الموضوعات المميزة النشرات الشهرية احصائيات وأرقام تواصل معنا

آخر مواضيع الملتقى

صفحة 1 من 3 1 2 3 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 34

الموضوع: شرح كتاب الطهارة من (عمدة الفقه) للإمام الموفق ابن قُدامة

  1. #1
    :: مشرف الملتقى الفقهي المتخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    جدة
    المؤهل
    ماجستير
    التخصص
    علوم
    المشاركات
    2,547
    شكر الله لكم
    86
    تم شكره 525 مرة في 252 مشاركة

    افتراضي شرح كتاب الطهارة من (عمدة الفقه) للإمام الموفق ابن قُدامة

    شرح مقدمة المصنِّف

    ابتدأ رحمه الله تعالى بقوله: (بسم الله الرحمن الرحيم) اقتداءً بالكتاب العزيز وبسُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتُبه إلى الملوك وأشباههم، و(الباء) فيها تعني المصاحَبة أو الاستعانة، و(الاسم) مشتق من "السمو" وهو العلو، أو من "السِّمَة" وهي العلامة، ولفظ الجلالة (الله) عَلَمٌ على الرب سبحانه وتعالى، وهو اسم لم يُسَمَّ به غيره، (الرحمن الرحيم) اسمان مشتقان من الرحمة، وأسماؤه تعالى كلها حسنى. فالرحمن: ذو الرحمة الواسعة، والرحيم: مُوصِل رحمته إلى مَن شاء من عباده. وقوله: (بسم الله) جار ومجرور متعلِّق بمحذوف تقديره: باسم الله أَكْتُب، أو أُؤَلِّف ونحوه.
    ثم قال: (الحمد لله) الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية على جهة التعظيم، و(اللام) للاختصاص، وقوله: (أهلِ الحمدِ ومستحقِّه) بَدَلٌ مجرورٌ من لفظ الجلالة، (حمداً يفضُل على كل حمد كفضل الله على خَلْقِه) أي: حمداً يزيد على كل حَمْدٍ غَيرِهِ زيادةً ظاهرة. ( وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةَ قائمٍ لله بحقه ) وهي أعظم شهادة، وقد شهد الله تعالى بها وأشهدَ ملائكته وأولي العلم قائماً بالقسط، ومعناها: لا معبود بحق إلا الله، ( وأشهد أن محمداً عبدُه ورسولُه غير مرتابٍ في صدقه ) فهو عبدٌ لا يُعبَد، ورسولٌ لا يُكذَّب، بل يُطاع ويُتَّبَع. ( صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ما جاد سحابٌ بوَدْقِه، وما رَعَدَ بعدَ بَرْقِه ) جمع بين الصلاة والسلام على رسول الله عملاً بقول الله تعالى: (( إنَّ الله وملائكته يُصَلُّون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صَلُّوا عليه وسلِّموا تسليماً ))، وروى البخاري معلَّقاً مجزوماً به عن أبي العالية أنه قال: صلاة الله ثناؤه عليه في الملأ الأعلى.
    وصلى وسلم على آله، واختُلِف في المراد بهم على أقوال، من أقواها: أنهم ذريته وأزواجه صلى الله عليه وسلم، وصلى وسلم على صحبِه، وهم الذين لَقُوه مؤمنين به وماتوا على الإسلام. وجمع بين الآل والصحب لفضل كلٍّ، ولم يقتصر على الآل مخالفةً للروافض، ولم يقتصر على الصحب مخالفةً للنواصب.
    وقوله: ( ما جاد سحابٌ بوَدْقِه، وما رَعَدَ بعدَ بَرْقِه ) أي: صلاة وسلاماً يتكرران كلما هطل مطر، أو أرعد رعد.
    ( أما بعدُ ) هذه كلمة يؤتى بها للفصل بين مقدِّمة ومقصود، وقد جاءت على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قال المصنِّف: ( فهذا كتابٌ في الفقه اختصرتُه حسب الإمكان ) والفقه هنا يقصد به العِلم المعروف اصطلاحاً، وهو معرفة الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية. والاختصارُ أن يقِل اللفظُ ويكثر معناه. (واقتصرتُ فيه على قولٍ واحد ليكون عُمدةً لقارئه، فلا يلتبس الصواب عليه باختلاف الوجوه والروايات) وهذا الأصل في طلبة العلم المبتدئين، أن يُعْنَوا بمختصَرٍ في كل فن يدرسونه، ولا ينتقلوا عنه إلى آخر أَوعب حتى يضبطوه على شيخ عارف بصير؛ فمن رام العلم جُملة ذهب عنه جملة، وقد اختار الإمام الموفَّق رحمه الله تعالى في كل مسألة يوردها قولاً في مذهب الإمام أحمد رحمه الله يعتمد عليه القارئ، وربما كان ذلك القولُ المختارُ خلافَ مشهورِ المذهب أحياناً كما سيأتي.
    -والرواية: أحد أقوالِ الإمام أحمد المرويةِ عنه نصاً في حكم مسألة ولو تنبيهاً .
    -والوَجْه: ما يخرّجه أصحابُ الإمام المجتهدون من حكمٍ على مسألةٍ وفق أُصول الإمام وقواعده أو إيمائه أو دليله أو تعليله؛ فتنسب إلى المذهب مع أنه لم ينص عليها ولا تكلم بها .
    ثم ذكر الموفق رحمه الله تعالى سبب تصنيفه هذا الكتاب بقوله: ( سألني بعضُ إخواني تلخيصَه ليقرب على المتعلمين، ويسهُلَ حفظُه على الطالِبين، فأجبته إلى ذلك معتمداً على الله سبحانه في إخلاص القصد لوجهه الكريم ) فالاعتماد على الله تعالى والتوكل عليه مما يُعان به العبد كما قال الله تعالى: (( وَمَن يتوكلْ على اللهِ فهو حَسْبُهُ )) أي كافِيهِ، وإخلاص القصد لله سبحانه شرطٌ لصحة الأعمال، ومن أجلِّها طلب العلم وتعليمه، وقد صحت الأخبار بالوعيد الشديد لمن قصد بذلك طلباً للشهرة والسمعة، نسأل الله السلامة والعافية. فعلى من وفقه الله تعالى لسلوك هذا الطريق أن يقْدُرَ المقام قَدْرَه، وأن يحرص غاية الحرص على تصحيح نيته وتصفيتها من كل شائبة. قال: ( وأودعتُه أحاديث صحيحة تبركاً بها واعتماداً عليها، وجعلتها من الصحاح لأستغنيَ عن نسبتها إليها ) ويقصد بالصحاح هنا كتب السُّنَّة الستة فيما يظهر، وفي هذا تساهل كما قال أئمة الحديث؛ إذ لا يصح إطلاق لفظ الصحاح على سنن أبي داود وجامع الترمذي وسنن النسائي وسنن ابن ماجه، لأنها حَوَت -مع الصحيح- الحسنَ والضعيف.


    قال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى في ألفيته:
    ومن عليها أطلق الصحيحا *** فقد أتى تساهلاً صريحـا


    نسأل الله تعالى أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، إنـه جوادٌ كريم.
    قال السبكي في فتاويه:
    وَالْعِلْمُ صَعْبٌ لَا يُنَالُ بِالْهُوَيْنَا، وَلَيْسَتْ كُلُّ الطِّبَاعِ تَقْبَلُهُ،
    بَلْ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَغِلُ عُمْرَهُ وَلَا يَنَالُ مِنْهُ شَيْئًا،
    وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُفْتَحُ عَلَيْهِ فِي مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ، وَهُوَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ.

  2. #2
    :: مشرف الملتقى الفقهي المتخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    جدة
    المؤهل
    ماجستير
    التخصص
    علوم
    المشاركات
    2,547
    شكر الله لكم
    86
    تم شكره 525 مرة في 252 مشاركة

    افتراضي

    ابتدأ المصنف بالكلام على العبادات؛ لأن العبادات هي أول ما يطالب به العبد, ثم لأنها تلزم أكثر المسلمين بخلاف المعاملات التي لا يحتاج إلى تعلُّم أحكامها غير المتعامل بها.
    وبدأ بالطهارة كغالب المصنفين في الفقه؛ لأن النصوص الشرعية قَدَّمَت الصلاةَ على غيرها من العبادات -وذلك بعد التوحيد-، ولماّ كانت الصلاة تشترط لها الطهارة، قدموا الشرط على المشروط، والكلام على الوسيلة مقدَّم على الكلام عن المقصد.

    س: لِـمَ ابتدأ المصنف في الكلام على الطهارة بـ( باب أحكام المياه ) ؟
    ج: لأن المياه هي الأصل في التطهير.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: (خُلِق الماء طهوراً) أي: أنه طاهر في نفسه مطهِّر لغيره؛ لحديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً : (إن الماء طَهورٌ لا ينجِّسه شيء)أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي. فالأصل أن الماء طهور لا ينجُس إلا إذا طرأ ما ينقله عن هذا الأصل.

    وقوله: (يطهِّر من الأحداث والنجاسات) ذاك أن الطهارة قسمان: طهارة من حَدَث، وطهارة من خَبَث.
    فالحَدَثُ : وصفٌ قائم بالبدن يمنع من الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة .
    والخَبَثُ : النجاسة، وهي عين مستقذرة شرعاً تمنع صحةَ الصلاة.
    فالطهارة هي : [ رفع الحدث , و إزالة الخبث ]
    *فائدة : الحدث أمر معنوي؛ لذا يعبَّر معه بالرفع، أما الخبث فأمر حسي؛ لذا يعبر معه بالإزالة.

    الماء الطهور: هو الباقي على أصل خلقته حقيقةً أو حُكمًا (1).
    ومن أمثلته: مياه الأمطار والآبار والعيون والبحار.

    وقول المصنف: ( ولا تحصُل الطهارةُ بمائعٍ غيره )
    يفيد أمرين:
    الأول : أنه لا يطهِّر من الأحداث إلا الماء الطهور, ولا تحصل الطهارة من الحَدَث بمائع غيره.
    الثاني : أنه لا يطهِّر من النجاسات إلا الماء الطهور، وهو مشهور المذهب وقول الجمهور.
    لكن, هناك رواية عن الإمام أحمد بحصول الطهارة من النجاسات بكل مائع طاهر، واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية.

    مسألة :
    1- أجمع الفقهاء على أن الماء الكثير -الذي يشق نزحه وإذا حرك طرفه لم يتحرك الطرف الآخر - طهور لا ينجس إلا بالتغير.
    2- أجمعوا - أيضاً - أن الماء إذا خالطته نجاسة فغيرت لونه أو طعمه أو ريحه نجس.

    * لكنّ الإشكال في الماء القليل الذي خالطته نجاسة فلم تغيره (لم تغير لونه أو طعمه أو ريحه) هل ينجس بمجرد ملاقاته النجاسة، أم أنه لا ينجس لعدم التغير ؟
    المشهور من مذهب الإمام أحمد : أن الماء القليل -وهو ما كان دون القلتين- إذا خالطته نجاسة فهو نجس وإن لم يتغير. والدليل : حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخَبَث)الخمسة، وفي رواية: ( لم ينجُس ). ومفهومُه أنه إذا لم يبلغ القلتين يتنجس.

    س: ما مقدار القلتين ؟
    ج: قال المصنف: (والقُلَّتان ما قاربَ مائة وثمانية أرطال بالدمشقي)
    وهما في الأوعية المكعبة: ذراع وربع طولاً وعرضاً وعمقاً، أي ستون سنتيمتراً طولاً وعرضاً وارتفاعاً.
    وفي المدورة: ذراع واحد، مع عمق ذراعين ونصف الذراع.
    وهما بالصاع : ثلاثة وتسعون صاعاً وثلاثة أرباع الصاع.

    تنبيه: اعتبار القلتين تقريب على المعتمد في المذهب، لا تحديد، فلو نقص قليلاً عن القلتين فهو في حكم الكثير.

    وفي رواية عن الإمام أحمد: أن الماء - قل أو كثر- لا ينجس إلا إذا تغير بالنجاسة وفاقاً للمالكية, واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الأقرب؛ لأن دلالة المفهوم في حديث القلتين ضعيفة لا تقوى على دلالة منطوق حديث أبي سعيد (2)، ويكون معناه بيان أن ما بلغ القلتين يدفع عن نفسه النجاسة فلا يتغير شيءٌ من أوصافه بوقوع النجاسة فيه لكثرته، وما كان دون ذلك فلم يتعرض له الحديث؛ إذ أنه لِقِلَّتِه قد تؤثر فيه النجاسة وتغيِّره (3). والله تعالى أعلم.

    مسألة : الماء الجاري لا ينجس بوقوع النجاسة فيه ولو كان قليلاً إلا إن تغير لونه أو طعمه أو ريحه؛ لحديث أبي سعيد. قالوا : لأن الماء الجاري له قوة يدفع بها التغير عن نفسه فإنه يدفع بعضه بعضاً. وهذه رواية في المذهب اختارها الموفق ابن قدامة.
    ومشهورُ المذهب: أن الجاري كالراكد.

    أقسام المياه :
    الماء ثلاثـة أقسام : طهـور، وطاهـر، ونجـس.
    هذا على المشهور عند الحنابلة، وهو مذهب الجمهور.

    واختلف العلماء في القسم الثاني، فأثبت الجمهورُ وجودَ قسمٍ للماء طاهرٍ في نفسه ولكنه لا يصلح للتطهير، واستدلوا بما يلي:
    1-حديث أبي هريرة أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء , فإن توضأنا به عطشنا, أفنتوضأ به ؟ قال : ( هو الطهور ماؤه، الحِل ميتته ) الخمسة، وصححه نجوم الأرض من أهل الحديث.
    قالوا : بما أنه من المعلوم أن ماء البحر ليس بنجس , فالصحابة مترددون بين كونه يطهِّر(طهوراً) أو لا يطهّر(طاهراً).. وهو المثبَت. فدل ذلك على أنه قد استقر في أذهانهم وجود ماء طاهر غير طهور.
    2-حديث النهي عن الاغتسال في الماء الراكد, وحديث النهي عن غمس اليد في الإناء قبل غسلها ثلاثاً عند الاستيقاظ من نوم الليل.
    ووجه الاستدلال : أن هذه المياه مع كونها ليست نجسة فقد ورد النهي عن التطهر منها, فكونه يوجد ماءٌ ليس بنجس ولا يمكن التطهر منه فهو الطاهر إذاً.
    3-من النظر : أن الماء لا يخلو إما أن يجوز الوضوء به أو لا، فإن جاز فهو الطهور، وإن لم يَجُز فلا يخلو إما أن يجوز شربه واستعماله أو لا، فإن جاز فهو الطاهر، وإلا فهو النجس.

    - وهناك رواية عن أحمد, واختارها شيخ الإسلام أن الماء قسمان : طهور, ونجس . وقال: إثبات قسم طاهر غير مطهر لا أصل له في الكتاب والسنة .
    وردوا قول الجمهور: بأن حديث أبي سعيد أثبت طهورية الماء وأنه لا ينجسه شيء, فالماء إذاً باقٍ على طهوريته لا يخرج منها إلا بإجماع, وهذا لا يكون إلا بتغيره بنجاسة. واستدلوا بما رواه أحمد والنسائي وابن ماجه من اغتسال النبي صلى الله عليه وسلم من قصعة بها أثر العجين مع ميمونة رضي الله عنها.
    وأما ما استدل به الجمهور من استقرار وجود قسم للماء طاهر غير مطهر في أذهان الصحابة فغير مسلَّم، وأحاديث النهي المذكورة لم تتعرض لذكر طهورية الماء ولا لنجاسته، وأما دليل النظر فإنه يعكِّر عليه أن الماء المغصوب مثلاً لا يجوز شربه ولا التطهر به مع أنه ماءٌ طهورٌ. والله تعالى أعلم.

    س: ما هو الماء الطاهر عند الحنابلة؟
    ج: هو على نوعين رئيسين:
    أحدهما: كل ماء طُبِخ فيه شيء طاهر أو خالطه فغلب على اسمه، كالمرق وماء الورد والزعفران.
    والثـاني: كل ماء -دون القلتين- استُعمِل في رفع حدث.
    ومما استدلوا به على أن الماء المنفصل عن أعضاء رافع الحَدَث طاهر غيرُ مطهِّر حديثُ أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا يغتسلْ أحدكم في الماء الدائم وهو جُنُب) مسلم. ولولا أن رفع الجنابة يفيد سلب الماء طهوريته لم ينهَ عنه.
    وعند أحمد رواية بأنه طهور لا يكره , واختارها شيخ الإسلام وغيره من أكابر الحنابلة (4).

    قال المصنف: ( وإذا شك في طهارةِ شيءٍ أو نجاسته بنى علي اليقين )
    قال شيخ الإسلام في "شرح العمدة"(1/83): (فإن تيقن طهارته ثم شك هل تنجس أم لا بنى على ما تيقنه من طهارته، وكذلك إذا تيقن النجاسة، وكذلك البدن والثوب والأرض وجميع الأعيان، وهذه قاعدة مهمة في الشرع وهي استصحاب الحال المعلومة واطراح الشك).

    قال المصنف: ( وإن خفي موضع النجاسة من الثوب غسل ما يتيقن به غسلها) وإزالتها؛ فإن تيقن مثلاً أن النجاسة قد أصابت أحدَ كُمَّي الثوب، ولم يتبين له أيهما المتنجس؛ فإن عليه غسلهما كليهما ليحصل له اليقين أن النجاسة قد أزيلت.

    قال: ( وإن اشتبه ماء طهور بنجس ولم يجد غيرهما تيمم وتركهما ) لأنه اشتبه المباح بالمحظور فيما لا تبيحه الضرورة، وهذا إنما يكون إذا لم يتمكن من تطهير النجس بالطهور.
    ( وإن اشتبه طهور بطاهر توضأ من كل واحد منهما ), إن شاء توضأ من كل واحد منهما وضوءاً كاملاً، وإن شاء غسل كل عضو بأخذ غرفة من هذا وغرفة من هذا؛ ليحصل اليقين أنه قد توضأ بالطهور.

    قال: ( وإن اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة صلى في كل ثوب بعدد النجس وزاد صلاة ) فإن كان له على سبيل المثال أربعةُ أثواب أحدها نجس، لكنه لم يستطع تمييزه؛ فإنه يصلي في ثوبين منها ليحصل له اليقين أنه صلى في ثوبٍ طاهرٍ صلاة. هذا هو المذهب، والصوابُ: أن يتحرى بالنظر في القرائن. هذا إن لم يكن عنده ثوب طاهر بيقين. والله أعلم.

    •النجاسة أنواع :
    نجاسة الكلب من ريقٍ أو عَرَقٍ أو بولٍ أو رَوثٍ أو دمٍ أو غيرها: تُغسَل سبعاً أولاهن بالتراب.
    لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا وَلَغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً )متفق عليه، ولمسلم: ( طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب ) (5).
    ـ وألحقوا بالكلب الخنزير , قالوا : لأنه شر من الكلب وأخبث، وقد نص القرآن على رجسيته.
    والصحيح: أنه لا يلحق بالكلب؛ إذ لو كان الحكم يشمله لبينه الشارع ونص عليه؛ لوجوده زمن التشريع.

    النجاسة على الأرض: يكفي أن يُصَب عليها الماء صبة واحدة تُذهِب عين النجاسة وأثرها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في بول الأعرابي : ( صُبُّوا على بوله ذَنوباً من ماء ) متفق عليه.

    سائر النجاسات على غير الأرض : ذكر المصنف أنها تُغسل ثلاثاً مُنقِية، وهذا من اختياراته في المذهب؛ لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يَغمِس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده ) مسلم. فإذا وجب تثليث غسل اليد بوهم النجاسة، فإنه لا بد من التثليث لإزالة حقيقة النجاسة. والمشهور عند الحنابلة: أنه لا بد من سبع غسلات إلحاقاً بنجاسة الكلب، مع استدلالهم بأثر ضعيف لا أصل له: أن ابن عمر قال: أُمِرنا بغسل الأنجاس سبعاً.
    والأظهر والله أعلم: أنه لا يشترط لذلك عدد، وهي رواية في المذهب ، بل يجزئ مكاثرتها بالماء بحيث تزول عين النجاسة ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أصاب إحداكن دم الحيضة فلتقرصه، ثم لتنضحه بماء، ثم لتصلِّ فيه ) البخاري. وأما القول بالتثليث؛ فإن الحديث الذي استدلوا به جاء في صحيح البخاري بدون ذكر التثليث، ثم إن هذا الغَسل ليس بواجب على الصحيح خلافاً لمشهور الحنابلة؛ لأن الأمر به في الحديث معلَّل بوهم النجاسة، ولا يجب غسل ما كان متوهم التنجس، ولأنه داخلٌ في باب الآداب.

    بول الغلام ( دون الجارية ) الذي لم يأكل الطعام: يكفي فيه النَّضْح(6) ؛ لحديث أم قيس بنت محصن أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجلسه في حجره فبال في ثوبه , فدعا بماء فنضخه ولم يغسله . متفق عليه.

    نجاسة المَذْي (7): يكفي فيها النضْح، ويعفى عن يسيره؛ لمشقة التحرز منه -على ما اختاره المصنف وهو اختيار ابن تيمية أيضاً، ومعتمدُ المذهب: وجوب غسله، وعدم العفو عن شيء منه، كالبول. فعن علي قال: كنتُ رجلاً مذّاءً فاستحييتُ أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرتُ المقداد فسأله، فقال: (يغسِل ذَكَره ويتوضأ) متفق عليه.

    ويعفى عن يسير الدم , فإن الدم نجس عند جماهير الأمة، بل حُكِي الإجماع عليه (8).
    ويسير الدم: هو مالا يفحُش في النفس، وفي رواية: ما لا يفحش عند أوساط الناس؛ فلا عبرة بالمتبذلين كالقُصَّاب ولا المتقززين كالموسوسين ومَن تنفر نفوسهم من قطرة دم.

    قال المصنف: ( ومنيُّ الآدمي وبولُ ما يؤكَل لحمه طاهر )
    فالمني من الآدمي طاهر، ولو قلنا بنجاسته لاستلزم ذلك نجاسة الآدمي، ومما يعضد القول بطهارته ما رواه مسلم وغيره أن عائشة رضي الله عنها قالت: كنتُ أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصلي فيه. (قلت): ولو كان نَجِسًا لَمَا أَجْزَأَ فَرْكُه.

    و بول وروث ما يؤكل لحمه طاهر، ومن الأدلة على ذلك:
    • تجويز الصلاة في مرابض الغنم ولا يَسلَمُ المصلي فيها غالباً من مباشرة أبوالها وأرواثها .
    • أمر النبي صلى الله عليه وسلم العُرَنِيِّين بالشرب من أبوال إبل الصدقة وألبانها، ولم يأمرهم بغسل أفواههم وما يصيبهم منها، ولم يبين لهم أدنى بيان يقضي بنجاستها، فتبقَى على الأصل.
    • طواف النبي صلى الله عليه وسلم حول الكعبة راكباً على البعير, وذلك مظنة أن يلوِّث المسجد حال الطواف, وكان الأعرابي يُدخِل بعيره المسجد ولا يُنهَى، فدل على طهارة ذلك .

    -----
    ( 1 ) ونقصد بقولنا (حكمًا): أنه حصل له تغير، لكنه لم يسلبه طهوريته. مثل : الماء الذي تغير بمخالِطٍ طاهر يشق صون الماء عنه كطحلب.
    ( 2 ) ويسمى هذا المفهوم: مفهوم المخالفة، وهو حُجَّة إلا إذا كان السياق يأباه، وقد احتج به الجمهور إلا في أحوال معدودة، فلتُراجَع.
    ( 3 ) وفرّق الحنابلة -في رواية بالمذهب- بين بول الآدمي وعذرته المائعة وبين سائر النجاسات؛ معتبرين ما وقعت فيه عذرة الآدمي أو بوله من المياه نجساً سواء كان قليلاً أو كثيراً إلا إذا كان يشق نزحه فلا ينجس إلا بالتغير. مستدلين بحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يبولنَّ أحدُكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه)متفق عليه، وهو خاص في البول، ومثله العذرة، لكنه يشمل القليل والكثير.. وحملوا خبر القُلَّتين على بقية النجاسات. ولكنَّ المعتمَد في المذهب ما أثبتناه أعلاه. انظر الإنصاف(1/60)، وكشاف القناع(1/40).
    ( 4 ) وهو الأظهر؛ لأن ما غلب على اسمه مخالِطٌ، وهو النوع الأول، قد انتقل عن مسمى الماء إلى غيره فلا يكون حينئذ من أقسام المياه، وأما حديث أبي هريرة فالنهي فيه لئلا يقذِّرَ الماءَ الدائم، والأصل بقاء ما كان على ما كان.
    ( 5 ) الولوغ: أن يشرب بطرف لسانه، وقيل: بل أن يُدخِل لسانه في الماء شرب أم لم يشرب.
    ( 6 ) والنضح : غمر المحل بالماء وإن لم يَسِل منه شيء.
    ( 7 ) المذي بالتخفيف والتشديد: هو سائل أبيض رقيق يخرج من القُبُل عند اشتداد الشهوة بفِكر أو نظر أو ضم أو تقبيل أو مداعبة، ويخرج بلا دفق، ولا يعقبه فتور، وقد لا يحس بخروجه، أما المني فهو الماء الدافق الخارج من القُبُل، والذي تشتد الشهوة عند خروجه، ويفتر البدن بعده. وهو أبيض غليظ من الرجُل وله رائحة كطلع النخل أو العجين، وأصفر رقيق من المرأة ورائحته كبيض منتن.
    ( 8 ) والإجماع دليل قائم بذاته، ولا يُعرَف خلاف صريح ثابت عن قائله في ذلك إلا بعد المائة الثانية عشرة، واستدل بعض المتأخرين على طهارته بما لا دليل فيه لمكان الضرورة، وغير ذلك.
    قال السبكي في فتاويه:
    وَالْعِلْمُ صَعْبٌ لَا يُنَالُ بِالْهُوَيْنَا، وَلَيْسَتْ كُلُّ الطِّبَاعِ تَقْبَلُهُ،
    بَلْ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَغِلُ عُمْرَهُ وَلَا يَنَالُ مِنْهُ شَيْئًا،
    وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُفْتَحُ عَلَيْهِ فِي مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ، وَهُوَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ.

  3. #3
    :: عضو مؤسس ::
    تاريخ التسجيل
    Jun 2008
    الدولة
    الإمارات
    المدينة
    أبوظبي
    المؤهل
    معد لرسالة الدكتوراه
    التخصص
    الحديث وعلومه
    المشاركات
    1,581
    شكر الله لكم
    10
    تم شكره 265 مرة في 147 مشاركة

    افتراضي

    هذه بواكير بركة وإشراقة خير .. واصل وصلك الله بطاعته فإنا متابعون ..
    ومن أراد حق الاستفادة من هذا الشرح فليحفظ مسائله ..
    ونظمها تراه في المرفقات ..
    الملفات المرفقة الملفات المرفقة

  4. #4
    :: مشارك ::
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    الدولة
    مصر
    المدينة
    الثغر الإسكندري
    المؤهل
    دبلوم
    التخصص
    طويلب علم مبتديء
    المشاركات
    213
    شكر الله لكم
    30
    تم شكره 87 مرة في 39 مشاركة

    افتراضي

    أحسن الله إليكم شيخنا ونفعنا بعلمكم
    وإني أحبكم في الله كثيرا
    فلكم مني خالص التحية والتقدير


  5. #5
    :: متـابـــع ::
    تاريخ التسجيل
    Apr 2010
    الدولة
    مصر
    المدينة
    الشرقية
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    لغة إنجليزية
    المشاركات
    4
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 0 مرة في 0 مشاركة

    افتراضي

    جزاكم الله خيرا شيخنا الحبيب أبا بكر ، وأسأل الله عز وجل أن يرفع قدرك وأن ينفع بك وأن يرزقك جنته سبحانه وتعالى ولا تنسانا من صالح دعائكم . أخوكم أبو سفيــــــــــان.

  6. #6
    :: مشرف الملتقى الفقهي المتخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    جدة
    المؤهل
    ماجستير
    التخصص
    علوم
    المشاركات
    2,547
    شكر الله لكم
    86
    تم شكره 525 مرة في 252 مشاركة

    افتراضي

    باب (الآنيـة)

    تعريف الآنية: جمع إناء وهو الوعاء. وجمع الآنية: الأواني .

    قاعدة :
    ( الأصل في الأشياء الإباحة ) .
    قال الله تعالى : (( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً )), وقال تعالى : (( قل مَن حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق )), وقال تعالى : (( وقد فصَّل لكم ما حَرَّمَ عليكم )) .

    = فيباح استعمال كل إناء طاهر إلا ما ورد النص بتحريمه, وهو [ إناء الذهب و الفضة ] .
    ودليل تحريم الأكل والشرب فيهما حديث حذيفة مرفوعاً : ( لا تلبسوا الحرير ولا الديباج ولا تشربوا في آنية الذهب ولا الفضة ولا تأكلوا في صحافها, فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة ) متفق عليه.
    وحديث أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم ) متفق عليه.

    * لاحظ أن الحديث نص على الأكل والشرب. فما الحكم في سائر الاستعمالات -سوى الأكل والشرب- كالتطهر والتطيب والاكتحال واتخاذ الأقلام ونحوه ذلك ؟

    مذهب جماهير أهل العلم أن التحريم يشمل جميع وجوه الاستعمالات
    وقالوا : إن النص خرج مخرج الغالب, أو أنه تنبيه بالأعلى على الأدنى؛ فالأكل والشرب يحتاج إليهما أكثر من غيرهما, ومع ذلك حرمهما فيها , فكان غيرهما محرماً من باب أولى (1).
    وقالوا أيضاً : إن العلة من تحريم الأكل والشرب فيهما, موجودة في الاستعمال أيضاً، وآخِر حديث حذيفة مُشعِرٌ بذلك؛ لذا قال الشيخ الموفق:
    ( لا يجوز استعمال آنية الذهب والفضة في طهارة ولا غيرها ).

    *مسألة :
    التحريم لاستعمال آنية الذهب والفضة يشمل الرجال والنساء؛ لعموم الأخبار وعدم المخصص.

    * مسألة :
    كل ما حَرُم استعماله مطلقاً حَرُم اتخاذه على هيئة الاستعمال.
    س: ما الفرق بين " الاستعمال " و " الاتخاذ " ؟
    ج: الاستعمال يعني التلبس بالانتفاع بالشيء , أما الاتخاذ فهو مجرد الاقتناء دون الانتفاع كزينة أو غير ذلك .

    تنبيه :
    يدخل في آنية الذهب والفضة ما كان مموَّهاً أو مطعَّماً أو مطلياً بهما أو بأحدهما, وكذلك المضبَّب إلا ما ورد النص بجوازه , وهو : [ الضبة اليسيرة (2) من الفضة لحاجة ].
    فيخرِج ما كان لزينة، وتخرُج الضبة من الذهب، كما قال القائل:
    وضَبَّةُ العَسْجَدِ حَرِّم مطلقا *** كـذا الإمامُ النوويُّ حَقَّقا

    فعن أنس أن قَدَح النبي صلى الله عليه وسلم انكسر, فاتخذ مكان الشَّعْب سلسلة من فضة. البخاري


    وقول المصنف: ( ويجوز استعمال سائر الآنية الطاهرة ) أي: ولو كانت ثمينة على المشهور.

    مسألة : ما حكم آنية الكفار وثيابهم ؟
    المشهور من مذهب الحنابلة : أنه يباح استعمالها ما لم تعلم نجاستها ..
    - وهناك رواية في المذهب : أنه يجب غسل أواني من لا تحل ذبيحته من المشركين كالمجوس, بخلاف أواني أهل الكتاب فلا يجب غسلها ما لم تعلم نجاستها، وهو ما ذكره الموفق هنا .

    ودليل الإباحة :
    - ما جاء في الصحيحين من حديث عمران بن الحصين أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه شربوا من مزادة مشركة.
    - وما جاء من أكل النبي صلى الله عليه وسلم في آنية اليهود .
    - ولأن الأصل في أواني المشركين الطهارة والإباحة حتى يدل الدليل على نجاستها أو منعها .

    أما حديث أبي ثعلبة الخُشَني وفيه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا بأرض قوم أهل كتاب , أفنأكل في آنيتهم ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : ( إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها, وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها ) متفق عليه.
    فالجواب عنه من أحد وجهين :
    الأول : أن النهي محمول على الكراهية لا التحريم .
    الثاني : أن ذلك خاص بقوم يستعملون النجاسات في أوانيهم كما ورد في بعض روايات للحديث، فيكون ما استعملوه نجساً بخلاف ما لم يستعملوه .

    قال المصنف : ( وصوف الميتة وشعرها طاهر )
    يُفهَم من هذا أنها خارجة عن أصل, وهو تحريم ونجاسة الميتة, ويدخل في ذلك عظمها، وفاقاً للجمهور؛ لأنه من أجزائها وتحله الحياة : (( قال من يحيي العظام وهي رميم ))، ودليل حياتها : أنها تحس وتتألم. واختار شيخ الإسلام طهارة عظمها وفاقاً للأحناف، والمذهبُ الأول.

    أما الصوف والشعر والوبر, فالمشهور من المذهب أنه طاهر من الحيوان الطاهر حال حياته,
    أما إذا كان الحيوان نجساً حال حياته فنجسة. وقد قال تعالى: (( ومن أصوافِها وأوبارِها وأشعارِها أثاثاً ومتاعاً إلى حين )) ولم تفرِّق الآية بين المذكاة والميتة, فدل على إباحتها وطهارتها في الجميع، كما أن الفرق بينها وبين أعضاء الميتة ظاهر؛ فإنها لو قُطِعَت منها حال حياتها فإنها طاهرة إجماعاً بخلاف ما لو قُطِع عضوٌ منها حال الحياة فحكمه حكمُ الميتة، فدل ذلك على أنها تخالف حكم الميتة في التحريم. والله تعالى أعلم.

    مسألة :
    ما حكم الآنية المتخذة من جلود الميتات ؟
    المذهب : أن اتخاذها لا يجوز وأنها نجسة ولو دُبِغت تلك الجلود, وهناك رواية في المذهب – قيل : إنها آخر الروايات عن الإمام وهي التي رجع إليها – وهو مذهب الجمهور واختيار شيخ الإسلام: أن جلد الميتة يطهر بالدباغ (3) .
    - ودليل مشهور المذهب : حديث عبد الله بن عُكَيم قال : أتانا كتاب النبي صلى الله عليه وسلم وأنا غلام ( أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عَصَب )أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم.

    وقد أجاب الجمهور عن الحديث بعدة أجوبة , أشهرها :
    1- ضعف حديث عبدالله بن عكيم هذا؛ فقد أُعِلَّ بالإرسال والاضطراب والجهالة.
    2- لو صح الحديث, فإن معنى الإهاب: الجلد قبل أن يُدبغ كما قال جمعٌ من أئمة اللغة، أما بعد الدبغ فيجوز الانتفاع به.
    ويؤيد قول الجمهور, والرواية الموافقة لهم عن أحمد:
    حديث ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إذا دُبِغ الإهاب فقد طَهُر ) مسلم. فهو الراجح إن شاء الله تعالى.

    *مسألة :
    هل يشمل ذلك كل الجلود، حتى جلود السباع وجلد الكلب والخنزير؟
    دل حديث ابن عباس على أن جلد الميتة نجس وأن الدباغ يطهره، وبقي النظر في هذا العموم: هل جاء ما يُخصِّصه؟!.
    والأظهر في ذلك: أن الدباغ إنما يطهِّر جلد ما كان طاهراً حال حياته، وأما ما كان نجساً حال حياته فلا يطهِّره الدباغ، وهي رواية في المذهب رجحها شيخ الإسلام في أحد قوليه (4).

    قال المصنف: ( كل ميتة نجسة إلا الآدمي ) فإنه لا ينجس بالموت. وقوله : ( وحيوان الماء الذي لا يعيش إلا فيه )
    أي فإنه طاهر حلال؛ لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن البحر: ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته )الأربعة.

    مسألة : ما لا نفس له سائلة -أي: ما ليس له دم من شأنه أن يسيل- من الحشرات طاهر (كالذباب والبعوض والقمل والبراغيث) ما لم يكن متولداً من النجاسات؛
    لأن النبي أمر بغمس الذباب في الإناء إذا وقع فيه. البخاري.

    فالأصل في الميتة أنها نجسة، إلا ما استثناه، وهو: ميتة الآدمي، وميتة البحر، وميتة ما لا نفس له سائلة من الحشرات.
    -----
    ( 1 ) ونظير ذلك قول الله تعالى: (( لا تأكلوا الربا ))، ولا قائل بقصر النهي على الأكل دون غيره، وقوله صلى الله عليه وسلم : (فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة) مُشعِرٌ بالمنع منها مطلقاً، والعلة واحدة في جميع وجوه الاستعمال.
    ( 2 ) عُرفـاً، على القول الصحيح.
    ( 3 ) الدباغ: معالجة جلد الحيوان بمادة ليزول ما به من رطوبات ونتـن.
    ( 4 ) قلت: ويعضد هذا أن الحياة إذا لم تكن سبباً لطهارة الحيوان، فالدباغ من باب أولى، والنجاسة اللازمة لا تزول بالمعالجة. والله أعلم.
    قال السبكي في فتاويه:
    وَالْعِلْمُ صَعْبٌ لَا يُنَالُ بِالْهُوَيْنَا، وَلَيْسَتْ كُلُّ الطِّبَاعِ تَقْبَلُهُ،
    بَلْ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَغِلُ عُمْرَهُ وَلَا يَنَالُ مِنْهُ شَيْئًا،
    وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُفْتَحُ عَلَيْهِ فِي مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ، وَهُوَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ.

  7. #7
    :: مشرف الملتقى الفقهي المتخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    جدة
    المؤهل
    ماجستير
    التخصص
    علوم
    المشاركات
    2,547
    شكر الله لكم
    86
    تم شكره 525 مرة في 252 مشاركة

    افتراضي

    باب ( قضاء الحاجة )

    ويسمى باب الاستنجاء والاستجمار، وباب الاستطابة، وباب آداب التخلي.
    والاستنجاء: إزالة خارجٍ من سبيلٍ بماء.

    قال المصنف : ( يستحب لمن أراد دخول الخلاء أن يقول: بسم الله، أعوذ بالله من الخُبث والخبائث )
    فرّق بعض العلماء بين لفظتي ( يستحب ) و( يُسَن ) بأن المستحب ما ثبت بتعليل ولم يثبت بنص .
    لكنه هنا جعلهما مترادفين، وهو صنيع كثير من أهل العلم، فمراده بالاستحباب هنا: السنة. وثمرة السنة: أن يثاب فاعلها امتثالاً ولا يعاقب تاركها.
    كما قيل: والسنةُ المثابُ من قد فَعَلَهْ *** ولم يعاقَبِ امرؤٌ قد أهملهْ .
    قال النووي في شرح مسلم: ( والخَلاء والكَنِيف والمِرْحاض كلها موضع قضاء الحاجة ).

    وقوله : (بِسْمِ اللَّهِ) لحديث علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( سَتْر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدهم الكنيف أن يقول : بسم الله ) أحمد والترمذي وابن ماجه، وحسنه بعض أهل العلم بشواهده.

    ( اللهم إني أعوذ بك من الخُبث والخبائث ) هكذا جاء في الصحيحين من حديث أنس بهذا اللفظ .. وأما اللفظ الذي ذكره المصنف رحمه الله تعالى بتمامه فملفَّق من عدة أحاديث.
    - والخُبْث (بتسكين الباء): الشر والفعل الخبيث، فتكون الخبائث : أهل الشر من الشياطين وغيرهم (1).
    - وأما الخُبُث (بضم الباء): ذكران الشياطين، فتكون الخبائث: إناثهم.

    قوله : ( ومن الرجس النجس الشيطان الرجيم ) من حديث ضعيف عند ابن ماجه.
    - وإذا خرج قال : ( غُفْرانك ) صحيح، وهذا من حديث عائشة رضي الله عنها عند أبي داود الترمذي وابن ماجه..أما قول: ( الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني ) فمستنده حديث ضعيف عند ابن ماجه.

    فإن قيل: ما سِرُّ استغفار النبي صلى الله عليه وسلم بعد قضاء حاجته وخروجه من الخلاء ؟
    فالجواب أنه قد قيل في ذلك: إنه لما كان صلى الله عليه وسلم يذكر ربه على كل أحيانه وانقطع عن الذكر في تلك الفترة لقضاء الحاجة: استغفر الله مما حصل من نقص يراه من نفسه.
    وقيل : إنه لما خرج الثقل الحسي عنه تذكر الثقل المعنوي ( الذنوب ) فاستغفر.
    وقيل : هو استغفار من التقصير في شكر نعمة الطعام والشراب وتيسير خروجهما.
    وقيل : لأن الخلاء مظنة الغفلة والوسواس فاستحب الاستغفار عقيبه.

    ( ويقدم رجله اليسرى في الدخول للخلاء ، واليمنى في الخروج )
    والقاعدة : أن ما كان من باب باب إزالة الأذى ونحوه فيبدأ فيه باليسرى، وأما البُداءة باليمنى ففيما سوى ذلك.

    مسألة : يكره أن يدخل الخلاء بشيء فيه ذكر الله تعالى ، ويكره أن يذكر الله تعالى أثناء قضاء الحاجة(2)، وهذا من باب التأدب فقط وهو أدبٌ حَسَن.. وإلا فإنه لم يصح حديث صريح في كراهة ذلك. أما المصحف فيحرم أن يدخله الخلاء.

    مسألة : الاعتماد حال الجلوس لقضاء الحاجة على الرجل اليسرى استحبه بعض الفقهاء ، وعللوا بأن ذلك الاعتماد يسهِّل خروج الخارج.. لكنّ حديثه الذي عند البيهقي وابن أبي شيبة ضعيف.

    مسألة : ويسن الابتعاد عن الناس؛ لفعل النبي صلى الله عليه وسلم .
    ويجب أن يستر عورته عنهم؛ لأن ذلك من حفظ الفرج. فعن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة ) الحديث .. مسلم. قال الإمام النووي في "المجموع شرح المهذب" : ( ستر العورة عن العيون واجب بالإجماع ).

    مسألة : (ويرتاد لبوله موضعاً رخواً)؛ حتى يأمن رشاش البول، وقد جاء التحذير من عدم الاستبراء من البول والترهيب من ذلك.

    مسألة : يكره أن يبول في ثقب أو شَقٍّ؛ لما في ذلك من التعرض لأذى بعض الهوام، وقد يفزعه شيء فيتلوث بالنجاسة.
    - وقد قيل : إنها – أي الشقوق – مساكن الجن، وذكروا قصة سعد بن عبادة عند الطبراني والحاكم، وقتل الجن إياه. وقد ضعفها جماعة وحسنها آخرون.

    مسألة : حكم التخلي في طريق الناس أو ظلهم النافع أو تحت شجرة مثمرة : يحرم ذلك، لحديث أبي هريرة مرفوعاً: ( اتقوا اللعّانين ) قالوا : وما اللعّانان يا رسول الله ؟ قال : (الذي يتخلى في طريق الناس، أو في ظلهم) مسلم . وفي المذهب رواية أخرى بالكراهة.

    قال رحمه الله: ( ولا يستقبل شمساً ولا قمراً ).
    ولا يصح الحديث الوارد في النهي عن استقبالهما، وما ذكروه من تعليلات لذلك فيها نظر.
    فالصحيح عدم كراهة استقبالهما حال قضاء الحاجة قال ابن القيم في "مفتاح دار السعادة" ( 2/205) : ( لم ينقَل عنه -صلى الله عليه وسلم- في ذلك كلمةٌ واحدة ).

    مسألة : حكم استقبال القبلة أو استدبارها حال قضاء الحاجة :- وفيه أقوال العلماء:
    - فالمذهب : أنه حرام في الفضاء ، جائز في البنيان - وهو قول الجمهور .
    - وفي رواية : أنه حرام مطلقاً - وهو اختيار ابن تيمية، وفاقاً للحنفية.

    الأدلة : عن أبي أيوب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها ، ولكن شرِّقوا أو غربوا ) (3) قال أبو أيوب : فقدِمنا الشام فوجدنا مراحيض بنيت نحو الكعبة، فننحرف عنها ونستغفر الله .متفق عليه . وهناك أحاديث أُخَر قد وردت في النهي عن ذلك ولم تفرق بين البنيان والصحراء .. إلا أنه قد جاء عن ابن عمر أنه قال : رقيت يوماً على بيت حفصة، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة. متفق عليه.
    فلهذا قال الجمهور بالتفريق في الحكم بين الصحراء والبنيان جمعاً بين الأحاديث.

    أما من قال بالتحريم مطلقاً ، فقد أجاب عن حديث ابن عمر بأجوبة، منها :
    1- أن حديث ابن عمر فعلي، وأحاديث النهي المطلقة قولية: [ والقول مقدم على الفعل عند تعذر الجمع ]؛ لأن الفعل يعتريه ما يعتريه من احتمال العذر أو النسيان أو كونه خاصاً به صلى الله عليه وسلم. فلا يقوى على الدليل القولي الموجه لعامة الأمة وليس فيه استثناء.
    2- أنه يحتمل النسخ، فقد يكون قبل النهي .
    ومن العلماء من جمع بين الأحاديث بأن الاستقبال والاستدبار للقبلة حال قضاء الحاجة مكروه وليس محرماً؛ ففِعل النبي صلى الله عليه وسلم لذلك من باب بيان الجواز وعدم التحريم .. فيكون النهي -عندهم- لكراهة التنزيه فقط، وفيه نظر؛ إذ أن فعله صلى الله عليه وسلم هنا ليس فيه قصدُ بيانٍ لاستتاره عن الناس، والأصل عدم اطلاع أحد على ذلك الفعل. والله أعلم.

    قال المصنف: ( وإذا انقطع البول مسح من أصل ذكره إلى رأسه ثم ينـتره ثلاثاً )
    ونتـر الذَّكَر: هو اجتذابه بشدة لاستخراج بقية البول فيه، والصحيح: عدم مشروعية ذلك، فإنه لا يصح فيه حديث وهو من التكلف الذي قد يورث السلس، ويكفيه أن يمكث قليلاً بعد البول حتى ينقطع أثره ثم يستنجي. إلا إن احتاج إلى ذلك لعلةٍ به فيلزمه ليستبرئ من البول.

    قال المصنف : ( ولا يمس ذكره بيمينه ، ولا يتمسح بها )
    أي : أن ذلك مكروه؛ لحديث أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا بال أحدُكم فلا يأخذن ذكره بيمينه، ولا يستنجي بيمينه ) الحديث.. متفق عليه .
    ولحديث سلمان مع اليهودي، وذَكَر فيه نهي النبي صلى الله عليه وسلم أمته عن الاستنجاء باليمين.
    وهل النهي عن مس الذكر باليمين حال البول فقط، أو هو نهي مطلق ؟ قولان لأهل العلم رحمهم الله، والمعتمد في المذهب: الثاني؛ لأنه إذا نهي عن مسه حال احتياجه لذلك، فغيرها من باب أولى .

    قال : ( ثم يستجمر وتراً ) استحباباً؛ فيقطع استجماره على وتر بعد حصول الإنقاء الواجب(4) ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( ومن استجمر فليوتر ) متفق عليه.
    فلو أنقى بثلاث كفاه ذلك ولم تستحب له الزيادة، وإن أنقى بأربع – قلنا : زد خامسةً لتتحصل الإيتار المستحب .
    إلا أن أقل الإيتار الواجب ثلاث هنا، فلا بد من ثلاثة أحجار أو ثلاث مسحات منقية على الأقل؛ لحديث سلمان : ونهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار..

    مسألة : قال المصنف رحمه الله: ( فإن اقتصر على الاستجمار أجزأه، وإنما يجزئ الاستجمار إذا لم يتَعَـدَّ الخارجُ موضع العادة ) فإن تعدى الخارج موضع العادة بأن انتشر البول على فخذه مثلاً أو أصاب الغائطُ الصفحتين لزمه الاستنجاء بالماء للمتعدي فقط؛ لأن الاستجمار رخصة، والرخصة لا تتعدى محلها.

    فعلى هذا يقال : إن إزالة الخارج على ثلاث مراتب:
    1- أن يكون بالحجارة ، ثم يتبعها بالماء – وهو أفضلها على الصحيح.
    2- أن يكون بالماء فقط – وهو أفضل من الثالثة التالية .
    3- أن يقتصر على الحجارة .

    *شروط ما يستجمر به :
    • أن يكون طاهراً.
    • أن يكون منقياً.
    • أن يكون مباحاً.
    • أن يكون غير محترم.
    - ولا يجزئ الاستجمار بروث ولا عظم لما في صحيح مسلم من حديث سلمان : لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين أو أن نستنجي برَجِيعٍ أو عظم؛ ولأنهما زاد إخواننا من الجن كما جاء في الصحيح، ويضاف إلى ذلك نجاسة روث ما لا يؤكل لحمُه فقد جاء ابن مسعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم بروثة ليستجمر بها فألقاها وقال: ( هذا رِكْس ) البخاري. وفي صحيح ابن خزيمة أنها روثة حمار.. وقد قدَّمنا اشتراط طهارة ما يُستجمَر به.

    * فائدة مهمة :
    الراجح : أن الاستنجاء لا يلزم، بل ولا يشرع، إلا من خارج نجس ملوِّث. فلا يستنجى من الريح، وحكى النووي الإجماع على عدم وجوب الاستنجاء منه، بل صرح جماعة من الفقهاء بأنه بدعة، وكرهه آخرون. وكذلك الاستنجاء من الحصاة أو البعرة الجافة إذا خرجت من المخرج ليس بواجب. وأما المذهب؛ فقد قال الشيخ الموفق في "المُقنِع": ( ويجب الاستنجاء من كل خارجٍ إلا الريح ).
    -----
    ( 1 ) وعلى التسكين أكثر روايات الأحاديث.
    ( 2 ) إلا الدراهم، فقد نص أحمد على أنه لا بأس بذلك.
    ( 3 ) قوله : ( شرقوا أو غربوا ) خاص بأهل المدينة ومن كان في حكمهم.
    ( 4 ) الإنقاء في الاستنجاء: خشونة المحل كما كان، وفي الاستجمار: أن يبقى أثر لا يمكِن إزالته إلا بالماء.
    قال السبكي في فتاويه:
    وَالْعِلْمُ صَعْبٌ لَا يُنَالُ بِالْهُوَيْنَا، وَلَيْسَتْ كُلُّ الطِّبَاعِ تَقْبَلُهُ،
    بَلْ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَغِلُ عُمْرَهُ وَلَا يَنَالُ مِنْهُ شَيْئًا،
    وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُفْتَحُ عَلَيْهِ فِي مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ، وَهُوَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ.

  8. #8
    :: مشرف ملتقى المذهب الحنبلي ::
    تاريخ التسجيل
    May 2009
    الكنية
    أبو محمد
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الدمام
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    شريعة
    المشاركات
    1,018
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 130 مرة في 78 مشاركة

    افتراضي

    بارك الله فيكم ونفع بعلمكم

    شرح مفيد ممتع، أعانكم الله على إتمامه.
    [SIGPIC][/SIGPIC]
    جمع فيه مؤلفه جمعا بديعا، وحوى المذاهب الأربعة تأصيلا وتفريعا، وأحصى علوم الحساب جميعا،
    فاشتهر في الآفاق، وتعجب من جمعه الحذاق، وحصل على استحسانه الإجماع والوفاق، من أهل المذاهب على الإطلاق،
    فقرأه عليه جمع جم، وتناسخته الأفاضل، وسارت به الركبان، وصار مرجع أهل هذا الشان، إلى هذا الآن. السحب الوابلة.

  9. #9
    :: مشرف الملتقى الفقهي المتخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    جدة
    المؤهل
    ماجستير
    التخصص
    علوم
    المشاركات
    2,547
    شكر الله لكم
    86
    تم شكره 525 مرة في 252 مشاركة

    افتراضي

    الإخوة الأحبة: زايد، أبو يوسف، أبو سفيان، الشيخ هشام
    جزاكم الله خيراً، وبارك فيكم
    قال السبكي في فتاويه:
    وَالْعِلْمُ صَعْبٌ لَا يُنَالُ بِالْهُوَيْنَا، وَلَيْسَتْ كُلُّ الطِّبَاعِ تَقْبَلُهُ،
    بَلْ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَغِلُ عُمْرَهُ وَلَا يَنَالُ مِنْهُ شَيْئًا،
    وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُفْتَحُ عَلَيْهِ فِي مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ، وَهُوَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ.

  10. #10
    :: مشرف الملتقى الفقهي المتخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    جدة
    المؤهل
    ماجستير
    التخصص
    علوم
    المشاركات
    2,547
    شكر الله لكم
    86
    تم شكره 525 مرة في 252 مشاركة

    افتراضي

    باب ( الوضوء )

    • تعريف الوضوء :
    لغةً : اسم مصدر من الوضاءة بمعنى الحسن والنظافة.
    وشرعاً : استعمال الماء الطهور في أعضاء مخصوصة بصفة مخصوصة تعبداً لله تعالى.

    ومشروعيته: بالكتاب والسنة وإجماع الأمة .
    قال الله تعالى : (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ )).

    وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ ) .

    *فضله : ورد أن الله تعالى يمحو به الخطايا، ويرفع به الدرجات، ويكون نوراً لأصحابه يوم القيامة، وهو شطر الإيمان، ومجلبة لمغفرة الرحمن .

    مسألة : النية شرط لصحة الوضوء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى )؛ فـ(لا يصح الوضوء ولا غيره من العبادات إلا أن ينويه) .. فلو نوى بوضوئه رفع حدثه الأصغر، أو الطهارة لما لا يباح إلا بها كصلاةٍ ومسِّ مصحف، أو نوى الطهارة لِما تُسَن له الطهارة كنوم، أو نوى تجديداً مسنوناً ناسياً حَدَثَه صح ذلك الوضوء وارتفع به حدثُه على الراجح.

    *فروض الوضوء :
    الفرض لغةً: له معانٍ منها الحز والقطع.
    وثمرته : أن يثاب فاعله ويعاقب تاركه عمداً .

    س : ما الفرق بين ( الفرض أو الركن ) و( الشرط ) ؟
    ج : 1- الشرط خارج عن العبادة، والفرض داخلها ومن ماهيتها .
    2- الشرط يُستَصْحَب فيها إلى انقضائها، والفرض ينقضي ويأتي بعده غيره (له حيز محدد من العبادة).

    * وفروض الوضوء ستة :
    1- غسل الوجه : وهو ما تحصل به المواجهة، وحد المصنف حدوده فقال: (ثم يغسل وجهه ثلاثًا من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضًا)، ولا عبرة بالأنزع ولا الأفرع(1)، ومن ذلك المضمضة والاستنشاق عند الحنابلة في المشهور خلافاً للجمهور القائلين بسنيتهما(2) ..ففي حديث أبي هريرة مرفوعاً: ( إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماءً ثم لينتثر ) متفق عليه.

    2- غسل اليدين مع المرفقين.
    3- مسح جميع الرأس (3).
    وصفة المسح المسنون: أن يبتدئ بيديه من مقدَّم رأسه إلى قفاه ثم يردهما إلى مقدَّمه، ولا يكرره.

    *مسألة : هل الأذنان من الرأس ؟
    فيها أربعة أقوال:
    الأول: أنهما من الرأس؛ لحديث ابن عباس قال: قال رسول الله : ( الأذنان من الرأس ) أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه، والصواب أنه موقوف ولا يصح مرفوعاً.
    الثاني: أنهما من الوجه؛ لحديث: ( سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره ) .
    الثالث: أنهما كعضو مستقل وليسا تابِعَين للرأس ولا للوجه.
    الرابع: أن ظاهرهما من الرأس، وباطنهما من الوجه.
    والمذهب الأول، وعليه: يكون مسح الأذنين فرضاً. واختار الشيخ الموفق أن مسحهما مسنونٌ غير مفروض، وهي رواية أخرى في المذهب.

    4- غسل الرجلين مع الكعبين : وفي الحديث : ( ويل للأعقاب من النار ) متفق عليه .
    أما المسح فلا يجزئ إلا على خف أو جورب.

    فإن قيل: كيف نجيب عن خفض (( وأرجلِكم )) في بعض القراءات المتواترة ؟
    فالجواب على أصح الأقوال يكون بأحد وجهين :
    الأول : أنها من باب الخفض بالمجاورة كقوله تعالى : (( إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أليمٍ )) ، ولا يوصف اليوم بكونه أليماً، وإنما هو وصف للعذاب.
    الثاني : أنها دالة على المسح على الخفين ومشروعيته، وفيه نظر.

    5- الترتيب : لأن الله جل وعلا في آية الوضوء ذكر الممسوح بين المغسولات، والعرب لا تقطع النظير عن نظيره إلا لفائدة (4) ، ولا فائدة هنا غير الترتيب. كما أن الفعل الراتب المستديم المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم هو الترتيب بين أعضاء الوضوء، ولحديث : ( أبدأ بما بدأ الله به ) .
    *مسألة : لو نسي الترتيب بين أعضاء الوضوء، فهل يسقط عنه؟
    الصحيح : عدم سقوطه بالجهل والنسيان، كالترتيب بين أفعال الصلاة، وهو المذهب.

    6- الموالاة : وهي أن لا يؤخر غسل عضو حتى يجف الذي قبله حالَ اعتدالِ الزمان. ولا يضر إن جفَّ لاشتغاله بواجبٍ أو سُنَّـةٍ كإزالة وسخ لأجل الطهارة أو كمالها، ولا يضر التفريقُ اليسيرُ إجماعاً.
    ودليل فرضية الموالاة: حديث عمر أن رجلاً توضأ فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ارجع فأحسِن وضوءك)، فرجع ثم صلى. مسـلم وغيره، وعند أحمد: فرجع فتوضأ ثم صلى.
    وعن خالد بن معدان عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه و سلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي وفي ظهر قدمه لُمْعَةٌ قَدر الدرهم لم يُصِبها الماء فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعيد الوضوء. أحمد وأبو داود وابن ماجه وزادا: " والصلاة ". وجوَّد إسنادَه الإمامُ أحمد وغيره، وله شواهد.
    ولو كانت الموالاة غير مفروضة لكفاه أن يغسل الموضع الذي لم يصبه الماء، ولَمَا أمره النبي بإعادة الوضوء.
    ومما يُستَأنَس به في المسألة: مداومةُ النبي عليها في وضوئه، وعدم إخلاله بها ولو مرة، مع ما تقرر من أن فعله بيانٌ لآية الوضوء.

    واختار شيخ الإسلام ابن تيمية سقوط فرضيتها إذا كان تركُها لعذر كعدم تمام الماء أو اغتصابه منه بعد أن حَصَّلَه، وحَمَلَ الأمر بالإعادة على ما إذا كان المتوضئ مفرِّطاً، وذكر أنه الأشبه بأصول الشريعة وبأصول أحمد وغيره، وهو المشهور من مذهب مالك.

    قول المصنف : ( والمسنون : التسمية ) هذا من اختيارات الإمام الموفق لبعض روايات أو أقوال المذهب. والمشهور: وجوب التسمية في الوضوء، وهو من المفردات؛ لحديث أبو هريرة مرفوعاً: ( لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه ) أحمد وأبو داود وابن ماجه .
    وفي الحديث اختلاف من حيث تصحيحه وتضعيفه، فقواه الحاكم والمنذري وابن حجر والعراقي وابن كثير وابن الصلاح، والألباني وغيرهم.
    وما اختاره الإمام الموفق هو قول الجمهور، وهو الصواب إن شاء الله؛ لأن الحديث لو صح فإن قوله: (لا وضوء) يحمل على نفي الكمال لا نفي الصحة، بقرينة أن واصفي وضوء النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكروا التسمية، وحق الواجب أن لا يُترك.. قالوا: ولم تذكر التسمية في آية الوضوء، ولعدم ورود حديث صحيح صريح في إيجابها، والله أعلم. وقد نُقِل أن روايات المذهب قد استقرت على أنه لا بأس بتركها.

    وقوله : ( وغسل الكفين ) سنة إجماعاً.
    وقوله : ( والمبالغة في المضمضة والاستنشاق إلا أن يكون صائماً ) لقوله صلى الله عليه وسلم للقيط بن صَبِرة: ( وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً ) الخمسة.
    والمضمضة: أن يدير الماء في فمه، والاستنشاق: أن يجتذب الماء بنفَس إلى الأنف.
    والإتيان بهما فرض على المعتمد في المذهب، والمبالغة فيهما سنة إلا حال الصيام. قال في "العُدّة شرح العمدة": (وصفة المبالغة اجتذاب الماء بالنفَس إلى أقصى الأنف، وفي المضمضة، وهي إدارة الماء في أقصى الفم).
    والأشهر نقلاً عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الوصل بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة؛ فيجعل جزءاً من الماء في فمه والمتبقي لأنفه.

    ( وتخليل اللحية والأصابع ) أي: إن كانت اللحية كثيفة سُنَّ تخليلها، وإلا وجب غسلها .
    وقوله : ( ومسح الأذنين ) ظاهرهما وباطنهما . والقول بسنيته من اختيارات الموفق رحمه الله تعالى كما سبق بيانه، وقياسُ المذهب وجوبُه.
    وقوله : ( وغسل الميامن قبل المياسر ) لحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنه -صلى الله عليه وسلم - كان يعجبه التيمُّن في تنعُّلِه وترجُّلِه وطهوره وفي شأنه كله.
    فمن قدّم المياسر فقد خالف السنة وفاته الفضل، وصح وضوؤه؛ لأن آية الوضوء جعلت اليدين بمثابة العضو الواحد ولم تقدم إحداهما على الأخرى، وكذا الرجلين.
    وقوله : ( والغَسل ثلاثاً ثلاثاً ) فالمفروض مرة لأعضاء الوضوء، وما زاد فمستحب، والتثليث أفضل.
    وقوله : ( وتكره الزيادة عليها ) أي على الثلاث، وعند جماعة من أهل العلم أنها تحرم؛ لحديث : (فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم) أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه .
    ( والإسراف في الماء ) لأن النبي -صلى الله عليه وسلم - كان يتوضأ بالمُد.

    تنبيه : قال المصنف: ( ثم يرفع نظره إلى السماء فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله )
    أما الذِّكر فقد روى عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء )مسلم. وأما زيادة رفع البصر إلى السماء فمنكرة لا تصح.

    أحكام السواك :
    والتسوك سنة، ويتأكد في ثلاثة مواطن ذكرها المصنف:
    1- عند تغير الفم.
    2- عند القيام من النوم.
    3- عند الصلاة.
    ويضاف إليها المواطن الآتية: عند دخول المنزل، وعند البدء بتلاوة القرآن، وعند الوضوء.
    - وفي الحديث: ( السواك مطهرة للفم مرضاة للرب ) الشافعي وأحمد والنسائي وابن خزيمة وغيرهم، وعلقه البخاري مجزوماً به في صحيحه، وصححه الألباني.
    - وفي الحديث الآخر: ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة )متفق عليه.

    قال المصنف : ( ويستحب في سائر الأوقات إلا للصائم بعد الزوال ) .
    - فالمشهور من المذهب: أنه لا يستحب السواك للصائم بعد الزوال، ودليلهم على ذلك :
    1- ما روي عن خباب مرفوعاً: ( إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي ) الطبراني والدارقطني وضعفه، ورواه الطبراني والدارقطني والبيهقي موقوفاً على علي رضي الله عنه.
    2- أن خُلوف فم الصائم أثر عبادة وهو أطيب عند الله من ريح المسك، فلا ينبغي إزالته، كدم الشهيد وشعث الحاج.

    والصحيح الذي مال إليه كثير من محققي الحنابلة أن السواك مسنون كل وقت حتى للصائم بعد الزوال وأجابوا بما يلي :
    أولاً : الحديث الذي استُدِل به ضعيف لا تقوم به حجة.
    ثانياً : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لو لا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة )، وصلاةُ الظهر والعصر بعد الزوال ولم يأتِ مخصص لهما أو مخرِج عن هذا العموم.
    ثالثاً : أن السواك لا يعارض كون خلوف الصائم أطيب عند الله من ريح المسك؛ فهو لا يقطع رائحة هذا الخلوف إذ أنها تتصاعد من الجوف.
    -----
    ( 1 ) النَّزَعُ انْحِسارُ مقدَّم شعَر الرأْسِ عن جانبي الجَبْهةِ؛ فالأنزع: من انْحَسَرَ مُقَدَّمُ شَعْرِهِ، والفرَع:كثرة الشّعر وطوله على الرأس؛ فالأفرع هُوَ الَّذِي قَدِ انْحَدَرَ شَعْرُ رَأْسِهِ فِي جَبْهَتِهِ.
    ( 2 ) واحتج الجمهور بقول النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي: (توضأ كما أمرك الله) فأحاله على الآية الكريمة، والأظهر أنه لا حجة فيه؛ فهو قطعة من حديث المسيء صلاته في إحدى رواياته، ومعلوم أن بعض الواجبات والأركان المجمَع عليها لم يأتِ لها ذكرٌ فيه كالتشهد والتسليم، فلا يصح أن يُجعَل صارفاً للأوامر بإطلاق. والله تعالى أعلم.
    ( 3 ) هذا مذهب الحنابلة، والمالكية أيضاً: أن مسح جميع الرأس فرض. وفي رواية في المذهب: يكفي مسح بعضه وفاقاً للشافعية.
    قال الشيخ عبدالله ابن بَيَّه: (والنزاع في المسألة هو نزاع يتعلق بموضع الباء، وهو بين النحاة أصلاً :
    فذهب إلى أن الباء تأتي للتبعيض ابن مالك والقَتَبِيّ والفارسي والأصمعي ، مستشهدين بقوله تعالى : (( عَيْنَاً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ )) أي : منها ، ويقول أبي ذؤيب الهذلي : شربـن بماء البحـر ثم ترفعـت *** متى لجج خضـر لهن نئـيج
    وقول عنترة العبسي :
    شربت بماء الدُّحرضين فأصبحت *** زوراء تنفرُ من حياض الديلم
    وقول الآخر : شُربَ النزيف ببرد ماء الحشرج.
    قلت : لم أجدها تحتمل التبعيض في غير محل النزاع – إلاّ في مفعول شرب، وهذا يضعف مذهب الشافعي وغيره .
    أما القائلون بزيادة الباء فهم : أبو عبيدة والبصريون كما يظهر من كلام الزمخشري وهو بصري ، حيث لم يحك خلافاً في زيادتها قبل المفعول في السعة ، وكذلك شارحه ابن يعيش.
    وما زعم ابن عصفور في "الضرائر" أنها لا تُزاد إلاّ في الضرورة مردود بعشرات الشواهد التي تدل على زيادة الباء في ستة مواضع ، وهي : المبتدأ ، والخبر ، والحال المنفي عاملها ، والنفس ، والعين المؤكد بهما ، والمفعول به ما بين آيةٍ وبيت شعرٍ يشهد لزيادتها قبل المفعول، جمعتها من كتب شتى منها : (( ولاَ تُلْقُوا بِأيْديكُم )) ، (( فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ ))، (( وَلَقَدْ زَيَّنَا السَّماءَ الدُّنيا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاها رُجُومَاً لِلشَياطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ وَللّذينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئسَ المَصِيرُ )) ، (( ألَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللهَ يَرَى ))، ((وَهُزّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ )) ، (( فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّمَاءِ ))، وقول حسّان : تسقي الضجيع ببارد بسام ، وقول الشاعر :
    هُنَّ الحرائر لا رباتُ أحمرة *** سود المحاجر لا يقرأن بالسورِ .
    وهذا يرجح مذهب مالك ويدل على حاجة الفقيه للغة) أ.هـ من "أمالي الدلالات ومجالي الاختلافات".
    ( قلت ): لا يظهر لي أن ما ذكره الشيخ -وفقه الله- كافٍ في رد حجة القائلين بجواز الاكتفاء بمسح بعض الرأس، فثبوت كونها للتبعيض في بعض شواهد العربية قوي لا سيما أنه قد قال بذلك أئمة يحتفى بهم. ولكنّ ترجيح القول بوجوب الاستيعاب ومسح جميع الرأس يتقوى باعتبار السنة الفعلية مبينةً لمجمَل القرآن في قوله تعالى: (( وامسحوا برؤوسكم )). والله أعلم.
    ( 4 ) وكذا الانتقال من عضو قريب إلى بعيد ثم الرجوع للقريب.
    قال السبكي في فتاويه:
    وَالْعِلْمُ صَعْبٌ لَا يُنَالُ بِالْهُوَيْنَا، وَلَيْسَتْ كُلُّ الطِّبَاعِ تَقْبَلُهُ،
    بَلْ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَغِلُ عُمْرَهُ وَلَا يَنَالُ مِنْهُ شَيْئًا،
    وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُفْتَحُ عَلَيْهِ فِي مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ، وَهُوَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ.

  11. #11
    :: مشارك ::
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    الدولة
    مصر
    المدينة
    الثغر الإسكندري
    المؤهل
    دبلوم
    التخصص
    طويلب علم مبتديء
    المشاركات
    213
    شكر الله لكم
    30
    تم شكره 87 مرة في 39 مشاركة

    افتراضي

    أحسن الله إليكم شيخنا
    لكن كيف الجواب على الحديث الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته وعلى العمامة ؟
    وكذلك بعض الآثار المنسوبة إلى بعض الصحابة في الاكتفاء بمسح بعض الرأس وهذا لم أمر به من قبل ولكني سمعته من أحد المشايخ


  12. #12
    :: مشرف الملتقى الفقهي المتخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    جدة
    المؤهل
    ماجستير
    التخصص
    علوم
    المشاركات
    2,547
    شكر الله لكم
    86
    تم شكره 525 مرة في 252 مشاركة

    افتراضي

    أحسنت أخي الكريم

    اختلف العلماء في المجزئ من مسح الرأس في الوضوء على أحد عشر قولاً..

    والحديث في صحيح مسلم وغيره عن المغيرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته ومسح على الخفين والعمامة.

    والجواب عنه عند من يقول بوجوب تعميم الرأس بالمسح: أن يقال بأنه لما مسح -صلى الله عليه وسلم- بعض الرأس وكمل على العمامة أجزأ، ولا حجة في ذلك على عدم وجوب تعميم الرأس بالمسح، كالقول في المسح على الخف المغطي للقدم لا يعني عدم وجوب غسل الرِّجل. والله أعلم.
    قال السبكي في فتاويه:
    وَالْعِلْمُ صَعْبٌ لَا يُنَالُ بِالْهُوَيْنَا، وَلَيْسَتْ كُلُّ الطِّبَاعِ تَقْبَلُهُ،
    بَلْ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَغِلُ عُمْرَهُ وَلَا يَنَالُ مِنْهُ شَيْئًا،
    وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُفْتَحُ عَلَيْهِ فِي مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ، وَهُوَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ.

  13. #13
    :: مشارك ::
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    الدولة
    مصر
    المدينة
    الثغر الإسكندري
    المؤهل
    دبلوم
    التخصص
    طويلب علم مبتديء
    المشاركات
    213
    شكر الله لكم
    30
    تم شكره 87 مرة في 39 مشاركة

    افتراضي

    جزاكم الله خيرا شيخنا
    ولكنهم يقولون أن من غسل قدمه لا يصح أن يلبس الخف ويمسح عليه مباشرة بعد لبسه
    لأنه يجمع في ذلك بين الأصل الذي هو الغسل والفرع الذي هو المسح
    وكذلك في مسح النبي صلى الله عليه وسلم لمقدم رأسه وعلى العمامة
    فلو قلنا أن النبي مسح على العمامة لأن فيه رخصة فكيف يجمع بينه - أى المسح - وبين مسح بعض الرأس
    ولكن المسألة تمر لو قلنا بأن مسح بعض الرأس مجزئ
    أرجو أن تعلموني


  14. #14
    :: مشرف الملتقى الفقهي المتخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    جدة
    المؤهل
    ماجستير
    التخصص
    علوم
    المشاركات
    2,547
    شكر الله لكم
    86
    تم شكره 525 مرة في 252 مشاركة

    افتراضي

    أصحح المثال الذي ذكرتَه -بورك فيك- بالاعتراض بأنه كيف يجوز الجمع بين بعض الفرض والمسح على العمامة؟ كمن تبدو بعض قدمه، فلا يجوز أن يجمع بين غسل ما ظهر منها والمسح على الخف.

    والجواب عن هذا -أخي الكريم- أننا ننازع في الأصل، فلو بدا بعض القدم في الخف فإننا نرجح جواز المسح على القول الراجح المختار، ولا نسلِّم بأن ما ظهر منها فرضه الغسل، وبهذا لا يمكن الاعتراض بهذا الوجه على ما رجحنا، والله أعلم.
    قال السبكي في فتاويه:
    وَالْعِلْمُ صَعْبٌ لَا يُنَالُ بِالْهُوَيْنَا، وَلَيْسَتْ كُلُّ الطِّبَاعِ تَقْبَلُهُ،
    بَلْ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَغِلُ عُمْرَهُ وَلَا يَنَالُ مِنْهُ شَيْئًا،
    وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُفْتَحُ عَلَيْهِ فِي مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ، وَهُوَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ.

  15. #15
    :: مشارك ::
    تاريخ التسجيل
    Aug 2009
    الدولة
    مصر
    المدينة
    الثغر الإسكندري
    المؤهل
    دبلوم
    التخصص
    طويلب علم مبتديء
    المشاركات
    213
    شكر الله لكم
    30
    تم شكره 87 مرة في 39 مشاركة

    افتراضي

    جزاكم الله خيرا
    وقبلة على رأسكم الكريم


صفحة 1 من 3 1 2 3 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. شرح (كتاب الصيام) من عمدة الفقه للإمام الموفق ابن قدامة
    بواسطة أبوبكر بن سالم باجنيد في الملتقى ملتقى فقه الصيام
    مشاركات: 45
    آخر مشاركة: 11-08-15 ||, 03:57 AM
  2. شرح كتاب الزكاة من (عمدة الفقه) للإمام الموفَّق ابن قُدامة
    بواسطة أبوبكر بن سالم باجنيد في الملتقى ملتقى المذهب الحنبلي
    مشاركات: 28
    آخر مشاركة: 10-10-08 ||, 04:49 AM
  3. مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 10-10-01 ||, 12:59 AM
  4. الدرس التاسع من دروس الفقه الشافعي مع المخططات والتمارين العملية وخاتمة كتاب الطهارة
    بواسطة صفاء الدين العراقي في الملتقى ملتقى المذهب الشافعي
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 09-12-10 ||, 08:13 AM
  5. حمل كتاب الحج والعمرة من عمدة الفقه سؤال وجواب
    بواسطة أم محمد الظن في الملتقى خزانة الفقه العام
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 08-11-30 ||, 12:47 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

جميع الموضوعات والمشاركات التي تطرح في الملتقى لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الملتقى، وإنما تعبر عن رأي كاتبها فقط.
وكل عضو نكل أمانته العلمية إلى رقابته الذاتية!.

﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران:98].