائها من هذه الواجبات بالأداء أو القضاء.
(3) كل الفقهاء يرون أن النيابة في العبادات واردة على غير القياس، فالأصل أن يقوم بالعبادة من كلف بها، ولهذا فهم يقفون عند النص في أمر جوازها، بل بعضهم يحاول تأويل النص بما يلائم الأصل، وقد بينت أن النصوص هي الأصول ويجب فهمها على وجه لا تعارض فيه وذلك بتخصيص العام بالخاص وتقييد المطلق بالمقيد، كما هو مقرر في علم الأصول.
(4) كل مذهب من المذاهب الأربعة – كما أشرت في المقدمة – ليس اجتهاد شخص واحد بل مجموعة من العلماء في عصور متعاقبة، اشتركوا في تنقيح المذهب، والتفريع على أصوله، ومعالجة ما جد على ضوء قواعده، وقد تفننوا في طرق تأليف كتبه وترتيب مسائله، ومع ذلك ظلوا ينتسبون إلى إمام المذهب، ويرون أنهم حسنة من حسناته، ولذا فقولنا: مذهب الحنفية، أو المالكية، أو الشافعية، أو الحنابلة، أدق من قولنا: مذهب أبي حنيفة، أو مالك، أو الشافعي، أو أحمد، لأن المذاهب تطورت من بعدهم، وإن كانت تتفاوت في مدى إمكان مخالفتها لقول الإمام، فالشافعية – مثلا – يرون أن قول الشافعي: إذا صح الحديث فهو مذهبي إجازة منه بأن ينسبوا إلى مذهبه كل ما أفاده الحديث الصحيح، سواء كان في مسألة لم يقل بها، أو في مسألة قال بها ثم صح الحديث بخلاف قوله، وعندئذ يكون ما ثبت بالحديث هو القول الآخر الراجح له، ومن هنا فالذين يدعون التجديد لو ساروا فيه على نهج علماء المذاهب لرزقوا القبول سيما وهم لم يأتوا بجديد، بل تبنوا أقوال بعض السابقين، وكان أسلوب عرضهم لآرائهم مصحوبا بحملة على علماء المذاهب، فحرموا التوفيق وجرءوا الجهلة على أئمة الإسلام، تحت شعار: هم رجال ونحن رجال، مع أن القضية قضية علم واختصاص، لا ذكورة وأنوثة، فإني يؤفكون.
(5) أن من يتصور إمكانية إزالة الخلاف في كل المسائل الفقهية، ليس لديه تصور تام للخلاف وأسبابه، فليس لدينا حديث صحيح في كل مسألة، والاختلاف في فهم النصوص من طبيعة البشر، ثم أن الخلاف في أمور فرعية ووجوده من علامات الصحة في التفكير، والحرية في الرأي، ضمن حدود قواعد العلم. فلا ينبغي أن نضيق ذرعا بالخلاف وقد وقع في خير القرون، وعلى طالب العلم أن يعيد النظر في المسائل ليختار، بعد أن يكون مؤهلاً.
(6) أن كتب الفقه الإسلامي تحتاج إلى خدمة جليلة وملحة وهي إعداد فهارس علمية لمسائلها، فهي لا تتفق في ترتيب المسائل ولا تتساوى في استيعابها، ثم المطبوع منها – فضلا عن المخطوط – يصعب على غير المتمرس استخراج ما فيه بسرعة، ولو عملت فهارس دقيقة لوفرت الوقت على الباحثين.
وأني أتمنى على المؤسسات العلمية أن تعهد إلى الباحثين بذلك وتمنحهم عليه الدرجات العلمية، فلو أعد طالب فهرساً دقيقا لأحد المراجع الفقهية لاستفاد علميا وأفاد أكثر مما لو أعد رسالة في موضوع لأنه سيطلع على جميع المسائل ثم يكون عمله نورا للباحثين، ولو تبنت إحدى كليات الشريعة هذا المشروع لأخرجت خلال سنوات مجموعة من الفهارس تكون مفخرة من مفاخرها يعم نفعها المسلمين.
وختاما فهذه ثمرة جهدي، فإن وفقت فبفضل الله تعالى ورحمته، وإن أخطأت أو قصرت فأسأل الله أن يتجاوز عني، ويرزقني من يسددني، وأدعو الله أن ينفعني بما علمني، أو يعلمني ما ينفعني، وأن يزيدني علما، وأن يغفر لي ولوالدي، ولمشايخي، وأساتذتي، ولأصحاب الحقوق علي، وللمؤمنين والمؤمنات.
وأن يجزي عنا جميعا سيدنا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ما هو أهله وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

فهرس الكتاب