الدكتور صحراوي خلواتي/جامعة أدرار الجزائر

لقد تميزت المدرسة المغربية بخصائص ومؤهلات هائلة رشحتها لتلك المكانة المرموقة ضمن المدارس الأخرى، ومنحتها ذلك النفس المتجدد الذي ظلت تنافح به قرونا طويلة من الزمن، ولم يصبها ما أصاب غيرها من المدارس من أنواع الانحسار والتلاشي الذي انتهى في أغلب الأحيان بالانقراض والانتهاء، فقد كانت هذه المدرسة تحمل بين طياتها بذور بقائها واستمرارها، ولم تزدها الضربات التي أصابتها إلاّ صلابة وقوة، ويرجع ذلك إلى جملة من الخصائص التي يعسر حصرها ويصعب تحديدها ولكن حسبي أن ألوح على أهمها وأشير إلى أقربها.

لقد تميزت المدرسة المغربية بخصائص ومؤهلات هائلة رشحتها لتلك المكانة المرموقة ضمن المدارس الأخرى، ومنحتها ذلك النفس المتجدد الذي ظلت تنافح به قرونا طويلة من الزمن، ولم يصبها ما أصاب غيرها من المدارس من أنواع الانحسار والتلاشي الذي انتهى في أغلب الأحيان بالانقراض والانتهاء، فقد كانت هذه المدرسة تحمل بين طياتها بذور بقائها واستمرارها، ولم تزدها الضربات التي أصابتها إلاّ صلابة وقوة، ويرجع ذلك إلى جملة من الخصائص التي يعسر حصرها ويصعب تحديدها ولكن حسبي أن ألوح على أهمها وأشير إلى أقربها.
1. مراعاة الخلاف العالي : يعرف علم الخلاف بأنه "علم يعرف به كيفية إيراد الحجج الشرعية ودفع الشبه وقوادح الأدلة الخلافية بإيراد البراهين القطعية، وهو الجدل الذي هو قسم من المنطق إلاّ أنه خصّ بالمقاصد الدينية .
وقد ألف مالكية الغرب الإسلامي في هذا النوع من العلوم ما يعد كثرة، إلا أن تآليفهم لم تصل إلى الشهرة والكثرة التي تميز بها مالكية العراق الذين كانوا يعيشون في جو كثرت فيه المذاهب الفقهية، فقد كانوا يعاصرون الحنفية والشافعية، وكان بينهم من المد والجزر ما كان، بالإضافة إلى أن البيئة العراقية كانت تزخر بنشاط عارم لكل التيارات العلمية بكل أطيافها السياسية والعقدية والفقهية والحديثية واللغوية والصوفية وغيرها، فكان من الطبيعي أن يكون ذلك الزخم الهائل من التصانيف في هذا الميدان، أما المدرسة المالكية المغربية فكانت أقل احتضانا للصراعات الفقهية والعقدية لسلطان المذهب المالكي واستيعابه تقريبا لكل المنطقة اللهم إلا ما نذر ممن كان لا يصدع بانتسابه لغير المذهب المالكي لاسيما بلاد الأندلس التي هدد أميرها كل خارج عن المذهب بالعقاب والنكال .
ويقوم علم الخلاف على الرد على المخالفين وإثبات الخلل في أقوالهم ونقض حججهم وبراهينهم، وفي المقابل الانتصار لآرائهم وإظهار ما تحتوي عليه من الحجية والغلبة، ورغم قلة باع المغاربة في هذا الميدان إلاّ أنهم سبقوا غيرهم في هذا الفن بما ألّفه محمد بن سحنون من خلال كتابه الموسوم بكتاب الجوابات والذي يسمى أيضا بكتاب الرد على الشافعي وعلى أهل العراق ويقع في خمسة كتب ، وألف أبو الوليد الباجي كتابه الشهير السراج في عمل الحجاج، وهو كتاب في مسائل الخلاف كبير لم يتمه صاحبه، ويرد هذا الكتاب بعنوان آخر هو كتاب المنهاج في ترتيب الحجاج .
ولم يغفل كثير من علماء المغاربة عند شرحهم لمدونة سحنون مراعاة الخلاف في كثير من القضايا التي خالف فيها المالكية غيرهم، من ذلك كتاب التعليق على المدونة لابن الصائغ عبد الحميد القيرواني الذي كان يعرج على الخلاف خارج المذهب ولا يكتفي بسرد الآراء الواردة في المذهب فقط .
أما أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد فقد ظهر الخلاف العالي في كتابه المقدمات الممهدات لبيان ما اقتضته رسوم المدونة من الأحكام الشرعيات جليا، فهو في هذا الكتاب ينظر في ميدان الخلاف العالي ويدافع عن المذهب المالكي بالحجة والبرهان .
وألّف محمد بن عبد الله بن العربي المعافري كتابه الشهير الإنصاف في مسائل الخلاف وهو كتاب ضخم يقع في عشرين مجلدا.
أما ابن رشد الحفيد فكتابه بداية المجتهد ونهاية المقتصد يعتبر أفضل ما ألف في هذا الميدان في وقته، فقد ذكر فيه أسباب الخلاف وعلّل فأفاد وبسط فأمتع.
2. الموسوعية وسعة الاطلاع :
لقد كان رجال هذه المدرسة موسوعيين بما تحمله هذه اللفظة من معاني، فلم يقتصروا على فن بعينه بل طارت هممهم أبعد من ذلك فعالجوا كل الفنون وطرقوا كل العلوم، وقد لا يكون غريبا أن يتخصص كل عالم في فن، بل الغريب أن يحوز عالم واحد فنونا متعددة ويحيط بعلوم مختلفة يعسر الواحد منها لتحصيلها على الواحد منا، وربما تطلب العلم الواحد من الزمن عمرا بأكمله، فقد أحاطوا بعلوم القرآن وتفسيره والحديث وعلومه ومصطلحاته وقواعده، والفقه ومذاهبه وأصوله، وعلم الكلام والفلسفة والسير والتاريخ، واللغة وقواعدها من نحو وصرف وبلاغة أدب وشعر، ومنطق وحساب وطب، كما كانوا يتقنون القراءات والتجويد وغيرها … وبالجملة كانت كتبهم عبارة عن دائرة المعارف الإسلامية الكبرى.
فهذا ابن سحنون طرق أبوابا كثيرة من أبواب العلم، فقد ألف كتابه الكبير مائة جزء، عشرون في السير وخمسة وعشرون في الأمثال، وعشرة في آداب القضاة وخمسة في الفرائض وأربعة في الإقرار وأربعة في التاريخ في الطبقات والباقي في فنون العلم، وألف في أحكام القرآن ، وألف كتابه المسند في الحديث، وكتابه الكبير المشهور الجامع جمع فيه فنون العلم والفقه فيه عدة كتب نحو الستين، وكتاب السير عشرون كتابا وكتابه في المعلمين ورسالته في السنة وكتاب الإمامة وكتاب الرد على البكرية وكتاب الورع وكتاب الإيمان وكتاب الرد على أهل الشرك وكتاب الرد على أهل البدع ثلاثة كتب، وكتاب الجوابات خمسة
كتب وكتاب التاريخ ستة أجزاء .
لذلك لما نظر محمد بن عبد الحكم في كتاب الجامع قال : "هذا كتاب رجل يسبح في العلم سبحا" .
أما ابن أبي زيد القيرواني فقد كان آية في التأليف وقد طرق فنونا عديدة أتقنها أيّما إتقان وأبدع فيها أيما إبداع، وأشهرها كتاب الرسالـة التي ألفها وعمره لا يزيـد عن سبع عشرة سنة ، والتي طار ذكرها شرقا وغربا، وكتب لها القبول في قلوب الناس على مدى الزمان، وكتاب النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات في مائة جزء، وكتاب البيان عن إعجاز القرآن، وكتاب تهذيب العتبية، وكتاب الجامع في السنن والآداب والمغازي والتاريخ، وكتاب مختصر المدونة، وكتاب كشف التلبيس في الرد على البكرية، وكتاب الذب عن مذهب مالك، وكتاب إثبات كرامات الأولياء وغيرها .
أما المازري فقد تفنن في التأليف وأبدع وترك للخزانة الإسلامية دررا متنوعة لا تزال تشهد له بالنبوغ والتفوق، ولعل أهم ما كتب شرح التلقين ليس للمالكية مثله، وشرح البرهان لأبي المعالي، والمعلم في شرح صحيح مسلم الذي وصفه ابن خلدون فقال : "اشتمل على عيون من علم الحديث وفنون من الفقه" ، والكتاب الكبير وهو كتاب التعلقة على المدونة، وكتاب الرد على الإخياء للغزالي، والنكت القطعية في الرد على الحشوية، نظم الفرائد في علم العقائد، وله الفتاوى والرسائل الكثيرة، وألف في الطب فكان يفزع إليه في الطب كما يفزع إليه في الفتوى .
ومن أصحاب التواليف الكثيرة المفيدة ابن عبد البر يوسف بن عبد الله الذي طارت تآليفه بالآفاق وطرق بها ميادين مختلفة، فقد ألف في الحديث والفقه والآثار والأنساب وغيرها، ومن أهم كتبه كتاب التمهيد لما في الموطأ من معاني الرأي والآثار، وكتاب الاستيعاب جمع فيه أسماء الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وكتاب الكافي في الفقه، وكتاب جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله، وكتاب جمهرة الأنساب، وكتاب بهجة المجالس في ثلاثة أسفار وغيرها.
أما الحديث عن مؤلفات سليمان بن خلف الباجي فهو حديث عن التأليف الحسن المتفنن المشهور، فقد ألف رحمه الله تصانيف مشهورة جليلة متنوعة، فقد كتب في الحديث والقرآن والرجال والعقائد إلا أنه كان أبلغ في الفقه وإتقانه على طريقة النظار البغداديين وحذاق القرويين ، ومن أهم تآليفه المنتقى في شرح الموطأ، وقد اختصره من كتاب حافل جليل سماه الاستيفاء، ثم اختصر المنتقى في كتاب سماه الإيماء، ومنها كتاب السراج في علم الحجاج، وكتاب مسائل الخلاف وكتاب المقتبس من علم مالك بن أنس، وكتاب المهذب في اختصار المدونة، وكتاب شرح المدونة، وكتاب اختلاف الموطأ، وكتاب مختصر المختصر في مسائل المدونة، وكتاب أحكام الفصول في أحكام الأصول، وكتاب الحدود في أصول الفقه، وكتاب الإشارة في أصول الفقه، وكتاب تبيين المنهاج، وكتاب التشديد إلى معرفة طريق التوحيد، وكتاب تفسير القرآن، وكتاب فرق الفقهاء، وكتاب الناسخ والمنسوخ، وكتاب التعديل والتجريح، وكتاب فصول الأحكام وبيان ما مضى عليه العمل عند الفقهاء من الأحكام ، وغيرها من الكتب …
أما عبد الملك بن حبيب فقد كان آية في التأليف والكتابة سئل يوما كم كتبك التي ألفت، فقال : ألف كتاب وخمسون كتابا، فقد ألف في الفقه والتاريخ والحديث والأدب والتراجم …، من أهم مؤلفاته الواضحة في السنن والفقه لم يؤلف مثلها، والجامع، وكتاب فضائل الصحابة، وكتاب غريب الحديث، وكتاب تفسير الموطأ، وكتاب حروب الإسلام، وكتاب المسجدين، وكتاب مصابيح الهدى، وكتاب طبقات الفقهاء والتابعين، وغيرها من الكتب …
هذا غيض من فيض وبعض من كل مما تميز به علماء هذه المدرسة.
3. الطول والإطناب في المصنفات :
لقد تميزت معظم مصنفات هذه المدرسة بالطول والأطناب سواء تلك التي عالجت علما
واحدا أو علوما كثيرة، فقد غطّت دراساتهم مساحات واسعة من الورق اتسمت في معظمها بالدقة والإحاطة، وتميزت بالجدية والشمول، ولعل السبب من وراء هذ االأطناب هو بسط قضايا الدين وشرح أحكامه وتفريغ مسائله بما يروي غليل السائل ويزيل عنه اللبس والإبهام ويكشف له أسرار العلوم ويفتح له مغلقاته.
لذلك جائت مصنفاتهم واضحة بينة لا يتحرج المبتدئ في الأخذ منها والانتفاع بها، وهي كثيرة في كل الأطوار التي مرت بها المدرسة المغربية منها الأمهات والدواوين والشروح والحواشي، ولهل من أهمها المدونة التي ألفها الإمام عبد السلام سحنون والتي هي في حقيقة الأمر "ثمرة مجهود ثلاثة من الأئمة مالك بإجاباته وابن القاسم بقياساته وزياداته وسحنون بتهذيبه وتنقيحه وتبويبه وبعض إضافاته" .
"ولقد ضمت المدونة بين دفتيها حوالي ستة وثلاثين ألف مسألة إلى جانب الأحاديث والآثار" ، ولقد حظيت بالاهتمام والعناية ما لم يحظ به كتاب فقهي آخر، فبين شارح لها وبين معلق عليها ومختصر لمسائلها.
ومن الأمهات الواضحة في السنن والفقه لعبد الملك بن حبيب وهو كتاب ضخم حظي بمكانة متميزة في القرنين الثالث والرابع الهجري جمع بين دفتيه آراء المدارس المالكية التي تتلمذ عليها ابن حبيب "فهو كتاب شامل يضاهي المدونة في بنائه وتكوينه الداخلي" .
ومن الأمهات العتبية أو المستخرجة لمحمد بن أحمد بن عبد العزيز العتبي القرطبي، وسميت بالمستخرجة لأنه استخرجها من الأسمعة التي رويت عن الإمام مالك بواسطة تلاميذه وتلاميذهم ، وقد وصفها ابن حزم فقال : "إن لها القدر العالي والطيران الحثيث" ، ولقد اعتنى بها كثير من العلماء بين شارح ومختصر ومن أهمهم ابن رشد الجد من خلال شرحه لها في كتابه المشهور البيان والتحصيل الذي كان سببا في حفظها وإلا ضاعت مع التراث الذي ضاع.
ومن الدواوين أيضا كتاب محمد بن سحنون الكبير الذي يقع في مائة جزء، وكتابه الجامع وهو كتاب كبير مشهور يقع في نحو ستين كتاب ، وألف ابن عبدوس كتابه المجموعة في نحو ستين كتابا ، والف عيسى بن دينار كتاب الهداية في عشرة أجزاء وله سماعه المشهور على ابن القاسم في عشرين كتابا .
ومن الموسوعات الفقهية نجد النوادر والزيادات لابن أبي زيد القيرواني، والجامع لابن يونس الصقلي، والتمهيد والاستذكار لابن عبد البر، والتبصرة للخمي، والبيان والتحصيل لأبي الوليد بن رشد، وشرح التلقين للمازري، والنهاية والتمام في معرفة الوثائق والأحكام للمتيطي، ومناهج التحصيل للرجراجي، والمختصر في الفقه المالكي لابن عرفة الورغمي، والمعيار المعرب للونشريسي، وأحكام البرزلي لأبي القاسم بن أحمد البرزلي، ونوازل التسولي لأبي الحسن علي بن عبد السلام التسولي، والمعيار الجديد لأبي عيسى المهدي بن محمد بن محمد بن الأخضر العمراني الوزاني، وغيرها من الموسوعات الكثيرة التي يصل عدد بعضها إلى خمسين مجلدا كما هو الشأن بالنسبة لكتاب الممهد للورياغلي وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على العلم الزاخر الذي حظي به هؤلاء.
4. الفقه المقارن المذهبي :
لم يكن علماء المالكية في الغرب الإسلامي نسيجا واحدا ولا كانت أراؤهم قالبا متحدا بل تعددت أراؤهم واختلفت في كبرى المسائل وصغارها حتى إنك لتجد في المسألة الواحدة عشرات الأقوال كل يدلي فيها بدلوه ويعلل رأيه واختياره حتى لكأن كل واحد منهم يمثل مدرسة قائمة واتجاها منفردا، ففي كتاب الواضحة نجد الخلاف الفقهي سيد الموقف حيث "نجد مؤلفه يرجع إلى رأي مالك، إلا أنه في نفس الوقت يرجع إلى رأي معاصره وخلفه من أهل المدينة التي تختلف أحكامه وأراؤه الفقهية عن آراء شيخه" ، وتكمن أهمية كتاب الواضحة في أنه يعرض الاختلاف في الرأي في عصر مالك بين حلقات علماء أهل المدينة وكذلك الاختلاف في روايات تلاميذ مالك والمعاصرين" .
أما المستخرجة من الأسمعة والمعروفة بالعتبية فإنها تحتوي على آراء فقهية لتلاميذ مالك وخلفائه ، فهي في حقيقتها عبارة عن "سماعات أحد عشر فقيها ثلاثة منهم أخذوا عن مالك مباشرة وهم ابن القاسم وأشهب وابن نافع المدني، وآخرون أمثال : ابن وهب، ويحيى بن يحيى الليثي وسحنون، وأصبغ" .
كتاب النوادر والزيادات لابن أبي زيد القيرواني هو حلقة هامة من حلقات الفقه المقارن داخل المذهب، ولم يكن دور المؤلف في هذا الكتاب أكثر من عرض الآراء الفقهية المختلفة في المسألة الواحدة، كما صرّح بذلك في مقدمة كتاب النوادر والزيادات" .
وقد اعتمد لإنجاز هذا العمل على أمهات الدواوين وقد ذكرها بقوله "وذكرت أن ما في كتاب محمد بن إبراهيم بن المواز والكتاب المستخرج من الأسمعة استخراج العتبي والكتب المسماة الواضحة، والسماع المضاف إليها المنسوبة إلى ابن حبيب والكتب المسماة المجموعة المنسوبة إلى ابن عبدوس والكتب الفقهية من تأليف محمد بن سحنون .." .
وكتاب الجامع لمسائل المدونة والأمهات لأبي بكر محمد بن عبد الله بن يونس التميمي الصقلي "والذي يعرف بمصحف المذهب لصحة مسائله ووثوق صاحبه" وهو أحد الأربعة الذين اعتمد الشيخ خليل ترجيحاتهم في مختصره، والكتاب اعتمد كثيرا على النقل من جملة من المصادر هي النوادر والزيادات، ومختصر ابن أبي زيد للمدونة، والموازية، والمستخرجة، وكتاب الكافي الذي صرّح فيه صاحبه أنه استقاه من جملة من المصادر حيث يقول في مقدمة كافيه "فعوّلت منها على سبعة قوانين دون ما سواها وهي الموطأ والمدونة وكتاب ابن عبد الحكم والمبسوط لإسماعيل القاضي والحاوي لأبي الفرج ومختصر أبي مصعب وموطأ ابن وهب، وفيه من كتاب ابن المواز ومختصر الوقار والعتبية والواضحة فقر صالحة" .
أما أبو الوليد الباجي في كتابه فصول الأحكام وبيان ما مضى عليه العمل عند الفقهاء من الأحكام فقد بناه من جملة من الأمهات والدواوين كالمدونة وكتاب ابن شعبان وثمانية أبي زيد وعن شيوخ البغداديين ونقل مما انتشر من روايات الأندلسيين" .
ولقد ألّف محمد بن الحارث الخشني رحمه الله في هذا الفن كتابان هما كتاب الإنفاق والاختلاف في مذهب مالك وكتاب رأي مالك الذي خالفه فيه أصحابه.
5. الاختيارات :
لم يكن كل علماء مدرسة الغرب الإسلامي مقلدين يجمعون ما يسمعونه ثم يبلغوه، يمكن أن يكون هذا شأن عدد هائل منهم، لكن عدد غير قليل منهم، بلغ النضج الفكري عندهم مبلغا كبيرا أوصلهم إلى درجة الاجتهاد المذهبي، حيث كانت لهم القدرة على استقراء النصوص وقوة التصرف فيها، وحسن توجيهها، واستنباط الدقائق منها، بما عجز عنه من نقلوا عنهم ودرسوا عليهم، وتلك موهبة يمنحها الله لمن يشاء.
فقد كانت لهم اخياراتهم، وترجيحاتهم التي خالفوا بها صاحب المذهب وكبار تلاميذه، ومن هؤلاء مثلا عبد الله سحنون، ناشر المذهب المالكي في إفريقيا، ومدون مسائله تجده "يخالف في كثير من المسائل المعروفة عن صاحب المذهب ونقف على آرائه المخالفة في صفحات من مدونة المذهب بروايته وقد تابعه في البعض منها من جاء بعده مرجحا لها على غيرها" ، وعبد الخالق بن خلف بن سعيد بن شبلون القيرواني ألف كتابا سماه المقصد يقع في أربعين جزء، كان مستقل الرواية يفتي في المسائل برأيه مخالفا لرأي غيره ، قال صاحب الترتيب "وكان يفتي في اللازمة بطلقة واحدة" ، والإمام عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله الأصيلي ترك التقليد وكان يجتهد رأيه ولا يبالي أوافق مالكا أم خالفه، وكان إذا استفتي عن مسألة قال للسائل عن مذهب مالك تسألني أم عما يقتضيه العلم بإطلاق" .
وكـان لمحمد بن عبد الله بن عتاب القرطبي اختيارات وتصحيحات لبعض الروايات والأقوال عدل فيها عن المشهور، وباختياره جرى عمل الحكام .
أما الإمام أبو الحسن علي بن محمد الربعي المعروف باللخمي فقد كان مغرى بتخريج الخلاف في المذهب واستقراء الأقوال وربما تبع نظره فخالف المذهب فيما ترجح عنه، فخرجت اختياراته في الكثير عن قواعد المذهب ، وقد ضرب به المثل في كثرة الاختيارات حتى قال فيه النابغة الغلاوي :
واعتمدوا تبصرة اللخمي ولم تكـن لعالم أمـي
لكنه مزّق باختيــاره مذهب مالك لدى امتياره
وكتابه التبصرة الذي وضعه على المدونة مليء باختياراته، ويعتبر اللخمي أحد الأئمة الأربعة الذين اعتمد خليل ترجيحاتهم وأخذ باختيارات اللخمي، يقول الخليل : وبالاختيار للخمي.
والقاضي عبد الرحمان بن قاسم الشعبي العالم بالنوازل كانت له في الأقضية مذاهب من الاجتهاد لم تكن لغيره من أهل طبقته ، وقد أورد النباهي في تاريخ قضاة الأندلس جملة من الاختيارات تدل استقلاله برأيـه حيث كان يتفنن في استعمال القيـاس ويشـرّع بناءا على
المصالح تحقيقا للمقاصد .
ومحمد بن أحمد بن رشد القرطبي ممن بلغ درجة الاجتهاد في المذهب وهو أحد الأربعة الذين اعتمد خليل ترجيحاته في مختصره حيث يردد خليل عبارة وبالظهور لابن رشد.
ومحمد بن علي بن عمر التميمي المازري المعروف بالإمام والذي استجمع أدوات الاجتهاد ومع ذلك لم يدّعه وهو أحد الأربعة أيضا الذين اعتمد خليل ترجيحاتهم وأقوالهم وفيه يقول وبالقول للمازري.
وغير هؤلاء كثير أمثال القاضي عياض، وأبو القاسم بن أبي بكر بن زيتون، ومحمد بن هارون الكناني، ومحمد بن عرفة الورغمي، وإسماعيل التميمي التونسي … كلهم عرف باجتهاده في المذهب واختياراته فيه.
6. النوازل والأحكام :
مما ميز مدرسة الغرب الإسلامي حسن التعامل مع المستجدات والنوازل وتقليب النظر فيها، وتحكيم الشرع عن طريق استعمال أدوات الاجتهاد التي تجعل الشريعة مرنة تواكب التطورات والمتغيرات.
ولا يزال أمر الفتوى يعظم والإقبال عليه يكثر مع مرور الزمان وتقلب الحوادث واتساع العمران وكثرة النزاعات والخصومات واختلاف البيئات وتنوع الأعراف والعادات كل ذلك تسبب في اختلاف الآراء نتيجة اختلاف الأحداث الواقعة أو المتوقعة .
وقد صبغت الساحة المغربية بكم هائل من الكتب في هذا الميدان بذل فيها العلماء مجهودات جبارة تدل على إسهامات فعالة حفظت الأيام بعضها وغاب عنا البعض الآخر فيما غاب من تراث.
والتأليف في هذا الفن لا يتأتى لأي كان لأنه يتطلب تحصيلا علميا كبيرا وعقلية علمية يقظة لها القدرة الفائقة على التعامل مع المستجدات وحسن التصرف فيها من خلال إرجاع النظير إلى نظيره والفرع إلى أصله، ومن خلال إعمال الفكر في النصوص واستنتاج الأحكام المناسبة واستنباط القواعد الملائمة والتفاعل مع الآراء الواردة للخلوص إلى الرأي المناسب إما جريا مع مصلحة أو درءا لمفسدة أو تماشيا مع الضرورة، دون التحجر لرأي مشهور أو الجمود مع نص من النصوص، بل كانوا عند اقتضاء الحال يفتون بالمرجوح والشاذ والضعيف .
ومن أهم ما أصدرته هذه المدرسة من مؤلفات نذكر كتاب عيسى بن سهل الأسدي الإعلام بنوازل الحكام وهو كتاب "يحتوي على نوازل واقعية حكم فيها المؤلف بنفسه إذ كان قاضيا، أو صدر فيها حكم أو فتوى ممن كان يتصل بهم من العلماء" ، وظل كتابه مصدرا هاما يرجع إليه الشيوخ والحكام، قال صاحب الشجرة وصاحب الصلة عند إيراد ترجمته "وألف كتاب الإعلام بنوازل الأحكام عوّل عليه شيوخ الفتيا والحكام" .
وألف أبو المطرف عبد الرحمان بن قاسم الشعبي كتابه نوازل الأحكام أو ما يعرف باسم فتاوي أبي المطرف وهو كتاب مفيد في بابه "في غاية النبل اعتمده ابن عرفة وغيره" .
والفتاوى لأبي الوليد بن رشد المليئة بالافتراضات النظرية والمسائل الجزئية بقيودها وشروطها والتي شعّبت الفقه وضخمته وعقدته والتي قام ابن الوزان تلميذ ابن رشد بجمعها ونشرها.
وللقاضي أبي عبد الله بن محمد بن أحمد المعروف بابن الحاج نوازل مشهورة تسمى نوازل الأحكام وهي متداولة بأيدي الناس .
وكتب ابن هشام كتابه المفيد للحكام فيما يعرض لهم من نوازل الأحكام وهو من الكتب المعروفة عند المغاربة اعتمده ابن عاصم احب التحفة وذكره في مصادره حيث يقول :
فضمنه المفيد والمقـرب والمقصد المحمود والمنتخـب
وللقاضي عياض في النوازل جولات من خلال كتابه مذاهب الحام في نوازل الأحكام حيث يقول في مقدمة كتابه "وجعلت كتابي هذا ديوان فقه يشتمل على جميعها، وترجمته بمذاهب الحكام في نوازل الأحكام، وربما ذيّلت بعض تلك النوازل بما تقدم فيها أو في نوعها للقرويين والأندلسيين وغيرهم" وقد عقب ابنه عبد اللخه كثيرا على فتاوى والده وأكثر من التذييلات خلال تعرضه لهذه النوازل .
ومن نوازل المتأخرين نذكر نوازل المهدي الوزاني المعروفة بالمعيار الجديد وهي "أجود من معيار الونشريسي إذ تمتاز عنها بنقلها لفتاوى المتأخرين" وتقع ف يإحدى عشر مجلدا.
وغيرها مما كتبه المغاربة في هذا الشأن مما يصعب حصره وتحديده ويطول شرحه وبيانه.
7. فقه الوثائق والعقود :
علم الوثائق والشروط يعتبر من العلوم المستجدة نسبيا إذا ما قورن بغيره من العلوم، إذ لم يظهر بشكله النهائي إلا في بدايات تأسيس المدرسة المغاربية حيث احتاج الناس لتوثيق معاملاتهم حسما للنزاع وردا للخصام وحماية للحقوق وحفاظا على النفوس وصيانة للأعراض، خصوصا بعد التوسع المعماري والاختلاط البشضري والتمازج البيئي الذي نتج عنه فساد الأخلاق وانحسار القيم وترجرج الثقة مما استدعى كتابة العقود وتوثيقها.
والمدرسة المغربية كانت سباقة للتأليف في هذا الفن، ومن أهم الذين تصدروا لهذا العلم
نذكر فضل بن سلمة "الفقيه العالم بالمسائل والوثائق" له "في الوثائق جزء حسن مفيد" ومحمد بن يحيى بن لبابة الملقب بالبرجون "كان عالما بعقد الشروط بصيرا بعللها له كتاب في الوثائق" ، وأبو عبد الله بن أحمد المعروف بابن العطار العارف بالوثائق والشروط "وله فيه كتاب عليه المعول" يسمى بالوثائق المجموعة" ، قال صاحب الصلة "وجمع فيها كتاباب حسنا مفيدا يعول الناس في عقد الشروط عليه ويلجأون إليه" .
وأحمد بن سعيد بن إبراهيم الهمداني المعروف بابن الهندي كتب في الوثائق والشروط "وله فيها كتاب مفيد جامع محتو على علم كثير وفقه جم وعليه اعتماد الحكام والمفتين وأهل الشروط بالأندلس والمغرب" .
وأما أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله الباجي "فقد كان متقدما في علم الوثائق وعللها، وألف فيها كتابا حسنا وكتابا مستوعبا في سجلات القضاء إلى ما جمع من أقوال الشيوخ المتأخرين" .
وكتب أحمد بن محمد بن مغيث كتابه المقنع في الوثائق "وهو كتاب حسن" وقد ألف عبد الله بن فتوح الوثائق المجموعة "وهو تأليف مشهور مفيد جمع فيه أمهات كتب الوثائق وفقهها" ، وقال ابن بشكوال "وله كتاب حسن في الوثائق والأحكام وهو كتاب مفيد" .
وكتب أبو الحسن علي بن عبد الله المتيطي في الوثائق كتابان هامان هما عمدة الحكام ومرجع أصحاب الشروط والأحكام، يعرف الأول باسم النهاية والتمام في معرفة الوثائق والأحكاـم وهو كتاب كبير مشهور ، والثاني يعرف باسم سجلات العقود والأحكام وهو تكملة لكتابه الشهير النهاية والتمام .
وغيرها من الكتب التي ألفت في هذا العلم والتي تميزت بالاختلاط مع الفقه إذ قلما نجد كتابا في الوثائق خالصا من الفقه، فقد كان لا يكتب في الوثائق إلا من يكتب في الفقه لذلك جاءت المصنفات فيه كبيرة والعلم فيه غزير، كما هو الشأن بالنسبة لأحمد بن عبد القادر بن سعيد الأموي الإشبيلي الذي وضع كتابا في الوثائق والشروط سماه المحتوى يقع في خمسة عشر جزءا .
8. فقه الماجريات (أو ما جرى به العمل) :
وقد تميزت المدرسة المالكية المغربية بهذا الفن الذي ظهر في القرن الرابع، وعرفه الجيدي بأنه "العدول عن القول الراجح والمشهور في بعض المسائل إلى القول الضعيف فيها رعيا لمصلحة الأمة وما تقتضيه حالتها الاجتماعية" .
فكثيرة هي المسائل التي يقع فيها الخلاف بين الفقهاء فيعمد القضاة إلى الحكم بالمرجوح أو الضعيف بسبب درء مفسدة أو جلب مصلحة، أو خوف فتنة او جريانا لعرف من الأعراف فيعتمد هذا الحكم عند من جاء بعدهم لقيام السبب نفسه الذي لأجله حكم بالمرجوح أو الضعيف "لأنه إذا كان العمل بالضعيف لدرء مفسدة فهو على أصل مالك في سد الذرائع، وإن كان لجلب مصلحة فهو على أصله في اعتبار المصلحة المرسلة" .
ومنشأ العمل بما جرى به العمل يبدأ من الوقت الذي بدأ فيه العلماء يستندون لاختيارات شيوخ المذهب وترجيحهم لبعض الأقوال التي عدلوا فيها عن الراجح والمشهور، فعلموا بهذه الاختيارات جريا لمصلحى أو دفعا لمضرة، ولعل سندهم في ذلك هو قول عمر بن عبد العزيز »تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور« فيكون بهذا قد فتح للحكام والقضاة مجالا واسعا للتعامل مع المستجدات ومعالجتها وفقا لما تقتضيه مصلحة العصر وضرورة الزمان، والعمل بهذا النوع من التشريعات رغم المآخذ التي سلجت عليه والمعارضة التي لقيها الفقهاء المسترسلون فيه إلا أنه دليل قوي على ما تميز به الفقهاء من قدرات في مجابهة المستجدات والمشكلات الواقعة والمتوقعة "فأعطوا بذلك الحلول للنوازل والقضايا التي لم يرد فيها نص صريح أو ضمني، وأثبتوا بذلك أنهم قادرون على ملاحقة التطور البشري والتغير الزماني كما دللوا على أن الفقه المالكي قابل دائما للتطور لمرونته وقوة قابليته للاستمرار والبقاء" ، وقد امتلأت كتب هذه المدرسة بهذا النوع من التشريعات، ككتاب فصول الأحكام لأبي الوليد الباجي الذي نص في كل مسألة من مسائله على أن العمل جرى بها، وكثرت أيضا مؤلفات ابن عتاب وابن سهل وغيرها من كتب الأحكام كتحفة ابن عاصم الذي أكثر فيها من ذكر العمل .

9. الجنوح إلى المختصرات :
ومن أهم ما تميزت به المدرسة المالكية بالغرب الإسلامي كثرة الجنوح إلى المختصرات حتى أنه ما وجد كتاب من أمهات الكتب إلا واختصر وربما احتاج هذا الاختصار إلى اختصار.
وقد بدأت هذه الظاهرة في أوائل القرن الثالث الهجري ثم ازداد انتشارها في القرن الرابع ثم تضخم حجمها بشكل ملفت للانتباه في القرن السابع الهجري ، ولعل الأسباب من وراء ظهور هذه الظاهرة :
- أن المتأخرين صعب عليهم استيعاب المطولات وشقّ عليهم قراءتها لطولها وكثرة ما ورد فيها.
- ضعف الهمم وفتور العزائم فقد يقصد الإنسان إحدى هذه الأمهات لكنه ما إن يرى حجمها حتى يتسرب إليه الملل وتركبه السآمة خصوصا في وقت أضحت فيه القراءة تعطى لها فضول الأوقات.
- قصور الفقهاء على الابتكار والإبداع فبدل أن يبدعوا كما ابدع أسلافهم ركنوا إلى مؤلفاتهم يهذبونها وينقصون منها ويزيدون.
- رغبة العلماء في عدم حرمان طلبة العلم من ثمرات الأمهات وتمكينهم من الإطلاع على أكبر قدر ممكن خصوصا وأنها كثيرة ويعسر الإحاطة بها.
- تنقيتها من الحشو الزائد والكلام الطائل والذي لا ينفع ذكره ولا يضر تركه وإظهار الأهم فقط مما تتم به الفائدة ويقع به النفع.
إن المصنفات الأولى التي صنفت في وقت مبكر كانت كبيرة الحكم واضحة المعاني سهلة العبارة مثل مدونة سحنون، والواضحة لعبد الملك بن حبيب والمستخرجة للعتبي والنوادر والزيادات لابن أبي زيد القيرواني وغيرها من المصنفات التي تعتبر أمهات الفقه المالكي في الغرب الإسلامي والتي نالت أكب قسط من الاختصار والتهذيب ولاسيما المدونة التي اختصرها زهاء مائة عالم أو يزيد، بل ما ألف عالم من التأليف شيء إلا كان اختصار المدونة من جملتها، وإن جولة سريعة في كتب التراجم بعد القرن الرابع الهجري ينبئك بصدق ما أقول، فقد اختصرها فضل بن سلمة الجهني ثم اختصرها محمد بن عبد الله بن عيشون الطليطلي صاحب المختصر المشهور، ثم جاء من بعدهما محمد بن عبد الملك الخولاني البلنسي، واختصرها عبد الله محمد بن أبي زمنين واختصرها ابن أبي زيد القيرواني، وأبو القاسم اللبيدي، والبرادعي صاحب التهذيب والذي اختص مختصر ابن أبي زيد القيرواني السابق الذكر ثم جاء بعد هؤلاء عثمان بن الحاجب الذي اختصر تهذيب البرادعي الذي سيتخصره فيما بعد خليل بن إسحاق الجندي .
كما اختصرت الواضحة ومن أهم من اختصرها "الفقيه خلف بن القاسم الأزدي
المعروف بالبرادعي، وفضل بن سلمة الجهني وابن فرحون" .
أما المستخرجة فقد نالت حظها من الاختصار أكثر ما حظيت به من الشرح، ومن أهم مختصريها فضل بن سلمة الجهني، ويحيى بن عمر الكناني، وإبراهيم بن شنظير، ومحمد بن
عبد السلام سحنون، وبن أبي زيد القيرواني وغيرهم .
ولَمَّا أدخلت الموازية بلاد الغرب الإسلامي من طرف درّاس بن إسماعيل الفاسي تلقفتها أيدي العلماء بالتهذيب والاختصار، وكان أول من اختصرها فضل بن سلمة الجهني كما جمع بينها وبين العتبية في كتاب واحد .
ورغم اختصر هؤلاء لأمهات الكتب إلا أن كتبهم كانت تفي بالغرض وتستجيب للطلب وتتوافق مع النية التي دفعت لهذا العمل، فقد جاءت على قلة عباراتها واضحة تهدي إلى الهدف وتوصل إلى الغرض.
ولكن خلف من بعد هؤلاء من عقّد الفقه باختصاره وصعّب فهمه وإدراكه مما صعّب فهمهما وعسّر فقهها مما اضطر الناس معها على الاستعانة على فهمها بكثرة الشروح والحواشي، وهكذا وجد الفقه نفسه في دائرة مغلفة يعسر الخروج منها فمن بسط إلى اختصار إلى اختصار الاختصار ثم إلى شرح الاختصار ثم إلى وضع الحواشي على الشروح، والنتيجة كما قال القباب نصل إلى كتب لا يفهمها المبتدئ ولا يحتاج إليها المنتهي .
وقد كان الشاطبي لا يعتمد على كتب المتأخرين ويحث على الرجوع للأصول والمؤلفات القديمة حيث يقول "فلذلك صارت كتب المتقدمين وكلامهم وسيرهم أنفع لمن أراد الأخذ بالاحتياط في العلم على أي نوع كان وخصوصا علم الشريعة التي هي العروة الوثقى والوزر الأحمى" .
10. علم الرواية والدراية :
لا نختلف أن المنهج الذي سلكه مالك وأسسه لمذهبه يقوم على الدراية والرواية أي الحديث والفقه، وهذه الازدواجية ظلت على مدى الأزمان تمنح المذهب قوته وتعزز مصداقيته عند أتباعه في جميع الأقطار والعصور وعلى هذا الدرب صار علماء المدرسة المغربية، حيث كانوا يروون الحديث ويستخرجون منه الفقه، أي كانوا محدثين وفقهاء ويظهر هذا جليا في كتب كثير ممن تشرفت هذه المدرسة بانتسابهم إليها وانتمائهم لأصولها أمثال ابن عبد البر من خلال كتبه الاستذكار والتمهيد والكافي، ومن خلال كتاب المنتقى للباجي وغيرهمـا، وقد صرح ابن عبد البر بهذه الازدواجية وهو يتحدث عن كتابه التمهيد حيث يقول : "إن الهدف منه هو تخريج ما في الأخبار من المعاني والفقه" .
والمتتبع للأمهات يجدها تستند في الكثير من مسائلها إلى الدليل اللهم إلا في بعض المسائل التي يعسر الاستدلال لها، وربما لأجل هذا رُمي الفقه المالكي بأنه فقه غير مؤصل تحكى فيه المسائل مجردة من الدليل ويُستند فيها إلى أقوال الرجال بدل الاستناد إلى النصوص من الكتاب والسنة، والذي يجب أن يعلم أن المسائل الفقهية يعسر فيها تقييد الدليل لكل جزئية من جزئيتها، ذلك لأن النصوص متناهية أما الوقائع والنوازل فغير متناهية وهذا ما أشار إليه ابن خلدون في مقدمته حيث قال "إن الوقائع المتجددة لا توفي بها النصوص، وما كان فيها غير ظاهر في النصوص فيحمل على المنصوص لمشابهة بينهما" ، ويقول الشهرستاني "إن الحوادث والوقائع في العبادات والتصرفات لا يقبل الحصر والعد، ونعلم قطعا أيضا أنه لم يرد في كل حادثة نص ولا يتصور أيضا ذلك، والنصوص إذا كانت متناهية والوقائع غير متناهية وما لا يتناهى لا يضبطه ما يتناهى عُلم قطعا أن الاجتهاد والقياس واجب الاعتبار حتى يكون بعدد كل حادثة اجتهاد" .
ومع ذلك لم يُترك الحبل للغارب فيما كتبه المغاربة لغير دليل بل حاولوا جهدهم الاستدلال ما أمكن، ومما يذكر في هذا المجال كتاب التعليق على المدونة لابن الصائغ عبد الحميد القيرواني وهو كتاب بعد من أفيد الكتب في الفقه المالكي حيث كان غالبا ما يذكر في كل كتاب أو باب مستنده من الكتاب والسنة شارحا ومعللا" .
ويظهر الاستدلال جليا في كتاب شرح التلقين للمازري وهو كتاب يمتاز بدقة التحرير وعدم الاقتصار على مجرد نقل النصوص بل يذكر مع ذلك الأدلة من الكتاب والسنة ، وكتاب مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل على كشف أسرار المدونة لعلي بن سعيد الرجراجي وهو من أروع ما ألف المغاربة في الفقه المقارن المستند إلى الأدلة .
إلا أننا لا نبرئ ساحة هذه المدرسة من انتهاجها المسلك التجريدي لاسيما في المرحلة التي طغت فيها كتب المختصرات التي لا تتسع بحكم طبيعتها لسرد الأدلة ويسعى أصحابها لإعطاء الأحكام الفقهية المجردة كمختصر سيدي خليل ورسالة ابن أبي زيد القيرواني والعشموية والمرشد المعين وغيرهم من كتب المختصرات، والتي كانت نصوصها أشبه بالنصوص القانونية المجردة حتى كأنك لا تكاد تميز بينها وبين أي تأليف في غير فنون الشريعة الإسلامية.
إلا أن الأمر انبرى له من المتأخرين من أرجعوا لهذه النصوص روحها وأحيوها بعد موات حيث رجعوا للجمع بين علم الفقه ورواية الحديث، ومن أمثال هؤلاء المرحوم محمد المدني بلحسني الذي تصدى لشرح خليل والمرشد المعين بالدليل ، والحافظ المحدث أحمد بن الصديق الغماري الذي شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني بشرح مطول خرج فيه ما شتملت عليه من الفروع الفقهية بإيراد الأحاديـث الواردة في كل مسألة سماه تخريج الدلائل لما في
رسالة القيرواني من الفروع والمسائل ، وغيرها كثير بما لا يتسع المقام لذكره.
وهكذا يتضح أن فقه مدرسة الغرب الإسلامي فقه له أدلته، وإلا لما استطاع هؤلاء أن يردوا المسائل إلى أصولها وأن يؤصلوا للفروع على اختلافها وتنوعها.
هذا غيض من فيض ما تميزت به المدرسة المالكية في الغرب الإسلامي، بل قليل ناذر من كثير متفرع يعسر حصره أو الإحاطة به، وحسبي أنني أشرت لأهم ما طبع هذه المدرسة العريقة التي ظلت لقرون طويلة ولا تزال تمد الفقه الإسلامي بأهم ما ميزها وخصها عن باقي المدارس الأخرى.