مذهب فقهاء الثغور...الغنائم في الأزمان المتأخرة




هذان اصطلاحان ذكرهما ابن تيمية رحمه الله:

في فتواه "أصول في التحريم والتحليل"،


ولا يخفى عليكم مقالة سفيان بن عيينة لما قال لابن المبارك: إذا رأيت الناس قد اختلفوا فعليك بالمجاهدين وأهل الثغور فإن الله يقول: { لنهدينهم }


وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الفصل الذي عقده حول غزوة الأحزاب:

ولهذا كان الجهاد موجبا للهداية التي هي محيطة بأبواب العلم . كما دل عليه قوله تعالى : { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } فجعل لمن جاهد فيه هداية جميع سبله تعالى ؛ ولهذا قال الإمامان عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما : إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ماذا عليه أهل الثغر فإن الحق معهم ؛ لأن الله يقول : { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا }"([1]) .

وثمة سؤال يراودني مفاده:
من هم فقهاء الثغور؟
هل المقصود الفقهاء الذين كانوا يرابطون في الثغور مثل الأوزاعي؟
أو المقصود الفقهاء الذين لهم كانت لهم عناية بمسائل الجهاد مثل محمد بن الحسن الشيباني؟
الظاهر هو الأول
وأياً كان فأتمنى من الإخوة إثراء هذا المصطلح بذكر المزيد من فقهاء الثغور أو تجلية الاصطلاح بشكل أوسع.
والآن نبدأ إن شاء الله في ذكر النقل المقصود والذي ورد فيه استعمال ابن تيمية للاصطلاحين: مذهب فقهاء الثغور...والغنائم في الأزمان المتأخرة
فقد بين رحمه الله في رسالته ""أصول في التحريم والتحليل" جملة من الأصول النافعة:
ومن الأصول النافعة التي ذكرها أنه:
"ليس كل ما اعتقد فقيه معين أنه حرام كان حراما
إنما الحرام:
ما ثبت تحريمه بالكتاب أو السنة أو الإجماع أو قياس مرجح لذلك وما تنازع فيه العلماء رد إلى هذه الأصول .
ثم نبَّه ابن تيمية رحمه الله إلى سبب هذا الغلط الواقع وهو أن:
"من الناس من يكون نشأ على مذهب إمام معين أو استفتى فقيها معينا أو سمع حكاية عن بعض الشيوخ فيريد أن يحمل المسلمين كلهم على ذلك وهذا غلط ولهذا نظائر.
منها " مسألة المغانم ":
فإن السنة أن تجمع وتخمس وتقسم بين الغانمين بالعدل .
وهل يجوز للإمام أن ينفل من أربعة أخماسها ؟ فيه قولان:
فمذهب فقهاء الثغور([2]) وأبي حنيفة وأحمد وأهل الحديث أن ذلك يجوز لما في السنن : {أن النبي صلى الله عليه وسلم نفل في بدأته الربع بعد الخمس ونفل في رجعته الثلث بعد الخمس }
وقال سعيد بن المسيب ومالك والشافعي : لا يجوز ذلك ؛ بل يجوز عند مالك التنفيل من الخمس ولا يجوز عند الشافعي إلا من خمس الخمس .
كان أحمد يعجب من سعيد بن المسيب ومالك كيف لم تبلغهما هذه السنة مع وفور علمهما .
وقد ثبت في الصحيحين { عن ابن عمر أنه قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية قبل نجد فبلغت سهامنا اثنا عشر بعيرا ونفلنا بعيرا بعيرا }
ومعلوم أن السهم إذا كان اثني عشر بعيرا لم يحتمل خمس الخمس أن يخرج منه لكل واحد بعير ؛ فإن ذلك لا يكون إلا إذا كان السهم أربعة وعشرين بعيرا .
وكذلك إذا فضل الإمام بعض الغانمين على بعض لمصلحة راجحة كما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم سلمة بن الأكوع في غزوة ذي قرد سهم راجل وفارس فإن ذلك يجوز في أصح قولي العلماء .
ومنهم من لا يجيزه كما تقدم .
وكذلك إذا قال الإمام:
من أخذ شيئا فهو له ولم تقسم الغنائم .
فهذا جائز في أحد قولي العلماء وهو ظاهر مذهب أحمد
ولا يجوز في القول الآخر وهو المشهور من مذهب الشافعي
وفي كل من المذهبين خلاف .
وعلى مثل هذا الأصل تنبني " الغنائم في الأزمان المتأخرة "
مثل: الغنائم التي كان يغنمها السلاجقة الأتراك والغنائم التي غنمها المسلمون من النصارى من ثغور الشام ومصر:
فإن هذه أفتى بعض الفقهاء - كأبي محمد الجويني والنواوي -:
أنه لا يحل لمسلم أن يشتري منها شيئا ولا يطأ منها فرجا ولا يملك منها مالا ولزم من هذا القول من الفساد ما الله به عليم .
فعارضهم أبو محمد بن سباع الشافعيفأفتى :
أن الإمام لا يجب عليه قسمة المغانم بحال ولا تخميسها وأن له أن يفضل الراجل وأن يحرم بعض الغانمين ويخص بعضهم وزعم أن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تقتضي ذلك . وهذا القول خلاف الإجماع والذي قبله باطل ومنكر أيضا فكلاهما انحراف
والصواب في مثل هذه:
أن الإمام إذا قال : من أخذ شيئا فهو له .
فإن قيل بجواز ذلك فمن أخذ شيئا ملكه وعليه تخميسه ؛ وإن كان الإمام لم يقل ذلك ولم يهبهم المغانم ؛ بل أراد منها ما لا يسوغ بالاتفاق .
أو قيل : إنه يجب عليه أن يقسم بالعدل ولا يجوز له الإذن بالانتهاب .
فهنا المغانم مال مشترك بين الغانمين ؛ ليس لغيرهم فيها حق .
فمن أخذ منها مقدار حقه جاز له ذلك .
وإذا شك في ذلك : فإما أن يحتاط ويأخذ بالورع المستحب . أو يبني على غالب ظنه . ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها .
قال أبو فراس:
يقصد ابن تيمية رحمه الله أن المسألة خلافية، وفيها وجه سائغ فإن صح وإلا أخذ بالورع المستحب أو يبني على غالب ظنه ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
وبهذا يتبين خطأ من أخطأ من الفقهاء في تحريم شراء شيء منها ...فإنه توسع في غير محله فإن تحريم هذه المسألة لو كان هو القول الصواب لم يكن له أن يعدي حكمها لمن أخذ بالرأي الآخر وهو الجواز.
وفي بقية الأصول التي ذكرها ابن تيمية في هذه الفتوى ما يبين غلط هذه الفتوى من جهة أصل حكم المسألة، ومن جهة طريقة تعدية هذا القول وفرضه على الناس وبناء الأحكام عليه وكأنه حكم الله المبتوت.
وتأمل مثلاً كلامه في الأصل الثاني إذ قال رحمه الله:
الأصل الثاني : أن المسلم إذا عامل معاملة يعتقد هو جوازها وقبض المال جاز لغيره من المسلمين أن يعامله في مثل ذلك المال وإن لم يعتقد جواز تلك المعاملة:
وتابع تفاصيل كلامه حول هذا الأصل وبقية الأصول على هذا الرابط:
http://www.mmf-4.com/vb/showthread.p...=newpost&t=775
وفي نهاية الرسالة وبعد أن ذكر ابن تيمية رحمه الله الأصول في المسألة رجع إلى هذه المسألة فلخصها وقال:
وما ذكره:
من أن وقعة المنصورة لما لم تقسم فيها المغانم واختلطت فيها المغانم دخلت الشبهة . الجواب عنه من كلامين :
أحدهما أن يقال : الذي اختلط بأموال الناس من الحرام المحض كالغصب الذي يغصبه القادرون من الولاة والقطاع . أو أهل الفتن وما يدخل في ذلك من الخيانة في المعاملات أكثر من ذلك بكثير ؛
لا سيما في هذه البلاد المصرية:
فإنها أكثر من الشام والمغرب ظلما كظلم بعضهم بعضا في المعاملات بالخيانة والغش وجحد الحق ولكثرة ما فيها من ظلم قطاع الطريق والفلاحين والأعراب ولكثرة ما فيها من الظلم الموضوع من المتولين بغير حق فإحالة التحريم على هذا الأمر أولى من إحالته على المغانم .
الثاني:
أن تلك المغانم قد ذكرنا مذهب الفقهاء فيها:
وبينا أن الصحيح:
أن الإمام إذا أذن في الأخذ من غير قسم جاز .
وأنه إذا لم يجز:
1- فمن أخذ مقدار حقه جاز.
2- وأن من أخذ أكثر من حقه وتعذر رده على أصحابه لعدم العلم بهم فإنه يتصدق به عنهم .
قال أبو فراس:
نجد أن ابن تيمية رحمه الله رجح ما يراه هو الصواب، ثم فرض المسألة حتى على القول الآخر وهو التحريم فذكر فيها الصور المممكنة، فذكر صورتين لم يقع صاحبها في الحرام، ثم يفرض الآن الصورة التي يقع فيها مباشرة المال الحرام بناء على هذا القول فقال رحمه الله:
وأنه لو لم يتصدق به عنهم وتصرف فيه فمتى وصل إليه منه شيء لم يعلم بحاله لم يكن محرم ما عليه ولا عليه فيه إثم .
وهذا الحكم جاز في سائر الغصوب المذكورة ."([3])

([1]) مجموع الفتاوى - (ج 28 / ص 442)
([2]) لاحظ أن شيخ الإسلام رحمه الله استعمل هذا المصطلح على جهة الترجيح والتقوية للقول الذي اختاره
([3]) مجموع الفتاوى - (ج 29 / ص 311- وما بعدها.