الموضوعات المميزة النشرات الشهرية احصائيات وأرقام تواصل معنا

 

بنرات متحركة

آخر مواضيع الملتقى

صفحة 6 من 9 الأولىالأولى 1 2 3 4 5 6 7 8 9 الأخيرةالأخيرة
النتائج 76 إلى 90 من 128

الموضوع: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

  1. #1
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الدمام
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    337
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 217 مرة في 176 مشاركة

    افتراضي مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه


    بسم الله الرحمن الرحيم


    وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبة أجمعين، أيها الأحبة الكرام في هذا الملتقى المبارك، بإذن الله سنبدأ في هذا الدرس في شرح كتاب البيوع من عمدة الفقه لابن قدامة المقدسي، وبإذن الله سأحاول قدر المستطاع أن يكون هذا الدرس منتظما بحيث أقوم بإنزال درسين أسبوعيا بصورة منتظمة على قدر الوسع والطاقة، مراعيا في هذه الدرس أن يكون مناسبا في عبارته للمبتدئين من طلبة العلم، ونافعا للمتوسطين، ولن يخلو من فائدة للمتقدمين منهم، وبإذن الله سنتطرق في هذه الدرس إلى الخلاف في حدود ما في كتب المذاهب الأربعة، وربما ذكرت اختيار بعض المحققين من المتقدمين، وسأحرص بخاصة على ذكر ترجيحات شيخنا العثيمين رحمة الله تعالى، ولن ألتزم الترجيح في كل مسألة قناعة مني بأنه مسائل البيوع بخاصة لا يصار إلى الجزم فيها بالراجح في كثير من مسائلها لما يشوب هذا الباب من العلم من سعة الخلاف فيه، وقلة النصوص الصريحة التي يمكن أن يصار إليها في تحقيق الراجح في كل مسألة، فللقياس في هذا الباب -من العلم- والنظر في المقاصد والكليات الشرعية مقام لا يخفى على كل من له عناية به، ومما سأحرص عليه في هذا الدرس بإذن الله التعرض للمسائل المعاصرة والنوازل ومحاولة ذكر ما يتيسر منها تحت ما يناسبه من مواضيع الكتاب، ورجائي من الإخوة أن يعينوا أخاهم بما يتفضلون به عليه من استدراك أو تصحيح أو مناقشة، سائلا الله العلي العظيم لي ولكم الإخلاص في القول والعمل، وأن يجعل عملنا حجة لنا لا حجة علينا.


    (وإن أردت أخي الكريم الوصول السريع إلى المبحث المطلوب يمكنك الرجوع إلى الفهرس)
    هنا

    ------------------------------

    وهذا هو الدرس الأول من هذه السلسلة:

    قال المصنف رحمة الله تعالى: (كتاب البيع)
    البيع مصدر, يقال: باعَه يَبِيعهُ بَيْعاً ومَبيعاً, والأصل أن المصادر لا تجمع, وإنما يجمع هذا اللفظ فيقال "البيوع" لاختلاف أنواعه.

    والبيع لغة: ضد الشراء, ويرد بمعنى الشراء, فهو من الأضداد.
    وهو مأخوذ من الباع؛ لأن كل واحد من المتعاقدين يمد باعه للأخذ والإعطاء, ويحتمل أن كل واحد منهما كان يبايع صاحبه أي يصافحه عند البيع ولذلك سمي البيع صفقة.
    وشرعاً: مبادلة المال بالمال على التأبيد غير ربا ولا قرض.
    وجواز البيع ثابت بالكتاب والسنة والإجماع والقياس, والأصل فيه الحل إلا ما نص الشارع على تحريمه, وجميع المعاملات المحرمة ترجع إلى ثلاثة أصول:
    الأول: الربا.
    الثاني: الجهالة والغرر.
    قال القرافي (الفروق 3/265): « الغرر والجهالة ثلاثة أقسام: كثير ممتنع إجماعا كالطير في الهواء وقليل جائز إجماعا كأساس الدار وقطن الجبة ومتوسط اختلف فيه هل يلحق بالأول أو الثاني فلارتفاعه عن القليل ألحق بالكثير ولانحطاطه عن الكثير ألحق بالقليل, وهذا هو سبب اختلاف العلماء في فروع الغرر والجهالة»
    الثالث: الظلم.
    قال المصنف : (قال الله تعالى: (وأحل الله البيع))
    في الآية دليل على مشروعية البيع, وأل في البيع للاستغراق دالة على أن الأصل في البيوع الحل إ ما دل الدليل على منعه، ولذا يقول العلماء "الأصل في البيوع الإباحة".
    قال الشافعي(الأم 3/3): «فأصل البيوع كلها مباح إذا كانت برضا المتبايعين الجائزي الأمر فيما تبايعا, إلا ما نهى عنه رسول الله t منها وما كان في معنى ما نهى عنه رسول الله t محرم بإذنه داخل في المعنى المنهي عنه, وما فارق ذلك أبحناه بما وصفنا من إباحة البيع في كتاب الله تعالى».
    وقال ابن تيمية: «الأصل في العقود الإباحة فلا يحرم منها إلا ما حرمه الله ورسوله ولم يحرم الله عقدا فيه مصلحة للمسلمين بلا مفسدة تقاوم ذلك».
    وأصل حل البيع مما قام الإجماع عليه ، ولا زال الناس يعاملون بالبيع والشراء من لدن عهده صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، وهو مقتضى القياس فالناس لا غنى لهم عما في أيدي غيرهم، ولا سبيل لتحصيل ذلك إلا بالبيع والشراء.
    - وهنا مقدمات ينبغي التنبه لها قبل الشروع في الكلام على كتاب البيوع:
    المقدمة الأولى: اعلم أن العقود في الشريعة الإسلامية تنقسم إلى عدة أقسام:
    عقود معاوضات: كالبيع و الإجارة.
    عقود التبرعات: كالهبة و الوصية والعارية.
    عقود التوثيقات: مثل كالضمان و الوكالة و الرهن.
    عقود المشاركات : كالمزارعة والمساقاة .
    المقدمة الثانية: أقسام البيع:
    يمكن أن يقسم البيع إلى عدة أقسام باعتبارات متعددة:
    أولا: أقسام البيع باعتبار عوضي العقد:
    المقايضة وهي مبادلة عرَض بعرَض، والعرض كل ما ليس بنقد، كبر بشعير.
    الصرف وحقيقته مبادلة النقد بالنقد.
    مبادلة النقد بالعرض وإلا هذا ينصرف لفظ البيع عند الإطلاق.
    بيع المنافع وحقيقته مبادلة العين بالمنفعة كالإجارة.

    ثانيا: أقسام البيع باعتبار الأجل:
    البيع الحال المنجز بأن يكون كل من الثمن و المثمن معجلا.
    البيع إلى أجل بأن يؤخر الثمن ويعجل المثمن.
    بيع السلم بأن يعجل الثمن ويؤخر المثمن
    بيع الدين بالدين بأن يكون كل من الثمن والمثمن مؤجلا وهو ما يعبر عنه ببيع الكالئ.
    ثالثا: أقسام البيع باعتبار كيفية تحديد الثمن:
    بيوع الأمانات وتنقسم إلى ثلاثة أقسام:
    - بيع المرابحة
    : أن يبيع البائع السلعة برأس لمال وبزيادة معلومة، فيخبر المشتري بالثمن الذي أخذها به ويضيف عليه زيادة معلومة.
    - بيع الوضيعة
    : أن يبيع السلعة برأس المال ناقص نقصا معلوما.
    - بيع التولية: أن يبيع السلعة برأس المال.

    المقدمة الثالثة: أركان البيع

    أركان البيع ثلاثة:
    - الصيغة.
    - العاقدان.
    - المعقود عليه.
    الركن الأول: الصيغة
    الصيغة ماصدر من المتعاقدين من قول أو فعل دال على إردتهما الباطنة إنشاء العقد وللبيع صيغتان:
    1. الصيغة القولية
    و هي الإيجاب و القبول.
    الإيجاب وهو عند جمهور أهل العلم اللفظ الصادر من البائع أو من يقوم مقامه.
    القبول: وهو عند جمهور أهل العلم اللفظ الصادر من المشتري أو من يقوم مقامه.
    والذي عليه جماهير أهل العلم أن الصيغة القولية ليس لها لفظ محدد بل كل لفظ دل على انتقال ملكية المبيع فهو داخل في الصيغة القولية، فليست الصيغة محصورة مثلا في لفظ بعت واشتريت ونحوه، ولذا ذكر أهل العلم أن الكتابة والإشارة المفهوم الدالة على الرضا ملحقة بالصيغة القولية.
    2. المعاطاة
    وصفة بيع المعاطاة أن تتم المبادلة بين البائع والمشتري من غير تلفظ بإيجاب أو قبول كما يحصل الآن في كثير من المتاجر تأخذ السلعة المعروف ثمنها وتعطي البائع المال دون تلفظ بإيجاب أو قبول.
    وقد اختلف أهل العلم في صحة بيع المعاطاة على ثلاثة أقوال:
    القول الأول:
    ذهب الجمهور من الأحناف و المالكية و الحنابلة إلى صحة بيع المعاطاة، و استدلوا لذلك بمايلي:
    1- قول الله تعالى "ياأيها الذين أمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم"، فالعبرة في العقود هي حصول التراضي بغض النظر عن الصيغة.
    2- أن عمل الناس لا زال على اعتبار بيوع المعاطاة والعمل بها منذ القدم دون نكير، قال ابن قدامة ( المغني 4/4): " ولنا ، أن الله أحل البيع ، ولم يبين كيفيته ، فوجب الرجوع فيه إلى العرف ، كما رجع إليه في القبض والإحراز والتفرق ، والمسلمون في أسواقهم وبياعاتهم على ذلك ، ولأن البيع كان موجودا بينهم ، معلوما عندهم ، وإنما علق الشرع عليه أحكاما ، وأبقاه على ما كان ، فلا يجوز تغييره بالرأي والتحكم ، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه ، مع كثرة وقوع البيع بينهم ، استعمال الإيجاب والقبول ، ولو استعملوا ذلك في بياعاتهم لنقل نقلا شائعا ، ولو كان ذلك شرطا ، لوجب نقله ، ولم يتصور منهم إهماله والغفلة عن نقله ، ولأن البيع مما تعم به البلوى ، فلو اشترط له الإيجاب والقبول لبينه صلى الله عليه وسلم بيانا عاما ، ولم يخف حكمه ; لأنه يفضي إلى وقوع العقود الفاسدة كثيرا ، وأكلهم المال بالباطل ، ولم ينقل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه فيما علمناه ، ولأن الناس يتبايعون في أسواقهم بالمعاطاة في كل عصر ، ولم ينقل إنكاره من قبل مخالفينا ، فكان ذلك إجماعا"
    القول الثاني: ذهب الشافعية إلى أن البيع بالمعاطاة لا يصح، واستدلوا على ذلك بضعف دلالة المعاطاة على الرضا فهي دون القول الصريح في الدلالة على الرضا وإرادة العقد لاحتمال إرادة غير العقد في التعاطي، ولا يخفى ما في هذا القول من الضعف، ومخالفة ما جرى عليه عمل الناس.
    ومن ثم أعرض عنه جماعة من متأخري فقهاء الشافعية وذهبوا إلى ترجيح صحية بيع المعاطاة منهم النووي والبغوي.
    القول الثالث: ما ذهب إليه بعض الشافعية كابن سريج والروياني من جواز بيع التعاطي في المحقرات، وما جرى عرف الناس وعادتهم على ببيعه معاطاة دون الأشياء النفيسة.
    -شروط الصيغة:
    1- أن يكون الإيجاب والقبول واضحين في الدلالة على إرادة إنشاء العاقدين العقد.
    2- أن يكون القبول مطابقا للإيجاب بأن ينصبا على شيء واحد فيتفقان في المحل والمقدار فلا يصح بعتك السيارة بعشرة فيقول المشتري قبلتها بخمسة، أو يقول بعتك السيارة فيقول اشتريت الدار.
    3- أن يكون الإيجاب والقبول متصلين عرفا بأن يقعا في مجلس العقد دون أن يتخلل ذلك ما يدل على إعراض أحدهما عن العقد.
    1. 2. 3. 4. 1) 2) 3) 4) 1- 2- 3- 4- 1- 1) 2)

  2. #76
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الدمام
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    337
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 217 مرة في 176 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

    الإخوة الكرام في الملتقى بما أننا أنهينا تقريبا مدارسة نصف كتاب البيوع تقريبا، فآمل من الإخوة إبداء رأيهم هل الطريقة التي جرينا عليها في السبعة وعشرين درسا السابقة مناسبة وتحصل بها الفائدة، وماهي الملاحظات عليها حتى يمكن تداركها إن أمكن، وإن كان هناك اقتراح لطريقة جديدة في عرض الدروس، ولكم جزيل الشكر.

  3. #77
    :: رئيسة فريق طالبات العلم ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    الكنية
    أم طارق
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الرياض
    المؤهل
    ماجستير
    التخصص
    دراسات إسلامية
    المشاركات
    7,428
    شكر الله لكم
    11,501
    تم شكره 9,438 مرة في 3,482 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

    بارك الله فيكم ونفعنا بعلمكم
    الطريقة ممتازة
    وأقترح عليكم - إن لم يكن هناك مشقة- تلوين العناوين والأدلة القرآنية بألوان مختلفة حتى تصبح أسهل في القراءة والانتقال من نقطة لأخرى
    وبعد انتهائكم - لو تكرمتم -يمكنك عمل فهرس للموضوعات في مشاركة واحدة فتذكروا اسم الباب أو الفصل والرابط حتى يسهل على الباحث الوصول إلى المبحث الذي يريد
    وجزاكم الله خيرا

  4. #78
    :: متـابـــع ::
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    السودان
    المدينة
    الخرطوم بحري
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    أصول فقه
    المشاركات
    51
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 3 مرة في 3 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

    بارك الله فيكم أستاذنا الفاضل وأثابكم خيراً
    وأسأل الله أن ينفعنا منكم العلم النافع
    متابعة

  5. #79
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الدمام
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    337
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 217 مرة في 176 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

    الدرس الثامن والعشرون

    باب المساقاة والمزارعة
    المساقاة هي: دفع شجر له ثمرة مأكولة إلى من يقوم بسقيه ويعمل على مصلحته بجزء مشاع معلوم من الثمرة .

    المزارعة هي: دفع أرض وحب لمن يزرعه ويقوم عليه بجزء مشاع معلوم منه .

    ويدل على مشروعيتها ماثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع.

    وفقهاء المذاهب الأربعة متفقون على جواز المساقاة والمزارعة في الجملة، والخلاف حاصل فيما تكون عليه المزارعة والمساقاة.

    قال المصنف: (تجوز المساقاة في كل شجر له ثمر)

    هذه هو المشهور من مذهب جمهور أهل العلم وهو أشتراط كون الشجر الذي تكون عليه المساقاة مثمرا، واستدلوا لذلك بما تقدم من حديث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع.

    قال ابن قدامة (المغني 5/227): " وأما ما لا ثمر له من الشجر , كالصفصاف والجوز ونحوهما , أو له ثمر غير مقصود , كالصنوبر والأرز , فلا تجوز المساقاة عليه . وبه قال مالك , والشافعي . ولا نعلم فيه خلافا ; لأنه ليس بمنصوص عليه , ولا في معنى المنصوص , , ولأن المساقاة إنما تكون بجزء من الثمرة , وهذا لا ثمرة له , إلا أن يكون مما يقصد ورقه أو زهره كالتوت والورد , فالقياس يقتضي جواز المساقاة عليه ; لأنه في معنى الثمر , لأنه نماء يتكرر كل عام , ويمكن أخذه والمساقاة عليه بجزء منه , فيثبت له مثل حكمه".

    مسألة: خص الشافعية في الجديد من مذهبهم جواز المساقاة بالنخل والكرم دون غيرها، بل حتى المزارعة قالوا لا تصح إلا أن يكون بين النخل بياض فتصح المزارعة عليه مع المساقاة على النخل، بشرط اتحاد العامل، وعسر إفراد النخل بالسقي، واستدلوا لذلك بظاهر حديث ابن عمر وقالوا إنما عاملهم النبي صلى الله عليه وسلم على النخل فقط، وأما العنب فقالوا يقاس على النخل بجامع وجوب الزكاة فيهما وتأتي الخرص فيهما أيضا.

    وأجاب الجمهور بأن عموم حديث ابن عمر يدخل فيه كل شجرة لها ثمر، ثم إنه ما من بلد إلا وفيهما من الثمار غير النخل مما تدعوا الحاجة إلى المساقاة فيه، بل حاجة بعض الأشجار إلى المساقاة فوق حاجة النخل، وأيضا هذا الذي جرى عليه عمل الناس من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين إلى الآن، وهذا القول هو القديم من مذهب الشافعي، واختاره النووي.

    قال المصنف: (بجزء من ثمره مشاع معلوم ، والمزارعة في الأرض بجزء من الزرع)

    فلا بد أ ن تكون المساقاة والمزارعة مقابل جزء مشاع معلوم من الثمرة أو الزرع للعامل فلا يصح أن تكون بجزء معين غير مشاع كأن تكون المساقاة أو المزارعة على آصاع معينة، أو على ثمر نخلات معينة مما حصلت عليه المساقاة، لاحتمال أن لا يحصل شيء فيما عينه له من النخلات، واشتراط أن تكون المساقاة على جزء مشاع معلوم يدل عليه ما ثبت في الصحيحين من حديث رافع بن خديج رضي الله عنه قـال : كنـا أكثر الأنصار حقلاً ، فكنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه ، فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه ، فنهانا عن ذلك ، وأما الورق فلم ينهنا.

    قال المصنف: (سواء كان البذر منهما أو من أحدهما لقول ابن عمر: (عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع وثمر)، وفي لفظ: (على أن يعتملوها من أموالهم))

    هذا الذي ذكره المصنف من أنه لا يشترط أن يكون البذر في المزارعة من رب المال، أو من العامل، بل من أيهما كان البذر جاز ذلك، وكذلك لو كان منهما جميعا، وهذا القول رواية في مذهب الإمام أحمد وبها قال المالكية، واستدلوا بما تقدم من حديث ابن عمر رضي الله عنه في معاملة أهل خيبر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد عنه أن أعطى أهل خيبر البذور، ولا شرط ذلك عليهم، بل ظاهر رواية: (أن يعتملوها من أموالهم) أن البذر كان منهم لا منه صلى الله عليه وسلم، وهذا القول هو اختيار شيخنا العثيمين.

    والرواية الثانية في مذهب الحنابلة وهي المشهور من المذهب أن كون البذر من رب الأرض شرط في صحة المزارعة، ووجه ذلك أنهم قاسوا المزارعة على المضاربة، من جهة أنهم جعلوا البذر كأنه رأس المال فلا بد أن يكون من رب المال.

    وأجيب عن ذلك بعدم التسليم لأنه لو كان البذر شبيها برأس المال في المضاربة لكان الواجب أن يرجع العامل البذر لرب المال ثم يقتسمان ما يخرج بعد ذلك، ولا قائل به.

    قال المصنف: (وعلى العامل ما جرت العادة بعمله)

    أي ما جرت العادة بعمله في المساقاة والمزارعة من الحرث والتلقيح السقي وإصلاح طرق الماء والحصاد ونحو ذلك مما يحصل به صلاح الثمر أو الزرع، لأن العامل ملزم بالحفاظ على رأس المال المبذول من رب المال، ومرجع ما يلزم العامل هو ما كان عليه العرف والعادة الجارية بين الناس، وهذا جريا على قاعدة العادة معتبرة.

    وهذا القول هو مذهب جمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة، وذهب الحنفية إلى التفريق بين ما كان قبل ظهور الثمرة فهو على العامل كالتلقيح والسقي، وما كان بعد ظهور الثمرة كالجذاذ والحفظ فعليهما.

    قال المصنف: (ولو دفع إلى رجل دابة يعمل عليها وما حصل بينهما جاز على قياس ذلك)

    وهذا القول من مفردات مذهب الحنابلة، واستدلوا بأنها عين تنمى بالعمل عليها ; فصح العقد عليها ببعض نمائها ; كالشجر في المساقاة والأرض في المزارعة، والمساقاة والمزارعة عقود شركة مستقلة بذاتها فجاز القياس عليها، فعلى هذا القول لو دفع رجل إلى آخر سيارة ليعمل عليها وما نتج بينهما جاز.

    وذهب جمهور أهل العلم من الحنفية، والمالكية ، والشافعية إلى المنع من ذلك من جهة كون ذلك إجارة بمجهول، والأصل المنع من الإجارة بالمجهول، وأما المساقاة والمزارعة فهي إجارة بمجهول وجاءت الرخصة فيها للحاجة فلا يقاس عليها، ثم إن في هذه المعاملة نوع غرر إذ قد لا يحصل العامل شيئا أو يحصل يسيرا يغبن بقسمته مع مالك السيارة.

  6. #80
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الدمام
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    337
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 217 مرة في 176 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

    الدرس التاسع والعشرون
    باب إحياء الموات
    قال المصنف: (وهي الأرض الداثرة التي لا يعرف لها مالك)
    الإحياء في اللغة جعل الشيء حيا, والموات –بفتح الميم والواو- مشتقة من الموت وعرفها المصنف بأنها الأرض الداثرة التي لا يعرف لها مالك، والمراد بالداثرة أي التى لا يكون فيها أثر لحياة بزرع ونحوه ولا ملك كعمارة وغيرها، فتكون خالية عما يدل على الحياة والملك.
    وبعضهم عرفها بأنها: الأرض المنفكة عن الاختصاصات ، وملك معصوم، فلا تدخل تحت ملك أحد وليست من المرافق العامة للمسلمين.
    قال المصنف: (فمن أحياها ملكها)
    فمتى ما أحيا هذه الأرض ببناء أو زرع ونحوه ملكها، والاتفاق قائم على مشروعية إحياء الموات، وعلى أن من أحيا أرضى ميتة فهي له، قال ابن قدامة (المغني 5/328): "وعامة فقهاء الأمصار على أن الموات يملك بالإحياء , وإن اختلفوا في شروطه"
    يدل على ذلك ما ثبت عند الترمذي وغيره من حديث جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (من أحيا أرضاً ميتة فهي له).
    قال المصنف: (وإحياؤها عمارتها بما تتهيأ به لما يراد فيها كالتحويط عليها وسوق الماء إليها إن أرادها للزرع وقلع أشجارها وأحجارها المانعة من غرسها وزرعها)
    المصنف هنا ذكر أن إحياء الأرض يكون بعمارتها بما تتهيأ له، فإن كان غرض المحيي الزراعة فيعمرها بسوق الماء وقلع الأشجار ونحوهه، وإن كان يريدها للسكنى فالتحويط عليها والبناء، فعلى كلام المصنف يختلف الإحياء بحسب غرض المحيي من الإحياء، وهذا القول رواية في مذهب الحنابلة، وبها قال الشافعية.
    والمشهور من مذهب الحنابلة، والحنفية، والمالكية أن الإحياء لا يختلف باختلاف غرض المحيي بل كل ما يحصل به الإحياء من تحويط أو حفر بئر ونحوها يكون إحياء للأرض ولا يختلف ذلك بغرض المحيي من الأرض، ويدل على ذلك عموم حديث: (من أحيا أرضا ميتة فهي له)، وكذلك ما ثبت عند أبي داود وغيره من حديث جابر مرفوعا: (من أحاط حائطا على أرض فهي له)، وهذا عام سواء أرادها للزرع أو السكنى أو غيره، فعلى هذا يقال ما تعارف الناس عليه بأنه إحياء عمل به، وعليه يختلف الإحياء باختلاف الزمان والمكان.
    قال المصنف: (وإن حفر فيها بئراً فوصل إلى الماء ملك حريمه)
    جمهور أهل العلم على أن حفر البئر في الموات طريقة من طرق الإحياء للأرض، وإن كانوا يختلفون في بعض الشروط الموجبة لذلك، كما أنهم متفقون على أن البئر في الأرض الموات يكون له حريم، وحريم الشيء ما حوله من حقوقه ومرافقه، سمي بذلك لأنه يحرم على غير مالكه أن يستبد الانتفاع به، ولكن اختلفوا في قدر هذا الحريم الذي يكون للبئر.
    قال المصنف: (وهو خمسون ذراعاً من كل جانب إن كانت عادية وحريم البئر البدائي خمسة وعشرون ذراعاً)
    البئر العادية هي البئر القديمة التي حفرت ثم طمرها الرمل فأعيد بعد ذلك حفرها، وسميت عادية نسبة لعاد من جهة قدم الزمان لا من جهة أنها منسوبة لقوم عاد حقيقية، والبئر البديء هي التي ابتديء حفرها ولم تكن محفورة من قبل.
    وقد اختلف أهل العلم في حريم كل نوع من هما، فالمشهور من مذهب الحنابلة التفريق بين البئر العادية والبئر البديء، فحريم العادية خمسون ذراعا من كل جانب والبديء خمسة وعشرون ذراعا من كل جانب، وهذا من مفردات مذهب الحنابلة، واستدلوا لذلك بما أخرجه الدارقطني من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: (حريم البئر البدي خمسة وعشرون ذراعا، وحريم البئر العادية خمسون ذراعا). والصحيح في الحديث ان من مراسيل سعيد بن المسيب وليس مرفوعا.
    وذهب الحنفية إلى أن حريم البئر أربعون ذراعا من كل جانب ولم يفرقوا بين العادية والبديء، واستدلوا بما أخرجه الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حريم البئر أربعون ذراعا من حواليها كلها لأعطان الإبل و الغنم). والحديث حسنه الألباني.
    وذهب المالكية والشافعية إلى أنه لا تقدير لحريم البئر وإنما مرجع ذلك الحاجة وما جرى عليه العادة والعرف.

  7. #81
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الدمام
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    337
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 217 مرة في 176 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

    الدرس الثلاثون
    باب الجعالة
    قال المصنف: (وهي أن يقول من رد لقطتي أو ضالتي أو بنى لي هذا الحائط فله كذا فمن فعل ذلك استحق الجعل؛ لما روى أبو سعيد أن قوماً لدغ رجل منهم فأتوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: هل فيكم من راق؟ فقالوا: لا حتى تجعلوا لنا شيئا، فجعلوا لهم قطيعا من الغنم، فجعل رجل منهم يقرأ بفاتحة الكتاب ويرقي ويتفل حتى بريء، فأخذوا الغنم، وسألوا عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (وما يدريكم أنها رقية؟ خذوا واضربوا لي معكم بسهم))

    الجعالة – بتثليث الجيم – لغة :مأخوذة من الجعل ،وهي ما يعطاه الإنسان على أمر يفعله.

    واصطلاحاً هي:أنيجعل جائز التصرف شيئاًمعلوماًلمنيعمللهعملاًمعلوماًأومجهولاًمدةمعلومةأومجهولة

    ومثال ذلك أن يقول: من أحضر لي ضالتي فله ألف ريال، أو نبى لي حائطا فله ألف ريال، وهكذا.

    مشروعية الجعالة:

    ذهب جمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة إلى إباحة عقد الجعالة، واستدلو لذلك بالدليل من الكتاب والسنة والمعقول، فأما الكتاب فقوله تعالى: (ولمن جاء به حمل بعير)، أي لمن جاء بصواع الملك حمل بعير، وقد كان حمل البعير عندهم معلوما، والأصل عند جماعة من أهل العلم أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يأت في شرعنا ما يمنعه، وحتى عند من لا يقول بمثل هذه القاعدة يكون هذا الدليل مما يستأنس به في الجملة.

    وأما السنة فما ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الذي ذكره المصنف، وأيضا ما ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم حنين: (من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه).

    وأما من جهة المعقول فقد قال ابن قدامة (المغني 6/20): "ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك , فإن العمل قد يكون مجهولا , كرد الآبق والضالة ونحو ذلك , ولا تنعقد الإجارة فيه , والحاجة داعية إلى ردهما , وقد لا يجد من يتبرع به , فدعت الحاجة إلى إباحة بذل الجعل فيه, مع جهالة العمل ; لأنها غير لازمة , بخلاف الإجارة"

    وذهب الحنفية في المشهور من مذهبهم إلى عدم جواز الجعالة في الجملة ، واستدلوا على المنع بأن في الجعالة ترددا بين الوجود والعدم فقد يحصل ما جعلت له الجعالة وقد لا يحصله، ثم إن الجعالة لم توجه إلى معين يقبل العقد فانتفى العقد، فحاصل ما استدلوا به أن عقد الجعالة متضمن للغرر.

    ولكن الصواب ما ذهب إليه الجمهور لقوة أدلتهم، وأما الغرر الذي استدلوا به فلا تأثير له لأن الغرر المؤثر هو ما لا تدعوا الحاجة إليه أما ما دعت الحاجة إليه كالجعالة فلا بئس به.

    مسألة: عقد الجعالة مفارق لعقد الإجارة من وجوه عدة منها:

    الأول : صحة الجعالة على عمل مجهول يعسر ضبطه وتعيينه كرد مال ضائع .

    الثاني : صحة الجعالة مع عامل غير معين .

    الثالث : كون العامل لا يستحق الجعل إلا بعد تمام العمل .

    الرابع : لا يشترط في الجعالة تلفظ العامل بالقبول .

    الخامس : الجعالة عقد غير لازم والإجارة لازمة.

    مسألة: عقد الجعالة عقد جائز

    الأصل في الجعالة أنها عقد جائز ولا خلاف في ذلك في الجملة بين القائلين ، ومن هنا يمكن أن نقول إن فسخ عقد الجعالة لا يخلو من حالين:

    1- أن يكون الفسخ من العامل قبل تمام عمله فهنا لا يستحق شيئا لأن الفسخ من قبله ، ولأنه لم يأت بما شُرط الجعل له.

    2- أن يكون الفسخ من الجاعل، وهذا لا يخلو من حالين:

    الأولى: أن يكون ذلك قبل شروع العامل في العمل فلا يستحق العامل شيئاً ، لأنه لم يؤد شيئا يستحق بموجبه الجعل أو جزء منه.

    الثانية: أن يكون بعد شروع العامل في العمل، فاختلف أهل العلم على أقوال: :

    الأول: ذهب الشافعية والحنابلة إلى جواز الفسخ ولو كان العامل قد شرع في العمل، لأن عقد الجعالة عقد جائز فلمن شاء منهما الفسخ، ويستحق العامل أجرة المثل نظير ما قام به من عمل.

    الثاني: ذهب المالكية إلى أن عقد الجعالة يلزم الجاعل بشروع العامل في العمل، لأن في فسخه للجعالة تضييعا لعمل العامل.

    الثالث: ذهب بعض أهل العلم وهو اختيار شيخنا العثيمين إلى أن للجاعل فسخ الجعالة في هذه الحالة ، ويكون للعامل نسبة من الجعل بقدر عمله، فلو أنجز خمس العمل كان له خمس الجعالة وهكذا.

    قال المصنف: (ولو التقط اللقطة قبل أن يبلغه الجعل لم يستحقه)
    وذلك لأن الواجب في اللقطة ردها إلى صاحبها، ولا يجوز أخذ الأجر على واجب.

  8. #82
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الدمام
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    337
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 217 مرة في 176 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

    الدرس الحادي والثلاثون
    باب اللقطة
    اللقطة – لغة - بضم اللام وفتح القاف كهُمَزة : الشيء الملتقط أي المأخوذ من الأرض .

    وشرعا: مال أو مختص ضل عن ربه .

    فأما الحيوان الملتقط فيسمى ضالة .

    والأصل في مشروعيتها ما ثبت في الصحيحين من حديث زيد بن خالد الجهني قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لقطة الذهب والورق ؟ فقال : (اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة ، فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك ، فإن جاء طالبها يوما من الدهر فادفعها إليه ، وسأله عن ضالة الإبل ؟ فقال ما لك وما لها ؟ فإن معها حذاءها وسقاءها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها وسأله عن الشاة فقال : خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب).

    والوكاء : الخيط الذي يشد به المال في الخرقة، والعفاص : الوعاء الذي هي فيه المال .

    قال المصنف: (هي على ثلاثة أضرب:

    أحدها: ما تقل قيمته فيجوز أخذه والانتفاع به من غير تعريف، لقول جابر: رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العصا والسوط وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به).

    ذكر المصنف هنا النوع الأول من أنواع اللقطة وهي اللقطة اليسيرة التافهة التي لا تتبعها همة أوساط الناس، وجواز أخذ هذا النوع من اللقطة والانتفاع به من غير تعريف محل إجماع بين أهل العلم، وإن كانوا يختلفون في قدر اليسير الذي هذا حكمه، قال ابن قدامة (المغني 6/6): "ولا نعلم خلافا بين أهل العلم في إباحة أخذ اليسير والانتفاع به".

    ويدل على ذلك ما ذكره المصنف من حديث جابر رضي الله عنه الثابت في سنن أبي داود وغيره، كما يدل عليه ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بتمرة في الطريق فقال : (لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها). ولم يذكر تعريفا لها فدل على أن اليسير مثل هذا ينتفع به ولا يعرف.

    قال المصنف: (الثاني: الحيوان الذي يمتنع بنفسه من صغار السباع كالإبل والخيل ونحوها فلا يجوز أخذها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ضالة الإبل فقال: (مالك ولها ؟ دعها معها حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يأتيها ربها))

    ذكر المصنف هنا النوع الثاني من أنواع اللقطة وهي ضالة الحيوان الذي يمتنع بنفسه من صغار السباع كالإبل والخيل ونحوه مما يمتنع عن صغار السباع، والامتناع يكون بأمور:

    ‌أ. بكبر الجثة كما في الإبل والبقر والخيل.

    ب. بالطيران كالطيور

    ج. بالسرعة والعدو كالظباء.

    د. بنابها كالفهد والقرد والهر ونحوه.

    فمثل هذه الحيوانات لا يخوز التقاطها وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، وبه قال الشافعية والمالكية في الجملة، وإن كان لهم تفصيل في جواز التقاطها في القرى دون الصحراء وفي حكم التقاطها في الصحراء للحفظ لا للتملك، وطلبا للاختصار أعرضنا عن هذه التفاصيل، ولكن من حيث الأصل هم لا يجوزون التقاط مثل هذا النوع.

    واستدل أصحاب هذا القول بما ذكره المصنف من حديث زيد بن خالد رضي الله عنه الثابت في الصحيحين، قال شيخنا العثيمين (الشرح الممتع 10/365): " وظاهر الحديث العموم، أنه لا يجوز التعرض لها، تترك حتى يجدها ربها، لكن إذا رجعنا إلى أصول الشريعة قلنا: إنه إذا كان يخشى عليها من قطاع الطرق، ففي هذه الحال له أن يأخذها إن لم نقل بالوجوب، ويمكن أن يؤخذ هذا من الحديث، وهو قوله: «حتى يجدها ربها» فإن هذا التعليل يشير إلى أنه إذا كانت في مكان يخشى أن يأخذها قطاع الطرق، فإنه يلتقطها ولا بأس؛ لأنه في هذه الحال يغلب على الظن أن صاحبها لا يجدها ".

    وذهب الحنفية في المشهور من مذهبهم إلى أنه يندب التقاط البهيمة الضالة وتعريفها، ولا فرق في ذلك بين ما يمتنع عن صغار السباع وبين ما لا يمتنع، والحديث ظاهر في الرد على ما ذهبوا إليه.

    قال المصنف: (ومن أخذ هذا لم يملكه ولزمه ضمانه)

    أي أن من اخذ هذا النوع من الضالة لا يملكه بعد تعريفه، ويلزمه ضمانه إن تلف، لأنه غير مأذون له في التقاطه، وكل ما ترتب على غير المأذون فهو مضمون، وبتعديه بالتقاطه لا تكون يده يد أمانة.

    قال المصنف: (ولم يبرأ إلا بدفعه إلى نائب الإمام)

    فلا يبرأ بإرجاع الضالة إلى مكانها، وإنما بدفعها إلى الإمام أو نائبه لأنهم المسؤلون عن حفظ مثل هذه الضوال، وهذا طبعا فيما إذا لم يكن يعرف صاحب الضالة، أما إن كان يعرفه فلا يبرأ إلى بدفعها إليه.

    قال المصنف: (الثالث: ما تكثر قيمته من الأثمان والمتاع والحيوان الذي لا يمتنع من صغار السباع فيجوز أخذه)

    هذا هو القسم الثالث من أقسام اللقطه وهو ما له قيمة من أثمان أو متاع أو حيوان لا يمتنع من صغار السباع، وتتعلق به همة أوساط الناس فليس من التافهات التي لا يلتفت لها، فمثل هذا جواز أخذه محل اتفاق بين أهل العلم من حيث الجملة، وهذا طبعا في حق من يأمن نفسه عليها، أما من كان لا يأمن نفسه على اللقظه فيخشى أن يضيعها أو يتملكها بدون تعريف فمحل خلاف بين أهل العلم هل يلتقطها أولا .

    ومما يدل على مشروعية اللاتقاط في حق من يأمن نفسه، ما ثبت في الصحيحين من حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لقطة الذهب والورق فقال: (إعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة، فإن جاء طالبها يوماً من الدهر فادفعها إليه، وسأله عن الشاة فقال: (خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب).

    مسألة: أيهما افضل في حق من يأمن على نفسه ويقوى على تعريف اللقطة أخذها أو تركها؟

    المشهور من مذهب الحنابلة أن الأفضل له تركها؛ " لأن في الالتقاط تعريضا بنفسه لأكل الحرام , وتضييع الواجب من تعريفها , وأداء الأمانة فيها , فترك ذلك أولى , وأسلم".

    وذهب الشافعية إلى أن الأفضل له التقاطها، لأن ذلك من البر، ومن القيام بحق الأخوة الإسلامية، وإلى هذا مال شيخنا العثيمين.

  9. #83
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الدمام
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    337
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 217 مرة في 176 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

    الدرس الثاني والثلاثون
    قال المصنف: (ويجب تعريفه حولاً، في مجامع الناس كالأسواق وأبواب المساجد في أوقات الصلوات)

    اتفقت المذاهب الأربعة في الجملة إلى أن اللقطة تعرف سنة كاملة، وهذا في الجملة وإلا فإن الحنفية لهم في المسألة تفصيل فيفرقون بين ما كان قيمته عشرة دراهم فأكثر يعرف سنة، وما دون ذلك يعرف أياما بقدر ما يرى أنه حصل به التعريف.

    والقصد أن جمهور أهل العلم على أن اللقطة تعرف سنة كاملة، واستدلوا لذلك بحديث زيد بن خالد المتقدم وفيه: (إعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة).

    قال المصنف: (فمتى جاء طالبه فوصفه دفعه إليه بغير بينة)

    هذا هو المشهور من مذهب المالكية والحنابلة، وأنه متى ما جاء من يصف اللقطه بصفاتها لزم المتلقط دفع اللقطة إليه سواء غلب على ظنه صدقه أو لم يغلب، واستدلوا بحديث زيد بن خالد الجهني وفيه: (إعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة، فإن جاء طالبها يوماً من الدهر فادفعها إليه). فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بدفع اللقطة إليه بمجرد الوصف، ولم يذكر طلب البينة، ولو كانت شرطا لذكرها النبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن قدامة (المغني 6/14): "ولأن إقامة البينة على اللقطة تتعذر ; لأنها إنما سقطت حال الغفلة والسهو , فتوقيف دفعها منع لوصولها إلى صاحبها أبدا , وهذا يفوت مقصود الالتقاط , ويفضي إلى تضييع أموال الناس , وما هذا سبيله يسقط اعتبار البينة فيه , كالإنفاق على اليتيم".

    وذهب الحنفية والشافعية إلى أن الملتقط لا يلزمه رد اللقطة لمن ادعاها بمجرد الوصف، فلا يجبر على دفعها له إلا ببينة، لكن إن غلب على ظنه صدق من الواصف للقطه جاز دفعها إليه ولو بدون بينة، إلا اشتراط البينة مال شيخنا العثيمين، واستدل أصحاب هذا القول بما ثبت عنه صلى الله عليه صلى وسلم: (البينة على المدعي، واليمين على من أنكر).

    وأجيب عنه بأن اللقطه هنا لا منكر فيها حتى نطلب البينة، ولا مدعي لها غير من وصفها، ومن جهة أخرى النبي صلى الله عليه وسلم جعل الوصف للقطه في مقام البينة.

    قال المصنف: (وإن لم يعرف فهو كسائر ماله، ولا يتصرف فيه حتى يعرف وعاءه ووكاءه وصفته)

    أي إن لم يعرف صاحب اللقطة بعد تعريفها سنة كاملة فإنه يتملكها وتصير كسائر ماله ، ولكن بعد أن يحفظ أوصافها ويضبطها، وهذا مذهب جمهور أهل العلم واستدلوا بحديث زيد بن خالد الجهني المرفوع وفيه: (اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها ).

    وذهب الحنفية إلى أنه لا يجوز تملك اللقطة بعد التعريف والانتفاع بها إلا لمن كان فقيرا فله أن ينتفع بها، واستدلوا بما ثبت عند أبي داود من حديث عن عياض بن حمار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (من وجد لقطة فليشهد ذا عدل أو ذوي عدل ولا يكتم ولا يغيب فإن وجد صاحبها فليردها عليه وإلا فهو مال الله عزوجل).

    وقالوا كل ما أضيف إلى الله فإنما يتملكه من يستحق الصدقة، وأجيب بأن هذه الدعوى لا دليل عليها، فكل ما في الأرض من مخلوقات فإنها تضاف إلى الله خلقا وتملكا، قال تعالى: (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم).

    قال المصنف: (، فمتى جاء طالبه فوصفه دفع إليه أو مثله إن كان قد هلك)

    أي فمتى جاء طالب اللقطة بعد الحول فوصفها للملتقط دفعها إليه إن كانت في يده، وأما إذا كان قد أنفقها وتصرف فيها يدفع مثلها إن كانت مثليه أو قيمتها يوم ملكها إن كانت متقومة.

    قال المصنف: (وإن كان حيواناً يحتاج إلى مؤنة، أو شيئاً يخشى تلفه فله أكله قبل التعريف أو بيعه ثم يعرفه ، لما روى زيد بن خالد قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لقطة الذهب والورق فقال: (إعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة، فإن جاء طالبها يوماً من الدهر فادفعها إليه، وسأله عن الشاة فقال: (خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب))

    أشار المصنف هنا إلى أن اللقطة إن كانت حيوانا يحتاج إلى مؤنة من إطعام وسقاء ونحوه، أو كانت طعاما يخشى تلفه كفاكهة يخشى تلفها ونحوه، فإنه مخير بين أمرين :

    الأول: أن يأكل الحيوان أو الطعام ثم يعرفه بعد ذلك، فإن وجد صاحبه ضمنه له.

    الثاني: أن يبيعه ثم يعرفه فإن جاء صاحبه دفع له قيمته.

    ودليل ذلك ما ذكره من حديث زيد بن خالد الجهني، ووجه الشاهد قوله في الشاة: (خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب).

    فجعل الشاة له في الحال لأن في إبقائها إضاعة للمال بالإنفاق في علفها وسقيها، وقيس على ذلك ما يخشى تلفه فإنه إذا جاز أكل الشاة التي هي محفوظة بنفسها ولا تفسد فمن باب أولى ما يفسد.

    قال المصنف: (وإن هلكت اللقطة في حول التعريف من غير تعد فلا ضمان فيها)

    هذا محل اتفاق بين فقهاء المذاهب الأربعة، قال ابن قدامة (المغني 6/14): "لا أعلم في هذا خلافاً" فمتى ما تلفت اللقطة في أثناء الحول بغير تعد ولا تفريط من الملقتط لم يضمنها لأن يده يد أمانة وقد أخذ اللقطة بإذن من الشارع دون تعد منه.

    إما إن كان تلفها بعد الحول ضمن على المذهب على كل حال لأنها قد دخلت في ملكه، فأصبحت من ضمانه سواء كان تلفها بتعد منه أو تفريط أو دون ذلك.

    وذهب جماعة من اهل العلم إلى أنه لا يضمن إلا بالتعدي والتفريط ولو بعد الحول، قال شيخنا العثيمين (الشرح الممتع 10/374): "هذا هو الأقرب؛ لأن الرجل دخلت في ملكه قهراً عليه بغير اختياره، فهي في الحقيقة كأنها ما زالت في ملك صاحبها إذا كان لا يريده".

  10. #84
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    الدولة
    اليمن
    المدينة
    صنعاء
    المؤهل
    منهجية دكتوراه
    التخصص
    اقتصاد إسلامي
    المشاركات
    100
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 11 مرة في 5 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

    بارك الله فيك أخي أمين على جهودك ...
    وزادك علماً وشرفاً .

  11. #85
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الدمام
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    337
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 217 مرة في 176 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

    الدرس الثالث والثلاثون
    فصل في اللقيط
    قال المصنف: (هو الطفل المنبوذ)
    اللقيط فعيل بمعنى مفعول كجريح بمعنى مجروح، وفي الاصطلاح عند الحنابلة: هو طفل لا يعرف نسبه ولا رقه نبذ أو ضل .
    والنبذ عادة يكون في الصغير الذي لا يستطيع المشي كالأطفال في المهد، وأما الضال فيكون فيمن هو أكبر من ذلك، فالمذهب أن اللقيط يشمل المنبوذ والضال، وذهب شيخنا العثيمين إلى أن الضال لا يكون لقيطا وإنما الواجب تعريفه، قال رحمه الله (الشرح الممتع 10/384): "قوله: «أو ضل» أي: أو ضاع، وهذا في الحقيقة فيه نظر ظاهر، فإذا علمنا أن هذا الطفل له خمس سنوات أو ست سنوات وقد ضاع عن أهله، وهو الآن يصيح يبحث عنهم، فهل يمكن أن نقول: إن هذا لقيط يأخذه الإنسان ويجعله عنده؟ لا، هذا يشبه اللقطة، بمعنى أنه يجب أن يبحث عن أهله، وهذا يقع كثيراً في مواسم الحج والعمرة...وظاهر كلام المؤلف: أن من وجده أخذه على أنه لقيط، ولكن هذا فيه نظر ظاهر، فالصواب إذاً أن اللقيط طفل لا يعرف نسبه ولا رقه نبذ فقط، ولا نقول: أو ضل، بل نقول: إن الضال يُبحث عن أهله. "
    وجمهور أهل العلم على أن التقاط اللقيط واجب على الكفاية، لأنه من التعاون على البر والتقوى الداخل في قوله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى)، ثم إ ن فيه حفظا له وإحياء لنفسه كإطعام المضطر، وإعانة الغريق.
    وذهب الحنفية إلى أنه مندوب ما لم يغلب على ظنه هلاكه لو لم يرفعه ففرض كفاية.
    قال المصنف: (وهو محكوم بحريته)
    أي أن الأصل في اللقيط أنه حر يحكم بحريته وهذا قول عامة أهل العلم إلا النخعي، وحكى ابن المنذر الإجماع عليه قائلا (المغني 6/35): " أجمع عوام أهل العلم على أن اللقيط حر"
    ومستند ذلك أن الأصل في الآدميين الحرية , فإن الله تعالى خلق آدم وذريته أحرارا , وأما الرق فهو أمر عارض، فمتى ما لم يوجد معارض للحرية فإنها هي الأصل.
    قال المصنف: (وإسلامه)
    أي أن اللقيط يحكم بإسلامه، وهذه المسألة على أقسام:
    أولا: أن يوجد اللقيط في دار الإسلام فهذه الصورة اتفق أهل العلم في الجملة على أنه يحكم بإسلام اللقيط، ولو كان فيها أهل ذمة تغليبا للدار، واستثنوا ما لو كانت الدار دار إسلام ولكن لا مسلم فيها وكل من فيها أهل ذمة فقالوا لا يحكم بإسلامه.
    ثانيا: أن يوجد اللقيط في دار كفر فلا يخلو من حالين:
    1- أن لا يكون في هذه الدار مسلم، فيحكم بكفره.
    2- أن يكون في هذه الدار مسلم كالأسير والرقيق والتاجر ونحوه فالمشهور من مذهب الحنابلة أن يحكم بكفره تغليبا للدار، وذهب الشافعية إلى أنه يحكم بإسلامه تغليبا لجانب الإسلام ولأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه.
    3- أن يكون في هذه الدار مسلمون كثر ولكن لا زالت الدار دار كفر فهنا المشهور من مذهب الشافعية والحنابلة أنه يحكم بإسلامه.
    قال المصنف: (وما وجد عنده من المال فهو له)
    فمتى ما وجد مع اللقيط مال في فراشه أو ثيابه ونحوه فهو للقيط، وهذا محل اتفاق بين فقهاء المذاهب الأربعة، لأنه حر يملك وله يد صحيحة، ويرث ويورث كالبالغ.
    قال المصنف: (وولايته لملتقطه إذا كان مسلماً)
    أي أن ولاية اللقيط والقيام عليه يكون للملتقط بشرط أن يكون مسلما، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة، ويدل على ذلك ما أخرجه مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن سنين أبي جميلة رجل من بني سليم : أنه وجد منبوذا في زمان عمر بن الخطاب قال : فجئت به إلى عمر بن الخطاب فقال : ما حملك على اخذ هذه النسمة فقال : وجدتها ضائعة فأخذتها فقال له عريفه : يا أمير المؤمنين إنه رجل صالح فقال له عمر : اكذلك ؟ قال : نعم فقال عمر بن الخطاب : إذهب فهو حر ولك ولاؤه وعلينا نفقته.
    قال الألباني: وهذا إسناد صحيح.
    قال المصنف: (عدلا)
    فلا بد أن يكون الملتقط عدلا حتى يقر اللقيط في يده لأنه هو الذي يؤتمن على حفظ اللقيط، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعية، والحنابلة، ولم يشترط الحنفية والمالكية عدالة الملتقط.
    قال المصنف: (ونفقته في بيت المال إن لم يكن معه ما ينفق عليه)
    وهذا محل إجماع بين أهل العلم، فلا تجب نفقة اللقيط على الملتقط، قال ابن المنذر (المغني 6/37): "أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم , على أن نفقة اللقيط غير واجبة على الملتقط" ، ويدل على هذا الإجماع حديث عمر المتقدم.
    قال المصنف: (وما خلفه فهو فيء)
    أي ما خلف اللقيط من مال ولا وارث له يكون فيئا لبيت المال، لأن أسباب الميراث إما نسب أو نكاح أو ولاء ولا شيء منها في الملتقط فلا يرثه، وهذا مذهب عامة أهل العلم.
    وذهب جماعة من اهل العلم وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وشيخنا العثيمين إلى أن اللقيط إن لم يخلف وارثا فميراثه لملتقطه، واستدلوا بما أخرجه ابو داود في سننه من حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المرأة تحرز ثلاثة مواريث عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عنه).
    والحديث ضعفه الألباني.
    قال المصنف: (ومن ادعى نسبه ألحق به)
    أي أن من ادعى نسب اللقيط ولا منازع له في ذلك ألحق به بلا بينة، وهذا قول جمهور أهل العلم من الحنفية والشافعية والحنابلة، لأن في ذلك نفعا محضا للطفل من جهة اتصال نسبه، ولا مضرة فيه على غيره, ثم إن الشارع يتشوف لإلحاق النسب.
    وذهب المالكية في المشهور من مذهبهم إلى أنه لا يلحق بمدعي نسبه إلا ببينة.
    قال المصنف: (إلا إن كان كافراً ألحق به نسباً لا ديناً)
    فإن ادعى نسب اللقيط كافر ألحق به عند جمهور أهل العلم في النسب للمنفعة المحضة له بثبوت النسب، وتشوف الشارع لذلك، وعدم المنازع، أما من جهة الدين فلا يلحق به لأنه محكوم بإسلامه، ولا حاجة لإثبات رقه أو كفره.
    وهذا فيما إذا لم يقم بينة على أنه ولده فإن أقام البينة على أنه ولده ولد على فراشه لحق به في النسب والدين عند الجمهور في الجملة.
    قال المصنف: (ولم يسلم إليه)
    أي وإن ألحقنا اللقيط بالكافر المدعي لنسبه وأثبتنا له النسب بذلك إلا أن ذلك لا يعني أن نسلمه له، فلا يكون له الحق في حضانته لأنه ليس أهلا لكفالة مسلم، ثم إنه لا تؤمن فتنته عن الإسلام، وتكون نفقة اللقيط في بيت المال .

  12. #86
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الدمام
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    337
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 217 مرة في 176 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

    الدرس الرابع والثلاثون

    باب السبق
    السبْق والسباق لغة : مصدر سابق إلى الشيء سبقه وسباقا , أسرع إليه . والسبق : التقدم في الجري , وفي كل شيء , تقول : له في كل أمر سبقة , وسابقة , وسبق . وله سابقة في هذا الأمر : إذا سبق الناس إليه . يقال : تسابقوا إلى كذا واستبقوا إليه . والسبَق - بالتحريك - : ما يتراهن عليه المتسابقون في الخيل والإبل وفي النضال فمن سبق أخذه.

    مشروعية السبق:

    السبق جائز بالسنة والإجماع، أما السنة فما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل المضمرة من الحفياء إلى ثنية الوداع ، وبين التي لم تضمر من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق. قال موسى بن عقبة : من الحفياء إلى ثنية الوداع ستة أميال أو سبعة أميال .

    وأما الإجماع فقال ابن قدامة (المغني 9/368): "أجمع المسلمون على جواز المسابقة في الجملة".

    قال المصنف: (تجوز المسابقة بغير جعل في الأشياء كلها)

    المسابقة على قسمين إما أن تكون على عوض أو بغير عوض، وهنا المصنف ذكر القسم الأول وهو ما كان على غير عوض وهذه تجوز في كل أمر مباح كالمسابقة على الأقدام أو السفن أو الرمي أو الكرة أو غيرها، يدل على ذلك ما ثبت في سنن أبي داود عن عائشة رضي الله عنها : أنها كانت مع النبي صلى الله عليه و سلم في سفر قالت: فسابقته فسبقته على رجلي فلما حملت اللحم سابقته فسبقني فقال: (هذه بتلك السبقة).

    وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه صارع ركانة فصرعه.

    وفي صحيح مسلم سابق سلمة بن الأكوع في يوم ذي قرد رجلا من الأنصار بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم .

    قال المصنف: (ولا تجوز بجعل إلا في الخيل والإبل والرمي، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر))

    شرع المصنف في الكلام على القسم الثاني من أقسام المسابقة وهو ما إذا كانت المسابقة بعوض، وهذا القسم متفق على جوازه من حيث الأصل، وإنما الخلاف فيما تجوز فيه المسابقة بعوض وما لا تجوز فيه، وهذه المسألة محل خلاف بين أهل العلم:

    القول الأول: ذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه إلى أنه لا تجوز المسابقة بعوض إلا في النصل والخف والحافر ، قال في المغني (9/369) : "المراد بالنصل هنا : السهم ذو النصل ، وبالحافر : الفرس ، وبالخف : البعير . عبر عن كل واحد منها بجزء منه يختص به".

    واستدلوا بما أخرجه أهل السنن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: (لا سبق إلا في نصل، أو خف ، أو حافر).

    ولأن هذه الثلاثة مما يحتاج إليه في الجهاد فحث على المسابقة فيه.

    وأضاف الحنفية إلى ذلك المسابقة على الأقدام لما ورد من مسابقة عائشة له صلى الله عليه وسلم، ومن أهل العلم من ألحق بهذه الثلاثة كل ما كان معيناً على الجهاد فجوزوا المسابقة فيه بعوض، كالمصارعة، والرمي بالبنادق ، والدبابات ، والطائرات ، ونحو ذلك .

    وألحق شيخ الإسلام ابن تيميه بذلك أيضا المسابقات العلمية ، قياسا على الثلاثة المذكورة في الحديث من جهة أنها من الجهاد فالجهاد كما يكون بالسيف والسنان يكون كذلك بالعلم والبيان، وقد قال تعالى : (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين) فسمى الله مجاهدة المنافقين جهاداً مع أنها تكون بالعلم والبيان.

    ويدل على ذلك أيضا أن أبا بكر راهن كفار قريش في انتصار الروم على الفرس ، ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك .

    القول الثاني : ذهب بعض أهل العلم إلى جواز المسابقة بعوض في سائر الأمور المباحة من غير تخصيص بالأمور الثلاثة المذكورة في الحديث أو ما شابهها ، وهذا القول قال به بعض المالكية فيما إذا كان العوض من غير المتسابقين، قال الشيخ خالد المصلح في كتابه الحوافز التجارية التسويقية وأحكامها في الفقه الإسلامي: "حكى هذا القول في مواهب الجليل (3/393)، وحاشية العدوي على مختصر خليل (3/156) نقلاً عن الزناتي قال: "واختلف فيمن تطوع بإخراج شيء للمتصارعين والمتسابقين على أرجلهما أو على حماريهما أو على غير ذلك مما لم ترد به السنة بالجواز والكراهة".

    وقد نقل الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير (2/210)، والصاوي في بلغة السالك (1/787)، قول الزناتي هذا لكنه جعل القولين هما التحريم والكراهة. والذي يظهر أن نقل الدسوقي أقرب إلى الصواب؛ لموافقته المشهور من مذهب المالكية قال في عقد الجواهر الثمينة (1/511-512) عند كلامه على رواية"لا سبَق إلا في خف أو حافر": "ولا يلحق بهما غيرهما بوجه، إلا أن يكون بغير عوض".

    وحمل أصحاب هذا القول النهي في الحديث على نفي الكمال أي لا سبق أولى من السبق في هذه الأمور الثلاثة ، ثم إن هذه الصورة ليس فيها محظور الميسر والقمار، من كون المتسابقين دائرين بين الغنم والغرم، فإن العوض من غير المتسابقين، فالمتسابقون دائرون بين المغنم والسلامة.

    والحقيقة أن ظواهر الأدلة وقول عامة أهل العلم يؤيد القول الأول، ولكن إن نظرنا إلى واقعنا المعاصر وعموم البلوى بمثل هذه المسابقات فهل يمكن أن نقول بالقول الثاني؟

    المسألة عندي مشكلة، ولا أجسر على مخالفة قول عامة أهل العلم، فأنتظر من إخواني في الملتقى الإفادة.

    قال المصنف: (فإن كان الجعل من غير المستبقين جاز وهو للسابق منهما)

    الجعل المبذول في المسابقة لا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يكون من غير المستبقين، أو من أحدهما، أو من كليهما.

    والمصنف هنا ذكر الحالة الأولى وهي فيما إذا كان الجعل من غير المستبقين، وهذا جائز باتفاق الفقهاء في الجملة، ويكون الجعل أو العوض للسابق منهما.

    قال المصنف: (وإن كان من أحدهما فسبق المخرج أو جاءا معاً أحرزه ولا شيء له سواه ، وإن سبق الآخر أخذه )

    هذه الحالة الثانية وهي فيما إذا كان الجعل من أحد المتسابقين، فمثل هذا أيضا جائز باتفاق الفقهاء، فمتى سبق مخرج العوض أحرز العوض، وإن سبق الآخر أحرزه، وإن تساويا بقي العوض عند المخرج.

    قال المصنفك (وإن أخرجا جميعاً لم يجز، إلا أن يُدخلا بينهما محللاً يكافئ فرسه فرسيهما أو بعيره بعيريهما أو رميه رمييهما ؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أدخل فرساً بين فرسين وهو لا يأمن من أن يسبق فليس بقمار، ومن أدخل فرساً بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار))

    هذه هي الحالة الثالثة وهي فيما إذا كان العوض من المتسابقين، وقد اختلف أهل العلم في جوازها على قولين:

    القول الأول: عدم جواز ذلك وعليه المذاهب الأربعة، فهو من جملة القمار والميسر المحرم ; لأن كل واحد منهما لا يخلو من أن يغنم أو يغرم .

    إلا أن الجمهور من الحنفية، والشافعية، والحنابلة، أجازوا هذه الصورة بشرط وجود المحلل -وهو شخص ثالث لم يدفع شيئا، بل لو كانوا خمسين وكل واحد منهم دفع إلا واحدا يكون هو المحلل- فهنا حكموا بالجواز واستدلوا بما ذكره المصنف من حديث أبي هريرة المخرج في السنن أنه صلى الله عليه وسلم قال: (من أدخل فرساً بين فرسين وهو لا يأمن من أن يسبق فليس بقمار، ومن أدخل فرساً بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار).

    وذهب المالكية إلى أنه حتى مع وجود المحلل لا تجوز مثل هذه الصورة، لاحتمال فوز من دفع العوض فيكون العوض قد رجع إليه.

    القول الثاني: جواز هذه الصورة ولو مع عدم وجود المحلل وبها قال ابن القيم ونقل الجواز عن شيخه ابن تيمية ، وضعفوا حديث أبي هريرة ، ولأن ظاهر رهان أبي بكر لكفار قريش يدل على جواز مثل هذا فإنه لم يكن فيه محلل، وكان العوض من الطرفين، وإلى هذا ذهب شيخنا العثيمين.

    قال المصنف: (وإن سبق أحدهما أحرز سبقه وأخذ سبق صاحبه)

    وهذا محل اتفاق عند القائلين بجواز مثل هذه الصورة.

    قال المصنف: (ولا بد من تحديد المسافه وبيان الغاية وقدر الإصابة وصفتها وعدد الرشق وتكون المسابقة في الرمي على الإصابة لا على البعد)

    هذا كله محل اتفاق في الجملة، من جهة أن المقصد من المسابقة معرفة الأسبق، ولا يمكن معرفته إلا بتحديد مثل هذه الأمور.

  13. #87
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الدمام
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    337
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 217 مرة في 176 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

    الدرس الخامس والثلاثون
    باب الوديعة
    الوديعة فعيلة من ودَع الشيء إذا تركه , إذ هي متروكة عند المودَع , وقيل : مشتقة من الدَّعة , فكأنها عند المودع غير مبتذلة للانتفاع , وقيل من ودَع الشيء إذا سكن , فكأنها ساكنة عند المودَع

    واصطلاحاً : تطلق الوديعة على الشيء المودَع ، كما تطلق أيضا على العقد نفسه ، وعلى هذا المعنى الثاني يكون تعريف عقد الوديعة هو: توكيل في الحفظ تبرعا.

    والوديعة مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها)، وقوله: (فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته).

    وأما السنة فما ثبت عند أبي داود وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : (أد الأمانة إلى من ائتمنك ، ولا تخن من خانك). كما يدل عليه ما روي عنه صلى الله عليه وسلم: أنه كانت عنده ودائع فلما أراد الهجرة أودعها عند أم أيمن ، وأمر عليا أن يردها على أهلها. حسنه الألباني.

    وأما الإجماع فقال ابن قدامة (المغني 6/300): " أجمع علماء كل عصر على جواز الإيداع والاستيداع , والعبرة تقتضيها , فإن بالناس إليها حاجة , فإنه يتعذر على جميعهم حفظ أموالهم بأنفسهم , ويحتاجون إلى من يحفظ لهم".

    وعقد الوديعة عقد جائز من الطرفين فيحق لأي منهما فسخه دون إذن الآخر

    قال المصنف: (وهي أمانة لا ضمان فيها على المودَع ما لم يتعد)

    الوديعة أمانة في يد المودَع لا يضمنها إلا بالتعدي أو التفريط، وهذا محل اتفاق بين المذاهب الأربعة، واستدلوا لذلك بأن الله سماها أمانة في قوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الآمانات إلى أهلها).، ثم إن المستودع يحفظ الوديعة تبرعا فلو ألزمناه بالضمان لامتنع الناس عن قبول الودائع، وذلك فيه مضرة على الناس لحاجتهم للوديعة.

    قال المصنف: (وإن لم يحفظها في حرز مثلها أو مثل الحرز الذي أمر بإحارازها فيه أو تصرف فيها لنفسه أوخلطها بما لا تتميز منه أو أخرجها لينفقها ثم ردها أو جحدها ثم أقر بها أو كسر ختم كيسها أو امتنع من ردها عند طلبها مع إمكانه ضمنها)

    جميع هذه الصورة التي ذكرها المصنف مشتركة في كون المستودَع فرط فيها في حفظ الوديعة أو تعدى، فيلزمه الضمان فيها، فالأصل أن المستودَع متى ما تعدى أو فرط ضمن، قال ابن قدامة (المغني 6/300): " فأما إن تعدى المستودع فيها , أو فرط في حفظها , فتلفت , ضمن , بغير خلاف نعلمه ; لأنه متلف لمال غيره , فضمنه , كما لو أتلفه من غير استيداع".

    قال المصنف: (وإن قال: ما أودعتني ثم ادعى تلفها أو ردها لم يقبل منه)

    الأصل أن القول في ثبوت الوديعة وردها قول المودَع لأنه أمين، وهذه المسألة فرع عن هذا الأصل فإذا قال المودَع للمودِع ما أودعتني قُبل قوله إلا أن تكون بينة للمودِع.

    وهنا المصنف ذكر المسألة التالية: لو قال المودع ما أودعتني ثم ادعى التلف أو الرد فهل يقبل قوله في التلف والرد؟

    هذه المسألة على المذهب لها حالان:

    الأولى: أن يدعي تلفا أو ردا سابقين لجحوده، فيكون مثلا جحدها يوم الخميس ثم ادعى بعد ذلك أنها تلفت يوم الأربعاء أو أنه ردها للمودِع، فالمشهور من مذهب الحنابلة أنه لا يقبل قوله، ولو أقام البينة على الرد أو التلف، لأنه بجحده الوديعة في البداية زال عنه وصف الأمانة فلا يقبل قوله بعد ذلك بالتلف أو الرد، ولأن هذه البينة منافية لما أقر به أولا من جحود العارية، فكيف ينفيها ثم يدعي الرد أو التلف.

    وذهب الشافعية والحنفية إلى أنه إن أقام البينة على الرد أو التلف قبل قوله، قالوا لاحتمال أن يكون جحوده الأول نسيانا، وإليه مال شيخنا العثيمين ولكن قال يعزر لكذبه وخيانته.

    الثانية: أن يدعي تلفا أو ردا بعد الجحد، فيكون مثلا جحدها يوم الخميس ثم ادعى بعد ذلك أنها تلفت يوم الجمعة، فالمشهور من مذهب الحنابلة أن قوله يقبل ببينة، قالوا لاحتمال حدوث الوديعة بعد الجحد وحينئذ فلا منافاة بين جحوده وبين البينة التي تشهد بالتلف بعد الجحود.

    قال المصنف: (وإن قال: مالك عندي شيء ثم ادعى ردها أو تلفها قبل)

    وهذا الذي عليه جمهور أهل العلم لأن دعواه الرد أو التلف هنا لا تنافي قوله: مالك عندي شيء. لجواز أن يكون أودعه، ثم تلفت بغير تفريط أو تعد، أو ردها فلا يكون له عنده شيء حينئذ.

    قال المصنف: (والعارية مضمونة وإن لم يتعد فيها المستعير)

    أشار المصنف هنا إلى مسألة العارية هل هي مضمونة على المستعير مطلقا فتكون يده يد ضمان، أو يده يد أمانة لا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط، ولم يفرد المصنف رحمه الله العارية بباب كامل واكتفى بالإشارة إلى هذه المسألة، وقبل أن نخوض في هذه المسألة نشير إلى بعض المسائل بالنسبة للعارية:

    أولا: تعريف العارية

    العارية لغة : – بتخفيف الياء وتشديدها – من العري وهو التجرد ، سميت بذلك لتجردها من العوض .

    واصطلاحا: إباحة نفع عين تبقى بعد استيفائها-أي المنفعة- ليردها – أي العين- على مالكها .

    ثانيا: مشروعية العارية:

    والعارية مندوب إليها في حق المعير، ومباحة في حق المستعير، والدليل على ندبيتها الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: (ويمنعون الماعون)، روي عن ابن عباس وابن مسعود أنهما قالا: العواري . وفسرها ابن مسعود فقال : القدر والميزان والدلو . كما أنها داخلة في عموم قوله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى).

    وأما السنة فما أخرجه الترمذي من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (العارية مؤداة ، والدين مقضي ، والمنحة مردودة ، والزعيم غارم) .

    ومما يدل عليها ايضا ما أخرجه أبو داود وغيره من حديث صفوان بن أمية رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم استعار منه أدرعا يوم حنين ، فقال : أغصبا يا محمد ؟ قال : (بل عارية مضمونة) .

    وأما الإجماع فقد قال ابن قدامة (المغني 5/128): " أجمع المسلمون على جواز العارية واستحبابها , ولأنه لما جازت هبة الأعيان , جازت هبة المنافع , ولذلك صحت الوصية بالأعيان والمنافع جميعا"

    وعودا على كلام المصنف نقول قد اختلف أهل العلم في العارية هل يد المستعير فيها يد ضمان أو يده يد أمانة على قولين:

    القول الأول: ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن يد ا لمستعير يد ضمان مطلقا سواء فرط وتعدى أو لم يفرط ولم يتعد، واستدلوا بما جاء في حديث صفون بن أمية: ( بل عارية مضمونة)، وبما أخرجه ابو داود وغيره من حديث الحسن ، عن سمرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (على اليد ما أخذت حتى تؤديه). ثم إنه قبض العين لحظ نفسه ونفعها فيكون ضامنا بخلاف الوديعة فإنما قبضها لحظ صاحبها، وكل من قبض عينا لحظ نفسه ضمن وهذه القاعدة عند الشافعية والحنابلة.

    القول الثاني: أن يده يد أمانة فالعارية في يده أمانة لا يضمنها إلا بالتعدي أو التفريط، وهذا هو المشهور من مذهب الحنفية، والمالكية، واستدلوا بما روي عنه صلى الله عليه وسلم عند البيهقي والدارقطني : (ليس على المستعير غير المغل ، ضمان).

    ولكن هذا لا يصح رفعه للنبي صلى الله عليه وسلم، قال الدارقطني (سنن الدارقطني 3/41): "وإنما يروى عن شريح القاضي غير مرفوع"، وقال البيهقي (سنن البيهقي 6/91): " المحفوظ عن شريح القاضي من قوله" .

    كما استدلوا بما جاء في بعض روايات حديث صفوان المتقدم بلفظ: (بل عارية مؤداة)، ثم إن المستعير قبض العارية بإذن المالك فتكون أمانة كالوديعة، وكل من قبض عينا بإذن المالك فيده فيها يد أمانة، وهذه هي القاعدة عند الحنفية، والمالكية، وسواء قبضها بإذنه لحظ نفسه كما في العارية أو حظ صاحبها كما في الوديعة.

    وأجابوا عن رواية: (بل عارية مضمونة) على أنها محمولة على ما إذا شرط المعير على المستعير الضمان فحينئذ يكون ضامنا بالشرط لا بأصل عقد العارية.

    القول الثالث: اختار شيخنا العثيمين أن المستعير يده يد أمانة حتى لو شرط المعير الضمان لم يضمن المستعير كسائر الأمناء لا يضمنون ولو شرط عليهم الضمان.

  14. #88
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الدمام
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    337
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 217 مرة في 176 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

    الدرس السادس والثلاثون
    كتاب الإجارة
    الإجارة في اللغة اسم للأجرة، وهي كراء الأجير وهي بكسر الهمزة , وهو المشهور، وحكي الضم بمعنى المأخوذ وهو عوض العمل , ونقل الفتح أيضا , فهي مثلثة ، والإجارة مشتقة من الأجر وهو العوض ، ومنه سمي الثواب أجراً.

    وأما في الاصطلاح فهي: عقد معاوضة على تمليك منفعة بعوض .

    مشروعية الإجارة:

    الإجارة مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب ففي قوله تعالى: (فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن) .وقوله: (ياأبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين) .

    وأما السنة فما ثبت عند البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (قال الله عز وجل : ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ; رجل أعطى بي ثم غدر ، ورجل باع حرا فأكل ثمنه ، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يوفه أجره)، كما يدل مشروعيتها فعله صلى الله عليه وسلم وتقريره .

    وأما الإجماع فقد قال ابن قدامة (5/250): "أجمع أهل العلم في كل عصر وكل مصر على جواز الإجارة , إلا ما يحكى عن عبد الرحمن بن الأصم أنه قال : لا يجوز ذلك ; لأنه غرر . يعني أنه يعقد على منافع لم تخلق وهذا غلط لا يمنع انعقاد الإجماع الذي سبق في الأعصار , وسار في الأمصار , والعبرة أيضا دالة عليها ; فإن الحاجة إلى المنافع كالحاجة إلى الأعيان , فلما جاز العقد على الأعيان , وجب أن تجوز الإجارة على المنافع , ولا يخفى ما بالناس من الحاجة إلى ذلك , فإنه ليس لكل أحد دار يملكها , ولا يقدر كل مسافر على بعير أو دابة يملكها , ولا يلزم أصحاب الأملاك إسكانهم وحملهم تطوعا , وكذلك أصحاب الصنائع يعملون بأجر , ولا يمكن كل أحد عمل ذلك , ولا يجد متطوعا به , فلا بد من الإجارة لذلك".

    أنواع الإجارة:

    إجارة أعيان : كتأجير البيوت والسيارات والأمتعة ونحوها.

    إجارة أعمال :كاستئجار الخدم وأرباب الصناعات والحرف على أعمال معينة.

    قال المصنف: (وهي عقد على المنافع لازم من الطرفين لا يملك أحدهما فسخها)

    الإجارة عقد على المنافع لا على الأعيان؛ لأن ما يستوفى بعقد الإجارة هو المنفعة لا العين، والإجارة لازمة من الطرفين المستأجر والمؤجر باتفاق فقهاء المذاهب الأربعة، فلا يملك أحدهما فسخها إلا برضى الآخر، يدل على ذلك عموم قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود)، ولأنها عقد معاوضة كالبيع فتكون لازمة مثله.

    قال المصنف: (ولا تنفسخ بموته)

    لا تنفسخ الإجارة بموت أحد المتعاقدين عند جمهور أهل العلم من المالكية، والشافعية، والحنابلة، ومن أدلة ذلك ما ساقه البخاري حيث قال في صحيحه: "باب ما إذا استأجر أرضا فمات أحدهما" ثم قال تحت هذا الباب: "وقال ابن سيرين ليس لأهله أن يخرجوه إلى تمام الأجل، وقال الحكم والحسن وإياس بن معاوية تمضى الإجارة إلى أجلها، وقال ابن عمر أعطى النبي صلى الله عليه وسلم خيبر بالشطر فكان ذلك على عهد النبي صلى الله عليه و سلم وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر، ولم يذكر أن أبا بكر وعمر جددا الإجارة بعد ما قبض النبي صلى الله عليه و سلم"

    ثم إن عقد الإجارة عقد لازم فلا يفسخ مع بقاء المعقود عليه وسلامته، وهو هنا المنفعة المستأجرة، ثم إن حق المستأجر في المنفعة وحق المؤجر في عوض الإجارة من الحقوق المعتبرة، فتنتقل إلى الورثة كغيرها من الحقوق.

    وذهب الحنفية أن الإجارة تنفسخ بموت أحد المتعاقدين إذا كان قد عقد الإجارة لنفسه، لأن المؤجر بطل ملكه بموته فيبطل عقده، ولأن ورثة المستأجر لا عقد لهم مع المؤجر حتى ينتقل الحق لهم.

    والأقرب ما ذهب إليه الجمهور.

    قال المصنف: (ولا جنونه)

    فلا تنفسخ الإجارة بجنون أحد المتعاقدين، وهذا محل اتفاق بين المذاهب الأربعة.

    قال المصنف: (وتنفسخ بتلف العين المعقود عليها أو انقطاع نفعها)

    وهذا محل اتفاق بين المذاهب الأربعة، لأنه بتلف العين لا يمكن استيفاء المنفعة المعقود عليها في عقد الإجارة، وكذلك لو انقطع النفع لأنه هو المعقود عليه فبانقطاعه زال المعقود عليه.

    قال المصنف: (وللمستأجر فسخها بالعيب قديماً كان أو حادثاً)

    أي وللمستأجر فسخ الإجارة إذا وجد في العين المؤجرة عيبا لم يكن يعلمه عند العقد، وسواء كان هذا العيب قديما، أو حادثا، فإن حدث العيب بعد استيفاء جزء من المنفعة انفسخ العقد في الباقي، لأن المنافع في الإجارة لا يحصل قبضها إلا شيئا فشيئا.

    وهذا الذي تقدم محل اتفاق بين المذاهب الأربعة في الجملة، قال ابن قدامة (المغني 5/264): "إذا اكترى عينا , فوجد بها عيبا لم يكن علم به , فله فسخ العقد , بغير خلاف نعلمه".

    قال المصنف: (ولا تصح إلا على نفع معلوم ، إما بالعرف كسكنى دار، أو بالوصف كخياطة ثوب معين، أو بناء حائط، أو حمل شيء إلى موضع معين، وضبط ذلك بصفاته أو معرفة أجرته)

    اتفق أهل العلم على أنه يشترط في الإجارة العلم بالمنفعة، لأنها هي المعقود عليها، ولأن جهالتها مفضية للنزاع والخصومة، فالواجب معرفتها والعلم بها سواء كان ذلك عن طريق العرف، أو الوصف، أو غيره، فالقصد أنه لا بد لصحة عقد الإجارة من أن تكون المنفعة معلومة.

    وكذلك يشترط لصحة عقد الإجارة معرفة الأجرة، وهذا كسابقه محل اتقاق بين أهل العلم، لما في جهالته من النزاع والخصومة.

    قال المصنف: (وإن وقعت على عين فلا بد من معرفتها)

    وهذا أيضا كسابقه محل اتفاق بين المذاهب الأربعة.

    قال المصنف: (ومن استأجر شيئاً فله أن يقيم مقامه من يستوفيه بإجارته أو غيرها إذا كان مثله أو دونه)

    من استأجر شيئا فله أن يقيم غيره مقامه ليستوفي المنفعة المؤجرة، وسواء كان ذلك بدون أجرة أو بأجرة، لأنه ملك المنفعة فجاز له التصرف فيها، وهذ محل اتفاق بين فقهاء المذاهب الأربعة في الجملة، ولكن شرط ذلك أن يكون الثاني مثل الأول أو دونه في استيفائه للمنفعة، أما إن كان أكثر فلا، مثاله لو أجره شقة للسكنى، فأقام غيره مقامه في الشقة وأعطاه إياها ليجعلها ورشة فمثل هذا لا يصح لأن فيه تعديا على المؤجر وتجاوزا للمنفعة التي وقع العقد عليها.

  15. #89
    :: رئيسة فريق طالبات العلم ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    الكنية
    أم طارق
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الرياض
    المؤهل
    ماجستير
    التخصص
    دراسات إسلامية
    المشاركات
    7,428
    شكر الله لكم
    11,501
    تم شكره 9,438 مرة في 3,482 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

    الأستاذ الفاضل أمين
    لقد قمت بوضع فهرس للدروس التي تقدمونها في هذا الموضوع
    حتى يسهل على القارئ الوصول إلى المبحث الذي يريد بالضغط على عنوانه
    وهذا رابط الفهرس
    http://www.feqhweb.com/vb/showthread...0060#post70060
    فإن كانت عندكم أية ملاحظات أو تعديلات أفيدونا بها
    وجزيتم خيراً

  16. #90
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الدمام
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    337
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 217 مرة في 176 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

    الأخت ام طارق سلمك الله
    جهد مبارك، ويعجر اللسان عن التعبير عن عظيم الشكر والامتنان لهذا الاهتمام بهذه المادة المتواضعة، أسأل الله عز وجل أن يجزيك خيرا، وأن يجعل ذلك في ميزان حسناتك.

صفحة 6 من 9 الأولىالأولى 1 2 3 4 5 6 7 8 9 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

جميع الموضوعات والمشاركات التي تطرح في الملتقى لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الملتقى، وإنما تعبر عن رأي كاتبها فقط.
وكل عضو نكل أمانته العلمية إلى رقابته الذاتية!.

﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران:98].