الموضوعات المميزة النشرات الشهرية احصائيات وأرقام تواصل معنا

بنرات متحركة

آخر مواضيع الملتقى

صفحة 5 من 9 الأولىالأولى 1 2 3 4 5 6 7 8 9 الأخيرةالأخيرة
النتائج 61 إلى 75 من 128

الموضوع: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

  1. #1
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الدمام
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    337
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 217 مرة في 176 مشاركة

    افتراضي مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه


    بسم الله الرحمن الرحيم


    وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبة أجمعين، أيها الأحبة الكرام في هذا الملتقى المبارك، بإذن الله سنبدأ في هذا الدرس في شرح كتاب البيوع من عمدة الفقه لابن قدامة المقدسي، وبإذن الله سأحاول قدر المستطاع أن يكون هذا الدرس منتظما بحيث أقوم بإنزال درسين أسبوعيا بصورة منتظمة على قدر الوسع والطاقة، مراعيا في هذه الدرس أن يكون مناسبا في عبارته للمبتدئين من طلبة العلم، ونافعا للمتوسطين، ولن يخلو من فائدة للمتقدمين منهم، وبإذن الله سنتطرق في هذه الدرس إلى الخلاف في حدود ما في كتب المذاهب الأربعة، وربما ذكرت اختيار بعض المحققين من المتقدمين، وسأحرص بخاصة على ذكر ترجيحات شيخنا العثيمين رحمة الله تعالى، ولن ألتزم الترجيح في كل مسألة قناعة مني بأنه مسائل البيوع بخاصة لا يصار إلى الجزم فيها بالراجح في كثير من مسائلها لما يشوب هذا الباب من العلم من سعة الخلاف فيه، وقلة النصوص الصريحة التي يمكن أن يصار إليها في تحقيق الراجح في كل مسألة، فللقياس في هذا الباب -من العلم- والنظر في المقاصد والكليات الشرعية مقام لا يخفى على كل من له عناية به، ومما سأحرص عليه في هذا الدرس بإذن الله التعرض للمسائل المعاصرة والنوازل ومحاولة ذكر ما يتيسر منها تحت ما يناسبه من مواضيع الكتاب، ورجائي من الإخوة أن يعينوا أخاهم بما يتفضلون به عليه من استدراك أو تصحيح أو مناقشة، سائلا الله العلي العظيم لي ولكم الإخلاص في القول والعمل، وأن يجعل عملنا حجة لنا لا حجة علينا.


    (وإن أردت أخي الكريم الوصول السريع إلى المبحث المطلوب يمكنك الرجوع إلى الفهرس)
    هنا

    ------------------------------

    وهذا هو الدرس الأول من هذه السلسلة:

    قال المصنف رحمة الله تعالى: (كتاب البيع)
    البيع مصدر, يقال: باعَه يَبِيعهُ بَيْعاً ومَبيعاً, والأصل أن المصادر لا تجمع, وإنما يجمع هذا اللفظ فيقال "البيوع" لاختلاف أنواعه.

    والبيع لغة: ضد الشراء, ويرد بمعنى الشراء, فهو من الأضداد.
    وهو مأخوذ من الباع؛ لأن كل واحد من المتعاقدين يمد باعه للأخذ والإعطاء, ويحتمل أن كل واحد منهما كان يبايع صاحبه أي يصافحه عند البيع ولذلك سمي البيع صفقة.
    وشرعاً: مبادلة المال بالمال على التأبيد غير ربا ولا قرض.
    وجواز البيع ثابت بالكتاب والسنة والإجماع والقياس, والأصل فيه الحل إلا ما نص الشارع على تحريمه, وجميع المعاملات المحرمة ترجع إلى ثلاثة أصول:
    الأول: الربا.
    الثاني: الجهالة والغرر.
    قال القرافي (الفروق 3/265): « الغرر والجهالة ثلاثة أقسام: كثير ممتنع إجماعا كالطير في الهواء وقليل جائز إجماعا كأساس الدار وقطن الجبة ومتوسط اختلف فيه هل يلحق بالأول أو الثاني فلارتفاعه عن القليل ألحق بالكثير ولانحطاطه عن الكثير ألحق بالقليل, وهذا هو سبب اختلاف العلماء في فروع الغرر والجهالة»
    الثالث: الظلم.
    قال المصنف : (قال الله تعالى: (وأحل الله البيع))
    في الآية دليل على مشروعية البيع, وأل في البيع للاستغراق دالة على أن الأصل في البيوع الحل إ ما دل الدليل على منعه، ولذا يقول العلماء "الأصل في البيوع الإباحة".
    قال الشافعي(الأم 3/3): «فأصل البيوع كلها مباح إذا كانت برضا المتبايعين الجائزي الأمر فيما تبايعا, إلا ما نهى عنه رسول الله t منها وما كان في معنى ما نهى عنه رسول الله t محرم بإذنه داخل في المعنى المنهي عنه, وما فارق ذلك أبحناه بما وصفنا من إباحة البيع في كتاب الله تعالى».
    وقال ابن تيمية: «الأصل في العقود الإباحة فلا يحرم منها إلا ما حرمه الله ورسوله ولم يحرم الله عقدا فيه مصلحة للمسلمين بلا مفسدة تقاوم ذلك».
    وأصل حل البيع مما قام الإجماع عليه ، ولا زال الناس يعاملون بالبيع والشراء من لدن عهده صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، وهو مقتضى القياس فالناس لا غنى لهم عما في أيدي غيرهم، ولا سبيل لتحصيل ذلك إلا بالبيع والشراء.
    - وهنا مقدمات ينبغي التنبه لها قبل الشروع في الكلام على كتاب البيوع:
    المقدمة الأولى: اعلم أن العقود في الشريعة الإسلامية تنقسم إلى عدة أقسام:
    عقود معاوضات: كالبيع و الإجارة.
    عقود التبرعات: كالهبة و الوصية والعارية.
    عقود التوثيقات: مثل كالضمان و الوكالة و الرهن.
    عقود المشاركات : كالمزارعة والمساقاة .
    المقدمة الثانية: أقسام البيع:
    يمكن أن يقسم البيع إلى عدة أقسام باعتبارات متعددة:
    أولا: أقسام البيع باعتبار عوضي العقد:
    المقايضة وهي مبادلة عرَض بعرَض، والعرض كل ما ليس بنقد، كبر بشعير.
    الصرف وحقيقته مبادلة النقد بالنقد.
    مبادلة النقد بالعرض وإلا هذا ينصرف لفظ البيع عند الإطلاق.
    بيع المنافع وحقيقته مبادلة العين بالمنفعة كالإجارة.

    ثانيا: أقسام البيع باعتبار الأجل:
    البيع الحال المنجز بأن يكون كل من الثمن و المثمن معجلا.
    البيع إلى أجل بأن يؤخر الثمن ويعجل المثمن.
    بيع السلم بأن يعجل الثمن ويؤخر المثمن
    بيع الدين بالدين بأن يكون كل من الثمن والمثمن مؤجلا وهو ما يعبر عنه ببيع الكالئ.
    ثالثا: أقسام البيع باعتبار كيفية تحديد الثمن:
    بيوع الأمانات وتنقسم إلى ثلاثة أقسام:
    - بيع المرابحة
    : أن يبيع البائع السلعة برأس لمال وبزيادة معلومة، فيخبر المشتري بالثمن الذي أخذها به ويضيف عليه زيادة معلومة.
    - بيع الوضيعة
    : أن يبيع السلعة برأس المال ناقص نقصا معلوما.
    - بيع التولية: أن يبيع السلعة برأس المال.

    المقدمة الثالثة: أركان البيع

    أركان البيع ثلاثة:
    - الصيغة.
    - العاقدان.
    - المعقود عليه.
    الركن الأول: الصيغة
    الصيغة ماصدر من المتعاقدين من قول أو فعل دال على إردتهما الباطنة إنشاء العقد وللبيع صيغتان:
    1. الصيغة القولية
    و هي الإيجاب و القبول.
    الإيجاب وهو عند جمهور أهل العلم اللفظ الصادر من البائع أو من يقوم مقامه.
    القبول: وهو عند جمهور أهل العلم اللفظ الصادر من المشتري أو من يقوم مقامه.
    والذي عليه جماهير أهل العلم أن الصيغة القولية ليس لها لفظ محدد بل كل لفظ دل على انتقال ملكية المبيع فهو داخل في الصيغة القولية، فليست الصيغة محصورة مثلا في لفظ بعت واشتريت ونحوه، ولذا ذكر أهل العلم أن الكتابة والإشارة المفهوم الدالة على الرضا ملحقة بالصيغة القولية.
    2. المعاطاة
    وصفة بيع المعاطاة أن تتم المبادلة بين البائع والمشتري من غير تلفظ بإيجاب أو قبول كما يحصل الآن في كثير من المتاجر تأخذ السلعة المعروف ثمنها وتعطي البائع المال دون تلفظ بإيجاب أو قبول.
    وقد اختلف أهل العلم في صحة بيع المعاطاة على ثلاثة أقوال:
    القول الأول:
    ذهب الجمهور من الأحناف و المالكية و الحنابلة إلى صحة بيع المعاطاة، و استدلوا لذلك بمايلي:
    1- قول الله تعالى "ياأيها الذين أمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم"، فالعبرة في العقود هي حصول التراضي بغض النظر عن الصيغة.
    2- أن عمل الناس لا زال على اعتبار بيوع المعاطاة والعمل بها منذ القدم دون نكير، قال ابن قدامة ( المغني 4/4): " ولنا ، أن الله أحل البيع ، ولم يبين كيفيته ، فوجب الرجوع فيه إلى العرف ، كما رجع إليه في القبض والإحراز والتفرق ، والمسلمون في أسواقهم وبياعاتهم على ذلك ، ولأن البيع كان موجودا بينهم ، معلوما عندهم ، وإنما علق الشرع عليه أحكاما ، وأبقاه على ما كان ، فلا يجوز تغييره بالرأي والتحكم ، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه ، مع كثرة وقوع البيع بينهم ، استعمال الإيجاب والقبول ، ولو استعملوا ذلك في بياعاتهم لنقل نقلا شائعا ، ولو كان ذلك شرطا ، لوجب نقله ، ولم يتصور منهم إهماله والغفلة عن نقله ، ولأن البيع مما تعم به البلوى ، فلو اشترط له الإيجاب والقبول لبينه صلى الله عليه وسلم بيانا عاما ، ولم يخف حكمه ; لأنه يفضي إلى وقوع العقود الفاسدة كثيرا ، وأكلهم المال بالباطل ، ولم ينقل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه فيما علمناه ، ولأن الناس يتبايعون في أسواقهم بالمعاطاة في كل عصر ، ولم ينقل إنكاره من قبل مخالفينا ، فكان ذلك إجماعا"
    القول الثاني: ذهب الشافعية إلى أن البيع بالمعاطاة لا يصح، واستدلوا على ذلك بضعف دلالة المعاطاة على الرضا فهي دون القول الصريح في الدلالة على الرضا وإرادة العقد لاحتمال إرادة غير العقد في التعاطي، ولا يخفى ما في هذا القول من الضعف، ومخالفة ما جرى عليه عمل الناس.
    ومن ثم أعرض عنه جماعة من متأخري فقهاء الشافعية وذهبوا إلى ترجيح صحية بيع المعاطاة منهم النووي والبغوي.
    القول الثالث: ما ذهب إليه بعض الشافعية كابن سريج والروياني من جواز بيع التعاطي في المحقرات، وما جرى عرف الناس وعادتهم على ببيعه معاطاة دون الأشياء النفيسة.
    -شروط الصيغة:
    1- أن يكون الإيجاب والقبول واضحين في الدلالة على إرادة إنشاء العاقدين العقد.
    2- أن يكون القبول مطابقا للإيجاب بأن ينصبا على شيء واحد فيتفقان في المحل والمقدار فلا يصح بعتك السيارة بعشرة فيقول المشتري قبلتها بخمسة، أو يقول بعتك السيارة فيقول اشتريت الدار.
    3- أن يكون الإيجاب والقبول متصلين عرفا بأن يقعا في مجلس العقد دون أن يتخلل ذلك ما يدل على إعراض أحدهما عن العقد.
    1. 2. 3. 4. 1) 2) 3) 4) 1- 2- 3- 4- 1- 1) 2)

  2. #61
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الدمام
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    337
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 217 مرة في 176 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

    الدرس الخامس عشر
    باب القرض
    القرض : في اللغة مصدر قرض الشيء يقرضه : إذا قطعه . والقرض : اسم مصدر بمعنى الإقراض . يقال : قرضت الشيء بالمقراض ، والقرض : ما تعطيه الإنسان من مالك لتقضاه ، وكأنه شيء قد قطعته من مالك
    وفي الاصطلاح : دفع مال إرفاقا لمن ينتفع به ويرد بدله .
    مشروعية القرض:
    ثبتت مشروعية القرض بالكتاب والسنة والإجماع . أما الكتاب فقوله تعالى: (يا أيها الذين إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه)
    وأما السنة ، فتضافرت الأحاديث بذلك قولا وفعلا عنه صلى الله عليه وسلم فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي رافع رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استسلف من رجل بكرا ، فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة ، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره ، فرجع إليه أبو رافع فقال : لم أجد فيها إلا خيارا رباعيا ، فقال : (أعطه إياه ، إن خيار الناس أحسنهم قضاء).
    كما حث صلى الله عليه وسلم عليه فيما رواه ابن ماجه عن ابن مسعود مرفوعا: )ما من مسلم يقرض مسلما قرضا مرتين إلا كان كصدقتها مرة).
    وأما الإجماع ، فقد أجمع المسلمون على جواز القرض والعمل جار عليه يعرفه عالمهم وجاهلهم .
    قال المصنف: (ومن اقترض شيئاً فعليه رد مثله)

    هذا هو المشهور من مذهب الحنابلة أن ما كان مثليا من القروض لزم أن يرد مثله، أو عينه إن لم تتغير، وأما المتقوم فيجب رد قيمته.
    ومما يتعلق بهذه الجملة من كلام المصنف مسألة يكثر السؤال عنها وهي كيفية قضاء القرض في حال حصول زيادة أو نقص أو كساد في النقد، وهنا يمكن القول أن عندنا حالتين:
    الحالة الأولى:
    فيما لو زاد سعر العملة أو نقص فما هو الواجب أداؤه؟
    اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال:
    القول الأول: أن الواجب رد المثل بغض النظر عن القيمة، وهذا مذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، لأنه هو الذي وجب في ذمة المقترض، ولأن ذلك أضبط في معاملات الناس وأبعد للنزاع، ولأن القول برد القيمة يفضي إلى الجهالة إذ لا يعلم ما تؤول إليه العملة هبوطا وارتفاعا، ومن المعلوم أن من شروط القرض أن يكون معلوما، ثم يقال أيضا إن المقصد من مشروعية القرض هو الإرفاق لا المعاوضة، والمقرض دخل في المعاملة على بينة بأن ما يستحقه هو مثل ما أقرضه.
    وعلى هذا القول المجامع الفقهية المعاصرة، فقد جاء في القرار رقم (115) من قرارات مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي ما نصه: "إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن " منظمة المؤتمر الإسلامي " في دورته الثانية عشرة بالرياض في المملكة العربية السعودية ، من 25 جمادى الآخرة 1421هـ - 1 رجب 1421هـ ، الموافق 23 - 28 أيلول ( سبتمبر ) 2000 م .
    بعد اطلاعه على البيان الختامي للندوة الفقهية الاقتصادية لدراسة قضايا التضخم ( بحلقاتها الثلاث بجدة ، وكوالالمبور ، والمنامة ) وتوصياتها ، ومقترحاتها ، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حول الموضوع بمشاركة أعضاء المجمع وخبرائه وعدد من الفقهاء .
    قرر ما يلي :
    أولاً : تأكيد العمل بالقرار السابق رقم 42 ( 4 / 5 ) ونصه :
    " العبرة في وفاء الديون الثابتة بعملة ما هي بالمثل ، وليس بالقيمة ؛ لأن الديون تقضى بأمثالها ، فلا يجوز ربط الديون الثابتة في الذمة ، أيّاً كان مصدرها بمستوى الأسعار " .
    ثانياً : يمكن في حالة توقع التضخم التحوط عند التعاقد بإجراء الدين بغير العملة المتوقع هبوطها ، وذلك بأن يعقد الدين بما يلي :
    أ. الذهب أو الفضة .
    ب. سلعة مثلية .
    ج. سلة ( مجموعة ) من السلع المثلية .
    د. عملة أخرى أكثر ثباتاً .
    هـ. سلة ( مجموعة ) عملات .
    ويجب أن يكون بدل الدين في الصور السابقة بمثل ما وقع به الدين ؛ لأنه لا يثبت في ذمة المقترض إلا ما قبضه فعلاً "
    وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة ( 14 / 146 ): "يجب على المقترض أن يدفع الجنيهات التي اقترضها وقت طلب صاحبها ، ولا أثر لاختلاف القيمة الشرائية ، زادت أو نقصت"
    وممن اختار هذا القول الشيخ ابن باز، وشيخنا العثيمين.
    القول الثاني: أن الواجب رد القيمة أي قيمة العملة وقت ثبوتها في الذمة، وهو مروي عن أبي يوسف.
    القول الثالث: أن التغير إذا كان فاحشاً، فتجب القيمة أما إن لم يكن فاحشاً فيجب المثل، وهذا قول الرهوني من المالكية.
    قال الدكتور نزيه حماد معلقا على هذا الأقوال (دراسة في اصول المداينات ص225): "وبالنظر في هذه الأقوال الثلاثة وتعليلاتها يلوح لي:
    أ- أن الاتجاه الفقهي: لإيجاب أداء قيمة النقد الذي طرأ عليه الغلاء أو الرخص يوم ثبوته في الذمة هو الأولى بالاعتبار من رأي الجمهور الذاهبين إلى أن الواجب على المدين أداؤه إنما هو نفس النقد المحدد في العقد والثبات في الذمة دون زيادة أو نقصان، وذلك لاعتبارين:
    (أحدهما) - أن هذا الرأي هو الأقرب للعدالة والإنصاف، فإن المالين إنما يتماثلان إذا استوت قيمتهما، وأما مع اختلاف القيمة فلا تماثل، والله يأمر بالقسط.
    (والثاني) - أن فيه رفعاً للضرر عن كل من الدائن والمدين، فلو أقرضه مالاً فنقصت قيمته، وأوجبنا عليه قبول المثل عدداً تضرر الدائن؛ لأن المال الذي تقرر له ليس هو المستحق، إذ أصبح بعد نقصان القيمة معيباً بعيب النوع المشابه لعيب العين المعينة (حيث إن عيب العين المعينة هو خروجها عن الكمال بالنقص، وعيب الأنواع نقصان قيمتها). ولو أقرضه مالاً فزادت قيمته، وأوجبنا عليه أداء المثل عدداً تضرر المدين، لإلزامه بأداء زيادة عما أخذ.. والقاعدة الشرعية الكلية أنه "لا ضرر ولا ضرار" .
    ب- إن الرأي الذي استظهره الرهوني من المالكية بلزوم المثل عند تغير النقد بزيادة أو نقص إذا كان ذلك التغير يسيراً، ووجوب القيمة إذا كان التغير فاحشاً هو أولى في نظري من رأي أبي يوسف - المفتى به عند الحنفية- بوجوب القيمة مطلقاً، وذلك لاعتبارين:
    (أحدهما) -أن التغير اليسير مغتفر قياساً على الغبن اليسير والغرر اليسير المغتفرين شرعاً في عقود المعاوضات المالية من أجل رفع الحرج عن الناس نظراً لعسر نفيهما في المعاملات بالكلية، ولغرض تحقيق أصل تشريعي مهم وهو استقرار التعامل بين الناس، بخلاف الغبن الفاحش والغرر الفاحش فإنهما ممنوعان في أبواب البيوع والمعاملات.
    (والثاني)- أن التغير اليسير مغتفر تفريعاً على القاعدة الفقهية الكلية أن: ما قارب الشيء يعطى حكمه ، بخلاف التغير الفاحش فإن الضرر فيه بين والجور فيه محقق" اهـ.
    والذي أميل إليه في هذه المسألة هو رأي جمهور أهل العلم لما فيه من الضبط والبعد عن التنازع، وأهم من ذلك كله أن النظر إلى القرض نظر المعاوضة التي يراد بها استيفاء الحقوق من كل وجه هو محل نظر إذا ما علمنا أن الأصل في القرض أنه مبني على الإرفاق، ويلحظ فيه جانب الاحتساب وابتغاء الأجر.
    الحالة الثانية:
    فيما لو كسدت العملة وتوقف التداول بها؟
    وقد اختلف أهل العلم في الواجب على المقترض حينئذ على أقوال:
    القول الأول: أن الواجب رد المثل ولا اعتبار لمسألة الكساد فهو كالجائحة التي تنزل بالدين، وهذا القول هو المشهور من مذهب المالكية والشافعية، وقول أبي حنيفة، وقالوا الأصل رد مثل العين المقترضه، أما مسألة الثمنية فهي أمر زائد لا يلزم به المقترض.
    القول الثاني: أن الواجب رد القيمة وقت الاستدانة، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، وبه قال أبو يوسف، واستدلوا بأن وقف التعامل بها أشبه بإتلافها، فتعذر المثل حينئذ ووجب الرجوع إلى قيمتها، ثم إن المقرض قد دفع إلى المقترض ما ينتفع به فلا يصح بحال أن يدفع إليه المقترض ما لا نفع فيه.
    القول الثالث: أن الواجب رد القيمة وقت كساد العملة وانقطاعها، وبه قال محمد بن الحسن وبعض الحنابلة، وأصحاب هذا القول استدلوا بأن الواجب في ذمة المقترض مثل ما اقترض ما دامت النقود غير كاسدة، فإذا كسدت فحينئذ يكون الواجب عليه رد قيمتها وقت الكساد، وهذا القول هو اختيار شيخنا العثيمين، قال رحمه الله (الشرح الممتع 9/104): "وأقرب شيء أن المعتبر : القيمة وقت المنع ؛ وذلك لأنه ثابت في ذمته " عشرة فلوس " إلى أن مُنعت ، يعني : قبل المنع بدقيقة واحدة لو طلبه لأعطى عشرة فلوس ، ولكان الواجب على المقرض قبولها ، فإذا كان كذلك : فإننا نقدرها وقت المنع" انتهى .
    قال المصنف: (ويجوز أن يرد خيراً منه)

    هذا هوا لمشهور من مذهب جمهور أهل العلم من الحنفية والشافعية والحنابلة، أنه يجوز أن يرد المقترض للمقرض خيرا مما اقترضه، سواء كان خيرا منه في الصفة أو في القدر، بشرط أن يكون ذلك بلا شرط وإنما برضا المقترض دون اتفاق مسبق، يدل على ذلك ما تقدم من حديث أبي رافع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف بكرا ، فرد خيرا منه, وقال: (خيركم أحسنكم قضاء).
    فالنبي صلى الله عليه وسلم قضى من اقترض منه خيرا مما أعطاه، وحسن القضاء يدخل فيها الزيادة كما ووصفا.
    وذهب المالكية إلى أنه يكره أن يرد خيرا منه في القدر، أما في الصفة فلا بئس، وكأنهم والعلم عند الله وقفوا على ظاهر حديث أبي رافع حيث كانت الزيادة في الصفة لا في القدر، والأقرب أن يقال عموم قوله صلى الله عليه وسلم (خيركم أحسنكم قضاء) يشمل الصفة والقدر.
    وعن الإمام أحمد أنه يأخذ مثل قرضه ولا يأخذ فضلة عليها ، وهذا القول مروي عن أبي بن كعب ، وابن عباس ، وابن عمر ، وحديث أبي رافع حجة على القائلين بهذا القول.
    قال المصنف: (وأن يقترض تفاريق ويرد جملة إذا لم يكن شرْط)

    صورة ذلك كما لو اقترض منه عشرة آلاف من فئة المائة ثم لما حل الأجل أعطاه عشرة آلاف من فئة الخمسمائة ريال فمثل هذا جائز بشرط أن لا يشترط المقرض ذلك ابتداء فلا يقول في هذا المثال عند القرض اشترط عليك أن ترد العشرة آلاف من فئة الخمسمائة لأنه بذلك يكون من القرض الذي جر نفعا، لأنه كل ما زادت فئة المبلغ المالي كان ذلك أسهل من جهة الحفظ.

  3. #62
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الدمام
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    337
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 217 مرة في 176 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

    اسئلة المراجعة لباب السلم
    1- عرف السلم اصطلاحا، واذكر دليلا من الكتاب ومن السنة على مشروعية السلم.

    2- قيل إن مشروعية السلم على خلاف القياس، أجب عن ذلك.

    3- هل يصح السلم حالا، أذكر الخلاف في ذلك، والقول الراجح.

    4- ذهب جمهور أهل العلم إلى اشتراط تعجيل الثمن في عقد السلم، دلل لما ذهبوا إليه.

    5- قال المصنف: (وإن أسلم ثمناً واحداً في شيئين لم يجز حتى يبين ثمن كل جنس) صور المسألة.

    6- ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من أهل العلم إلى جواز بيع المسلم فيه قبل قبضه لمن هو في ذمته، ولكن قيدوا ذلك بشروط عدة، أذكرها.

    7- قال المصنف: (ولا الحوالة به) صور المسألة.

    8- هل تجوز الإقالة في بعض السلم.


  4. #63
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الدمام
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    337
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 217 مرة في 176 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

    الدرس السادس عشر
    قال المصنف: (وإن أجله لم يتأجل)
    ما ذكره المصنف هنا هو مذهب جمهور أهل العلم من الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وهو أن القرض يثبت حالا في الذمة وإن أجله لم يتأجل، فللمقرض مطالبة المقترض بدينة متى شاء، وأما التأجيل فهو تبرع من المقرض لا يلزمه الوفاء به.
    القول الثاني: ذهب المالكية في المشهور من مذهبهم، وهو اختيار شيخنا العثيمين إلى أن القرض
    يتأجل بالتأجيل ؛ لعموم قوله تعالى: (يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود)، ولعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (المسلمون على شروطهم), ولأن المتعاقدين يملكان التصرف في هذا العقد بالإقالة والإمضاء ؛ فملكا الزيادة فيه، كخيار المجلس، ثم إن في ذلك ضررا بالمقترض الذي ما دخل في القرض إلا على أنه مؤجل، وهذا القول هو الأقرب.
    قال المصنف: (ولا يجوز شرط شيء لينتفع به المقرض)
    أجمع أهل العلم على هذا المعنى الذي ذكره المصنف في الجملة، قال ابن عبد البر (الاستذكار 6/516): "وكل زيادة من عين أو منفعة يشترطها المسلف على المستلف فهي ربا لا خلاف فيه".
    وروي في ذلك عن علي رضي الله عنه مرفوعا: (كل قرض جر منفعة فهو ربا). ولكن عامة أهل العلم على تضعيفه، وإن كانوا أجمعوا على صحة معناه.
    وهذا الإجماع لا يفهم منه تحريم كل منفعة، ولذا يمكن أن يقال في تحرير هذه المسألة أن المنفعة المحرمة التي هي محل إجماع في القرض يشترط فيها ما يلي:
    - أن تكون المنفعة متمحضة للمقرض، فخرج بذلك ما لو كانت المنفعة مشتركة بين المقرض والمقترض كما لو اشترط الوفاء في بلد القرض، وخرج بذلك أيضا ما لو كانت المنفعة متمحضة للمقترض كما لو اشترط الأجل، فمثل هذه المنافع غير داخلة في المنفعة المحرمة.
    - أن تكون المنفعة زائدة على القرض، إذ كل زيادة مشروطة فهي مشبهة للربا لأنها لا مقابل لها بالنسبة للمقترض سوى القرض.
    - أن تكون المنفعة مشروطة، فأما إن كانت غير مشروطة فهي داخلة في حسن القضاء.
    قال المصنف: (إلا أن يشترط رهناً أو كفيلاً)
    يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين من أن النبي رهن درعه عند يهودي على طعام اقترضه, ولأن الرهن والكفيل ليس فيه منفعة زائدة، وإنما يقصد بهما الاستيثاق لحق المقرض، وجواز الرهن والكفيل في القرض محل إجماع بين أهل العلم.
    قال المصنف: (ولا تُقبل هدية المقترض إلا أن يكون بينهما عادة بها قبل القرض)
    فإذا أهدى لمقرضه هدية قبل الوفاء ، ولم ينو المقرض احتسابها من دينه ، أو مكافأته عليها لم يجز ، إلا إذا جرت عادة بينهما بذلك قبل القرض ، فإن كانت جارية به جاز، هذا هو المشهور من مذهب المالكية والحنابلة، واستدلوا لذلك بما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن سلام رضي الله عنه أنه قال لأبي بردة بن أبي موسى الأشعري: إنك في أرض الربا بها فاش , إذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قت فإنه ربا.
    قال ابن القيم : وكل ذلك سدا لذريعة أخذ الزيادة في القرض الذي موجبه رد المثل .
    كما استدلوا بما أخرجه ابن ماجة بما عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أقرض أحدكم قرضا , فأهدى إليه أو حمله على الدابة , فلا يركبها ولا يقبله , إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك). ضعفه الألباني.
    وبما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه عن ابن سيرين قال: تسلف أبي بن كعب من عمر بن الخطاب مالا قال أحسبه عشرة آلاف ثم إن أبيا أهدى له بعد ذلك من تمرته، وكانت تبكر وكان من أطيب أهل المدينة تمرة، فردها عليه عمر، فقال أبي: ابعث بمالك فلا حاجة لي في شيء منعك طيب تمرتي. فقبلها وقال: إنما الربا على من أراد أن يربي وينسىء.
    قال ابن القيم : "فكان رد عمر لما توهم أن تكون هديته بسبب القرض , فلما تيقن أنها ليست بسبب القرض قبلها , وهذا فصل النزاع في مسألة هدية المقترض".
    وذهب الحنفية والشافعية إلى أنه لا بأس بهدية المقترض، ولكن التنزه عنها أولى، واستدلوا بالعمومات الوارد في الحث على قبول الهدية من مثل ما أخرجه البخاري في صحيحة عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها.
    وما أخرجه أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت.
    والأقرب هو القول الأول، وأما هذه العمومات فقد ورد ما يخصصها كما تقدم.

  5. #64
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الدمام
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    337
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 217 مرة في 176 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

    الدرس السابع عشر
    باب أحكام الدين
    قال المصنف: (ومن لزمه دين مؤجل لم يطالب به قبل أجله، ولم يحجر عليه من أجله) وهذا محل اتفاق بين المذاهب الأربعة، فمن لزمه دين مؤجل غير القرض كثمن مبيع أو صداق ونحوه حرم مطالبته به قبل حلول أجله لأنه لا يلزمه أداؤه قبل الأجل ومن شروط المطالبة لزوم الأداء.
    قال المصنف: (ولم يَحِلَّ بتفليسه) أي أن الدين المؤجل لا يحل بالحكم بإفلاس المدين، وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم من الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وذهب المالكية إلى أن الدين المؤجل يحل بالتفليس؛ لأن الإفلاس يتعلق به الدين بالمال، فأسقط الأجل كالموت.
    واستدل الجمهور بأن الأجل حق للمدين كسائر الحقوق فلا يسقط بالتفليس، ولا يقاس على الموت لأن الميت لا ذمة له صالحة تتعلق بها المطالبة.
    والأقرب ما ذهب إليه الجمهور فعلى هذا متى ما حجر على المفلس لم يشارك أصحاب الديون المؤجلة أصحاب الديون الحالة، وإنما تبقى ديونهم في ذمة المفلس حتى حلولها.
    قال المصنف: (ولا بموته إذا وثقه الورثة برهن أو كفيل)
    اختلف أهل العلم في الدين المؤجل هل يحل بموت المدين على قولين:
    القول الأول: ذهب جمهور أهل العلم من الحنفية، والشافعية، والمالكية في الجملة إلى أن الدين يحل والأجل يبطل وذلك لخراب ذمة المدين، إذ الأجل كان حقا له فتعتبر حياته وموته في الأجل وبطلانه.
    القول الثاني: ذهب الحنابلة في المشهور من مذهبهم إلى أن الدين المؤجل لا بموت المدين , إذا وثق الورثة أو غيرهم الدين برهن أو كفيل مليء ، واستدلوا بما ثبت في سنن أبي دواد من حديث جابر رضي الله عنه مرفوعا: (من ترك حقا أو مالا فلورثته)، والأجل حق للميت , فورث عنه كسائر حقوقه ولأن الموت ما جعل مبطلا للحقوق , وإنما هو ميقات للخلافة وعلامة على الوراثة، فعلى هذا يبقى الدين في ذمة الميت ويتعلق بعين ماله كتعلق حقوق الغرماء بمال المفلس عند الحجر عليه , وعندئذ فإن أحب الورثة أداء الدين , والتزامه للغريم , على أن يتصرفوا في المال , لم يكن لهم ذلك إلا أن يرضى الغريم , أو يوثقوا الحق برهن أو كفيل مليء.
    قال المصنف: (وإن أراد سفراً يحل قبل مدته، أو الغزو تطوعاً، فلغريمه منعه إلا أن يوثق بذلك)
    أشار المصنف هنا إلى مسألة ما لو أراد من عليه الدين أن يسافر, فهل للغريم منعه من السفر أم لا؟
    فذكر أن المدين إن أراد سفرا يحل الدين فيه قبل قدومه من السفر أو أراد الغزو تطوعا فإن للغريم منعه من السفر إلا أن يوثق المدين الدين برهن أو كفيل مليء، ويمكن أن نلخص الإقوال في هذه المسألة بثلاثة أقوال:
    القول الأول: أنه ليس للغريم منع الدائن من السفر مطلقاً سواء كان السفر سفرا يقدم فيه المدين قبل حلول الدين أو بعده، وسواء كان سفر غزو أو غيره, وهو قول الشافعية.
    القول الثاني: أن للغريم منع الدائن من السفر مطلقاً إلا أن يوثق المدين الدين برهن أو كفيل مليء، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة.
    القول الثالث: إن كان سفر جهاد فله منعه مطلقاً, إلا برهن أو كفيل مليء, وإن كان غير جهاد فالتفريق بين أن يحل الدين قبل قدومه فله منعه، وبين أن لا يحل الدين قبل قدومه فليس له منعه, وهو قول المالكية, ورواية عند الحنابلة اختارها المصنف.
    ودليل ما اختاره المصنف أن سفر الجهاد يتعرض فيه المسافر للشهادة ، وذهاب النفس ، فلا يأمن فوات الحق, فلا بد من ضمين أو رهن يضمن به الدائن حقه.
    أما إن كان السفر لغير الجهاد فإن كان قدومه قبل حلول الدين فلا يمنعه من السفر لأن هذا السفر لا يمنع سداد الدين في وقت حلوله.
    أما إن كان قدومه بعد حلول الأجل فله منعه إلا برهن أو ضمان لأن هذا السفر يمنعه من سداد دينه في وقت حلوله, فيكون في ذلك ضرر على الغريم لتأخر حقه عن محله.
    قال المصنف: (وإن كان حالاً على معسر وجب إنظاره)
    وهذا محل اتفاق بين أرباب المذاهب الأربعة، لعموم قول الله تعالى: )وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة(, قال ابن حجر (الفتح 4/309): «واختلف السلف في تفسير قوله تعالى: )وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة( فروى الطبري وغيره من طريق إبراهيم النخعي ومجاهد وغيرهما أن الآية نزلت في دين الربا خاصة، وعن عطاء أنها عامة في دين الربا وغيره، واختار الطبري أنها نزلت نصا في دين الربا ويلتحق به سائر الديون لحصول المعنى الجامع بينهما، فإذا أعسر المديون وجب إنظاره ولا سبيل إلى ضربه ولا إلى حبسه».
    قال المصنف: (فإن ادعى الإعسار حلف وخلى سبيله، إلا أن يعرف له مال قبل ذلك فلا يقبل قوله إلا ببينة، فإن كان موسراً به لزمه وفاؤه، فإن أبى حبس حتى يوفيه)
    أشار المصنف هنا إلى مسألة ما لو ادعى المدين الإعسار، ويمكن جمع شتات ما ذكره المصنف بأن يقال:
    المدين المدعي للإعسار لا يخلو من حالين:
    الأولى: أن يكون مدعي الإعسار ممن لا يعرف له مال قبل ادعائه الإعسار، فهنا يحلف على إعساره ويخلى سبيله، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعية والحنابلة، لعموم قول الله تعالى: )وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة(, ولقول النبي r لغرماء الذي كثر دينه: (خذوا ما وجدتم ، وليس لكم إلا ذلك) أخرجه أبو داود.
    ولأن الحبس إما أن يكون لإثبات عسرته أو لقضاء دينه، وعسرته ثابتة، والقضاء متعذر، فلا فائدة في الحبس.
    الثانية: أن يكون مدعي الإعسار ممن يعرف له مال قبل دعواه الإعسار فهنا لا يقبل قوله في الإعسار إلا ببينة يقيمها، فإن أقامها قبل وإلا حبس حتى يوفي الحق الذي عليه، وهذا في الجملة محل اتفاق بين المذاهب الأربعة، يدل عليه ما أخرجه أبو داود من حديث الشريد بن سويد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لي الواجد يحل عقوبته وعرضه).
    قال المصنف: (فإن كان ماله لا يفي به كله فسأل غرماؤه الحاكم الحجر عليه لزمته إجابتهم)
    شرع المصنف في الكلام على بعض مسائل الحجر، فذكر هنا مسألة الحجر على المفلس وهو من استغرقت ديونه ماله فأصبح رأس ماله لا يفي بسداد ديونه، ففي هذه الحالة إذا طلب غرماؤه من الحاكم أن يحجر عليه لزمه إجابتهم لذلك، وهذا محل اتفاق بين فقهاء المذاهب الأربعة، لما فيه من حفظ حق الغرماء من الضياع، حتى أن أهل العلم استحبوا أن يعلن حجره حتى لا يغر من يتعامل معهم.
    والمصنف في هذا الكتاب لم يفرد بابا يتكلم فيه عن الحجر، وإنما ساق الكلام فيه في ضمن الكلام عن أحكام الدين، فكان من المستحسن أن نشير هنا إلا بعض المقدمات في الحجر.
    المقدمة الأولى: تعريف الحجر
    الحَجر لغة : المنع ، ومنه سمي الحرام حِجراً ، لأنه ممنوع منه ، قال تعالى : (ويقولون حجراً مجوراً) أي حراماً محرماً ، ، وسمي العقل أيضاً حجراً لأنه يمنع صاحبه من تعاطي ما يقبح وتضر عاقبته ، ومنه قوله تعالى : (هل في ذلك قسم لذي حجر).
    ومعنى الحجر في الشرع : منع إنسان من تصرفه في ماله .
    المقدمة الثانية: مشروعية الحجر
    ثبتت مشروعية الحجر بالكتاب والسنة ، أما الكتاب فقوله تعالى : (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا)، وقوله : (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) . وأما السنة فيدل على ذلك ما أخرجه البيهقي من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم حجر على معاذ رضي الله عنه ماله وباعه في دين كان عليه.
    وهذا الحديث وإن كان فيه ضعف إلا أنه من حيث المعنى صحيح وجرى العمل عليه بين المسلمين من لدن الخلفاء الراشدين حتى يومنا هذا.
    المقدمة الثانية: أنواع الحجر :
    الحجر نوعان :
    النوع الأول : الحجر على الإنسان لحظ غيره كالحجر على المدين المفلس لحق الغرماء، والحجر على المريض مرض الموت لحق الورثة فيما زاد على ثلث التركة .
    النوع الثاني : الحجر على الإنسان لحظ نفسه كحجر المجنون والصبي والسفيه والمبذر.

  6. #65
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الدمام
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    337
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 217 مرة في 176 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

    الدرس الثامن عشر
    قال المصنف: (فإذا حجر عليه لم يجز تصرفه في ماله)
    فمتى ما حجر على المفلس لم يجز له التصرف في ماله وذلك لتعلق حق الغرماء بعين المال أشبه في ذلك المرهون، وهذا في الجملة محل اتفاق بين أرباب المذاهب الأربعة.
    وظاهر كلام المصنف هنا أنه يصح منه التصرف في ذمته فلو اشترى بمؤجل أو اقترض شيئا جاز لأن الحجر متعلق بماله لا بذمته، ثم هو أهل للتصرف فيما سوى ذلك، ولكن يلاحظ هنا مسألة وهي أن أصحاب هذه الديون التي طرأت بعد الحجر ليس لهم الحق في مشاركة الغرماء سواء علموا بفلسه أو لم يعلموا لدخولهم في الحالة الأولى برضاهم، ولتفريطهم في السؤال في الحالة الثانية.
    قال المصنف: (ولم يقبل إقراره عليه)
    فلا يصح بعد الحجر أن يُقرَّ لأحد على شيء من ماله الذي بيده، أما لو أقر في ذمته فلا بأس، وهذا هو المشهور من مذهب الحنفية، والحنابلة، وذلك لأن إقراره بمثل هذا يبطل به حقوق الغرماء، ثم هو متهم في مثل هذا بأن يكون متواطئا مع من أقر له حتى يقي بعض ماله من الغرماء،
    فإن أقر على نفسه بدين لفلان لم يقبل, إلا أن الدين يلزمه بعد فك الحجر عليه, أما إن ثبت الدين عليه ببينة فإنه يُقبل، وهذا القول اختاره شيخنا العثيمين.
    القول الثاني: ذهب الشافعية إلى أن إقرار المفلس يقبل في حق الغرماء إن أضاف ذلك إلى ما قبل الحجر أو أطلق، قياساً على ما لو ثبت ببينة, أما إن أضاف ذلك إلى ما بعد الحجر فلا يقبل حتى في حق الغرماء.
    القول الثالث: ذهب المالكية إلى أنه يقبل إقراره إن أقر في مجلس التفليس بدين في ذمته لمن لا يتهم عليه، وكان دينه الذي حجر عليه به ثابتا بإقراره، أما إن كان الدين الذي حجر عليه به ثابتا ببينة فإنه لا يقبل إقراره لغير الغرماء.
    قال المصنف: (ويتولى الحاكم قضاء دينه)
    وهذا محل اتفاق بين المذاهب الأربعة، وذلك حسما للنزاع بين الغرماء, فيبيع الحاكم ما يمكن بيعه ويقسمه بين غرمائه؛ لأن ذلك هو المقصود بالحجر.
    قال المصنف: (ويبدأ بمن له أر ش جناية من رقيقه فيدفع إلى المجني عليه أقل الأمرين من ثمنه أو أرش جنايته)
    فإذا كان المحجور عليه مالكا للرقيق وكانت على الرقيق جناية فإننا نظر في أرش الجناية فإن كان أقل من قيمة الرقيق دفعنا للمجني عليه الأرش، وإن كان أرش الجناية أكثر من ثمن الرقيق دفعنا للمجني عليه قيمة الرقيق.
    قال المصنف: (ثم بمن له رهن فيدفع إليه أقل الأمرين من دينه أو ثمن رهنه)
    فإن كانت ثمن الرهن أقل من الدين دفع إليه ثمن الرهن، وإن كان أكثر من الدين دفع إليه الدين،
    قال المصنف: (وله أسوة الغرماء في بقية دينه)
    يعني أن صاحب الرهن إن لم يف ثمن الرهن بدينه، فإن ما تبقى من دينة يشارك فيه الغرماء، فلو فرضنا أن ثمن الرهن كان 100 ريال، والدين الذي له على المفلس 150 ريالا، فإننا نعطيه المائة، والخمسون الباقية يشارك فيها الغرماء.
    فالحاصل مما تقدم أن الحاكم يبدأ بأرش الجناية ثم الرهن لأنها متعلقة بعين المال الذي في يده وليست ديون مرسلة، ولذا فهي أيضا مقدمة في التركة على غيرها فالفقهاء يقولون الديون المتعلقة بعين المال مقدمة على الديون المرسلة سواء في هذا الباب أو في باب التركات.
    قال المصنف: (ثم من وجد متاعه الذي باعه بعينه لم يتلف بعضه ولم يزد زيادة متصلة ولم يأخذ من ثمنه شيئاً فله أخذه ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أدرك متاعه بعينه عند إنسان قد أفلس فهو أحق به من غيره))
    ما ذكره المصنف هنا هو مذهب جمهور أهل العلم من المالكية، والشافعية، والحنابلة، وهو أن الغريم إذا وجد عين ماله أو متاعه عند غريمه المفلس فله أخذ، واستدلوا بما بما ذكره المصنف من حديث أبي هريرة المتفق عليه.
    القول الثاني: ذهب الحنفية إلى أن الغريم ليس له أخذ عين ماله وإنما يكون فيها أسوة للغرماء، وأجابوا عن الحديث بأنه مخالف للأصول من جهة كون السلعة صارت بالبيع ملكا للمشتري ومن ضمانه فأخْذها بعد ذلك منه اعتداء عليه وإخراج لها عن ملكه.
    قال ابن عبد البر (الاستذكار 6/504): «ولا أعلم لأهل الكوفة سلفا في هذه المسألة إلا ما رواه قتادة عن خلاس بن عمرو عن علي رضي الله عنه قال: وفيه إسوة الغرماء إذا وجدها بعينها.
    وأحاديث خلاس عن علي رضي الله عنه ضعيفة عند أهل العلم بالحديث لا يرون في شيء منها إذا انفرد بها حجة»
    قال المصنف: (ويقسم الباقي بين الغرماء على قدر ديونهم)
    وهذا محل اتفاق بين المذاهب الأربعة، فيعطى كل واحد من الغرماء بقسطه من الديون، فننسب الموجود من المال إلى الديون ونعطي كل مدين بقدر تلك النسبة.
    فلو كان دينه عشرة آلاف والمال الموجود لديه ستة آلف فنسبة الستة إلى العشرة ثلاثة أخماس فنعطي كل واحد من الغرماء ثلاثة أخماس ماله فقط، فمثلا من له ألف نعطيه ستمائة ريال، ومن له ألفان نعطيه ألفا ومائتين وهكذا.
    قال المصنف: (وينفق على المفلس وعلى من تلزمه مؤنته من ماله إلى أن يقسم)
    وهذا محل اتفاق بين المذاهب الأربعة أيضا، فيعطى من النفقة إن لم يكن له كسب ما يحتاج إليه من أكل وشرب ونفقة ضرورية له ولمن تلزمه مؤنته، قال ابن قدامة (المغني 4/285): « إذا حجر على المفلس ، وكان ذا كسب يفي بنفقته، ونفقة من تلزمه نفقته، فنفقته في كسبه، فإنه لا حاجة إلى إخراج ماله مع غناه بكسبه، فلم يجز أخذ ماله ، كالزيادة على النفقة ، وإن كان كسبه دون نفقته ، كملناها من ماله ، وإن لم يكن ذا كسب ، أنفق عليه من ماله مدة الحجر ، وإن طالت ؛ لأن ملكه باق ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ابدأ بنفسك ، ثم بمن تعول)».
    قال المصنف: (فإن وجب له حق بشاهد فأبى أن يحلف لم يكن لغرمائه أن يحلفوا)
    صورة هذه المسألة أن المفلس إذا حجر عليه ثم وجب له حق على شخص آخر كمبلغ من المال، وليس عنده إلا شاهد واحد على ذلك -ومن المعلوم أن جمهور أهل العلم على أن دعاوى الأموال تثبت بالشاهد واليمين- ففي هذه الحالة إذا أبي المفلس أن يحلف، هل للغرماء أن يحلفوا مكانه لأن بامتناعه عن اليمين أضاع حقا لهم من جهة أن المال إذا ثبت في ملكه فسيكون من نصيب الغرماء لقضاء ديونهم، أو يقال ليس لهم ذلك والحق متعلق بالمفلس إن شاء حلف وإن شاء لم يحلف؟
    القول الأول: ما ذكره المصنف من أن الغرماء ليس لهم أن يحلفوا وهذا هو المشهور من مذهب الشافعية والحنابلة، لأننا لا نعلم صدق الشاهد، فلا يجبر المفلس على الحلف على ما لا يعلم صدقه كغيره، هذا من جهة.
    ومن جهة أخرى يقال أيضا للغرماء ليس لكم الحلف إن امتنع لأنكم تثبتون ملكا لغيركم لتعلق حقوقكم به بعد ثبوته وهذا محل تهمة، كما لو حلفت المرأة لإثبات ملك لزوجها ؛ لتعلق نفقتها به.
    القول الثاني: ذهب المالكية إلى أن الغرماء في هذه الحالة لهم أن يحلفوا، ؛ لأن حقوقهم تعلقت بالمال ، فكان لهم أن يحلفوا ، كالورثة يحلفون على مال مورثهم .

  7. #66
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الدمام
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    337
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 217 مرة في 176 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

    الدرس التاسع عشر
    باب الحوالة والضمان

    الحوالة في اللغة : من حال الشيء حولا وحؤولا : إذا تحول . وتحول من مكانه انتقل عنه وحولته تحويلا نقلته من موضع إلى موضع، والحوالة بالفتح مأخوذة من هذا , فإذا أحلت شخصا بدينك فقد نقلته إلى ذمة غير ذمتك .
    وفي الاصطلاح : نقل الدين من ذمة إلى ذمة .
    والحوالة مشروعة بالسنة والإجماع:
    فأما السنة فيدل عليها ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (مطل الغني ظلم ، فإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع)، وفي لفظ آخر عند أحمد: (ومن أحيل على مليء فليحتل).
    أما الإجماع فقد أجمع أهل العلم على مشروعية الحوالة، وجرى عليها عمل المسلمين قديما وحديثا دون نكير، والحكمة من مشروعيتها التيسير على الناس والإرفاق بهم، فالمحيل يتخلص من الدين، والمحتال يأخذ حقه، والمحال عليه يقضي الدين الذي كان في ذمته للمحيل.
    أما الضمان في اللغة فهو في اللغة: فهو مشتق من التضمن ،أي أن ذمة الضامن تتضمن الحق.
    واصطلاحاً: التزام جائز التصرف ما وجب على غيره أو ما قد يجب عليه.
    فمثال التزام ما وجب على غيره كما لو التزم قضاء دين في ذمة من ضمنه، ومثال التزام ما قد يجب كما لو قال لشخص: زوج ابنتك فلانا وأنا أضمن لك نفقتها.
    والضمان مشروع بالكتاب والسنة والإجماع:
    فأما الكتاب فقوله تعالى : (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم) . قال ابن عباس : الزعيم الكفيل.
    وأما السنة فما أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي أمامة رضي الله عنه مرفوعا: (الزعيم غارم)، وما أخرجه أحمد أيضا عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: أُتى النبي صلى الله عليه و سلم بجنازة ليصلي عليها فقال: (أعليه دين)، قالوا: نعم ديناران، قال: (أترك لهما وفاء)، قالوا: لا، قال: (صلوا على صاحبكم)، قال أبو قتادة: هما علي يا رسول الله، فصلى عليه النبي صلى الله عليه و سلم.
    وأما الإجماع فقد أجمع المسلمون على جواز الضمان في الجملة .
    وأركان الضمان هي:
    1. الضامن: وقد يسمى الضمين والكفيل والحميل والزعيم.
    2. المضمون له: وهو صاحب الحق.
    3. المضمون عنه: وهو من عليه الحق.
    4. المضمون: وهو الحق نفسه،وقد يسمى المضمون به.
    5. الصيغة: وهي الإيجاب والقبول أو ما يقوم مقامها.
    قال المصنف: (ومن أحيل بدينه على من عليه مثله فرضي فقد برئ المحيل)
    وهذا محل اتفاق بين فقهاء المذاهب الأربعة، لأن المحال رضي بانتقال دينه من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه.
    قال المصنف: (ومن أحيل على مليء لزمه أن يحتال، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع))
    هذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، وبه قال ابن حزم، أن من أحيل على مليء لزمه أن يحتال فلا يكون له الخيار، واستدلوا بظاهر الحديث الذي ذكره المصنف، وقالوا الأصل في الأمر الوجوب،
    وذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية إلى أن الحوالة لا تلزم المحتال، فلا بد من رضاه، وأن الأمر في الحديث محمول على الاستحباب، فإن حق المُحال لازم في ذمة المحيل فلا يصرف عنه إلا برضاه، ثم إنه وإن أحيل على مليء فربما لا يمكنه استيفاء الحق منه إما لمماطلة أو وجاهة يستحي معها من الطلب أو غير ذلك، واختار شيخنا العثيمين ما ذهب إليه الجمهور.
    قال المصنف: (وإن ضمنه عنه ضامن لم يبرأ)
    فلا يبرأ المضمون عنه بالضمان، كما يبرأ المحيل بالحوالة، وإنما يبقى الحق ثابتا في ذمة المضمون عنه ولصاحب الحق مطالبة من شاء منهما أي الضامن والمضمون عنه وهذا محل اتفاق بين أرباب المذاهب الأربعة،واستدلوا بما أخرجه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه )، فهذا الحديث دال على أن تمام البراءة من الدين إنما يكون بقضائه، أما مجرد الضمان فليس موجبا للبراءة.
    وهذا القول متوجه فيما إذا كانت الضمان عن حي، أما لو كان الضامن ضمن دين ميت ففي المسألة روايتان في مذهب الحنابلة:
    الأولى: أن الميت يبرأ بمجرد الضمان, نص عليه أحمد؛ واستدلوا بما أخرجه الإمام أحمد من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: توفي صاحب لنا ، فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه ، فخطا خطوة ، ثم قال : أعليه دين ؟ قلنا : ديناران, فانصرف ، فتحملهما أبو قتادة, فقال : الديناران علي, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وجب حق الغريم ، وبرئ الميت منهما) ؟ قال : نعم, فصلى عليه، ثم قال بعد ذلك: ما فعل الديناران؟ قال : إنما مات أمس, قال : فعاد إليه من الغد ، فقال : قد قضيتهما, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الآن بردت جلدته).
    وهذا صريح في براءة الميت بالضمان، ولا يشكل على ذلك قوله: صلى الله عليه وسلم: (الآن بردت جلدته), فإن الذمة قد برئت بمجرد الضمان بدليل صلاة النبي صلى الله عليه وسلم عليه، وقد كان صلى الله عليه وسلم في أول الأمر لا يصلي على من مات وعليه دين لا وفاء له.
    قال شيخنا العثيمين (الشرح الممتع 9/189) : "وهذا القول لا شك أن له قوته"
    والثانية: لا يبرأ إلا بالأداء ؛ فلا يبرأ المضمون عنه الميت بالضمان كالحي.
    قال المصنف: (وصار الدين عليهما ولصاحبه مطالبة من شاء منهما)
    هذا هو المشهور من مذهب جمهور أهل العلم من الحنفية، والشافعية، والحنابلة، أنه بثبوت الضمان فإن لصاحب الحق مطالبة من شاء من الضامن أو المضمون عنه، واستدلوا بأن الحق قد ثبت في ذمتهما جميعا فله مطالبة من شاء منهما.
    وذهب المالكية في المشهور من مذهبهم إلى أنه ليس لصاحب الحق أن يطالب الضامن إلا إذا تعذرت مطالبة المضمون عنه، واستدلوا بأن الضامن فرع عن المضمون عنه ولا يصار إلى الفرع إلا إذا تعذر الأصل، كما استدلوا بالقياس على الرهن، فإنه لا يستوفى منه إلا إذا تعذر الاستيفاء من الراهن، واختار هذا القول شيخنا العثيمين.
    قال المصنف: (فإن استوفى من المضمون عنه أو أبرأه برئ ضامنه)
    أي إن استوفى صاحب الحق حقه من المضمون عنه، أو أبرأ صاحب الحق المضمون عنه برئ الضامن، وهذا قول عامة أهل العلم، قال ابن قدامة (المغني 4/352): «وإن أبرأ صاحب الدين المضمون عنه ، برئت ذمة الضامن, لا نعلم فيه خلافاً؛ لأنه تبع، ولأنه وثيقة, فإذا برئ الأصل زالت الوثيقة، كالرهن».
    قال المصنف: (وإن برىء الضامن لم يبرأ الأصيل)
    وهذا محل اتفاق بين المذاهب الأربعة، لأن المضمون عنه أصل، فلا يبرأ بإبراء التبع؛ ولأنه وثيقة انحلت من غير استيفاء الدين منها، فلم تبرأ ذمة الأصيل، كالرهن.
    قال المصنف: (وإن استوفى من الضامن رجع عليه)
    أي فإن استوفى صاحب الحق حقه من الضامن، رجع الضامن على المضمون عنه، وهذا محل اتفاق بين المذاهب الأربعة، لأن الضامن تبع والمضمون عنه أصيل فيرجع عليه.
    قال المصنف: (ومن كفل بإحضار من عليه دين فلم يحضر لزمه ما عليه)
    شرع المصنف رحمه الله في الكلام على الكفالة، والكفالة في اللغة من كفل أي التزم،والكفالة: الضمان والالتزام ،والكفيل بمعتى الضامن أو الملتزم –بكسر الزاي .
    وأما الكفالة في الاصطلاح فقد قال في الموسوعة الكويتية: "اختلف الفقهاء في تعريف الكفالة تبعا لاختلافهم فيما يترتب عليها من أثر . فعرفها جمهور الحنفية بأنها : ضم ذمة الكفيل إلى ذمة الأصيل في المطالبة بنفس أو دين أو عين . وعرفها بعضهم بأنها : ضم ذمة الكفيل إلى ذمة الأصيل في الدين . قال في الهداية : والأول هو الأصح .
    ويرى المالكية والشافعية في المشهور والحنابلة أن الكفالة هي : أن يلتزم الرشيد بإحضار بدن من يلزم حضوره في مجلس الحكم"
    - أركان الكفالة:
    الكفيل: وهو الملتزم بإحضار من عليه الحق.
    المكفول به: وهو من عليه الحق.
    المكفول له:وهو صاحب الحق.
    اتضح مما سبق أن الجمهور يفرقون بين الكفالة والضمان، من جهة أن الضمان هو التزام بقضاء الدين، وأما الكفالة فهي التزام بإحضار بدن.
    قال شيخنا العثيمين (الشرح الممتع 9/202): " ولكن لو كان العرف عند الناس أن الكفالة بمعنى الضمان، فهل يحمل المعنى على العرف أو على الشرع؟
    الجواب: على العرف؛ لأن هذه معاملات يجري الناس فيها على أعرافهم، فعندنا الآن عرف متبع، إذا قال: أنا أكفل فلاناً، يريدون بذلك أن يضمن ما عليه من الدين.
    لكن بدؤوا الآن يعرفون بعض الشيء، فصار إذا قال: أنا أكفله، إن أضاف إليها كفالةَ غُرمٍ صار ضامناً، وإن أطلق فهي كفالة بدن، فيُعمل بالعُرف سواء في هذا أو هذا"
    والقصد أن الكفالة بالنفس جائزة في قول عامة أهل العلم ، يدل على جوازها الكتاب والسنة والمعقول:
    فأما الكتاب فقوله تعالى: (قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقاً من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم ).
    وأما السنة فما أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي أمامة رضي الله عنه مرفوعا: (الزعيم غارم)، وأما من جهة ا لمعقول فمن المعلوم أن الحاجة داعية لمثل ذلك، من جهة أن الكفالة من سبل توثيق الحقوق، فكثير من الناس يأبى أن يتعامل بالمعاملات الآجلة أو الديون ما لم يكن له ما يستوثق به من حقه.
    فالحاصل أن جمهور أهل العلم على مشروعية الكفالة، وأنه متى ما وقع عقد الكفالة، فإن الكافل ملزم بإحضار من عليه الحق إن طلب ذلك صاحب الحق، فمتى ما أحضره برئت ذمته، وإلا فإنه يضمن لصاحب الحق ما له من حق، ويلزمه وفاؤه، إلا إن يشترط الكفيل أنه في حال تعذر إحضار المكفول لا يضمن الحق، فحينئذ المسلمون على شروطهم.
    قال المصنف: (فإن مات برئ كفيله)
    إي فإن مات المكفول به، برئ الكفيل، لتعذر إحضار بدنه حينئذ، وهذا محل اتفاق بين أهل العلم.

  8. #67
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الدمام
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    337
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 217 مرة في 176 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

    اسئلة مراجعة باب الحوالة والضمان:
    1- عرف الحوالة والضمان اصطلاحا، واذكر الدليل على مشروعيتهما.
    2- ما هي أركان الضمان.
    3- من أحيل على مليء هل تلزمه الحوالة، أذكر قول الجمهور ودليلهم في المسألة.
    4- ضمن رجلا دين ميت فهل يبرأ الميت بهذا الضمان، أذكر الخلاف في المسألة.
    5- هل يشترط لمطالبة صاحب الحق الضامن أن يتعذر مطالبة المضمون عنه، أذكر القول الراجح في المسألة.
    6- متى يبرأ الضامن من الحق.
    7- عرف الكفالة اصطلاحا، واذكر أركانها، والدليل على مشروعيتها.

  9. #68
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الدمام
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    337
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 217 مرة في 176 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

    الدرس العشرون
    باب الرهن
    أصل الرهن في اللغة من الثبوت والدوام يقال ماء راهن، أي راكد، ونعمة راهنه أي ثابته دائمة، وقيل إن الرهن هو الحبس ومنه قوله تعالى: ﴿كل امرئ بما كسب رهين﴾, وقوله: ﴿كل نفس بما كسبت رهينه﴾.

    وأما في الاصطلاح فهو: توثقة دين بعين يمكن استيفاؤه أو بعضه منها أو من بعضها عند عدم الوفاء

    قال ابن قدامة (المغني 4/215): «هو جائز بالكتاب والسنة والإجماع, أما الكتاب فقول الله تعالى: )وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة(.

    وأما السنة فروت عائشة رضي الله عنها "أن رسول الله r اشترى من يهودي طعاما ، ورهنه درعه", متفق عليه . وروى أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (الظهر يركب بنفقته , إذا كان مرهونا , ولبن الدر يشرب بنفقته , إذا كان مرهونا , وعلى الذي يركب ويشرب النفقة). رواه البخاري . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يغلق الرهن).

    وأما الإجماع ، فأجمع المسلمون على جواز الرهن في الجملة»

    وللرهن خمسة أركان :

    الصيغة .

    الراهن : وهو المدين .

    المرتهن: وهو الدائن .

    المرهون أو الرهن : وهو العين التي توضع لدى المرتهن وثيقة لدينه .

    المرهون به : وهو الدين الذي لأجله أنشئ عقد الرهن .

    قال المصنف: (وكل ما جاز بيعه جاز رهنه وما لا فلا)

    فلا يصح رهن ما لا يجوز بيعه، وهذا محل اتفاق في الجملة بين أرباب المذاهب الأربعة، وإن كانوا قد يختلفون من جهة التطبيق وتحقيق المناط في بعض الصور، وموجب اشتراط أن يكون لمرهون مما يجوز بيعه هو أن القصد من الرهن استيفاء الحق من المرهون عند تعذر الرهن، وما لا يجوز بيعه لا يمكن استيفاء الحق منه.

    قال المصنف: (ولا يلزم إلا بالقبض)

    هذا الذي ذكره المصنف هو المشهور من مذهب جمهور أهل العلم من الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وهو أن الرهن لا يلزم إلا بقبض الراهن له من لمرتهن، واستدلوا لذلك بأدلة منها:

    قوله تعالى: (وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة)، ولأن الرهن عقد إرفاق وتبرع أشبه الهبة فلا يلزم إلا بالقبض عند الجمهور.

    القول الثاني: ذهب المالكية في المشهور من مذهبهم إلى أن القبض ليس بشرط للزوم الرهن، وأن الرهن يكون لازما في حق الراهن، وإن لم يقبض المرتهن الرهن، وغاية ما يستفاد بالقبض تقديم صاحب الرهن المقبوض على غيره من الغرماء عند تزاحم الحقوق، واستدل أصحاب هذا القول بأدلة منها:

    عموم الآيات التي فيها الأمر بالوفاء بالعقود والعهود، كقوله تعالى: (يأيها الذين آمنوا أوفوا العقود)، وقوله: (وأوفوا بالعهد)، ومن ذلك وفاء الراهن بما التزم به للمرتهن، كما استدلوا بقياس الرهن على البيع فالبيع لازم وإن لم يقبض المبيع، ثم إن في هذا القول حفظا للحقوق واحتياطا له من المتلاعبين، فلو أجزنا للراهن الرجوع في رهنه ما لم يقبضه المرتهن لضاع حق صاحب الدين، واختار هذا القول شيخنا العثيمين.

    وأما استدلال الجمهور بالآية فأجيب عنه بأن ذكر القبض في الآية جاء من باب زيادة التوثيق والاحتياط لا من باب أن الرهن لا يلزم إلا به، قال السعدي (تفسير السعدي ص119): "تمام الوثيقة في الرهن، أن يكون مقبوضا، ولا يدل ذلك على أنه لا يصح الرهن إلا بالقبض، بل التقييد بكون الرهن مقبوضا، يدل على أنه قد يكون مقبوضا، تحصل به الثقة التامة ، وقد لا يكون مقبوضا، فيكون ناقصا".

    وأجيب عن القياس على عقود التبرعات بأن قياس الرهن على البيع أولى لأن الرهن معنى المعاوضة فيه أقرب من معنى التبرع.

    قال المصنف: (وهو نقله إن كان منقولاً والتخلية فيما سواه)

    أشار المصنف هنا إلى القاعدة المعروفة عند أهل العلم وهي أن قبض كل شيء بحسبه، فما يكون منقولا يقبض بنقله، وما لا يمكن نقله كالعقارات يكون بالتخلية لها والتمكين لها.

    قال المصنف: (وقبض أمين المرتهِن يقوم مقام قبضه)

    ذكر المصنف هنا صورة وهي فيما إذا جُعل الرهن بيد الأمين أو العدل كما يسميه الفقهاء وهذا قد يحتاج إليه فيما إذا لم يكن المرتهن حاضرا فيوكل من يقبض عنه، أو فيما إذا لم يأمن الراهن المرتهن على العين المرهونه فتجعل عند ثالث يرضاه كل من المرتهن والرهن، ففي هذه الصورة قبض الأمين أو العدل يقوم مقام قبض المرتهن .

    قال المصنف: (والرهن أمانة عند المرتهن أو أمينه لا يضمنه إلا أن يتعدى)

    أشار المصنف في هذه العبارة إلى أن الرهن يكون أمانة في يد المرتهن أو أمينه، فيدهما يد أمانة لا يد ضمان فلا يضمنان إلا بالتعدي أو التفريظ، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعية، والحنابلة، واستدلوا بما أخرجه البيهقي عن سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه). والحديث مرسل .

    كما استدلوا بأن المرتهن قبض الرهن بإذن الراهن، والقاعدة أن كل ما قبض بإذن من المالك أو الشارع فاليد فيه يد أمانة لا يد ضمان، كما استدلوا بأنه لو قيل بأن يد المرتهن يد ضمان لا متنع كثير من الناس عنه فيحصل بذلك إغلاق لباب المداينات بين الناس والإرفاق فيما بينهم، وهذا القول هو اختيار شيخنا العثيمين.

    وذهب الحنفية إلى أن يد المرتهن يد ضمان فيضمن ولو لم يحصل منه تعد أو تفريط، وذهب المالكية إلى التفريق بين المال الباطن الذي يمكن أخفاؤه كالحلي ونحوها، وبين المال الظاهر الذي لا يكن إخفاؤه كالماشية، فالأول يده عليه يد ضمان، والثاني يد أمانه.

    أما لو حصل التعدي أو التفريط من المرتهن فعامة أهل العلم على أنه يضمن المرهون قال ابن قدامة (المغني 4/258):

    "إذا تعدى المرتهن في الرهن أو فرط في الحفظ للرهن الذي عنده حتى تلف فإنه يضمن، لا نعلم في وجوب الضمان عليه خلافا؛ ولأنه أمانة في يده فلزمه إذا تلف بتعديه أو تفريطه ،كالوديعة".

  10. #69
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الدمام
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    337
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 217 مرة في 176 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه


    الدرس الحادي والعشرون
    قال المصنف: (ولا يُنتفع بشيء منه إلا ما كان مركوباً أو محلوباً للمرتهِن أن يركب ويحلب بمقدار العلف)
    أشار المصنف في هذه العبارة إلى مسألة انتفاع المرتهن بالمرهون، وأما انتفاع الراهن بالمرهون فلا إشكال فيه لأنه ملكه، ولذا لم يتعرض المصنف له، والقصد أن انتقاع المرتهن بالرهن لها حالتان:
    الحالة الأولى: أن يكون الرهن مما لا يحتاج إلى مؤنة, ففي هذه الصورة إن كان الانتفاع بغير إذن الراهن لم يجز إجماعا قال ابن قدامة (المغني 4/251): «ما لا يحتاج إلى مؤنة, كالدار والمتاع ونحوه، فلا يجوز للمرتهن الانتفاع به بغير إذن الراهن بحال, لا نعلم في هذا خلافاً؛ لأن الرهن ملك الراهن، فكذلك نماؤه ومنافعه، فليس لغيره أخذها بغير إذنه"
    أما إن كان بإذن الراهن فلا يخلوا من أن يكون الانتفاع بعوض فيجوز ولا إشكال فيه، أو أن يكون بغير عوض فهنا يفرق بين أمرين:
    الأول: أن يكون دين الرهن الذي لأجله جعل الرهن دين قرض، فهنا لا يجوز الانتفاع، لأنه يؤول إلى أن يكون القرض قرضا جر نفعا.
    الثاني: أن يكون دين الرهن ليس قرضا، كثمن مبيع أو أجرة دار ونحوها، فهنا يجوز الانتفاع.
    الحالة الثانية: أن يكون المرهون مما يحتاج إلى مؤنة ونفقة، فهنا إن أذن الراهن بالانتفاع به فلا إشكال في جوازه، أما إذا لم يأذن بذلك فقد اختلف أهل العلم في المسألة على قولين:
    القول الأولى: ما ذكره المصنف وهو المشهور من مذهب الحنابلة من أن الرهن إن كان محلوبا أو مركوباً فله أن يحلبه ويركبه بمقدار نفقته عليه متحريا العدل في ذلك, وإن كان غير ذلك كأن يكون الرهن داراً, أو حيوانا لا يُركب ولا يحلب, فلا يجوز الانتفاع به، واستدلوا بما أخرجه البخاري من حديث أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الرهن يركب بنفقته إذا كان مرهونا ، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا ، وعلى الذى يركب ويشرب النفقة). واختار هذا القول شيخنا العثيمين.
    القول الثاني: ذهب الجمهور من الحنفية، والشافعية، والمالكية في الجملة إلى أن المرتهن ليس له الانتفاع بالرهن بدون إذن الراهن، وهو رواية عن أحمد, واستدلوا بما تقدم من حديث سعيد بن المسيب مرفوعا: (لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه)، وتقدم إعلاله بالإرسال.
    كما استدلوا بأن المرهون ملك غيره لم يأذن للمرتهن في الانتفاع به، ولا الإنفاق عليه, فلم يكن له ذلك بغير إذن الراهن، وأما حديث أبي هريرة الذي استدل به الحنابلة فقد تأوله الشافعي بقوله: وقال الشافعي (الأم 3/167) : "يشبه أن يكون المراد من رهن ذات در وظهر لم يمنع الراهن من درها وظهرها فهي محلوبة ومركوبة له كما كانت قبل الرهن".
    قال ابن عبد البر: "هذا الحديث عند جمهور الفقهاء يرده أصول مجمع عليها وآثار ثابتة لا يختلف في صحتها ، ويدل على نسخه حديث ابن عمر الماضي في أبواب المظالم: (لا تحلب ماشية امرئ بغير إذنه)".
    وقد أجيب على كلام ابن عبد البر بأن النسخ لا بد فيه من علم بالتاريخ حتى يثبت ولا علم لنا به هنا، ثم إن النسخ لا يصار إليه مع إمكان الجمع، والجمع هنا ممكن بتخصيص عموم النهي عن حلب الماشية بغير إذن صاحبه بالمرهونه لورود الأثر بجوازها.
    أما دعوى مخالفة الأصول والقياس فلا يسلم بها، إذ الحديث النبوي أصل من الأصول يجب المصير إليه، قال الشوكاني (نيل الأوطار (5/279) : " ويجاب عن دعوى مخالفة هذا الحديث الصحيح للأصول بأن السنة الصحيحة من جملة الأصول فلا ترد إلا بمعارض أرجح منها بعد تعذر الجمع".
    وقال ابن القيم (إعلام الموقعين 2/18): " قول بعضهم : إن الحديث الصحيح - وهو قوله : (الرهن مركوب ومحلوب , وعلى الذي يركب ويحلب النفقة) - على خلاف القياس , فإنه جوز لغير المالك أن يركب الدابة وأن يحلبها , وضمنه ذلك بالنفقة لا بالقيمة , فهو مخالف للقياس من وجهين . والصواب ما دل عليه الحديث , وقواعد الشريعة وأصولها لا تقتضي سواه ; فإن الرهن إذا كان حيوانا فهو محترم في نفسه لحق الله سبحانه , وللمالك فيه حق الملك , وللمرتهن حق الوثيقة , وقد شرع الله سبحانه الرهن مقبوضا بيد المرتهن , فإذا كان بيده فلم يركبه ولم يحلبه ذهب نفعه باطلا , وإن مكن صاحبه من ركوبه خرج عن يده وتوثيقه , وإن كلف صاحبه كل وقت أن يأتي ليأخذ لبنه شق عليه غاية المشقة , ولا سيما مع بعد المسافة , وإن كلف المرتهن بيع اللبن وحفظ ثمنه للراهن شق عليه ; فكان مقتضى العدل والقياس ومصلحة الراهن والمرتهن والحيوان أن يستوفي المرتهن منفعة الركوب والحلب ويعوض عنهما بالنفقة , ففي هذا جمع بين المصلحتين , وتوفير الحقين , فإن نفقة الحيوان واجبة على صاحبه , والمرتهن إذا أنفق عليه أدى عنه واجبا , وله فيه حق , فله أن يرجع ببدله , ومنفعة الركوب والحلب تصلح أن تكون بدلا , فأخذها خير من أن تهدر على صاحبها باطلا ويلزم بعوض ما أنفق المرتهن . وإن قيل للمرتهن : " لا رجوع لك " كان في ذلك إضرار به , ولم تسمح نفسه بالنفقة على الحيوان , فكان ما جاءت به الشريعة هو الغاية التي ما فوقها في العدل والحكمة والمصلحة شيء يختار".
    فالراجح والعلم عند الله ما ذهب إليه الحنابلة، ولابن القيم مزيد كلام في إعلام الموقعين تركته اختصارا فليراجع.
    قال المصنف: (وللراهن غنمه من غلته وكسبه ونمائه)
    أي أن للراهن غنم وغلة وكسب ونماء الرهن المتصل أو المنفصل، وهذا محل اتفاق بين المذاهب الأربعة، لأن الراهن هو المالك له فكان هو المستحق لما يحصل عنه من غنم .
    قال المصنف: (لكن يكون رهناً معه)
    أي أن نماء الرهن سواء كان متصلا أو منفصلا متولدا من المرهون أو غير متولد ، وإن قلنا أنه للراهن إلا أنه يكون تبعاً للرهن وملحقا به فيكون رهنا معه، وإذا احتيج إلى بيعه في وفاء الدين بيع مع الأصل، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، وهو بهذا الإطلاق من مفردات الحنابلة، واختار هذا القول شيخنا العثيمين.
    واستدلوا بأنه بدل جزئه فكان منه كقيمته لو أتلف، ولأن حكم الرهن يثبت في العين بعقد المال، فيدخل فيه النماء والمنافع، كالملك بالبيع وغيره.
    وجمهور أهل العلم العلم من الحنفية والمالكية والشافعية لا يقولون بهذا على إطلاقه، فمنهم من يفرق بين ما تولد من المرهون وبين ما لم يتولد منه كبدل المنفعة ونحوه، والبعض يفرق بين النماء المتصل والمنفصل، ولهم في ذلك تفصيلات أعرضت عنها طلبا للاختصار فلتراجع في مواطنها.
    قال المصنف: (وعليه غرمه من مؤنته ومخزنه وكفنه إن مات)
    أي أن على الراهن غرم المرهون من مؤنة ونفقة وإن كان الرهن في يد المرتهن، وهذا محل اتفاق بين المذاهب الأربعة في الجملة، واستدلوا بما روي عنه صلى الله عليه وسلم: (لا يغلق الرهن من صاحبه له غنمه وعليه غرمه)، وبأن الرهن ملك للراهن فكان عليه نفقته.
    قال المصنف: (وإن أتلفه أو أخرجه من الرهن بعتق أو استيلاد فعليه قيمته تكون رهناً مكانه)
    أشار المصنف رحمه الله هنا إلى أن الراهن إن أتلف الرهن لزمته قيمته وتكون رهنا مكان ما أتلفه، وهذا محل اتفاق ين المذاهب الأربعة.
    وقوله: (بعتق) أي كما لو كان الرهن عبدا فأعتقه الراهن لزمه قيمته مكانه.
    وقوله: (أو استيلاد) أي فيما إذا كان الرهن أمة فوطأها فحملت ما تبين فيه خلق الإنسان فإنها حينئذ تكون أم ولد لا يجوز بيعها، فحينئذ يلزمه قيمتها تكون رهنا مكانها.
    قال المصنف: (وإن جنى عليه غيره فهو الخصم فيه)
    صورة ذلك أن يجني على المرهون شخص غير الراهن كما لو رهنه سيارة مثلا، فأتلفها شخص آخر فحينئذ، هل الذي يملك الحق في مطالبة المتلف بقيمة ما أتلفه هو الراهن أو المرتهن؟
    ذكر المصنف أن المخاطب بذلك هو الراهن، وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم من المالكية، والشافعية، والحنابلة، لأن المرهون ملك الراهن فكان حق المطالبة إليه، فإن عقد الرهن لا يحصل به نقل الملك وإنما غايته حبس المرهون توثقة للدين.
    قال المصنف: (وما قبض بسببه فهو رهن)
    أي أن ما قبض بسبب الجناية على المرهون من أرش ونحوه يكون رهنا تبعا للمرهون ، لأنه تبع لأصله، وهذا قول جماهير أهل العلم.

  11. #70
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الدمام
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    337
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 217 مرة في 176 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

    الدرس الثاني والعشرون
    قال المصنف: (وإن جنى الرهن فالمجني عليه أحق برقبته)

    صورة ذلك أن يكون الرهن عبدا فيجني على غيره فحينئذ يكون أرش الجناية متعلقا برقبة العبد، فيكون المجني عليه أحق بالعبد من الراهن والمرتهن ما لم يفده الراهن كما يأتي، وهذا محل اتفاق بين المذاهب الأربعة، قال ابن قدامة (المغني 4/240): " وجملته أن العبد المرهون إذا جنى على إنسان , أو على ماله , تعلقت الجناية برقبته , فكانت مقدمة على حق المرتهن . لا نعلم في هذا خلافا ; وذلك لأن الجناية مقدمة على حق المالك , والملك أقوى من الرهن , فأولى أن يقدم على الرهن . فإن قيل : فحق المرتهن أيضا يقدم على حق المالك . قلنا : حق المرتهن ثبت من جهة المالك بعقده, وحق الجناية ثبت بغير اختياره مقدما على حقه , فيقدم على ما ثبت بعقده , ولأن حق الجناية مختص بالعين , يسقط بفواتها , وحق المرتهن لا يسقط بفوات العين , ولا يختص بها , فكان تعلقه بها أخف وأدنى"

    قال المصنف: (فإن فداه فهو رهن بحاله)

    أي فإن فدى الراهن العبد بقي العبد رهنا بحاله ولا ينفك من الرهن، صورة ذلك لو أن العبد جنى على غيره فكان أرش الجنابة مائة ألف وقيمة العبد مائة ألف مثلا فافتدى الراهن العبد ودفع المبلغ، فهنا هل يقال الراهن فدى العبد فينفك الرهن أو يبقى العبد رهنا بحاله محبوسا لحق المرتهن؟

    جمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة على أن الرهن يبقى بحاله، لأن حق المرتهن لا زال باقيا، وإنما قدمنا حق المجني عليه لقوته، فإذا فدا السيد عبده زال حق المجني عليه وبقي حق المرتهن، فيبقى رهنا بحاله.

    قال المصنف: (وإذ حل الدين فلم يوفه الراهن بيع وأُوفي الحق من ثمنه وباقيه للراهن)

    ذكر المصنف هنا خاتمة الباب وثمرة الرهن، فأشار رحمه الله إلى أن الدين إن حل ولم يوف الراهن بما عليه من الحق بيع الرهن واستوفى المرتهن حقه من ثمنة وهنا لا يخلو الأمر من ثلاثة أحوال:

    الحال الأولى: أن تكون ثمن الرهن مساويا للدين فنبيع الرهن ونوفي المرتهن حقه.

    الحال الثانية: أن يكون ثمن الرهن أكثر من الدين فنبيع الرهن ونعطي المرتهن حقه، وما بقي فهو حق الراهن يرد إليه.

    الحال الثالثة: أن يكون ثمن الرهن أقل من الدين فهنا نبيع الرهن ونعطي المرتهن كامل الثمن، وما بقي من الدين يبقى في ذمة الراهن.

    وما تقدم من بيع الرهن في حال عدم الوفاء محل اتفاق بين المذاهب الأربعة فيما إذا كان البيع حصل برضى الراهن، وإنما اختلفوا فيما إذا امتنع الراهن عن بيع الرهن، هل للحاكم أن يبيع الرهن بغير رضاه:

    ذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الحاكم له ذلك، وخالف في ذلك الحنفية فقالوا ليس للحاكم بيع المرهون، وإنما يحبس الراهن ويديم حبسه حتى يبيعه.

    قال المصنف: (وإذا شُرط الرهن أو الضمين في بيع فأبى الراهن أن يسلمه وأبى الضمين أن يضمن خير البائع بين الفسخ أو إقامته بلا رهن ولا ضمين)

    صورة ما ذكر المصنف أن يشترط البائع على المشتري رهنا أو ضمينا في البيع فيوافق المشتري على ذلك ويتم العقد بناء عليه، ثم يأبى ا لمشتري تسليم الرهن، أو يأبى من جعله المشتري ضمينا له أن يضمنه، فهنا للبائع الخيار بين أن يفسخ البيع بالكلية، ويكون ذلك من جملة خيار الشرط، أو يبقي البيع بلا رهن ولا ضمين، وما ذكرناه هنا محل اتفاق بين المذاهب الأربعة في الجملة.

    مسألة: هل يجوز رهن المبيع على ثمنه؟

    صورة ذلك أن يشترط البائع على المشتري أن يكون المبيع في يده رهنا حتى يوفي المشتري ما عليه من الثمن، وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، فالمشهور من مذهب الشافعية المنع من ذلك واستدلوا بأن شرط رهن ما لم يملكه بعد، ولأن مقتضى العقد تمكن المشتري من التصرف وهو مناف له.

    وذهب الحنابلة في المشهور من مذهبهم إلى جواز ذلك، وأجابوا عما استدل به الشافعية من أنه رهن لما لا يملك بأن البائع إنما يشترط الرهن بعد ملك المشتري للمبيع بالعقد، ثم قولهم مقتضى المبيع تصرف المشتري بالمبيع غير مسلم قبل أداء المشتري للثمن، بل حتى بعد أداءه للثمن قد يمنع من ذلك بالشرط كما في شرط الخيار لمدة معينة، واختار هذا القول شيخنا العثيمين، والعمل جار عليه الآن في كثير من العقود المعاصرة لا سيما عقود التمويل.

  12. #71
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الدمام
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    337
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 217 مرة في 176 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

    الدرس الثالث والعشرون

    باب الصلح
    الصلح في اللغة : اسم بمعنى المصالحة والتصالح , خلاف المخاصمة والتخاصم، يقال : اصطلحوا وتصالحوا وعلى ذلك يقال : وقع بينهما الصلح , وصالحه على كذا , وتصالحا عليه واصطلحا , وهم لنا صلح , أي مصالحون .

    وفي الاصطلاح : معاقدة يرتفع بها النزاع بين الخصوم , ويتوصل بها إلى الموافقة بين المختلفين .

    والصلح مشروع بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب ففي قوله تعالى : (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس)، وقوله تعالى: (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا , فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير). فوصف سبحانه وتعالى الصلح بأنه خير , ولا يوصف بالخيرية إلا ما كان مشروعا مأذونا فيه .

    وأما السنة ففيما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصلح جائز بين المسلمين). زاد أحمد : (إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا)، وأما الإجماع : فقد أجمع الفقهاء على مشروعية الصلح في الجملة , وإن كان وقع بينهم خلاف في بعض صوره اختلاف في جواز بعض صوره .

    مسألة: الصلح نوعان:

    الأول: صلح إقرار وهو أن يقر المدعى عليه بما ادعاه المدعي عليه من الحق، فيصالحه ببعضه، وهذا جائز باتفاق المذاهب الأربعة، لأن حقيقته أنه إبراء من صاحب الحق وتنازل منه عن بعض حقه.

    الثاني: صلح إنكار وهو أن ينكر المدعى عليه ما ادعاه المدعي عليه من الحق، ولكن دفعا للخصومه والنزاع يصالح المدعي ببعض ما ادعاه عليه من حق، وهذا النوع من الصلح محل خلاف بين أهل العلم:

    القول الأول: ذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة إلى جواز الصلح على الإنكار بشرط أن يكون المدعي معتقدا أن ما ادعاه حق , والمدعى عليه يعتقد أن لا حق عليه . فيتصالحان قطعا للخصومة والنزاع . أما إذا كان أحدهما عالما بكذب نفسه , فالصلح باطل في حقه , وما أخذه العالم بكذب نفسه حرام عليه ; لأنه من أكل المال بالباطل، واستدل الجمهور بالأدلة التالية:

    ظاهر قوله تعالى: (والصلح خير) فوصف الصلح بالخيرية يتقضي مشروعية كل صلح إلا ما دل الدليل على عدم مشروعيته.

    كما استدلوا بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما)، فيدخل فيه الصلح على الإنكار، ثم إن الحكمة التي شرع لأجلها الصلح وهي دفع الخصومة والنزاع موجودة في صلح الإنكار، بل الخصومة فيه أشد من الخصومة التي تكون في صلح الإقرار، ثم إن فيه إفتداء لليمين، فيدفع المدعى عليه اليمين عنه، وقد روي عن عثمان وابن مسعود أنهما بذلا مالا في دفع اليمين عنهما .

    القول الثاني: ذهب الشافعية في المشهور عندهم إلى أن الصلح على الإنكار باطل، واستدلوا بأن المدعي إن كان كاذبا فقد استحل مال المدعى عليه , وهو حرام , وإن كان صادقا فقد حرم على نفسه ماله الحلال ; لأنه يستحق جميع ما يدعيه , فدخل في قوله صلى الله عليه وسلم: (إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا)، كما استدلوا بأن الصلح على الإنكار يستلزم أن يملك المدعي ما لا يملك , وأن يملك المدعى عليه ما يملك، فالمدعي اعتاض عما لا يملكه , فصار كمن باع مال غيره, والمدعى عليه عاوض على ملكه , فصار كمن ابتاع مال نفسه من وكيله، وهذا إن كان المدعي كاذبا، فإن كان صادقا انعكس الحال.

    والأقرب في المسألة ما ذهب إليه الجمهور، وهو اختيار شيخنا العثيمين.

    قال المصنف: (ومن أسقط بعض دينه أو وهب غريمه بعض العين التي في يده جاز)

    شرع المصنف في الكلام على النوع الأول من الصلح وهو الصلح عن إقرار، فذكر أن الدائن لو أسقط عن المدين بعض دينه، أو وهب الغريم غريمه بعض العين التي في يده جاز ذلك، وهذا محل اتفاق بين المذاهب الأربعة، إذ حقيقته أنه أبرأه من بعض الحق وذلك تنازل عن بعض حقه ولا محظور فيه، ويدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن كعب بن مالك رضي الله عنه: أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا كان له عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو في بيته، فخرج إليهما رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى كشف سجف حجرته ونادى كعب بن مالك فقال: ( يا كعب )، فقال: لبيك يا رسول الله، فأشار إليه بيده أن ضع الشطر من دينك، قال كعب: قد فعلت يا رسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ( قم فاقضه ).
    قال المصنف: (ما لم يجعل وفاء الباقي شرطا في الهبة والإبراء)
    صورة ذلك أن يقول صاحب الحق أصالحك بأن أعطيك نصف ما لي عليك، أو صالحتك على أن أبرأك منه بشرط أن تسددني ما بقي عليك، فالمشهور من مذهب الحنابلة أن مثل هذا لا يجوز، لأنه جعل إبراءه أو هبته عوضا عن إعطاءه ما تبقى عليه، فيكون معاوضا لبعض حقه ببعض، ولا تصح بلفظ الصلح لأن معنى صالحني عن المائة بخمسين أي بعني وذلك غير جائز.

    والراية الثانية في مذهب الحنابلة جواز ذلك، وهو المشهور من مذهب الشافعية، واختاره ابن القيم، لعموم: (المسلمون على شروطهم)، وعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (الصلح جائز بين المسلمين)، وأيضا قالوا العبرة بالمعاني لا بالألفاظ فمراد كل منهما الهبة أو الإبراء من بعض الحق، سواء كان ذلك بلفظ الصلح أو غيره.

    قال المصنف: (أو يمنعه حقه إلا بذلك)

    صورة ذلك أن يدعي عليه حقا فيقول المدعى عليه لا أقر لك بهذا الحق الذي لك عندي إلا أن تضع عنه شطره مثلا، فمثل هذا لا يجوز عند جمهور أهل العلم لأنه أكل للمال بالباطل.

    قال المصنف: ( أو يضع بعض المؤجل ليعجل له الباقي)

    صورة هذه المسألة أن يكون على زيد لعمرو ألف درهم مؤجلة فيصالحه عمرو على أن يسقط عنه خمسمائة بشرط أن يعجل له زيد الباقي، فهذه الصورة غير جائزة عند الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، واحتجوا بأنها معاوضة عن المؤجل ببعضه حالا أشبهت الربا، فإن ربا النسيئة حرم لأجل أن فيه شبهة مقابلة المال لأجل، فمن باب أولى ما كان المال فيه حقيقة مقابل الأجل.

    وذهب الحنابلة في الرواية الأخرى عن الإمام أحمد إلى جواز مثل ذلك، وهذا القول مروي عن ابن عباس رضي الله عنه، وإبراهيم النخعي , واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وشيخنا العثيمين، قال ابن القيم (إعلام الموقعين 3/278): "هذا عكس الربا فإن الربا يتضمن الزيادة في احد العوضين في مقابلة الأجل، وهذا يتضمن براءة ذمته من بعض العوض في مقابلة سقوط الأجل، فسقط بعض العوض في مقابلة سقوط بعض الأجل فانتفع به كل واحد منهما، ولم يكن هنا ربا لا حقيقة ولا لغة ولا عرفا، فإن الربا الزيادة وهي منتفية ههنا، والذين حرموا ذلك إنما قاسوه على الربا، ولا يخفى الفرق الواضح بين قوله إما أن تربي وإما أن تقضي، وبين قوله عجل لي وأهب لك مائة، فأين احدهما من الآخر، فلا نص في تحريم ذلك ولا اجماع ولا قياس صحيح"

  13. #72
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الدمام
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    337
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 217 مرة في 176 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

    هذا الدرس قصير كما ترون لأنه إكمال لما تبقى من مسائل باب الصلح، وحتى نشرع في باب الوكالة في درس مستقل.
    الدرس الرابع والعشرون
    قال المصنف: (ويجوز اقتضاء الذهب من الورق والورق من الذهب إذا أخذها بسعر يومها وتقابضا في المجلس)

    صورة ذلك أن يكون لأحدهما عند الآخر مثلا ألف دينار فيتصالحا على أن يعطيه دراهم أو العكس، فمثل هذه الصورة جائزة عند أكثر أهل العلم إذا توفر فيها شرطان:

    الأول: إذا تقابضا في المجلس لأنهما جنسان ربويان فلا بد فيهما من التقابض عند المبادلة دفعا لربا النيسئة.

    الثاني: أن يأخذها بسعر يومها فينظر كما تساوي الدنانير من الدراهم أو العكس في يوم التبادل ويعطيه إياها.

    يدل على ذلك ما أخرجه ابو داود وغيره من حديث عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذه، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيت حفصة فقلت: يا رسول الله رويدك أسألك إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء).

    والحديث مختلف في رفعه، وقد أفاض النووي الكلام فيه في المجموع، وحسن رفعه، فليراجع.

    قال المصنف: (ومن كان له دين على غيره لا يعلمه المدعى عليه فصالحه على شيء جاز)

    هذه إشارة من المصنف إلى القسم الثاني من أقسام الصلح وهو الصلح على الإنكار، وصورته أن يدعي المدعي على المدعى عليه حقا فلا يقر به المدعى عليه، ولكن دفعا للخصومة يصالحه عنه بشيء معين، وقد تقدم بسط الكلام فيه، في أول الباب.

    قال المصنف: (وإن كان أحدهما يعلم كذب نفسه فالصلح في حقه باطل)

    لأن فيه أكلا لمال أخيه بالباطل، فالصلح وإن كان في الظاهر صحيحا، لكنه في حق من علم كذب نفسه باطل في الباطن يحاسب به عند الله عز وجل، ويتعلق حق خصمه بذمته، وقد ثبت في الحديث: (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما)

    قال المصنف: (ومن كان له حق على رجل لا يعلمان قدره فاصطلحا عليه جاز)

    صورة ذلك أن يكون لزيد على عمر مبلغ من المال وكلاهما مقر بهذا، ولكنهما يجهلان قدر هذا المال، فهنا إذا اصطلحا على شيء معين بينهما جاز، لأن الحق لا يعدوهما، وهذا مذهب جمهور أهل العلم من الحنفية، والمالكية، والحنابلة، واستدل الجمهور بما أخرجه ابو داود من حديث أم سلمة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجلين اختصما في مواريث درست بينهما: (استهما وتوخيا الحق، وليحلل أحدكما صاحبه).

    ولأن هذا إسقاط حق فصح ولو مجهولا، ولأنه إذا أجزنا الصلح في المعلوم الواضح، فمن باب أولى في المجهول الذي لا بينة عليه والنزاع فيه أشد.

    وذهب الشافعية إلى عدم جواز مثل هذا لأنه صلح على مجهول، قالوا والصلح فرع عن البيع فكما لا يصح بيع المجهول فكذلك الصلح عليه، قال ابن قدامة (المغني 4/318): " إن سلمنا كونه بيعا , فإنه يصح في المجهول عند الحاجة بدليل بيع أساسات الحيطان , وطي الآبار , وما مأكوله في جوفه".

    والأقرب ما ذهب إليه الجمهور

  14. #73
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الدمام
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    337
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 217 مرة في 176 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

    الدرس الخامس والعشرون
    باب الوكالة
    قال المصنف: (وهي جائزة في كل ما تجوز النيابة فيه)

    الوكالة بفتح الواو وكسرها اسم مصدر بمعنى التوكيل ، أي التفويض تقول وكلت أمري إلى الله، أي فوضته إليه واكتفيت به ، وتطلق أيضا بمعنى الحفظ، قال تعالى: (حسبنا الله ونعم الوكيل) أي الحفيظ .

    وشرعا: تفويض جائز التصرف مثله في الحياة في أمر معلوم تدخله النيابة .

    وجائز التصرف هو المكلف الرشيد كما تقدم، وقيدناها بالحياة لنخرج الوصية فإنها توكيل بعد الموت، وعقد الوكالة يكون في المعاملات المالية وغيرها، كالنكاح والطلاق وغيرها.

    والوكالة جائزة بالكتاب والسنة والإجماع، فأما الكتاب فقوله تعالى: (فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه) وهذا نوع وكالة .

    وأما السنة فما ثبت في البخاري من حديث عروة بن الجعد رضي الله عنه قال: أن النبي صلى الله عليه و سلم أعطاه دينارا يشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين فباع إحداهما بدينار وجاءه بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه.

    وأما الإجماع فقد قال ابن قدامة (المغني 5/51): " أجمعت الأمة على جواز الوكالة في الجملة . ولأن الحاجة داعية إلى ذلك ; فإنه لا يمكن كل واحد فعل ما يحتاج إليه , فدعت الحاجة إليها".

    مسألة: أركان الوكالة هي:

    الصيغة : ما تنعقد به الوكالة من الألفاظ أو ما يقوم مقامها.

    الموكل : وهو صاحب الحق .

    الوكيل : وهو النائب عن صاحب الحق .

    الموكل به : وهو الحق الذي يقبل النيابة .

    قال المصنف: (إذا كان الموكل والوكيل ممن يصح ذلك منه)

    فلا بد في الوكالة أن يكون كل من الموكل والوكيل ممن يصح منهما عقد الوكالة، ويشترط في الموكل لصحة الوكالة منها:

    1) أن يكون جائز التصرف، وهو كما تقدم المكلف الرشيد

    2) أن يكون ممن يملك فعل ما وكل بـه، سواء كان يملك ذلك بنفسه من جهة أحقية الملك، أو بولاية على غيره كالوصي والولي، قال ابن قدامة (5/51): " وكل من صح تصرفه في شيء بنفسـه وكـان ممـا تدخله النيابة صح أن يوكل فيه رجلاً كان أو امرأة ، حراً كان أو عبداً ، مسلماً كـان أو كافرا"ً .

    أما الوكيل فيشترط فيه:

    1) أن يكون جائز التصرف .

    2) أن يكون معلوما معينا غير مجهول.

    3) و أن يكون ممن يصح منه مباشرة ما وكِّل به، فلا يجوز على سبيل المثال أن توكل امرأة في تزويج أخرى لأنها لا يصح منها مباشرة مثل ذلك.

    قال المصنف: (وهي عقد جائز تبطل بموت كل واحد منهما وفسخه لها وجنونه)

    الأصل في عقد الوكالة أنه عقد جائز، وهذا محل إجماع في الجملة بين أهل العلم، فيحق لأي من الطرفين فسخه متى شاء، قال ابن قدامة (المغني 5/71): " الوكالة عقد جائز من الطرفين , فللموكل عزل وكيله متى شاء , وللوكيل عزل نفسه ; لأنه إذن في التصرف , فكان لكل واحد منهما إبطاله , كما لو أذن في أكل طعامه، وتبطل أيضا بموت أحدهما , أيهما كان , وجنونه المطبق . ولا خلاف في هذا كله فيما نعلم"

    قال المصنف: (والحجر عليه لسفهه)

    فمتى ما حجر على الوكيل أو الموكل لسفه بطل عقد الوكالة، لأن المحجور عليه لسفه لا يملك التصرف، وهذا الذي عليه جمهور أهل العلم في الجملة.

    قال المصنف: (وكذلك الشركة، والمساقاة، والمزارعة، والجعالة،والمسابقة)

    أي وكذلك الحكم كل عقد جائز كالشركة والمساقاة والمزارعة والجعالة والمسابقة تنفسخ بالموت وبالجنون وبفسخ أحد الطرفين له، وسيأتي الكلام على هذه العقود في مواضعها.

    قال المصنف: (وليس للوكيل أن يفعل إلا ما تناوله الإذن لفظاً أو عرفاً)

    وهذا محل اتفاق بين أهل العلم لأن الإنسان ممنوع من التصرف في حق غيره وإنما أبيح لوكيله التصرف فيه بإذنه، فيجب اختصاص تصرفه فيما تناوله إذنه إما لفظا كأن يقول بع ثوبي بعشرة، فهذا إذن لفظي فليس له أن يبيعه بدون العشرة بحال، وإما عرفا كأن يقول بع لي بيتي وكان العرف يقتضي عند الناس أنه إذا قال مثل هذا لم يشمل البيع الأثاث في البيت فليس له أن يبيع الأثاث.

    قال المصنف: (وليس له توكيل غيره)

    فليس للوكيل أن يوكل غيره، وهذا معنى متفق عليه في الجملة بين فقهاء المذاهب الأربعة، وهنا سأكتفي بنقل كلام صاحب العدة فقد أحسن التقسيم، وكفانا مؤنته، قال رحمه الله (العدة شرح العمدة 1/246): الوكيل يخلو من ثلاثة أحوال :

    أحدها: أن ينهاه الموكل عن التوكيل فلا يجوز له ذلك رواية واحدة لأن ما نهاه عنه غير داخل في إذنه فلم يجز له كما لو لم يوكله.

    الثاني: أذن له في التوكيل فيجوز له رواية واحدة؛ لأنه عقد أذن له فيه، فكان له ذلك كما لو أذن له في البيع، ولا نعلم في هذين خلافا.

    الثالث: أطلق الوكالة فلا يخلو من ثلاثة أحوال :

    أحدها: أن يكون العمل مما يرتفع الوكيل عن مثله كالأعمال الدنية في حق أشراف الناس المرتفعين عن فعلها في العادة، فإنه يجوز له التوكيل فيها؛ لأنها إذا كانت مما لا يفعله الوكيل بنفسه عادة انصرف الإذن إلى ما جرت به العادة من الاستنابة به فيه.

    الحال الثاني: أن يكون عملا لا يرتفع عن مثله إلا أنه عمل كثير لا يقدر الوكيل على فعله جميعه؛ فإنه يجوز له التوكيل فيه أيضا لما ذكرنا.

    الحال الثالث: أن يكون مما لا يرتفع عنه الوكيل ويمكنه عمله بنفسه فليس له أن يوكل فيه؛ لأنه لم يأذن له في التوكيل، ولا تضمنه إذنه فلم يجز كما لو نهاه عنه، ولأنه استئمان فإذا استأمنه فيما يمكنه النهوض به لم يكن له أن يوليه من لم يأمنه عليه كالوديعة، وعنه له أن يوكل فيه لأن الوكيل يملك التصرف بنفسه فيملكه بنائبه كالملك، وكما لو وكله فيما لا يتولى مثله بنفسه"

    والظاهر والعلم عند الله أن الحالة الثالثة الأخيرة التي ذكر المصنف فيها رواية عن أحمد بالجواز يترجح فيها القول بعدم الجواز، وهو اختيار ابن قدامة؛ لأن ظاهر الحال يدل على أن للموكل قصدا معتبرا في توكيله الوكيل بعينه دون غيره، فلا يصار إلى غيره إلا بإذنه، إن قياسه على المالك فيه نظر إذ المالك يتصرف في ملكه كيف شاء أصالة بخلاف الوكيل.

  15. #74
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الدمام
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    337
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 217 مرة في 176 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

    الدرس السادس والعشرون
    قال المصنف: (ولا الشراء من نفسه ولا البيع لها)

    فلا يجوز للوكيل أن يشتري من نفسه ولا أن يبيع لها ، وهذا محل اتفاق في الجملة بين المذاهب الأربعة، لأن الوكيل متهم في عدم استقصاء الثمن ومجاملة نفسه، ولأن المتعارف في البيع بيع الرجل على غيره لا على نفسه فتحمل الوكالة عليها.

    قال المصنف: (إلا بإذن موكله)

    فإن أذن له موكله جاز له البيع والشراء من نفسه، لأن الحق للموكل فمتى ما أذن في ذلك فالأمر إليه، ولأن التهمة حينئذ منتفية، وهذا مذهب جمهور أهل العلم من المالكية، والشافعية والحنابلة.

    وذهب الحنفية إلى المنع من ذلك ولو أذن فيه الموكل، وذلك لمضادة مقصود البيع والشراء من شخص واحد، قال ابن قدامة (المغني 5/69): " وقولهم : إنه يتضاد مقصوده في البيع والشراء . قلنا : إن عين الموكل له الثمن , فاشترى به , فقد زال مقصود الاستقصاء , فإنه لا يراد أكثر مما قد حصل , وإن لم يعين له الثمن , تقيد البيع بثمن المثل , كما لو باع الأجنبي".

    قال المصنف: (وإن اشترى لإنسان ما لم يأذن له فيه فأجازه جاز وإلا لزم من اشتراه)

    أي لو تعدى الوكيل فاشترى للموكل ما لم يأذن له فيه ثم أجازه الموكل جاز ذلك، وإن لم يجزه لزم المشتري، وهذا فرع عن مسألة تصرف الفضولي، ولأهل العلم في هذه المسألة قولان في الجملة: القول الأول: أن تصرفه بيعا أو شراء غير صحيح حتى لو أجازه المالك بعد ذلك، وهذا مذهب الشافعية و الحنابلة في الجملة وإن كانوا يستثنون صورا يجيزون فيها تصرف الفضولي، واستدل اصحاب هذا القول:

    ما أخرجه الخمسة من حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه قال : قلت: يا رسول الله يأتيني الرجل فيسألني عن البيع ليس عندي ما أبيعه منه ، ثم أبتاعه من السوق؟ فقال: (لا تبع ما ليس عندك). وبما أخرجه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن جده أن النبي عليه الصلاة و السلام قال( لا يحل سلف و بيع، و لا شرطان في بيع، ولا بيع ما ليس عندك) أخرجه الخمسة. قالوا وبيع الفضولي من جملة بيع الإنسان ما ليس عنده.

    القول الثاني: أن البيع صحيح ومعلق على إجازة المالك، وهذا هو المشهور من مذهب الحنفية، والمالكية، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وشيخنا العثيمين، واستدلوا بما ثبت في البخاري من حديث عروة بن الجعد البارقي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه و سلم أعطاه دينارا يشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين فباع إحداهما بدينار وجاءه بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه.

    ثم إن مثل هذا لا ضرر فيه على المالك إما أن يكون له فيه مصلحة ونفع فيكون من باب التعاون على البر والتقوى من جهة أن المشتري اشترى ما يظن فيه مصلحة أخيه، أو لا يكون له فيه مصلحة فلا غرم عليه إذ الأمر معلق بإجازته.

    قال المصنف: (والوكيل أمين لا ضمان عليه فيما يتلف إذا لم يتعد)

    اتفق فقهاء المذاهب الأربعة على أن الوكيل أمين لا ضمان عليه إلا أن يتعدى أو يفرط، لأنه نائب عن المالك في اليد والتصرف , فكان الهلاك في يده كالهلاك في يد المالك , ولأن الوكالة ملاحظ فيها الإرفاق والإعانة فإذا أوجبنا الضمان فيها نفرنا عنها، وتحاشاها الناس.

    قال المصنف: (والقول قوله في الرد والتلف ونفي التعدي)

    أي أن القول قول الوكيل في رده للمال أو موكل به، أو في تلفه، أو في نفيه للتعدي إذا ما ادعى عليه الموكل أن تعدى أو فرط، ووجه ذلك أن الوكيل أمين، وقد رضيه الموكل ابتداء فالقول قوله، إلا أن يثبت الموكل ما ادعاه ببينة فحيئذ يقبل قوله، وإلا فالأصل قول الوكيل.

    وهذا محل اتفاق بين فقهاء المذاهب الأربعة، فيما إذا كانت الوكالة بغير جعل، أما إن كانت بجعل فالمسألة محل خلاف، بل المشهور من مذهب الحنابلة أنه إن كانت الوكالة بجعل لم يقبل قول الوكيل فيما سبق إلا ببينة.

    قال المصنف: (وإذا قضى الدين بغير بينة ضمن إلا أن يقضيه بحضرة موكله)

    فلو وكله الموكل في قضاء دين عليه فقضاه ولم يشهد، ثم أنكر صاحب الدين ضمن الوكيل لتفريطه في عدم أخذ البينة على قضاء الدين، وهذا محل اتفاق بين فقهاء المذاهب الأربعة، وإن كان الحنفية يقيدون الضمان في هذه الحالة بما إذا نص الموكل على الإشهاد وأخذ البينة، إما إذا لم ينص على ذلك للوكيل لم يضمن.

    قوله: (إلا أن يقضيه بحضرة موكله) فحينئذ لا ضمان على الوكيل، لأن حضور الموكل وعدم طلبة للبينة دليل على رضاه بذلك.

    قال المصنف: (ويجوز التوكيل بجعل وبغيره)

    تجوز الوكالة بجعل وبغير جعل، فتصح الوكالة مقابل أجر معين، وتصح تبرعا بلا أجر، وجواز ذلك محل اتفاق بين فقهاء المذاهب الأربعة، قال ابن قدامة (المغني 5/56): " ويجوز التوكيل بجعل وغير جعل ; فإن النبي صلى الله عليه وسلم وكل أنيسا في إقامة الحد , وعروة في شراء شاة , وعمرا وأبا رافع في قبول النكاح بغير جعل، وكان يبعث عماله لقبض الصدقات , ويجعل لهم عمالة، ولهذا قال له ابنا عمه : لو بعثتنا على هذه الصدقات , فنؤدي إليك ما يؤدي الناس , ونصيب ما يصيبه الناس يعنيان العمالة" .

    قال المصنف: (فلو قال بع هذا بعشرة فما زاد فلك صح)

    هذاهو المشهور من مذهب الحنابلة، وفي الإنصاف (5/403): "قال الإمام أحمد رحمه الله : هل هذا إلا كالمضاربة ؟ واحتج له بقول ابن عباس يعني أنه أجاز ذلك وهو من مفردات المذهب"

    وجمهور أهل العلم على المنع من هذه الصورة للجهالة في القدر الزائد على ما حده الموكل.

  16. #75
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الدمام
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    337
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 217 مرة في 176 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

    الدرس السابع والعشرون
    باب الشركة
    الشركة بكسر فسكون , كنعمة أو بفتح فكسر , ككلمة - ويجوز مع الفتح أيضا إسكان الراء - اسم مصدر شرك , كعلم : يقال : شرك الرجل الرجل في البيع والميراث يشركه شركا وشركة , خلط نصيبه بنصيبه , أو اختلط نصيباهما ..

    واصطلاحا: اجتماع في استحقاق أو تصرف .

    والشركة جائزة بالكتاب ، والسنة ، والإجماع ، فأما الكتاب في قوله تعالى: (وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم) والخلطاء هم الشركاء .

    وأما من السنة فما ثبت في المسند من حديث السائب بن أبي السائب المخزومي ، أنه كان شريك النبي في أول الإسلام في التجارة ، فلما كان يوم الفتح ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : مرحبا بأخي وشريكي ، لا يداري ولا يماري

    وفي الحديث القدسي عند أبي داود من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه –عنه صلى الله عليه وسلم: إن الله يقول : (أنا ثالث الشريكين ، ما لم يخن أحدهما صاحبه ، فإذا خانه خرجت من بينهما).

    وأما الإجماع فقال ابن قدامة (المغني 5/3): "وأجمع المسلمون على جواز الشركة في الجملة، وإنما اختلفوا في أنواع منها".

    وقال الكمال ابن الهمام (فتح القدير (6/153): " التعامل بها من لدن النبي صلى الله عليه وسلم وهلم جرا متصل لا يحتاج فيه إلى إثبات حديث بعينه؛ فلهذا لم يزد المصنف على ادعاء تقريره صلى الله عليه وسلم عليها"

    أنواع الشركة:

    الشركة على نوعين:

    1- شركة أملاك: وهي أن يجتمع إثنان فأكثر في استحقاق مال معين بشراء أو هبة أو إرث أو غير ذلك، فيكون كل واحد منهما مختصا في نصيبة ليس للآخر التصرف فيه، كما لو كانا شركاء في دار، أو في منفعة عبد ونحوه.

    2- شركة عقود: وهي أن يجتمع إثنان فأكثر في تصرف من بيع أو عمل، وهي المقصودة هنا من كلام المصنف.

    الشريكان يشترط فيهما:

    1- أن يكونا جائزي التصرف.

    2- وأن يكونا من أهل التوكيل والتوكل ، لأن كل واحد من الشريكين ينفذ تصرفه في حصته بحكم الأصالة وفي حصة شريكه بحكم الوكالة .


    قال المصنف: (وهي على أربعة أضرب)

    أي شركة العقود على أربعة أضرب.

    قال المصنف: (شركة العنان)

    العنان بكسر العين من عنان الفرس وسميت بذلك من جهة أن الشريكين يتساويان في المال والتصرف كالفارسين إذا سويا بين فرسيهما وتساويا في السير فتكون أعنتهما سواء، وجواز شركة العنان محل إجماع بين أهل العلم، قال ابن قدامة (5/10): " وهي جائزة بالإجماع ، ذكره ابن المنذر وإنما اختلف في بعض شروطها".

    قال المصنف: (وهي أن يشتركا بماليهما وبدنيهما)

    فيشترك كل واحد منهما بماله وبعمله، فينفذ تصرف كل واحد منهما بحكم الملك في نصيبه والوكالة في نصيب شريكه.

    قال المصنف: ( وشركة الوجوه: وهي أن يشتركا فيما يشتريان بجاهيهما)

    سميت شركة الوجوه لأنهما يشتركان بلا مال وإنما في ربح ما يشتريان في ذممهما بجاههما ، وثقة التجار بهما، فمبنى شراكتهما على ما يشتريان بثمن مؤجل بما لهما من جاه عند الناس، وهذا النوع من الشركة يقول بمشروعيته الحنفية والحنابلة، خلافا للشافعية والمالكية، ومن قال بالجواز استدل بالبراءة الأصلية، وبأن الحاجة داعية إليها عند تعذر رأس المال.

    وفي شركة الوجوه يكون كل واحد منهما وكيلا عن صاحبه في التصرف، وفي نفس الوقت كفيلا وضمينا له فيما يشتري في ذمته، والملك بينهما يكون على ما شرطاه أثلاثا أو أرباعا أو غير ذلك، ولو زاد نصيب أحدهما عن الاخر، ولا يشتطر لصحتها عند القائلين بها ذكر جنس ما يشتريانه ، ولا قدره ولا وقت الشركة فلو قال أحدهما للآخر : كل ما اشتريت من شيء فبيننا وقال له آخر : كذلك صح العقد.

    قال المصنف: (والمضاربة: وهي أن يدفع أحدهما إلى الآخر مالاً يتجر فيه ويشتركان في ربحه)

    المضاربة لغة: مأخوذة من الضرب في الأرض ، وهو السفر للتجارة ، قال تعالى: (وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله)، وهذه تسمية أهل العراق، وهي التسمية الجارية في كتب الحنفية والحنابلة، وأما أهل الحجاز فيسمونها القراض او المقارضة، وهي التسمية الجارية في كتب المالكية والشافعية، من القرض وهو القطع لأن رب المال اقتطع من ماله جزءً للعامل.

    ومشروعية المضاربة محل إجماع بين أهل العلم، قال ابن قدامة (المغني 5/16): " أجمع أهل العلم على جواز المضاربة في الجملة . ذكره ابن المنذر".

    قال المصنف: (وشركة الأبدان: وهي أن يشتركا فيما يكسبان بأبدانهما من المباح إما بصناعة أو احتشاش أو اصطياد كما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (اشتركت أنا وسعد وعمار يوم بدر، فجاء سعد بأسيرين ولم آت أنا وعمار بشيء)

    جمهور أهل العلم من الحنفية، والمالكية والحنابلة على جواز شركة الأبدان، ، واستدلوا بما ذكره المصنف رحمه الله من حديث عبد الله بن مسعود المروي في سنن أبي داود وغيره، في صريح في جواز مثل هذه الصورة من الشراكة، ولكن الحديث متكلم ، وضعفه الألباني.

    كما استدلوا بالبراءة الأصلية وأن الأصل في المعاملات الإباحة حتى يثبت المنع، وذهب الشافعية إلى المنع من شركة الأبدان، معللين ذلك بأنها شركة على غير مال، ولأن الغرر فيها حاصل بحيث قد يعمل أحدهما ويحصل شيئا والأخر يعمل ولا يحصل شيئا

    قال المصنف: (والربح في جميع ذلك على ما شرطاه)

    فما اتفق عليه الشريكان من نسبة للأرباح عمل بها في جميع ما تقدم من شركة وجوه أو مضاربة أو أبدان أو عنان، وسواء كانت نسبة الربح موافقة لرأس المال أو أكثر، فلا مانع عند الحنابلة من أن تكون نسبة ربح أحد الشريكين أكثر من نسبة رأس ماله، فلا تلازم بين رأس المال والربح وإنما هو على ما اتفقا، واستدلوا لذلك بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (المسلمون على شروطهم)، ولأن الحق لا يعدوهما، وجمهور أهل من المالكية والشافعية والحنفية في الجملة على أن الربح يكون على قدر المالين ، ومحل الخلاف المتقدم فيما عدا المضاربة فقد قام الإجماع على أن الربح فيهما لا يكون على قدر المالين.

    قال المصنف: (والوضيعة على قدر المال)

    قال ابن قدامة (المغني 5/22) : " يعني الخسران في الشركة على كل واحد منهما بقدر ماله , فإن كان مالهما متساويا في القدر , فالخسران بينهما نصفين , وإن كان أثلاثا , فالوضيعة أثلاثا . لا نعلم في هذا خلافا بين أهل العلم....والوضيعة في المضاربة على المال خاصة , ليس على العامل منها شيء ; لأن الوضيعة عبارة عن نقصان رأس المال , وهو مختص بملك ربه , لا شيء للعامل فيه , فيكون نقصه من ماله دون غيره ; وإنما يشتركان فيما يحصل من النماء".

    قال المصنف: (ولا يجوز أن يُجعل لأحدهما دراهم معينة ولا ربح شيء معين)

    ما ذكره المصنف هنا محل إجماع بين اهل العلم فلا يجوز في الشراكة أن يحدد أحد الشريكين للآخر مبلغا معينا كربح، أو يشترط حصة مشاعة كالنصف بالإضافة لمبلغ مقطوع كأن يقول لي نصف الربح وعشرة دراهم، وكذلك لو اشترط ربح شيء معين كأن يكونا شريكين في عقارين فيقول لي ربح أحد العقارين، أو ربح إحدى السيارتين.

    قال ابن قدامة (5/23): "قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إبطال القراض إذا شرط أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة".

    ومستند هذا الإجماع ما ثبت في الصحيحين من حديث رافع بن خديج رضي الله عنه قـال : كنـا أكثر الأنصار حقلاً ، فكنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه ، فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه ، فنهانا عن ذلك ، وأما الورق فلم ينهنا.

    ثم إن شرط مثل هذا قد يصير الربح كله لأحد الشريكين دون الآخر، أو يصير ربحا كثيرا فاحشا لأحدهما، وللآخر ربحا قليلا يجحف بحقه.

    مسألة: مما تقدم يعلم أن ماتقوم به بعض البنوك في حساباتها الاستثمارية من ضمان ربح محدد ليس من قبيل المضاربة في شيء، وإنما هو في الحقيقة من سبيل القرض بفائدة، إذ رأس المال والربح مضمونان للمساهم.

    قال المصنف: (والحكم في المساقاة والمزارعة كذلك)

    أي كذلك من جهة الربح والخسارة فلا يجوز أن يحدد فيها ربحا معينا غير مشاع، وتكون الوضيعة فيها على قدر المال، وسيأتي الكلام على المساقاة والمزارعة في بابهما.

    قال المصنف: (وتجبر الوضيعة من الربح)

    أي أن الوضيعة وهي الخسارة تحسم من الربح ولا يتعرض لرأس المال إلا إذا لم يبق من الربح شيء تجبر به الخسارة، وهذا محل اتفاق بين أهل العلم، قال ابن قدامة (المغني 5/33): " ومتى كان في المال خسران , وربح , جبرت الوضيعة من الربح , سواء كان الخسران والربح في مرة واحدة , أو الخسران في صفقة والربح في أخرى , أو أحدهما في سفرة والآخر في أخرى ; لأن معنى الربح هو الفاضل عن رأس المال , وما لم يفضل فليس بربح . ولا نعلم في هذا خلافا".

    قال المصنف: (وليس لأحدهما البيع بنسيئة ولا أخذ شيء من الربح إلا بإذن الآخر)

    وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم، ووجه ذلك أن الأصل في الشراكة أنه ليس لأحد الشريكين التصرف في مال الشركة تصرفا يضر بالآخر إلا بإذنه، ومعلوم أن البيع نسيئة قد يضر بالشريك، ثم إن الأصل في البيوع عدم الأجل، فلزمه أن يستأذن شريكه.

    وكذلك أخذ شيء من الربح فيه مضرة بالشريك إلا أن يأذن له فيه.

صفحة 5 من 9 الأولىالأولى 1 2 3 4 5 6 7 8 9 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

جميع الموضوعات والمشاركات التي تطرح في الملتقى لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الملتقى، وإنما تعبر عن رأي كاتبها فقط.
وكل عضو نكل أمانته العلمية إلى رقابته الذاتية!.

﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران:98].