الموضوعات المميزة النشرات الشهرية احصائيات وأرقام تواصل معنا

بنرات متحركة

آخر مواضيع الملتقى

النتائج 1 إلى 10 من 10

الموضوع: الرد على ابن حزم في القياس للإمام النظار محمد الأمين الشنقيطي -رحمة الله-

  1. #1
    :: عضو مؤسس ::
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    الجزائر
    المدينة
    قسنطينة
    المؤهل
    دبلوم
    التخصص
    أصول الفقه
    المشاركات
    365
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 51 مرة في 33 مشاركة

    افتراضي الرد على ابن حزم في القياس للإمام النظار محمد الأمين الشنقيطي -رحمة الله-

    بسم الله الرحمن الرحيم
    يقول الله جل وعلا : " قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين "
    تقدم الكلام فيما قبل على قوله تعالى : " ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك " .

    وقوله جل وعلا حكاية عن إبليس : قال أنا خير منه . كان الله لما سأل إبليس وهو عالم لأنه جل وعلا أعلم بالموجب الذي بسببه امتنع إبليس من السجود قال له : ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك، وهو أعلم . فأجاب إبليس عليه لعائن الله بما كان يضمره من الكبر وكأنه اعترض على ربه وواجه ربه جل وعلا بأن تكليفه إياه أمر لا ينبغي ولا يصلح وخطأ ربه جل وعلا سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً وجعل ذريعة له ومبرراً في زعمه الباطل لعد السجود قال : أنا خير منه كيف تأمرني أن أسجد لآدم وأنا أفضل من آدم والفاضل ليس من المعقول أن يؤمر بالسجود للمفضول فهذا التكليف ليس واقعاً موقعه . هذا قول اللعين لعنه الله أنا خير منه .

    خير تستعمل استعمالين :

    (أ) تستعمل اسماً للخير الذي هو ضد الشر وكثيراً ما تستعمل في المال كقوله : إن ترك خيراً أي مالاً.

    (ب) وتستعمل صيغة تفضيل وهو المراد هنا فقوله أنا خير منه أصله أنا أخير منه أي أكثر خيراً منه لفضل عنصري على عنصره ولفظه : خير وشر جعلتهما العرب صيغتي تفضيل وحذفت همزتها لكثرة الاستعمال كما قال ابن مالك في الكافية ( وغالباً أغناهموا خير وشر ، عن قولهم أخير منه واشر ) .

    قال إبليس اللعين أنا خير من آدم والذي هو فاضل والذي هو أكثر فضلاً وخيراً لا ينبغي أن يهضم ويؤمر بالسجود لمن هو دونه وهذا التكليف ليس واقعاً موقعه ، ولذا لا أمتثله فتكبر وتجبر وجعل تكليف ربه له واقعاً غير موقعه فباء بالخيبة والخسران نعوذ بالله جل وعلا .
    قال إبليس أنا خير من آدم . ثم بين سبب الخيرية وقال : خلقتني من نار يعني أن عنصري اشرف من عنصره لن النار في زعمه أشرف من الطين لأن النار مضيئة نيرة طبيعتها الارتفاع خفيفة غير كثيفة ، وأن الطين منسفل كثيف مظلم ليس بمرتفع . هذا قوله في زعمه . وزعم أن الفرع تابع لعنصره في فقاس نفسه على عنصره الذي هو النار وقاس آدم على عنصره الذي هو الطين واستنتج من ذلك أنه خير من آدم لأن عنصره في زعمه خير من عنصره الذي هو السجود لآدم .


    وأول من قاس قياساً فاسداً ورد فيه نصوص الله وأوامره ونواهيه هو إبليس اللعين فكل من رد نصوص الشرع الواضحة الصريحة الواضحة بقياسات باطلة عنادا وتكبرا فإمه إبليس لأنه أول من رد النصوص الصريحة بالمقاييس الكاذبة

    وقياس إبليس هذا باطل من جهات عديدة :

    الأول : منها أنه مخالف لنص أمر رب العالمين لأن الله يقول : أسجدوا لآدم ، وكل قياس خالف أمر الله الصريح فهو قياس باطل باطل .
    وقد تقرر في علم الأصول أن كل قياس خالف نصاً من كتاب أو سنة فهو باطل ويقدح فبه بالقادح المسمى فساد الاعتبار ومخالفة القياس للنص تسمى فساد الاعتبار وتدل على بطلان القياس فهذا وجه من أوجه بطلانه لأنه مخالف للنص الصريح ولا إلحاق ولا قياس مع وجود النصوص الصريحة .

    الثاني : أن إبليس كاذب في أن النار خير من الطين لأن طبيعة الطين الرزانة والتؤدة والاصلاح والجمع تودعه الحبة فيعطيها سنبلة وتودعه النواة فيعطيكها نخلة وإذا نظرت إلى البساتين المغروسة في طين طيب ورايت ما فيها من أنواع الثمار الجنية والروائح والأزهار والثمار عرفت قيمة الطين .
    أما النار فطبيعتها الطيش والخفة يطير الشرر من هنا فيحرق ما هناك ثم يطير الشرر من هناك فيحرق ما وراءه والذي طبيعته الطيش والخفة والافساد والتفريق لا يكون خيراً من الذي طبيعته التؤدة والجمع والإصلاح تودعه الحبة فيعطيها سنبلة وتودعه النواة فيعطيها نخلة .
    فالطين خير من النار بأضعاف وذلك غلب على إبليس عنصره وهو الطيش والخفة فطاش وتمرد على ربه وخسر الخسران الأبدي وغلب على آدم عنصره الطيني لما وقع في الزلة رجع إلى السكينة والتؤدة والتواضع والاستغفار لربه حتى غفر له .

    الثالث : أنا لو سلمنا تسليماً جدلياً أن النار خير من الطين فشرف الأصل لا يدل على شرف الفرع ، فكم من أصل شريف وفرعه وضيع وكم من أصل وضيع وفرعه رفيع .


    وأعلم أن العلماء في هذا المحل يعيبون القياس ويذمون الرأي ويقولون إن من قاس فقد اتبع إبليس لأنه أول من رد النصوص بالقياس .
    وعن ابن سيرين رحمه الله : ( ما عبدت الشمس غلا بالمقاييس ) ويذكرون في كلام السلف ذم الرأي والقياس .

    ومن أشنع من يحمل على المجتهدين في القياس الظاهرية وبالأخص أبو محمد ابن حزم عفا الله عنا وعنه فإنه حمل على أئمة الهدى رحمهم الله وشنع عليهم تشنيعاً عظيماً وسخر بهم سخرية لا تليق به ولا بهم ، وجزم بأن كل من اجتهد في شيء لم يكن منصوصاً عن الله أو سنة نبيه فإنه ضال وأنه مشرع وحمل على الأئمة وسخر من قياساتهم وجاء بقياسات كثيرة للأئمة وسفهها وسخر من أهلها فتارة يسخر من أبي حنيفة رحمه الله وتارة من مالك وتارة من أحمد وتارة من الشافعي لم يسلم منه أحد منهم في قياساتهم .

    ومن عرف الحق عرف أن الأئمة رحمهم الله أنهم أولى بالصواب من ابن حزم وأن ما شنع عليهم هم أولى بالصواب منه فيه وأنه هو حمل عليهم وهم أولى بالخير منه وأعلم بالدين منه وأعمق فهماً لنصوص الكتاب والسنة منه وهذا باب كثير .

    فابن حزم يقول لا يجوز اجتهاد كائناً ما كان ولا يجوز أن يتكلم في حكم إلا بنص من كتاب أو سنة أما من جاء بشيء لم يكن منصوصاً في الكتاب ولا السنة فهو مشرع ضال ، ويزعم أم ما ألحقه الأئمة من الأحكام المسكوت عنها واستنبطوها من المنطوقات أن كل ذلك ضلال ويستدل بعشرات الآيات إن لم تكن مئات الآيات فلا تقل عن عشرات الآيات يقول "الله قال اتبعوا ما أنزل اليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء " والمقاييس لم تنزل علينا من ربنا ، ويقول " قل ان ضللت فانما أضل على نفسي وان اهتديت فيما يوحى إلى ربي فجعل الهدى بخصوص الوحي لا بخصوص المقاييس . ويقول "وأن أحكم بينهم بما أنزل الله " والمقاييس لم تكن مما أنزل الله ويقول " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون فأولئك هم الظالمون فأولئك هم الفاسقون" والقياس لم يكن مما أنزل الله ويأتي بنحو هذا من الآيات في شيء كثير جداً .

    ويقول ان القياس لا يفيد الا الظن والله يقول "ان الظن لا يغني من الحق شيئاً " وفي الحديث : اياكم والظن فان الظن أكذب الحديث . ويقول : ان كل مالم يأت بنص من كتاب أو سنة لا يجوز البحث عنه .
    ويقول ان الله حرم أشياء وأحل أشياء وسكت عن أشياء لا نسياناً رحمة بكم فلا تسألوا عنها ، وبحديث ما سكت الله عنه فهو عفو . ويقول ان مالم يأت في كتاب ولا سنة فالبحث عنه حرام وهو معفوا لا مؤاخذة فيه ، وهو باطل من جهات كثيرة ، منها أن ما يسكت عنه الوحي منه ما يمكن أن يكون عفواً كما قال فنحن مثلاً وجب علينا صوم شهر واحد وهو رمضان وسكت الوحي عن وجوب شهر آخر فلم يجب علينا الا هذا ، وأن ما سكت عنه فهو عفو ووجبت علينا الصلوات وغيرها لم يجب علينا وان كان النبي  في حديث ضمام بن ثعلبة قال : لا لما قال له الأعرابي ضمام هل على غيرها ، قال لا الا ان تطوع أما أنه توجد أشياء لا يمكن أن تكون عفواً ولابد من النظر فيها والاجتهاد

    ومن نظر إلى جمود ابن حزم علم أنه على غير هدى وان الهدى مع الأئمة رحمهم الله ،
    والذي يجب اعتقاده في الأئمة رحمهم الله كالامام مالك وأبي حنيفة رحمهم الله والامام أحمد والشافعي رحمة الله على الجميع أن ما اجتهدوا فيه أكثره أصابوا فيه فلهم أجر اجتهادهم وأجر اصابتهم وأنه لا يخلو أحد من خطأ فلابد أن يكون بعضهم أخطأ في بعض ما اجتهد فيه فما أخطأوا فيه فهم مأجورون باجتهادهم معذورون في خطأهم رحمهم الله والصحابة كانوا يجتهدون كما كان يجتهد الأئمة رحمهم الله وسنلم بأطراف من هذا لأن هذا باب واسع لو تتبعناه لمكثنا فيه زمناً طويلاً ولكن نلم بالمامات بقدر الكفاية .

    أولاً : ليعلم السامعون أن ما كل ما سكت عنه الوحي يمكن أن يكون عفواً بل الوحي يسكت عن أشياء ولابد البتة من حلها ومن أمثلة ذلك مسألة العول .
    فكما قال الفرضيون ان أول عول نزل في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ماتت امرأة وتركت زوجها وأختيها فجاء زوجها وأختاها إلى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه ، فقال الزوج : يا أمير المؤمنين هذه تركة زوجتي ولم تترك ولداً والله يقول في محكم كتابه :" ولكم نصف ما ترك أزواجكم ان لم يكن لهن ولد " فهذه زوجتي ولم يكن لها ولد فلي نصف ميراثها بهذه الآية ولا أتنازل عن نصف الميراث بدانق ، فقالت الأختان : ياأمير المؤمنين هذه تركة أختنا ونحن اثنتان والله يقول : " فان كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك " والله لا نقبل النقص عن الثلثين بدانق ، فقال عمر رضي الله عنه : ويلك يا عمر والله ان أعطيت الزوج النصف لم يبق للأختين ثلثان ، وان أعطيت الثلثين للأختين لم يبق للزوج النصف ونقول يا ابن حزم كيف تسكت عن هذا ويكون هذا عفواً والوحي سكت عن هذا ولم يبين أي النصين ماذا نفعل فيهما فهذا لا يمكن أن يكون عفواً ولابد من حل فلا نقول لهم تهارشوا على التركة تهارش الحمر أو ننزعها من واحد إلى الآخر فلابد من الحاق المسكوت عنه بالمنطوق به وحل مقعول بالاجتهاد فجمع عمر رضي الله عنه الصحابة وأسف كل الأسف أنه لم يسأل رسول الله  عن العول لمثل هذا ،
    فقال له العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه : ياأمير المؤمنين أرأيت هذه المرأة لو كانت تطالب بسبعة دنانير ديناً وتركت ستة دنانير فقط ماذا كنت فاعلاً ؟
    قال : اجعل الدنانير الستة سبعة أنصباء وأعطي لكل واحد من أصحاب الدنانير نصيباً من السبعة قال كذلك فافعل ، أصل فريضتها من ستة لأن فيها نصف الزوج يخرج من اثنين وثلثا الأختين يخرجان من ثلاثة مخرج النصف ومخرج الثلث متبايناً فنضرب إثنين في ثلاثة بستة ثم نجعل نقطة زائدة وهي المسمى بالعول فهي فريضة عائلة بسدسها إلى سبعة فجعل تركة المرأة سبعة أنصباء ، وقال للزوج حفك نصف الستة وهي الثلاثة فخذ الثلاثة من سبعة ، وبقي من السبعة أربعة فقال للأختين لكما الثلثان من الستة وهما أربعة فخذاها من سبعة ، فصار النقص على كل واحد من الوارثين ولم يضيع نصاً من نصوص القرآن الكريم .

    وكان ابن حزم في هذه المسألة يخطئ جميع الصحابة .
    ويقول ابن العباس وعامة الصحابة على غلط وان هذا الفعل الذي فعلوا لا يجوز وأن الحق مع ابن عباس وحده الذي خالف عامة الصحابة في العول .
    وقال الذي نعلم ان الله لم يجعل في شيء واحد نصفاً وثلثين ، فرأي ابن عباس أن ننظر في الورثة اذا كان أحدهما أقوى سبباً نقدمه ونكمل له نصيبه ونجعل النقص على الأضعف ، فابن عباس في مثل هذا يقول ابن الزوج يعطى نصفاً كاملاً لأن الزوج لا يحجبه الأبوان ولا يحجبه الأولاد بخلاف الأختين لأنهما أضعف سبباً منه لأنهما يحجبهما الأولاد ويحجبهما الأب ونعطي للأختين نصفاً وهذا تلاعب بكتاب الله ، الله يقول :" فان كانتا اثنتين فلهما الثلثان " وهو يقول فلهما النصف فهذا عمل بما يناقض القرآن مع أن ابن حزم ورأي ابن عباس يقضي عليه وتبطله المسألة المعروفة عند الفرضيين بالمنبرية وانما سميت المنبرية لأن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه أفتى فيها وهو على المنبر أثناء خطبته لأنه افتتح خطبته على المنبر وقال : الحمد لله الذي يجزي كل نفس بما تسعى واليه المآب والرجعي ، فسمع قائلاً يقول : ما تقولون فيمن هلك عن زوجة وأبوين وابنتين ؟ فقال علي رضي الله عنه : صار ثمنها تسعاً ، ومضى في خطبته .
    وقوله : صار ثمنها تسعاً لأن هذه الفريضة فيها ابنتان وأبوان وزوجة ، الابنتان لهما الثلثان والأبوان لكل واحد منهما السدس وذلك يستغرق جميع التركة لهما الثلثان والأبوان لكل واحد منهما السدس وذلك يستغرق جميع التركة لأن السدسين بثلث وتبقى الزوجة تعول لها بالثمن والفريضة من أربعة وعشرين وثمنها ثلاثة يعال فيها بثمن الزوجة وثمن الأربعة والعشرين ثلاثة واذا ضم الثمن الذي عالت به الفريضة إلى اصل الفريضة أي اذا ضم الثمن الذي هو ثلاثة فريضة الزوجة إلى الأربعة والعشرين التي هي أصل الفريضة صارت سبعة وعشرين . والثلاثة من السبعة والعشرين تسعها ومن الأربعة والعشرين ثمنها ، فهذه لو قلنا لابن حزم أيهما يحجب هل الابنتان يحجبان لا والله ، هل الأبوان يحجبان لا والله هل الزوجة تحجب لا والله ليس فيهم من يحجبه أحد وكلهم أهل فروض منصوصة في كتاب الله ولا يحجب أحد منهم أبداً فبهذا يبطل قوله ان من هو أضعف سبباً فانه يحجب ويقدم عليه غيره .


    ثم لتعلموا أن الحقيقة الفاصلة في هذا أنه ورد عن السلف من الصحابة ومن بعدهم كثير من الآثار المستفيضة في ذم الرأي والقياس . وأجمع الصحابة والتابعون على العمل بالقياس واستنباطه ما سكت عنه مما نطق به الوحي ، هذا أمر لا نزاع فيه . فمن جمد على النصوص ولم يلحق المسكوت عنه بالمنطوق به فقد ضل وأضل .

    ومن هذا النوع ما أجمع عليه جميع المسلمين حتى سلف ابن حزم وهو داوود بن علي الظاهري كان لا ينكر القياس المعروف الذي يسميه الشافعي القياس في معنى الأصل ويقول له القياس الجلي وهو المعروف عند الفقهاء بالقياس الجلي والغاء الفارق ويسمى نفي الفارق وهو نوع من تنفيح المناط ، فقد أجمع جميع المسلمين على أن المسكوت عنه فيه يلحق بالمنطوق
    وان قول ابن حزم : انه مسكوت عنه لم يتعرض له أنه كذب محض وافتراء على الشرع وأن الشرع لم يسكت عنه ،

    وقوله تعالى :" فلا تقل لهما أف " يقول ابن حزم ان هذه الآية ، ناطقة بالنهي عن التأفيف ولكنها ساكتة عن حكم الضرب ،ونحن نقول : لا والله لما نهى عن التأفيف وهو أخف الأذى فقد دلت هذه الآية من باب أولى على أن ضرب الوالدين أشد حرمة وان الآية غير ساكتة عنها بل نبهت على الأكبر بما هو أصغر منه فلما نهت عن التأفيف وهو أقل أذية من الضرب لم تسكت عن الضرب وتقول : ان قوله تعالى :" فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره " ان هذه الآية ليست ساكتة عن عمل مثقال جيل أحد فلا نقول نصت على الذرة وما فوق الذرة فهو مسكوت عنه فلا يؤخذ من الآية فهي ساكتة عنه بل نقول ان الآية غير ساكتة عنه وان ذلك المسكوت (عنه) يلحق بذلك المنطوق .
    وكذلك قوله : " وأشهدوا ذوي عدل منكم" من جاء بأربعة عدول لا نقول أربعة عدول مسكوت عنها بل نقول ان الآية التي نصت على قبول شهادة العدلين دالة على قبول شهادة أربعة عدول ونقول : ان قوله تعالى :"ان الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً " لا نقول كما يقول ابن حزم ساكنة عن احراق مال اليتيم واغراقه لأنها نصت على حرمة أكله فقط ، بل نقول : ان الآية التي نهت عن أكله دلت على حرمة اغراقه واحراقه بالنار لأن الجميع اتلاف .

    ومما يدل على أن ما يقوله ابن حزم لا يقول به عاقل ان ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من النهي عن البول في الماء الراكد يقول ابن حزم : لو بال في قارورة وصبها في الماء لم يكن هذا من المكروه لأن النبي لم ينه عن هذا وانما قال : لا يبولن أحدكم في الماء الراكد في الماء الدائم ثم يغتسل فيه ولم يقل لا يبولن أحدكم في اناء ثم يصبه فيه فهذا لا يعقل أيعقل أحد أن الشرع الكريم يمنع من أن يبول انسان بقطرات قليلة أقل من وزن ربع كيل ثم انه يجوز له أن يملأ عشرات التنكات بولاً يعد بمئات الكيلوات ثم يصبها في الماء وان هذا جائز .

    وأيضاً في الحديث : لا يقضين حكم بين أثنين وهو غضبان فألحق به الفقهاء اذ كان في حزن شديد مفرط يذهل عقله ، أو فرح شديد مفرط يدهش عقله أو في ع طش شديد مفرط يدهش عقله أو في جوع شديد يدهش عقله ، ونحو ذلك من مشوشات الفكر التي هي أعظم من الغضب فليس في المسلمين من يعقل أن يقال للقاضي أحكم بين الناس وأنت في غاية تشويش الفكر بالجوع والعطش المفرطين أو الحزن والسرور المفرطين ، او الحقن والحقب المفرطين والحقن مدافعة البول والحقب مدافعة الغائط ، والانسان اذا كان يدافع البول أو الغائط مدافعة شديدة كان مشوش الفكر مشغول الخاطر لا يمكن أن يتعقل حجج الخصوم ، ومثل هذا ، لذا قال العلماء لا يجوز للقاضي أن يحكم وهو مشوش الفكر .

    فنعلم أن قول ابن حزم : انهم جاؤوا بتشريع جديد أنه كذب وان حديث : لا يقضين حكم بين اثنين وهو عصيان يدل على أن من كان فكره مشوشاً تشويشاً أشد من الغضب أولى بالمنع من هذا الحكم ، وكذلك نهيه  عن التضحية بالشاة العوراء ، لا نقول : ان العلماء لما نهوا عن التضحية بالشاة العمياء . هذا مما لا يقوله عاقل

    وكذلك قال الله :" والذين يرمون المحصنات " ولم يصرح في الآية الا أن يكون القاذف ذكر والمقذوفة أنثى فلو قذفت أنثى ذكراً أو قذف لا مؤاخذة فيه لأن الله انما نص على قذف الذكور بالأناث لأنه قال :" والذين يرمون المحصنات " وما أراد ابن حزم هنا أن يدخل الجميع في عموم المحصنات فقال : المحصنات نعت للفروج ،والذين يرمون الفروج المحصنات فيشمل الذكور والأناث يرد عليه أن المحصنات في القرآن لم تأت قط للفروج وانما جاءت للنساء وكيف يأتي ذلك في قوله : ان الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات ، وهل يمكن أن تكون الفروج غافلات مؤمنات . هذا مما لا يعقل .

    وكذلك نص الله جل وعلا على أن المبتوتة اذا نكحت زوجاً غير زوجها الأول نص على أنها ان طلقها الزوج الأخير طلقها الأول ثلاث طلقات فصارت مبتوتة حراماً عليه الا بعد زوج ثم تزوجها زوج فدخل بها ثم طلقها هذا الزوج الأخير فانه يجوز للأول أن ينكحها لأنها حلت بنكاح الثاني ، والله انما صرح في هذه السورة بنص واحد وهو أن يكون الزوج الذي حللها انما طلقها لأنه قال في تطليق الأول ، فان طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره .
    ثم قال في تطليق الزوج الذي حللها ، فان طلقها فلا جناح عليهما أي على الزوجة التي كانت حراماً والزوج الذي كانت حراماً عليه أن يتراجعا ان ظنا أن يقيما حدود الله ، فنص على طلاق المحلل خاصة فان طلقها أرأيتم لو حللها وجامعها مائة مرة حتى حلت وكانت كماء المزن ثم مات قبل أن يطلقها أو فسخ حاكم عقدهما بموجب آخر كالاعسار بنفقة أو غير ذلك من أسباب الفسخ أيقول مسلم هذه لا تحل للأول لأن الله ما نص الا على قوله فان طلقها فان مات لم تحل لأن الموت ليس بطلاق ، هذا مما لا يقوله عاقل . وأمثال ذلك كثيرة جداً . فنحن نقول ان هذا الذي يقول ابن حزم ان الوحي سكت عنه ، ان الوحي لم يسكت عنه وانما أشار إليه لتنبيهه ببعضه على بعضه فالغضب يدل على تشويش الفكر والمحصنات لا فرق بين المحصنات والمحصنين ، وقوله فان طلقها لا فرق بين مالو طلقها أو مات عنها فبعد أن جامعها وفارقها تحل للأول سواء كان الفراق بالطلاق المنصوص في القرآن أو بسبب آخر كالموت والفسخ
    وهذا مما لا ينازع فيه عاقل وان نازع فيه ابن حزم
    ثم ان ابن حزم يسخر من الامام أبي حنيفه رحمه الله لأن الامام أبا حنيفة رحمه الله يقول : ان التشهد الأخير يخرج الانسان به من الصلاة بكل مناف للصلاة .
    وروي عنه : حتى أنه لو انتقض وضوءه فضرط انه خرج من الصلاة لأن الضراط مناف لها فجعل ابن حزم يسخر منه فيقول : ألا ترون قياس الضراط على السلام عليكم قياساً فاسداً فليس في الدنيا قياس فاسد ويسخر من الامام مالك في مسائل كثيرة ويقول انه يقيس قياسات الألغاز لأن مالكاً رحمه الله جعل أقل الصداق ربع دينار أو ثلاثة دراهم خالصة قياساً على السرقة بجامع أن في كل واحد منهما استباحة عضو في الجملة لأن النكاح فيه استباحة الفرج بالوطئ والقطع فيه استباحة اليد بالقطع
    فابن حزم يسخر من مالك ويقول هذه ألغاز ومحاجاة بعيدة من الشرع وتشريعات باطلة ، وأمثال هذا منه كثيرة ونحن نضرب مثلاً فانه من أشد ما حمل به الأئمة رحمهم الله مسألة حديث تحريم ربا الفضل لأن النبيصلى الله عليه وسلم ثبت عنه في الأحاديث الصحيحة أنه قال : الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل فمن زاد أو استزاد فقد أربى .

    فابن حزم يقول : ليس في الدنيا يحرم فيه ربا الفضل الا هذا ويقول الدليل على أنهم مشرعون وان أقوالهم كلها كاذبة ان بعضهم كالشافعي يقول علة الربا في البر الطعم ويقيس كل مطعوم على البر فيقول كل المطعومات كالفواكه كالتفاح وغيره من الفواكه يحرم فيه الربا قياساً على البر بجامع الطعم وأبو حنيفة وأحمد يقولان علة الربا الكيل ويقولان كل مكيل يحرم فيه الربا قياساً على البر فيحرمان الربا في النورة والاشنان وكل مكيل فيقول فيه ابن حزم هذا يقول العلة الطعم ويلحق أشياء وهذا يقول العلة الكيل ويلحق أشياء أخرى . وكل منهم يكذب الآخر فهذه كلها قياسات متناقضة والأقوال المتكاذبة والأحكام التي ينفي بعضها بعضاً لا يشك عاقل في أنها ليست من عند الله وأمثال هذا كثيرة

    ونحن نضرب مثلاً لهذه المسألة ونقول ان الأئمة رضي الله عنهم أبا حنيفة وأحمد والشافعي رحمهم الله الذين سخر ابن حزم من قياساتهم هم أولى بظواهر النصوص من ابن حزم ،
    ونقول لابن حزم مثلاً : أنت قلت انك مع النصوص في الظاهر وقلت :
    ألم تعلموا أني ظاهري واني ***** على ما بدا حتى يقوم دليل

    فهذا الامام الشافعي الذي قال ان علة الربا في البر الطعم استدل بحديث ثابت في صحيح مسلم وهو حديث معمر بن عبد الله رضي الله عنه الثابت في صحيح مسلم قال : كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الطعام بالطعام مثلاً بمثل . الحديث .
    فالامام الشافعي فيما سخر منه ابن حزم أقرب لظاهر نصوص الوحي من ابن حزم

    وكذلك الامام أبو حنيفة وأحمد بن حنبل رحمهما الله تعالى اللذان قالا ان علة الربا في البر الكيل استدلا كذلك بالحديث الصحيح ، وكذلك الميزان لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما بين المكيلات وبين أن الربا حرام فيها قال : وكذلك الميزان .
    والتحقيق أن وكذلك الموزونات مثل المكيلات ، فجعل معرفة القدر علة للربا وقوله : وكذلك الميزان ثابت في الصحيحين . وفي حديث حيان بن عبيد الله الذي أخرجه الحاكم في مستدركه ، وقال انه صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه عن أبي سعيد الخدري لما ذكر الستة التي يحرم فيها الربا قال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك كل ما يكال ويوزن .

    وهذا الحديث حاول ابن حزم تضعيفه من ثلاث جهات وهذا الحديث ناقشناه في الكتاب الذي كتبنا على القرآن مناقشة وافية ، والتحقيق أن حيان بن عبيد الله ليس بمجروح وان زعم هو أن أبامجلز الذي روى عنه الحديث لم يلق ابن عباس أنه كذب وأنه أدرك ابن عباس وأبا سعيد الخدري رحمهما الله .
    وان الحديث لا يقل عن درجة القبول بوجه من الوجوه عند المناقشة الصحيحة كما بيناه في الكتاب الذي كتبناه في القرآن وهذا الحديث قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك كل ما يكال أو يوزن وهذا أقرب لظاهر نص النبي صلى الله عليه وسلم من ابن حزم الذي يسخر من الامام أحمد وأبي حنيفة رحمهما الله ،

    وليس قصدنا في هذا الكلام أن نتكلم عن ابن حزم لأنه رجل من علماء المسلمين وفحل من فحول العلماء الا أن له زلات ولا يخلو أحد من خطأ

    ومقصودنا أن نبين لمن نظر في كتب ابن حزم فقط أن حملاته على الأئمة أن الغلط معه فيها لا معهم وأنهم أولى بالصواب مته وأعلم منه وأكثر علماً وورعاً منه فهم لا يحملون على أحد ولا يعيبون أحداً .


    والحاصل أن الحاق المسكوت عنه بالمنطوق أمر لا شك فيه وأن نظير الحق حق ونظير الباطل باطل . والله جل وعلا قد بين نظائر في القرآن يعلم بها الحاق النظير والنبي صلى الله عليه وسلم أرشد أمته إلى ذلك في أحاديث كثيرة .


    فمن ذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن القبلة للصائم فقال له : أرأيت لو تمضمضت فهذا اشارة من النبي صلى الله عليه وسلم إلى قياس (القبلة على المضمضة) بجامع أن القبلة مقدمة الجماع والمضمضة مقدمة للشرب فكل منهما مقدمة الافطار وليس بافطار ومحل كون القبلة كالمضمضة اذا كان صاحبها لا يخرج منه شيء أما اذا كانت القبلة تخرج منه شيئاً فهو كالذي اذا تمضمض ابتلغ شيئاً من الماء فحكمه حكمه .


    وكذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث ثابتة متعددة في الصحيحين أنه سأله رجل مرة وامرأة مرة أنهما سألاه عن دين يقضيانه عن ميت لهما ، مرة تقول مات أبي ومرة تقول أمي وكذلك الرجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان ينفعه؟ قالت : نعم . قال : فدين الله أحق أن يقضى فهو تنبيه منه صلى الله عليه وسلم على قياس دين الله على دين الآدمي بجامع أن الكل حق مطالب به الانسان وأنه يقضي عنه بدفعه لمستحقه . وأمثال ذلك كثيرة .


    ومن أصرحها ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه رجل ، كان الرجل أبيض وامرأة بيضاء فولدت له غلاماً أسود فأصاب الرجل فزعاً من سواد الغلام وظن أنها زنت برجل أسود وجاءت بهذا الغلام فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم منزعجاً وأخبره بأنها جاءت بولد أسود وكان يريد أن يلاعنها وينفي عنه الولد باللعان زعماً أن هذا الولد من زان أسود وأنه ليس ولده لأنه هو أبيض وزوجته بيضاء فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : هل لك من ابل ؟ قال : نعم . قال : ما ألوانها ؟ قال حمر . قال هل فيها من أورق والأورق المتصف بلون الورقة والورقة يكون لوناً كحمام الحرم يعني سواد مع بياض يكون في الابل . قال الرجل ان فيها لورق . قال ومن أين جاءتها تلك الورقة ؟ آباؤها حمر وأمهاتها حمر فمن أين جاءتها تلك الورقة ؟ قال : لعل عرقاً نزعها . قال له وهذا الولد لعل عرقاً نزعه . فاقتنع الأعرابي وهذا الحاق نظير بنظير .


    وفي الجملة فنظير الحق حق ونظير الباطل باطل ،وهذا مما لا شك فيه ، وأن القياس منه قياس صحيح لا شك فيه كالأقيسة التي ذكرنا ومنه قياس فاسد ، والقرآن ذكر بعض الأقيسة الفاسدة وبعض الأقيسة الصحيحة .


    ومن الأقيسة الصحيحة في القرآن قوله تعالى :" ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب وقال له : كن فيكون . لما قال اليهود ان عيسى لا يمكن أن تلده مريم الا من رجل زنا بها فقالوا لها يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغياً وهذا الولد لابد أن يكون له والد وهذا الوالد رجل فجرتي معه وزنيت به " الله جل وعلا قاس لهم هذا الولد على آدم بجامع أن آدم وجد ولم يكن له أم ولا أب خلق ولم يكن له أم ولا أب ، فالذي خلق آدم ولم يكن أب ولا أم فهو قادر على أن يخلق عيسى من أم ولم يكن له أب ، كما خلق حواء من ضلع رجل ، فالله جل وعلا جعل خلق الانسان قسمة رباعية .
    بعض خلقه لا من ذكر ولا أنثى وهو آدم ، وبعض خلقه من أنثى دون ذكر وهو عيسى بن مريم وبعض خلقه من ذكر دون أنثى وهي حواء لأن الله يقول : " خلقكم من نفس واحدة وهي آدم وخلق منها زوجها " .
    والقسم الرابع خلقه من ذكر وأنثى فقاس عيسى بآدم بجامع أن الذي أوجد آدم بقدرته يوجد عيسى بقدرته . وأمثال هذا كثيرة .


    وكذلك قاس الموجودين زمن النبي صلى الله عليه وسلم على الأمم الماضية وقال لهم " أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم " ثم بين الحاق النظير بالنظير فقال : وللكافرين أمثالها ، كأن الموجودين زمن النبي فرع والكفار المتقدمون أصل ، والحكم الذي يهددون به العذاب والهلاك والعلة الجامعة تكذيب الرسل والتمرد على رب العالمين .
    وأمثال ذلك في القرآن كثير.


    وكذلك ما يسمونه قياس الدلالة وهو الجمع بين الأصل والفرع بدليل العلة يكثر في القرآن جداً كما في قوله جل وعلا : " ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فاذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت ان الذي أحياها لمحيي الموتى " فقاس احياء الموتى الذي ينكره منكروا البعث على أحياء الأرض المشاهد لأن كلا منهما احياء ، وهذا الاحياء للموجود يدل على قدرة باهرة يقدر بها من اتصف بها على احياء الموتى كما أحيا الأرض بعد موتها ، وكما استدل جل وعلا بقياس الأولى على الأدنى واستدل بأن من خلق السموات والأرض لا يعجز عن خلق الانسان الصغير الحقير بعد الموت كما قال :" أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها " الآية .
    وقال : " لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ، ومن قدر على خلق الأكبر فهو قادر على خلق الأصغر " .
    وقال جل وعلا : " أو لم يروا أن الله خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى " وقاس النشأة الأخرى على النشأة الأولى فقال :" ولقد علمتم النشأة الأولى" والايجاد الأول فهلا قستم عليه النشأة الأخرى والايجاد الأخير وعلمتم أن القادر على الايجاد الأول قادر على الايجاد الثاني ، كما قال :" قل يحييها الذي أنشأها أول مرة " وأمثال هذا كثيرة جداً .



    أما القياس الفاسد الذي يكون مخالفاً للنصوص كقياس ابليس لعنه الله وكالأقيسة المخالفة للنصوص وكأقيسة الشبه المبنية على الفساد فان الكفار جاؤوا بقياس الشبه كثيراً باطلاً ومثله باطل كما قالوا في يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام . (إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل) فأثبتوا السرقة على أخ يوسف لأن يوسف قد سرق قبله والأخ شبيه بالأخ فيلزم من مشابهتهما أن يكونا متشابهين في الأفعال وأن هذا سرق كما سرق ذلك .

    وهذا قياس شبه باطل ، وهذا النوع من القياس كقياسات ابليس الباطلة والكفار لعنهم الله كذبوا جميع الرسل بقياسات شبه باطلة لأنه ما جاء رسول إلى قوم إلا قالوا له أنت بشر وكونك بشر يجعلك تشبه سائر البشر ولا نقبل أن تكون رسولاً لرب العالمين وأنت تأكل كما نأكل وتشرب مما نشرب وتمشي في الأسواق التي نمشي فيها ونص الله بأن هذا منع كل أمة في قوله :" وما منع الناس أن يؤمنوا اذ جاءهم الهدى الا أن قالوا أبعث الله بشراً رسولاً فشبهوا البشر بالبشر قياس شبه واستنتجوا من ذلك أنه لا تكون له أفضلية على البشر .

    والرسل صلوات الله وسلامه عليهم ردوا عليهم هذا القياس ورده عليهم في آيات لما قالوا للرسل : (إن أنتم إلا بشر مثلنا )، فأجابهم الرسل قالوا : ما نحن الا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده فمشابهتنا في البشرية لا تستلزم عدم تفاوتنا في فضل الله كما قال جل وعلا : " قالوا أبشر يهدوننا ، لئن أطعتم بشراً مثلكم انكم اذاً لخاسرون . وقالوا فيه يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون . وقالوا أبشراً منا واحداً نتبعه انا اذاً لفي ضلال وسعر " وهذا كثير في القرأن وهذه الأقيسة فاسدة .


    والحاصل أن القياس منه صحيح ، ومنه فاسد .


    والصحيح هو الذي أجمع عليه الصحابة والتابعون وعامة المسلمين ،وأحكام الصحابة بالقياس لا يكاد أحد يحصيها .


    فقد جاء في صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن المجتهدين يختلفون في اجتهادهم وكلهم لا اثم عليه ولا حرج عليه لأنه قد ثبت في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة . هذا نص صحيح صريح سمعه الصحابة بآذانهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم راحوا من المدينة إلى ديار بني قريظة وأدركتهم صلاة العصر في الطريق فاختلفوا في فنهم هذا الحديث وكل اجتهد بحسب ما أدى إليه فهمه فجماعة قالوا ليس مراد النبي صلى الله عليه وسلم أن تؤخر صلاة العصر عن وقتها ولكن مراده الاسراع إلى بني قريظة فنصلي ونسرع فصلوا وأسرعوا وجماعة قالوا : الصلاة وجبت علينا على لسان رسول الله أن تؤخر صلاة العصر عن وقتها ولكن مراده الاسراع إلى بني قريظة فنصلي ونسرع فصلوا وأسرعوا وجماعة قالوا : الصلاة وجبت علينا على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فلو قال لنا أتركوها إلى يوم القيامة تركناها إلى بني قريظة .

    وجاء النبي ولم يصلوا واجتمعوا عند النبي صلى الله عليه وسلم وهم في خلاف بين مشرق ومغرب لأن من صلى ومن لم يصلي مختلفاً ، وهو صلى الله عليه وسلم فررهم جميعاً ولم يخطئ أحداً منهم ولو ك ان واحد منهم فعل غير صواب أو حراماً لما أقره الرسول عليه لأنه لا يقر على باطل ولا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه .

    وثبت في صحيح البخاري عن الحسن البصري مضمونه ومعناه أنه كان يقول : لولا أنه من كتاب الله أشققت على المجتهدين ، وهي قوله تعالى :" وداوود وسليمان اذ يحكمان في الحرث لأن الله جل وعلا صرح في الآية بأنهما حكما حيث قال انه يحكمان بألف الأثنين الواقعة على داوود وسليمان ، ثم قال ففهمناها سليمان ولم يذكر شيئاً عن داوود فعلمنا أن داوود لم يفهمها لأنه لو فهمها لما اقتصر على ذكره ولم يكن للاقتصار على ذكر سليمان فائدة مع أنهما فهماها ولو كان هذا وحياً من الله لما فهمها أحدهما دون الآخر لأن الوحي أمر لازم للجميع ودل على أنهما اجتهدوا وأن داوود لم يصب في اجتهاده وأن سليمان أصاب في اجتهاده والله أثنى على كل منهما ولم يؤنب داوود بل قال بعده : وكلا آتينا حكماً وعلماً .

    وقد ثبت في الصحيحين ما يستأنس به لأنه ثبت في الصحيحين أن داوود عليه السلام في زمانه جاءته امرأتان نفستا وجاء الذئب واختطف ولد واحدة منهن وكانت التي اختطف ولدها هي الكبرى وبقي ولد الصغرى فقالت الكبرى هذا ولدي واختصمتا وتحاكمتا إلى داوود فقضى به للكبرى اجتهاداً منه لأمارات ظهرت له أو لشيء في شرعه يقتضي ظاهره ذلك الاجتهاد .
    فرجعتا إلى سليمان ، فلما رجعتا إلى سليمان قال : كل واحدة منكما تدعيه هاتوا بالسكين أشقه بينهن نصفين فأعطي نصفه لهذه ونصفه لهذه . وكان أبو هريرة يقةل : ما سمعت بالسكين إلا ذلك اليوم ما كنا نقول لها الا المدية ، فلما قال انه يشقه جزعت أمه التي هي الصغرى وأدركتها رأفتها للولد فقالت له لا . يرحمك الله هو ابنها وأنا لاحق لي فيه . وكانت الكبرى راضية بأن يشق لتساويها أختها في المصيبة فعلم سليمان أن الولد للصغرى وحكم به للصغرى . وذلك ابن عساكر في تاريخه ما يشبه هذه القصة عن داوود وسليمان إلا أنه في تاريخ ابن عساكر والله أعلم بصحتها وبعدم صحتها الا أن هذا الذي ذكرنا الآن اتفق عليه الشيخان من حديث أبي هريرة .

    والقصة التي ذكرها ابن عساكر في تاريخه أنه كان أربعة من أشراف بني اسرائيل راودا امرأة جميلة من بني اسرائيل عن نفسها وكانت بارعة الجمال فمنعتهم وحاولوا أن يصلوا إليها فامتنعت فاتفقوا على أن يحتالوا عليها حيلة فيقتلونها ، فجاءوا وشهدوا عند داوود أن عندها كلباً علمته الزنا وأنها تزني مع كلبها وكان مثل هذا عند داوود يقتضي حكم الرجم فدعا داوود بالشهود فشهد الأربعة على أنها تزني بالكب فرجمها داوود ، قالوا وكان سليمان اذا ذاك صغيراً فجمع سليمان الصبيان وجعل منهم شرطاً قال فلان وفلان جعلهم كالشرطين وأخذ قوماً وجعلهم شهوداً وجاءوا يشهدون فقام وجعل رجلاً كأنه امرأة وقالوا نشهد أن هذا زنت مع كلبها ثم قال سليمان للسياف والذين جعلهم كالشرط خذوا كل واحد منهم وفرقوهم وائتوني بهم واحداً واحداً ، فجاءوه بالأول وقال له : ما تقول في شهادتك ؟ قال : أقول انها زنت بكلبها . قال له : وما لون الكلب ؟ قال : كان لون الكلب أحمر . ثم دعا بالثاني وقال : ما لون الكلب ؟ قال : كان لون الكلب أسود ، ثم دعا بالآخر فقال : أغبر ، فاختلفت أقوالهم في لون الكلب فعلم أنهم كذبة فقال : اقتلوهم لأنهم قتلوها وسمع داوود الخبر ف أرسل للشهود حالاً وفرقهم وجاؤه واحداً واحداً فسألهم واختلفوا في لون الكلب فعلم أنهم شهدوا عليها شهادة زور ليقتلوها حيلة فقتلهم قصاصاً . هكذا قال والله أعلم .


    وعلى كل حال فالقياس هو قسمان صحيح وقياس فاسد

    فما جاء به الظاهرية من ذم القياس والسلف فهو ينطبق على القياس الفاسد ، والصحابة كانوا باجماع على القياس الصحيح .

    وقد جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسله إلى اليمن جاءه ثلاث نفر يختصمون في غلام كل يقول هو ابني فقال : اقترعوا على الغلام فوقعت القرعة على واحد منهما فقال للذي جاء الغلام في نصيبه قال له : خذ الغلام الغلام وادفع لكل واحد منهما ثلث الدية ثلث دية الغلام . قالوا : فلما بلغ قضاؤه النبي صلى الله عليه وسلم ضحك من قضاء علي رضي الله عنه حتى بدت نواجذه .
    ومن ذلك حديث معاذ الذي قال له : بم تقضي قال بكتاب الله قال وان لم تجد قال فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فان لم تجد ؟ قال : اجتهد رأيي ، قال الحمد لله الذي وفق رسول الله صلى الله عليه وسلم .
    وهذا الحديث يقول ابن حزم أنه باطل لا أصل له لأنه رواه الحارث بن عمر وابن أخ المغيرة عن ناس من حمص مجهولين ، فهي رواية مجهول عن مجاهيل والاستدلال به ضلال .
    وقال ابن كثير في مقدمة كتاب تفسيره أنه رواه أصحاب السنن باسناد جيد وذكر بعض العلماء أنه جاء من طريق عبادة بن أسيد عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل والاسناد إلى هنا صحيح لا شك في صحته لأن رجاله معروفون ، الا أن البلية من قبل عبادة بن أسيد والظاهر أن الذي رواه عن عبادة بن أسيد هو محمد بن حسان المصلوب والذي صلبه أبو جعفر المنصور في الزندقة وهو كذاب لا يحتج به فالحاصل أن حديث معاذ لا طريق له الا طريق السنن التي فيها الحارث بن عمرو وعن قوم من أصحاب معاذ من أهل حمص .
    والذين قالوا ان الحديث صحيح وأنه يجوز العمل به لأمرين :
    أحدهما : أن الحارث بن عمر وثقه ابن حبان وان كان ابن حبان له تساهل في التوثيق فالحديث له شواهد ومؤيدات يعتضد بها كحديث مقبول .
    وكذلك قالوا : ان علماء المسلمين تلقوا هذا الحديث خلفاً عن سلف وتلقى العلماء للحديث بالقبول يكفيه عن الاسناد وكم من حديث يكتفي بصحته عن الاسناد يكتفي بعمل العلماء به في أقطار الدنيا لأن هذه الأمة اذا عمل علماؤها في أقطار الدنيا بحديث دل على أن له أصلاً واكتفى بذلك عن الاسناد.

    وعلى كل حال فالقياس الباطل هو المذموم والقياس الصحيح هو الحاق النظير بالنظير على وجه صحيح لا شك في صحته .

    والصحابة كذلك يلحقون المسكوت بالمنطوق به وهذا كثير وقد مثلنا له بأمثلة كثيرة ونرجوا الله جل وعلا أن يوفقنا لما يرضيه وأن يختم لنا بالسعادة .

    اللهم أختم بالسعادة آجالنا وأختم بالعافية غدونا وآصالنا واجعل إلى جنتك مصيرنا ومآلنا . اللهم اهدنا فيمن هديت وعافنا فيمن عافيت وتولنا فيمن توليت وبارك لنا فيما عطيت وقنا شر ما قضيت فانك تقضي ولا يقضى عليك .
    اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا . وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي اليها معادنا واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير واجعل الموت راحة لنا من كل شر . اللهم فالق الاصباح وجاعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً ، أقض عنا الدين واغننا من الفقر وأمتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا في سبيلك ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ، وقنا عذاب النار . ربنا أوزعنا أن نشكر نعمتك التي أنعمت علينا وأن نعمل صالحاً ترضاه ، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم .
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
    المذكرة الأصولية على روضة الناظر وجنة المناظر للإمام النظار الأصولي محمد الأمين الشنقيطي-رحمة الله عليه-
    الناشر مكتبة ابن تيمية القاهرة .
    توزيع مكتبة العلم بجدة .
    الطبعة الرابعة :1418ه-1998م.

  2. #2
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    الكنية
    أبو فراس
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    جدة
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    9,086
    شكر الله لكم
    320
    تم شكره 2,835 مرة في 1,280 مشاركة

    افتراضي

    بارك الله فيك أخي أبا حزم على هذا النقل المبارك في الرد عن ابن حزم
    لا ريب أن ابن حزم رحمه الله أخطأ في هذه المسألة
    لكن كنت سجلت تعليقا أثناء كتابة بحثي عن " ابن حزم " على رد الأمين الشنقيطي وفيه ملاحظة أن بعضه لا يرد على ابن حزم
    رحم الله الجميع وغفر الله لنا ولهم.
    سأبحث عن هذا الرد فإن وجدته فسأرفقه هنا إن شاء الله.

  3. #3
    :: عضو مؤسس ::
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    الجزائر
    المدينة
    قسنطينة
    المؤهل
    دبلوم
    التخصص
    أصول الفقه
    المشاركات
    365
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 51 مرة في 33 مشاركة

    افتراضي

    أول من أنكر القياس في الملة هو النظام ابن يسار المعتزلي شيخ الجاحظ .
    وتبعه من المعتزلة البصريين أمثال جعفر بن مبشر وغيره ومن أهل السنة من أنكر القياس أبو داود الظاهري وابنه وابن حزم حامل لواء المذهب الظاهري.
    النظام كفره جماعة وقالوا كان على دين البراهمة وكان يبطن الكفر ويظهر الزندقة .
    وقال عنه الذهبي في السير أنه سقط من بيته سكران فمات .

  4. الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ أبو حزم فيصل بن المبارك على هذه المشاركة:


  5. #4
    :: عضو مؤسس ::
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    الجزائر
    المدينة
    قسنطينة
    المؤهل
    دبلوم
    التخصص
    أصول الفقه
    المشاركات
    365
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 51 مرة في 33 مشاركة

    افتراضي

    بسم الله الرحمن الرحيم .
    إختلف الأصوليون فيما إذا كان الخلاف في حجية القياس له ثمرة أم لا ؟
    فذهب قوم أن له ثمرة وهو مذهب إمام الحرمين الجويني في البرهان و ابن السبكي في الإبهاج .
    قال الجويني"بأن غرض النظام ومن وافقه من معتزلة البصرة و بغداد من نفي حجية القياس إستئصال قاعدة الشرع و الطعن في الشريعة " راجع البرهان المجلد الثاني .
    قال ابن السبكي في الإبهاج :{ واعلم أن ماذكره النظام من أن الشريعة مبنية على الجمع بين المختلفات و الفرق بين المتماثلات كذب وافتراء وإنما حمله على ذلك زندقته وقصده الطعن في الشريعة المطهرة وقد كان زنديقا يبطن الكفر ويظهر الإعتزال } الإبهاج [3/33].
    وذهب قوم إلى أن الخلاف لفظي .
    قال الشوكاني { اعلم أن نفاة القياس لم يقولوا بإهدار جميع الأقيسة ....} إرشاد الفحول ص :204.
    واعلم يرحمك الله أن الناس تجاه العمل بالقياس طرفان ووسط .
    طرف غلا في إعمال القياس وأغرق في الإستنباط به حتى طغى ذلك على الإستدلال بالنصوص وحفظها .
    و نازع أهل الراي أهل الظاهر في أدلتهم ووجه الإستدلال بها كم أن أهل الظاهر نازع أهل الراي في أدلتهم .
    ومن أقبح و أشنع مااستدل به أهل القياس و النظر قول إمام الحرمين في البرهان { أن النصوص لا تحيط بأحكام الحوادث } أو كما قال .
    وقد نازعه فيه ابن تيمية ورد على هذه المقالة هو وتلميذه ابن القيم وقال الشوكاني في إرشاد الفحول { هذه المقالة تقتضي العجب من قائلها } أو كما قال .
    واعلم أن بعض الاصوليين يعبرون عن القياس الجلي بالعموم المعنوي وهو قول ابن تيمية قال العلامة ابن العثيمين { لان العموم يكون بالألفاظ وقد يكون بالمعاني فمتى تيقنا او غلب على الظن أن هذا المعنى الذي جاء به النص يشمل هذا المعنى الذي جاء به النص لفظا فإننا نقول : دخل فيه بالعموم اللفظي } أنظر الشرح الممتع على زاد المسقنع للعلامة الإمام العثيمين [ 2/ 117].

  6. #5
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    الكنية
    أبو فراس
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    جدة
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    9,086
    شكر الله لكم
    320
    تم شكره 2,835 مرة في 1,280 مشاركة

    افتراضي

     اقتباس: المشاركة الأصلية كتبت بواسطة فؤاد يحيى هاشم مشاهدة المشاركة
    والشيء بالشيء يذكر فإن ابن حزم رحمه الله لما احتجوا عليه بأن النظام ينكر القياس أورد عليهم بأن الجهم والجعد والأصم كلهم يثبت القياس

    قال رحمه الله في كتابه الأصولي الإحكام:


    وشنع بعضهم بأن قال: إن إبطال القياس مذهب النظام، ومحمد بن عبد الله الاسكافي، وجعفر بن حرب، وجعفر بن مبشر، وعيسى المراد، وأبي عفار، وبعض الخوارج، وإن من هؤلاء من يقول: إن بنات البنين حلال، وكذلك الجدات، وكذلك دماغ الخنزير.


    قال أبو محمد: ولسنا ننكر أن تقول اليهود لا إله إلا الله، ونقولها أيضا نحن، ولكن إذا ذكروا هؤلاء فلا تنسوا القائلين بقولهم القياس، أبا الهذيل العلاف، وأبا بكر بن كيسان الاصم، وجهم بن صفوان، وبشر بن المعتمر، ومعمرا وبشرا المريسي، والازارقة، وأحمد بن حائط، ومن هؤلاء من يقول بقياس الاطفال على الكبار، وأنهم نسخت أرواحهم في الاطفال، وبالقياس على قوم نوح، فأباحوا قتل الاطفال، وقاسوا فناء الجنة والنار على فناء الدنيا، وغير ذلك من شنيع الاقوال.

    تنبيه: هذا من باب إثراء البحث إن سمحتم ، وليس من باب معارضة ما تبحثونه ، بارك الله فيكم وسدد خطاكم.

  7. #6
    :: عضو مؤسس ::
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    الجزائر
    المدينة
    قسنطينة
    المؤهل
    دبلوم
    التخصص
    أصول الفقه
    المشاركات
    365
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 51 مرة في 33 مشاركة

    افتراضي

    بارك الله فيك .
    ممكن توضح لنا صورة البحث .

  8. #7
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    الكنية
    أبو فراس
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    جدة
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    9,086
    شكر الله لكم
    320
    تم شكره 2,835 مرة في 1,280 مشاركة

    افتراضي

    صورة البحث هو أن أكثر من تعقب أهل الظاهر فاتهم بعض الأصول الظاهرية فوقع استدراكهم على معاني أجنبية على أصول أهل الظاهر ، ومن شرط الاستدرك أن يقع على ما يسلم به المخالف وهو الأصل الأصيل الذي تدور عليه فلك المناظرة كما عبر الصنعاني في حاشيته على إحكام الأحكام
    وقد لخصت هذا في نتائج الرسالة: "الإلزام دراسة نظرية وتطبيقية من خلال إلزامات ابن حزم للفقهاء"
    http://www.mmf-4.com/vb/showthread.php?t=358

  9. #8
    مخالف
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    290
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 8 مرة في 7 مشاركة

    افتراضي

    الموضوع مكرر
    يرجى التكرم بدمجه مع الموضوع الآخر لتجتمع المشاركات في موضوع واحد ليتسنى لنا الإضافة والتعليق والرد
    بارك الله في الجميع

  10. #9
    :: مشارك ::
    تاريخ التسجيل
    May 2015
    الكنية
    د. كامل محمد
    الدولة
    مصر
    المدينة
    الالف مسكن عين شمس
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    دراسات طبية "علاج الاضطرابات السلوكية"
    العمر
    63
    المشاركات
    219
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 137 مرة في 81 مشاركة

    افتراضي رد: الرد على ابن حزم في القياس للإمام النظار محمد الأمين الشنقيطي -رحمة الله-

    من وحى أهل الحديث
    القياس
    بين النفى و الإثبات
    إعداد
    دكتور كامل محمد عامر
    مختصر بتصرف من كتاب
    الإحكام في أصول الأحكام
    للإمام المحدث الحافظ أبي محمدعلي بن أحمدبن سعيدالأندلسي القرطبي
    1433هـ ــــ 2012م
    (الطبعة الأولي)
    مقدمة
    قال الله سبحانه و تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً}[78 النحل]
    وقال تعالى: { كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} [151البقرة]
    فصح يقيناً أن الله سبحانه و تعالى أرسل محمداً صلى الله عليه و سلم إلينا ليعلمنا ما لم نعلم فما علمنا الرسول من أمور الدين فهو الحق، وما لم يعلمنا منها فهو الباطل، وحرام القول به.
    وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ {168}إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَآءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}[ 169البقرة]
    وقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [33الاعراف]
    فصح بنص القرآن أننا خرجنا إلى الدنيا لا نعلم شيئاًثم حرم علينا القول على الله تعالى بما لا نعلم،وأخبرنا تعالى أن إبليس يأمرنا بأن نقول على الله ما لا نعلم، وإذ ذلك كذلك فالفرض علينا أن نبطل كل قول في الدين، حتى يقوم برهان بصحته.
    أحكام الشريعة كلها تنقسم ثلاثة أقسام:

    ·
    فرض لا بد من اعتقاده.
    ·
    وحرام لا بد من اجتنابه.
    ·
    وحلال مباح فعله ومباح تركه (المكروه والمندوب داخلان تحت المباح).
    وقد قال الله عز وجل: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً}[29البقرة]
    وقال تعالى: { وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} [119 الانعام]
    فصح أن كل شيء في الأرض، وكل عمل فمباح حلال، إلا ما فَصَّلَ الله تعالى لنا تحريمه بالقرآن و السنة و الإجماع .
    وقال تعالى:{وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ }[10الشورى] وقال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً }[59النساء]
    فلم يبح الله تعالى عند التنازع والاختلاف أن يتحاكم أو يرد إلا إلى القرآن وكلام الرسول عليه السلام فقط . ولقد عُلِمَ يقيناً وقوع كل اسم في اللغة على مسماه فالبُرَّ لا يسمَّى تبناً، والآكل لا يسمَّى واطئاً ، فإذ قد أحكم اللسان كل اسم على مسماه ، ولم يبعث محمداً صلى الله عليه وسلم إلا بالعربية ؛ فإذا جاء نص على اسم ما بحكم ما فواجب: · ألا يوقع ذلك الحكم إلا على ما اقتضاه ذلك الأسم فقط. · ولا نتعدى به الموضع الذي جاء به النص. · وألا يخرج عن ذلك الحكم شيء مما يقتضيه الاسم ويقع عليه.
    القياس
    القياس هو أن يحكملما لا نص فيه ولا إجماعبمثل الحكمفيما فيه نص أو إجماعلاتفاقهما في العلةأو في نوع من الشبه فقط.
    أقسام القياس:
    قياس الأولى مثل قول الشافعية: إذا كانت الكفارة واجبة في قتل الخطأ وفي اليمين التي ليست غموساً، فقاتل العمد وحالف اليمين الغموس أولى .
    قياس المثل مثل قول أبي حنيفة ومالك: إذا كان الواطىء في نهار رمضان عمداً تلزمه الكفارة، فالمتعمد للأكل مثله في ذلك وكقول الشافعي: إذا وجب غسل الإناء من ولوغ الكلب فيه سبعاً فهو من الخنزير كذلك.
    قياس الأدنى وهو نحو قول مالك وأبي حنيفة: إذا وجب القطع في مقدار ما في السرقة، وهو عضو يستباح، فالصداق في النكاح مثله
    أدلة القائلين بالقياس و الرد عليها
    يقول الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ }[95المائدة]فى هذه الآية أمرالله سبحانه و تعالى ذوي عدل من المؤمنين أن يحكما في الصيد المقتول بما يشبهه من النعم.
    وهذا نص لا قياس فلا يوجد أصل و لا فرع ولا علة للحكم ، وإنما كان يكون قياساً لو قالوا :
    كما أمرنا تعالى إذا قتلنا الصيد (المحرم علينا قتله) أن نجزيه بمثله من النعم. فكذلكإذا قتلنا شيئاً من النعم (المحرم علينا قتله لِمُلْكِ غيرنا له) فواجب علينا أن نجزيه بمثله من الصيد.
    يقول الله تعالى:{فَاعْتَبِرُواْ يأُوْلِي الأَبْصَارِ}[الحشر 2] و العبور هو الجواز و التجاوز من شيئ إلى شيئ و القياس تجاوز شيئ منصوص إلى شيئ لا نص فيه.
    فما علم أحد قط في اللغة أن الاعتبار هو القياس، وإنما أمرنا تعالى أن نتفكر في عظيم قدرته وما أحل بالعصاة كما قال تعالى في قصة إخوة يوسف عليه السلام{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ }[يوسف 111]

    روي عن ابن عباس قوله في دية الأصابع ألا اعتبرتم (أى هلا قستم) ذلك بالأسنان عقلها سواء وإن اختلفت منافعها.

    ابن عباس إنما أراد هلا تبينتم أن اختلاف المنافع لا يوجب اختلاف الدية والأسنان أيضاً كذلك وهذا نص و ليس قياساً. و أيضاً القياس هو رد الفرع إلى الأصل، وليس ههنا أصل وفرع، بل النص ورد أن الأصابع سواء وأن الأسنان سواء وروداً مستوياً. و أيضاً القياس هو رد ما اختلف فيه إلى ما أجمع عليه أو رد ما لا نص فيه إلى ما فيه نص وليس في الأصابع ولا في الأسنان إجماع، بل الخلاف موجود في كليهما، والنص في الأصابع والأسنان سواء، عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول اللـه : «الأَصَابِعُ سَوَاءٌ، الأَسْنَانُ سَوَاءٌ، الثَّنِيَّةُ وَالضِّرْسُ سَوَاءٌ، هذِهِ وَهذِهِ سَوَاءٌ» [قال الشيخ الألباني : صحيح أبو داود4/212،213]
    عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: هششت إلى المرأة فقبلتها وأنا صائم، فأتيت النبي فقلت: يا رسول الله أتيت أمراً عظيماً، قبلت وأنا صائم، فقال رسول الله : «أَرَأَيْتَ لَوْ مَضْمَضْتَ بِمَاءٍ وَأَنْتَ صَائِمٌ؟» قلت: لا بأس. قال: «فَفِيمَ» ؟!
    [أبو داود كتاب الصوم][ قال الشيخ الألباني : صحيح]
    عمر رضى الله عنهظن أن القبلة تفطر الصائم قياساً على الجماع، فأخبره عليه السلام أن الأشياء المماثلة والمتقاربة لا تستوي أحكامها فالمضمضة لا تفطر، ولو تجاوز الماء الحلق عمداً لأفطر، والجماع يفطر، والقبلة لا تفطر؛ و أيضا لا شبه بين القبلة والمضمضة فالقياس لا يكون إلا بين شيئين مشتبهين، وبضرورة العقل والحس نعلم أن القبلة من الجماع أقرب شيئاً، لأنهما من باب اللذة، فهما أقرب شبهاً من القبلة إلى المضمضة.
    روى عن ابن عباس رضى الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟. قال: «لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ عَنْهَا؟» قال: نعم. قال: «فَدَيْنُ الله أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى»[مسلم 1/135] وعن ابن عباس رضى الله عنه قال: قال رجل: يا نبي اللـه إن أبي مات ولم يحج، أفأحج عنه؟ قال: «أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ كُنْتَ قَاضِيَهُ؟» قال: نعم، قال: «فَدَيْنُ اللـه أَحَقُّ»[النسائى 2/4]
    قال الله سبحانه وتعالى: { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ }[النساء 12] فعم الله عز وجل الديون كلها فما أوجبه الله علينا يقع عليه اسم دين وبالنصوص وضرورة العقل علمنا أن أمر الله أولى بالتنفيذ من أمر الناس. وكان السائل والسائلة للنبي عليه السلام مكتفين بهذا النص لو حضرهما ذكره، فأعلمها النبي بأن كل ذلك دين، وزادهم علماً بأن دين الله تعالى أحق بالقضاء من ديون الناس.

    في الحديث المشهور: أن رجلاً قال لرسول الله : يا رسول الله، إن امرأتي ولدت ولداً أسود- وهو يُعَرِّض لنفيه- فقال رسول الله : «هَلْ لَكَ مِنْ إِبِل؟» قال: نعم، قال: «مَا أَلْوَانُهَا» ؟ قال: حمر. قال: «هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟» قال: إن فيها لورُقاً، فقال رسول الله : «أَنَّى تُرَى ذَلِكَ أَتاهُ؟» ــــ أو كلاماً هذا معناه ــــ فقال له الرجل: لعل عرقاً نزعه، فقال : «لَعَلَّ هذَا عِرقاً نَزَعَهُ»[البخارى كتاب الطلاق] فهذا قياس و تعليم للقياس.

    الرجل جعل خلاف ولده في شبه اللون علة لنفيه عن نفسه، فأبطل رسول الله حكم الشبه، وأخبره أن الإبل الورق قد تلدها الإبل الحمر، فأبطل عليه السلام أن يؤثر الشبه في الحكم ؛ وما قاس رسول الله عليه السلام ولادة الناس على ولادة الإبل.
    رسول اللـه عليه السلام لما أراد أن يبعث معاذاً إلى اليمن قال: «كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟» قال: أقضي بكتاب اللـه عز وجل، قال: «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي كِتَابِ اللـه عَزَّ وَجَلَّ؟» قال: فبسنة رسول اللـه ، قال: «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللـه وَلاَ فِي كِتَابِ اللـه؟» قال: اجتهد رأيي ولو آلو: قال: فضرب رسول اللـه في صدره وقال: «الحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللـه لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللـه»[قال ابن الجوزى فى العلل المتناهيةهذا الحديث لا يصح] هذا الحديث لا ذكر للقياس فيه بوجه من الوجوه، وإنما فيه الرأي، والرأي غير القياس، لأن الرأي إنما هو الحكم بالأصلح والأحوط والأسلم في العاقبة، والقياس هو الحكم بشيء لا نص فيه بمثل الحكم في شيء منصوص عليه، وسواء كان أحوط و اصلح أو لم يكن .
    وهكذا القول في قوله : «إِذَا اجْتَهَدَ الحَاكِمُ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ» ليس فيه للقياس أثر، وإنما فيه إباحة الاجتهاد فقط
    إجماع الصحابة رضي الله عنهم الصحابة رضى الله عنهم عشرات ألوف روى الحديث منهم ألف وثلاثمائة ونيف مذكورون بأسمائهم وروى الفقه والفتيا منهم عن نحو مائة ونيِّف وأربعين مسمين بأسمائهم فما منهم أحد روي عنه إباحة القياس، ولا أمر به حاشا حديث واحد واهٍ وساقط. وروي أيضاً نحو عشر قضايا، فيها العمل بما يظن أنه قياس، فإذا حقق لم يصح أنه قياس، منها صحيح السند، ومنها ساقط السند، ويروى عنهم أكثر من ذلك وأصح في إبطال القياس نصّاً.
    إجماع الأمة على تقديم أبي بكر إلى الخلافة، وأن ذلك قياس على تقديم النبي له إلى الصلاة
    الخلافة ليست علتها علة الصلاة، لأن الصلاة جائز أن يليها المولى والعبد، وأما الخلافة فلا يجوز أن يتولاها، إلا قرشي عالم بالسياسة وإنما الصلاة تبع للإمامة، وليست الإمامة تبعاً للصلاة، فكيف يجوز عند أحد من أصحاب القياس أن تقاس الإمامة التي هي أصل، على الصلاة التي هي فرع من فروع الإمامة؟ هذا ما لا يجوز عند أحد من القائلين بالقياس.
    كل مشتبهين فوجب أن يحكم لهما بحكم واحد من حيث اشتبها وهذا تحكم بلا دليل والحقيقة في هذا أن الشيئين إذا اشتبها فهما مستويان استواء واحداً و ليس أحدهما أصل والثاني فرع، ولا أحدهما مردود إلى الآخر، ولا أحدهما أولى بأن يكون قياساً على الآخر، من أن يكون الآخر قياساً كزيد ليس أولى بالآدمية من عمرو، وكذلك الشرائع ليس بر بغداد بأولى بالتحريم في بيع بعضه ببعض متفاضلاً من بر الأندلس، فهذا هو الذي لا شك فيه.
    فى القياس يأتوا إلى ما ساوى نوعاً آخر في بعض صفاته فيلحقونه به فيما لم يستو معه، وهذا لا يجوز البتة فقد صح عن رسول الله عليه السلام : «لَعْنُ المُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ» وكل مسلم يعلم أنه لا تشابه أقوى من تشابه أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أجمعت الأمة، بلا خلاف، أن لعن المؤمن لا يبيح دم اللاعن كما يبيح القتل دم القاتل، ولا يوجب دية كما يوجب القتل دية فبطل القول بأن الاشتباه بين الشيئين يوجب لهما في الشريعة حكماً واحداً و أيضاً ليس في العالم شيئان أصلاً، بوجه من الوجوه، إلا وهما مشتبهان من بعض الوجوه، فواجب على هذه المقدمة إذا كانت عين ما مما في العالم حراماً، فيكون ما في العالم أوله عن آخره حراماً، قياساً عليه، لأنه يشبهه ولا بد في بعض الوجوه
    النصوص لا تستوعب جميع الحوادث الله تعالى يقول: { مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَىْئٍ }[الانعام 38] و: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلاَمَ دِيناً }[المائدة 3] ، و: { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ }[النحل 44] قلتُ (كامل) [جميع الحوادث التي قالوا فيها بالقياس كانت موجودة فى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهل شاهدها رسول الله عليه السلام تلك الحوادث وعرف حكمها و أخفاه عنا و هل شاهدت الصحابة رضي الله عنهم تلك الحوادث وعرفوا حكمها وأخفوه علينا؟ بالطبع لن يكون الجواب إلا "بلا" فإن شاهدها رسول الله عليه السلام و شاهدتها الصحابة رضي الله عنهم و سكتوا عنها فيلزمنا السكوت مثلهم و تكون في حكم العفو كما أخبرنا رسول الله عليه السلام]
    عدم الحاجة إلى القياس
    بعث الله عز وجل محمداً رسولاً إلى الإنس والجن، فأول ما دعاهم إليه فقول «لا إله إلا الله» ولم يكن في الدين أحكام فقد كان الدين لا تحريم فيه ولا إيجاب . ثم أنزل الله تعالى الأحكام ، فما أمر به فهو واجب، وما نهى عنه فهو حرام، ومالم يأمر به ولا نهى عنه فهو مباح مطلق، حلال كما كان .
    قالوا: لسنا ننكر أن الله تعالى لم يفرط في الكتاب من شيء، ولا أن النبي بين، ولكن النص والبيان ينقسم قسمين:
    · أحدهما نص على الشيء باسمه
    ·
    والثاني نص عليه بالدلالة، وهذا هو الذي نسميه قياساً، وهو التنبيه على علة الحكم، فحيثما وجدت تلك العلة حكم بها و هذا من جوامع الكلم.
    وهذه دعوى بلا دليل فتلك الدلالة لا تخلو من أن تكون: · موضوعة في اللغة، التي بها خوطبنا وبها نزل القرآن، لذلك المعنى بعينه. وهذا هو القسم الأول من النص على الشيء باسمه. · أوغير موضوعة في اللغة لذلك المعنى، فإن كانت كذلك فهذا تلبيس تنزه الله تعالى، ونزه رسوله عنه وهذا إشكال لا بيان فمن يريد أن يعلمنا حكم الصداق مثلا فلا يذكر صداقاً ويدلنا على ذلك بما نقطع فيه اليد أو يريد الجوز فيذكر الملح، أو يريد المخطىء فيذكر المتعمد، وهذا تكليف ما لا يطاق. وإنما جوامع الكلم أن يأتي إلى المعنى الذي يعبر عنه بألفاظ كثيرة فيبينه بألفاظ مختصرة جامعة يسيرة مثل قول الله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}[البقرة: 194] فدخل تحت هذا اللفظ مالو تقصى لَمُلِئَت منه أسفار.
    قالوا: لسنا نقول: إنه تنزل نازلة لا توجد في القرآن والسنة، لكنا نقول إنه يوجد حكم بعض النوازل نصّاً وبعضها بالدليل.
    قيل لهم، وبالله تعالى التوفيق: إن هذا حق، ولكن إذا كان هذا الدليل الذي تذكرون لا يحتمل إلا وجهاً واحداً فهذا قول صحيح ؛ وأما إن كان ذلك الدليل يحتمل وجهين فصاعداً فهذا ينقسم على قسمين: إما أن يكون هنالك نص آخر بين مراد الله تعالى من ذينك الوجهين فصاعداً بياناً جليّاً أو إجماع كذلك، فهذا حق ، وإما ألا يكون هنالك نص آخر ولا إجماع يبين بأحدهما مراد الله عز وجل من ذلك فهذا إشكال وتلبيس، تعالى الله عن ذلك، ولا يحل لأحد أن ينسب هذا إلى شيء من دين الله تعالى، الذي قد بُيِنَ غاية البيان .
    فإن قالوا
    : إن التشابه بين الأدلة هو أحد الأدلة على مراد الله تعالى.
    قيل لهم:هذه دعوى تحتاج إلى دليل والتشابه الموجب للحكم مختلف فيه فالبعض يجعل صفة ما علة لذلك الحكم، والبعض يمنع من ذلك ويأتي بعلة أخرى، وهذا كله تحكم بلا دليل.
    وقد صحح البعض العلة بطردها في معلولاتها، وهذا خطأ، لأن الطرد إنما يصح بعد صحة العلة، لأن الطرد إنما هو فرع يوجبه صحة العلة،
    وذلك نحو طرد الشافعي علة الأكل في الربا، ومنع أبي حنيفة ومالك من ذلك، وطرد أبي حنيفة علة الوزن والكيل، ومنع مالك والشافعي من ذلك، وطرد مالك علة الادخار والأكل، ومنع أبي حنيفة والشافعي من ذلك.
    قالوا: فأرونا جميع النوازل منصوصاً عليها.
    قال عليه الصلاة و السلام : «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْفَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ مَسَائِلِهِمْ وَاخْتِلاَفِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ»[البخارى كتاب الاعتصام]
    فصح نصّاً أنما لم يقله النبي صلى الله عليه و سلم
    · فليس واجباً،لأنه لم يأمر به
    ·
    وليس حراماًلأنه لم ينه عنه
    ·
    فبقي ضرورة أنه مباح،
    وهناك مسائل كثيرة قد أجمعت الأمة على ترك القياس فيها : · كقاتل تاب قبل أن يقدر عليه وندم، فلا يسقط عنه القصاص عند أحد، ولم يقيسوا ذلك على محارب تاب قبل أن يقدر عليه فالحد في الحرابة عنه ساقط · وكذلك اتفقوا على ألا يقاس الغاصب على السارق، وكلاهما أخذ مالاً محرماً عمداً. فلو كان القياس حقّاً ما جاز الإجماع على تركه.
    وإن قالوا: طرد حكم العلة دليل على صحتها. قيل لهم: طردكم أنتم، أو طرد أهل الإسلام. فإن قالوا: طرد أهل الإسلام، قيل: هذا إجماع لا خلاف فيه. وإن قالوا: بل طردنا نحن قيل لهم: ما طردكم أنتم حجة على أحد، فهاتوا برهانكم على صحة دعواكم.
    الأحاديث فى إبطال القياس
    حدثنا سالم بن عمر قال: إن عمر رأى على رجل من آل عطارد قباء من ديباج أو حرير، فقال لرسول الله عليه السلام: «لو اشتريته» فقال: إنما يلبس هذا من لا خلاق له، فأهدي لرسول الله حلة سيراء فأرسل بها إلي فقلت: أرسلت بها إلي وقد سمعتك قلت فيها ما قلت؟ قال: "إنما بعثت إليك لتستمتع بها". وقال ابن نمير في حديثه: «إنما بعثتها إليك لتنتفع بها، ولم أبعث بها إليك لتلبسها» . وعن ابن عمر قال: «رأى عمر عطارداً اليمني يقيم بالسوق حلة سيراء، فقال عمر: يا رسول الله، إني رأيت عطارداً يقيم في السوق حلة سيراء، فلو اشتريتها فلبستها لوفود العرب إذ قد مرا عليك؟ فقال رسول الله : «إِنَّمَا يَلْبَسُ الحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا مَنْ لاَ خَلاَقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ» فلما كان بعد ذلك أتي رسول الله بحلل سيراء، فبعث إلى عمر بحلة، وإلى ابن زيد بحلة، وأعطى علي بن أبي طالب حلة، وقال: اشققها خُمُراً بين نسائك» فذكر أمر عمر، قال: وأما أسامة فراح في حلته، فنظر إليه رسول الله نظراً عرف أن رسول الله قد أنكر ما صنع، فقال: يا رسول الله: ما تنظر إليّ، فأنت بعثت بها إليَّ؟ فقال: «إِنِّي لَمْ أَبْعَثْهَا إِلَيْكَ لِتَلْبَسَهَا، وَلكِنْ بَعَثْتُ بِهَا لِتُشَقِّقَهَا خُمُراً بَيْنَ نِسَائِكَ»[مسلم كتاب اللباس]
    فأنكر رسول الله على عمر تسويته بين الملك والبيع والانتفاع، وبين اللباس المنهي، وأنكر على أسامة تسويته بين الملك واللباس أيضاً، وكل واحد منهما قياس، فأحدهما حرم قياساً، والآخر أحل قياساً، فأنكر القياسين معاً، وهذا هو إبطال القياس نفسه.

    ولا بد في هذين الحديثين من أحد مذهبين:
    إما أن يقول قائل: إن النبي إذ نهى عن لباس الحرير، ثم وهبهما حلل الحرير، أن يكون لَبَّسَ عليهما وهذا كفر من قائله،
    أو أنه عليه السلام بين لهما المحرم من الحرير وهو اللباس المنصوص عليه فقط، وبقي ما لم يذكر على أصل الإباحة،
    فأخطأ عمر وأسامة رضي الله عنهما إذ قاسا، وهذا هو الحق الذي لا يحل لأحد أن يعتقد غيره. عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله : «إِنَّ الله فَرَضَ فَرَائِضَ فَلاَ تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُوداً فَلاَ تَعْتَدُوهَا، وَنَهَى عَنْ أَشْيَاءَ فَلاَ تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ لَهَا ــــ رَحْمَةً لَكُمْ ــــ فَلاَ تَبْحَثُوا عَنْهَا»[ذكر السيوطى فى الدر المنثور تصحيح الحاكم له][ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَرْبَعِينَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ الدَّرَاقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ] " إِنَّ اللهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا " حَسَّنَهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ السَّمْعَانِيُّ فِي أَمَالِيهِ وَالنَّوَوِيُّ فِي الْأَرْبَعِينَ. وفي حديث أبي ثعلبة عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها وحرم حرمات فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها [الالبانى فى مشكاة المصابيح (حسن بشاهده) ] عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ أَرْبَعٌ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ وَلَا تُسَمِّيَنَّ غُلَامَكَ يَسَارًا وَلَا رَبَاحًا وَلَا نَجِيحًا وَلَا أَفْلَحَ فَإِنَّكَ تَقُولُ أَثَمَّ هُوَ فَلَا يَكُونُ فَيَقُولُ لَا إِنَّمَا هُنَّ أَرْبَعٌ فَلَا تَزِيدُنَّ عَلَيَّ"[مسلم:كِتَاب الْآدَابِ بَاب كَرَاهَةِ التَّسْمِيَةِ بِالْأَسْمَاءِ الْقَبِيحَةِ وَبِنَافِعٍ وَنَحْوِهِ ] فهذا سمرة بن جندب لم يستجز القياس، وأخبر أنه زيادة في السنة، ولم يستجز أن يقول: ومثل هذا يلزم في خيرة وسعد وفرج، فتقول: أثم سعد أثم فرج، أثم خيرة؟ فيقول: لا. هذا وقد نص على السبب المانع من التسمية بالأسماء المذكورة (والتي تسمى بالعلة) وهذا إبطال صحيح للقياس. عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء، ويتركون أشياء تقذراً، فبعث الله نبيه وأنزل كتابه، وأحل حلاله، وحرم حرامه، فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، وذكر الحديث[الحاكم فى المستدرك وصححه] عن الحسن قال: بينا عمر بن الخطاب يمشي في بعض طرق المدينة، إذ وطىء رجل من القوم عقبه فقطع نعله، فأهوى له ضربة. فقال: يا أمير المؤمنين، لطمتني وظلمتني،فقال: لا والله ما هذا أردت، فألقى إليه الدرة. فقال: دونك فاقتص، فقال بعضهم: اغفرها لأمير المؤمنين، فقال: لا والله ما أريد مغفرتها، لقد كتبت وحفظت، ولكن إن شئت دللتك على خير من ذلك، { فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ }[المائدة 5] قال: فإني قد تصدقت، فجاء عمر رقيق فأعطاه خادماً وذكر الحديث. فهذا عمر لم يستجز قياس المغفرة على الصدقة، والعلة عند القائسين واحدة، ولا رأى أن يفارق ظاهر النص.
    وأيضاً لم يصح قط عن أحد من الصحابة القول بالقياس( يعني باسمه) فإنه لم يتكلم قط أحد منهم بلا شك ولا من التابعين بلا شك باستخراج علة يكون القياس عليها، ولا بأن القياس لا يصح إلا على جامعة بين الحكمين، فهذا أمر مجمع عليه، ولا شك فيه البتة، وهذا أمر إنما ظهر في القرن الرابع فقط مع ظهور التقليد، وإنما ظهر القياس في التابعين على سبيل الرأي والاحتياط والظن، لا على إيجاب حكم به، ولا أنه حق مقطوع به، ولا كانوا يبيحون كتابته عنهم.
    وأيضاً
    هناك مسائل كثيرة جدّاً اتفق جميع المسلمين على ترك جميع وجوه القياس فيها؛ ومسائل كثيرة جاء النص بخلاف القياس فيها ولم نجد قط مسألة جاء النص بالأمر بالقياس فيها ولا مسألة اتفق الناس على الحكم بالقياس فيها. فلو كان القياس حقّاً لما جاز الإجماع على تركه في شيء من المسائل،ولا جاء النص بخلافه البتة.
    وأما من براهين العقول
    فقد أقر القائلين بالقياس، بلا خلاف أنه جائز أن توجد الشريعة كلها أولها عن آخرها نصّاً، وأقروا كلهم، بلا خلاف من أحد منهم، أنه لا يجوز أن توجد الشريعة كلها قياساً البتة.
    ويقال
    أكل قياس حق وصواب؟ أم من القياس خطأ وصواب؟ فإن قالوا: كل قياس في الأرض فهو صواب، أوجبوا المحال وإن قالوا: من القياس خطأ ومنه صواب، قلنا لهم: بأي شيء تعرفون الحق من الباطل في القياس؟ فإذا بطل وجود برهان يصحح الصحيح من القياس ويبطل الباطل منه فقد صح أن ما لا سبيل إلى الفرق بين باطله وبين ما يدعي قوم أنه منه حق، فهو باطل كله.
    كيفية إبطال القياس
    إن قالوا: لا يكون صداق إلا ما تقطع فيه اليد، لأنه عضو يستباح كعضو يستباح.
    قيل لهم:
    وهلا قسمتموه على استباحة الظهر في جرعة خمر لا تساوي فلساً؟ فهو أيضاً عضو يستباح فما الذي جعل قياس الفرج على اليد أولى من قياسه على الظهر؟ وهو إلى الظهر أقرب منه إلى اليد، وليس يقطع الفرج كما لا يقطع الظهر؟.و يستطيع أى فقيه أن يسلك ذلك المسلك فى كل قياس.
    تناقض أصحاب القياس
    عَنْ عَائِشَةَ رضى الله عنها عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا" [مسلم كِتَاب الْحُدُودِ بَاب حَدِّ السَّرِقَةِ وَنِصَابِهَا] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ"[البخاري:كِتَاب الْحُدُودِ بَاب لَعْنِ السَّارِقِ إِذَا لَمْ يُسَمَّ] فلم يردوهما إلى الآية المتفق على ورودها من الله تعالى وهي: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }[المائدة: 38] بل غلبوا: «لاَ قَطْعَ إَلاَّ فِي رُبُعِ دِينَارٍ» وهو نص مختلف في الأخذ به، على الآية وعلى الحديث الآخر. ثم تناقضوا في حديث أُمَّ الْفَضْلِ رضى الله عنها أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ أَوْ الرَّضْعَتَانِ أَوْ الْمَصَّةُ أَوْ الْمَصَّتَانِ" [مسلم: كِتَاب الرِّضَاعِ بَاب فِي الْمَصَّةِ وَالْمَصَّتَانِ] فتركوه وأخذوا بظاهر الآية، وهذا خلاف ما فعلوا في آية القطع وكلا الحديثين صحيح وكلاهما مختلف فيه مع صحته، فإن عللوا أحدهما بأنه اختلف فيه الرواة فالآخر كذلك ولا فرق.
    قيل: إنه يمكن معارضة قياسكم بقياس آخر، فما الذي جعل أحد القياسين أولى من الآخر؟ ولا سبيل إلى وجود قياس لهم أو تعليل لهم تتعذر معارضتهما بقياس آخر أو تعليل آخر.
    قالوا:العمل حينئذ في هذا كالعمل في الحديثين المتعارضين.
    قيل: هذا باطل لأن النصين أو الحديثين المتعارضين لا بد من جمعهما واستعمالهما معاً، لأن كليهما حق وواجب الطاعة إذا صحّا من طريق السند، ولا يمكن هذا في القياسين المتعارضين، ولا في التعليلين المتعارضين بوجه من الوجوه، فإن تعذر هذا في الحديثين أو الآيتين أو الآية والحديث فالواجب الأخذ بالناسخ أو بالزائد إن لم يأت تاريخ يبين الناسخ منهما، لأن الوارد بالزيادة شريعة من الله تعالى، لا يحل تركها، وليس يمكن هذا في القياسين المتعارضين، ولا في التعليلين المتعارضين بوجه من الوجوه.
    قال بعضهم في النصين المتعارضين: ننظر أشبههما بما اتفق عليه في النصوص فنأخذ به.
    قيل:
    إن كل نصين تعارضا فليس أحد هذين النصين أولى بالطاعة من الآخر، ولا الذي يردون إليه حكم هذين النصين أولى بالطاعة له من كل واحد من هذين، وكل من عند الله تعالى والنص إذا صح فالأخذ به واجب ولا يضره من خالفه، فسقط ما أرادوا في ذلك من رد النصين المتعارضين إلى نص ثالث، ووجب استعمال كل ذلك ما دام يمكن، فإن لم يمكن أخذ بالزائد لأنه شرع متيقن رافع لما قبله، ولم نتيقن أنه رفعه غيره.
    قالوا: لا نقيس على فرع. قيل: لا فرع في الشريعة، وكل ما جاء نصّاً أو إجماعاً فهو أصل، فأين ههنا الفرع؟ قال بعضهم: الحدود والكفارات لا تؤخذ قياساً.
    قيل: فما الفرق بينهم وبين من قال بل العبادات وأحكام الفروج لا تؤخذ قياساً، وكل من فرَّق بين شيء من أحكام الله تعالى فهو مخطىء، بل الدين كله لا يحل أن يحكم في شيء منه بقياس، على أنهم قد تناقضوا وقاسوا في البابين (الكفارات و الفروج)، وأوجبوا حد اللوطي قياساً، وأوجبوا كفارات كثيرة قياساً. هذا آخرُ ما منَّ اللهُ سبحانه و تعلى به و الحمد لله رب العالمين.

  11. الأعضاء الذين قالوا شكراً لـ كامل محمد عامر على هذه المشاركة:


  12. #10
    :: مشارك ::
    تاريخ التسجيل
    May 2015
    الكنية
    د. كامل محمد
    الدولة
    مصر
    المدينة
    الالف مسكن عين شمس
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    دراسات طبية "علاج الاضطرابات السلوكية"
    العمر
    63
    المشاركات
    219
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 137 مرة في 81 مشاركة

    افتراضي رد: الرد على ابن حزم في القياس للإمام النظار محمد الأمين الشنقيطي -رحمة الله-

    "ومما يدل على أن ما يقوله ابن حزم لا يقول به عاقل ان ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من النهي عن البول في الماء الراكد يقول ابن حزم : لو بال في قارورة وصبها في الماء لم يكن هذا من المكروه لأن النبي لم ينه عن هذا وانما قال : لا يبولن أحدكم في الماء الراكد في الماء الدائم ثم يغتسل فيه ولم يقل لا يبولن أحدكم في اناء ثم يصبه فيه فهذا لا يعقل أيعقل أحد أن الشرع الكريم يمنع من أن يبول انسان بقطرات قليلة أقل من وزن ربع كيل ثم انه يجوز له أن يملأ عشرات التنكات بولاً يعد بمئات الكيلوات ثم يصبها في الماء وان هذا جائز ."

    فهل تعلم يا أخى أن عقاب الله لنا على عدم الأخذ بحديث عدم التبول فى الماء الراكد كان شديدا .
    فالعدوى بمرض البلهلرسيا لا يأتى إلا إذا تبول الإنسان فى الماء الراكد مباشرة وأما إن صب البول فى إناء ثم صب فى الماء فلن تكون هناك عدوى.


    تبسيط علوم السلف

    الاعتراض على الظاهر غير مقبول
    إعداد
    دكتور كامل محمد عامر
    مختصر بتصرف من كتاب
    الموافقات
    فى
    اصُول الأحكام
    للحافظ أبى اسحاق ابراهيم بن موسى اللخمىّ الغرناطىّ
    الشهير بالشاطبىّ
    المتوفى سنة790
    الاعتراض على الظاهر غير مقبول ويجب العمل بهذا الظاهر والدليل أن لسان العرب يعدم فيه النص أو يندر فالنص إنما يكون نصاً إذا سلم عن احتمالات عشرة وهذا نادر أو معدوم. فإذا ورد دليلٌ منصوصٌ وهو بلسان العرب فالاحتمالات دائرة به؛ وما فيه احتمالات لا يكون نصاً على اصطلاح المتأخرين فلم يبق إلا الظاهر والمجمل؛ فالمجمل الشأن فيه طلب المبين أو التوقف فالظاهر هو المعتمد إذاً فلا يصح الاعتراض عليه لأنه من التعمق والتكلف وأيضاً لو جاز الاعتراض على المحتملات لم يبق للشريعة دليل يعتمد. ولَوْ اعتبر مجرد الاحتمال في القول لم يكن لإنزال الكتب ولا لإرسال النبي عليه الصلاة والسلام بذلك فائدةإذ يلزم أن لا تقوم الحجة على الخلق بالأوامر والنواهي والإخباراتإذ ليست في الأكثر نصوصاً لا تحتمل غير ما قصد بهالكن ذلك باطل بالإجماع والمعقول فما يلزم عنه كذلك. ووجه آخروهو أن مجرد الاحتمال إذا اعتبر أدى إلى انخرام العادات وعدم الثقة بهاولأجل اعتبار الاحتمال المجرد شدِّد على أصحاب البقرة إذ تعمقوا في السؤال عما لم يكن لهم إليه حاجة مع ظهور المعنىوكذلكما جاء في الحديث في قوله أحجّنا هذا لعامنا أو للأبد وأشباه ذلكبل هو أصل في الميل عن الصراط المستقيم ألا ترى أن المتبعين لِمَا تشابَهَ من الكتاب إنما اتبعوا مجرد الاحتمال فاعتبروه وقالوا فيه وقطعوا فيه على الغيب بغير دليل فذموا بذلك وأمر النبي عليه الصلاة والسلام بالحذر منهم. وأيضاًفإن القرآن قد احتج على الكفار بالعمومات العقلية والعمومات المتفق عليها كقوله تعالى: {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ }[المؤمنون: 84، 85]فاحتج عليهم بإقرارهم بأن ذلك لله على العموم وجعلهم إذ أقرّوا بالربوبية لله في الكل ثم دعواهم الخصوص مسحورين لا عقلاء وأشباه ذلك مما ألزموا أنفسهم فيه الإقرار بعمومه وجعل خلاف ظاهره على خلاف المعقول ولو لم يكن عند العرب الظاهر حجة غير معترض عليها لم يكن في إقرارهم بمقتضى العموم حجة عليهم. فإذاً لا يصح في الظواهر الاعتراض عليها بوجوه الاحتمالات المرجوحة إلا أن يدل دليل على الخروج عنها فيكون ذلك داخلاً في باب التعارض والترجيح أو في باب البيان والله المستعان. الموافقات (5/ 341)
    كتاب لواحق الاجتهاد
    الموافقات (5/ 369)
    النَّظَرُ الثَّانِي: فِي أَحْكَامِ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ وَهُوَ عِلْمُ الْجَدَلِ:
    الموافقات (5/ 401)
    الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ:
    الِاعْتِرَاضُ عَلَى الظَّوَاهِرِ غَيْرُ مَسْمُوعٍ1.

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. ( أدب الرد على المخطىء ) كلام للعلامة ابن عثيمين - رحمة الله عليه -
    بواسطة أبو حزم فيصل بن المبارك في الملتقى ملتقى آداب الجدل وقوانين النظر
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 14-02-21 ||, 11:50 PM
  2. محاضرة مرئية: تأملات في سورة النازعات/ عبدالله بن محمد الأمين الشنقيطي
    بواسطة أبو يوسف محمد يوسف رشيد في الملتقى الملتقى المفتوح
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 10-02-12 ||, 01:32 PM
  3. محاضرة مرئية: تأملات في سورة النبأ/ عبدالله بن محمد الأمين الشنقيطي
    بواسطة أبو يوسف محمد يوسف رشيد في الملتقى الملتقى المفتوح
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 10-02-12 ||, 01:19 PM
  4. الرد الشافي على ما ذكره الشنقيطي رحمه الله في كلامه عن الظاهرية
    بواسطة أبو محمد المصرى في الملتقى ملتقى فقه أهل الظاهر
    مشاركات: 12
    آخر مشاركة: 09-03-25 ||, 12:07 AM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

جميع الموضوعات والمشاركات التي تطرح في الملتقى لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الملتقى، وإنما تعبر عن رأي كاتبها فقط.
وكل عضو نكل أمانته العلمية إلى رقابته الذاتية!.

﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران:98].