الموضوعات المميزة النشرات الشهرية احصائيات وأرقام تواصل معنا

 

بنرات متحركة

آخر مواضيع الملتقى

صفحة 7 من 9 الأولىالأولى 1 2 3 4 5 6 7 8 9 الأخيرةالأخيرة
النتائج 91 إلى 105 من 128

الموضوع: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

  1. #1
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الدمام
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    337
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 217 مرة في 176 مشاركة

    افتراضي مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه


    بسم الله الرحمن الرحيم


    وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبة أجمعين، أيها الأحبة الكرام في هذا الملتقى المبارك، بإذن الله سنبدأ في هذا الدرس في شرح كتاب البيوع من عمدة الفقه لابن قدامة المقدسي، وبإذن الله سأحاول قدر المستطاع أن يكون هذا الدرس منتظما بحيث أقوم بإنزال درسين أسبوعيا بصورة منتظمة على قدر الوسع والطاقة، مراعيا في هذه الدرس أن يكون مناسبا في عبارته للمبتدئين من طلبة العلم، ونافعا للمتوسطين، ولن يخلو من فائدة للمتقدمين منهم، وبإذن الله سنتطرق في هذه الدرس إلى الخلاف في حدود ما في كتب المذاهب الأربعة، وربما ذكرت اختيار بعض المحققين من المتقدمين، وسأحرص بخاصة على ذكر ترجيحات شيخنا العثيمين رحمة الله تعالى، ولن ألتزم الترجيح في كل مسألة قناعة مني بأنه مسائل البيوع بخاصة لا يصار إلى الجزم فيها بالراجح في كثير من مسائلها لما يشوب هذا الباب من العلم من سعة الخلاف فيه، وقلة النصوص الصريحة التي يمكن أن يصار إليها في تحقيق الراجح في كل مسألة، فللقياس في هذا الباب -من العلم- والنظر في المقاصد والكليات الشرعية مقام لا يخفى على كل من له عناية به، ومما سأحرص عليه في هذا الدرس بإذن الله التعرض للمسائل المعاصرة والنوازل ومحاولة ذكر ما يتيسر منها تحت ما يناسبه من مواضيع الكتاب، ورجائي من الإخوة أن يعينوا أخاهم بما يتفضلون به عليه من استدراك أو تصحيح أو مناقشة، سائلا الله العلي العظيم لي ولكم الإخلاص في القول والعمل، وأن يجعل عملنا حجة لنا لا حجة علينا.


    (وإن أردت أخي الكريم الوصول السريع إلى المبحث المطلوب يمكنك الرجوع إلى الفهرس)
    هنا

    ------------------------------

    وهذا هو الدرس الأول من هذه السلسلة:

    قال المصنف رحمة الله تعالى: (كتاب البيع)
    البيع مصدر, يقال: باعَه يَبِيعهُ بَيْعاً ومَبيعاً, والأصل أن المصادر لا تجمع, وإنما يجمع هذا اللفظ فيقال "البيوع" لاختلاف أنواعه.

    والبيع لغة: ضد الشراء, ويرد بمعنى الشراء, فهو من الأضداد.
    وهو مأخوذ من الباع؛ لأن كل واحد من المتعاقدين يمد باعه للأخذ والإعطاء, ويحتمل أن كل واحد منهما كان يبايع صاحبه أي يصافحه عند البيع ولذلك سمي البيع صفقة.
    وشرعاً: مبادلة المال بالمال على التأبيد غير ربا ولا قرض.
    وجواز البيع ثابت بالكتاب والسنة والإجماع والقياس, والأصل فيه الحل إلا ما نص الشارع على تحريمه, وجميع المعاملات المحرمة ترجع إلى ثلاثة أصول:
    الأول: الربا.
    الثاني: الجهالة والغرر.
    قال القرافي (الفروق 3/265): « الغرر والجهالة ثلاثة أقسام: كثير ممتنع إجماعا كالطير في الهواء وقليل جائز إجماعا كأساس الدار وقطن الجبة ومتوسط اختلف فيه هل يلحق بالأول أو الثاني فلارتفاعه عن القليل ألحق بالكثير ولانحطاطه عن الكثير ألحق بالقليل, وهذا هو سبب اختلاف العلماء في فروع الغرر والجهالة»
    الثالث: الظلم.
    قال المصنف : (قال الله تعالى: (وأحل الله البيع))
    في الآية دليل على مشروعية البيع, وأل في البيع للاستغراق دالة على أن الأصل في البيوع الحل إ ما دل الدليل على منعه، ولذا يقول العلماء "الأصل في البيوع الإباحة".
    قال الشافعي(الأم 3/3): «فأصل البيوع كلها مباح إذا كانت برضا المتبايعين الجائزي الأمر فيما تبايعا, إلا ما نهى عنه رسول الله t منها وما كان في معنى ما نهى عنه رسول الله t محرم بإذنه داخل في المعنى المنهي عنه, وما فارق ذلك أبحناه بما وصفنا من إباحة البيع في كتاب الله تعالى».
    وقال ابن تيمية: «الأصل في العقود الإباحة فلا يحرم منها إلا ما حرمه الله ورسوله ولم يحرم الله عقدا فيه مصلحة للمسلمين بلا مفسدة تقاوم ذلك».
    وأصل حل البيع مما قام الإجماع عليه ، ولا زال الناس يعاملون بالبيع والشراء من لدن عهده صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، وهو مقتضى القياس فالناس لا غنى لهم عما في أيدي غيرهم، ولا سبيل لتحصيل ذلك إلا بالبيع والشراء.
    - وهنا مقدمات ينبغي التنبه لها قبل الشروع في الكلام على كتاب البيوع:
    المقدمة الأولى: اعلم أن العقود في الشريعة الإسلامية تنقسم إلى عدة أقسام:
    عقود معاوضات: كالبيع و الإجارة.
    عقود التبرعات: كالهبة و الوصية والعارية.
    عقود التوثيقات: مثل كالضمان و الوكالة و الرهن.
    عقود المشاركات : كالمزارعة والمساقاة .
    المقدمة الثانية: أقسام البيع:
    يمكن أن يقسم البيع إلى عدة أقسام باعتبارات متعددة:
    أولا: أقسام البيع باعتبار عوضي العقد:
    المقايضة وهي مبادلة عرَض بعرَض، والعرض كل ما ليس بنقد، كبر بشعير.
    الصرف وحقيقته مبادلة النقد بالنقد.
    مبادلة النقد بالعرض وإلا هذا ينصرف لفظ البيع عند الإطلاق.
    بيع المنافع وحقيقته مبادلة العين بالمنفعة كالإجارة.

    ثانيا: أقسام البيع باعتبار الأجل:
    البيع الحال المنجز بأن يكون كل من الثمن و المثمن معجلا.
    البيع إلى أجل بأن يؤخر الثمن ويعجل المثمن.
    بيع السلم بأن يعجل الثمن ويؤخر المثمن
    بيع الدين بالدين بأن يكون كل من الثمن والمثمن مؤجلا وهو ما يعبر عنه ببيع الكالئ.
    ثالثا: أقسام البيع باعتبار كيفية تحديد الثمن:
    بيوع الأمانات وتنقسم إلى ثلاثة أقسام:
    - بيع المرابحة
    : أن يبيع البائع السلعة برأس لمال وبزيادة معلومة، فيخبر المشتري بالثمن الذي أخذها به ويضيف عليه زيادة معلومة.
    - بيع الوضيعة
    : أن يبيع السلعة برأس المال ناقص نقصا معلوما.
    - بيع التولية: أن يبيع السلعة برأس المال.

    المقدمة الثالثة: أركان البيع

    أركان البيع ثلاثة:
    - الصيغة.
    - العاقدان.
    - المعقود عليه.
    الركن الأول: الصيغة
    الصيغة ماصدر من المتعاقدين من قول أو فعل دال على إردتهما الباطنة إنشاء العقد وللبيع صيغتان:
    1. الصيغة القولية
    و هي الإيجاب و القبول.
    الإيجاب وهو عند جمهور أهل العلم اللفظ الصادر من البائع أو من يقوم مقامه.
    القبول: وهو عند جمهور أهل العلم اللفظ الصادر من المشتري أو من يقوم مقامه.
    والذي عليه جماهير أهل العلم أن الصيغة القولية ليس لها لفظ محدد بل كل لفظ دل على انتقال ملكية المبيع فهو داخل في الصيغة القولية، فليست الصيغة محصورة مثلا في لفظ بعت واشتريت ونحوه، ولذا ذكر أهل العلم أن الكتابة والإشارة المفهوم الدالة على الرضا ملحقة بالصيغة القولية.
    2. المعاطاة
    وصفة بيع المعاطاة أن تتم المبادلة بين البائع والمشتري من غير تلفظ بإيجاب أو قبول كما يحصل الآن في كثير من المتاجر تأخذ السلعة المعروف ثمنها وتعطي البائع المال دون تلفظ بإيجاب أو قبول.
    وقد اختلف أهل العلم في صحة بيع المعاطاة على ثلاثة أقوال:
    القول الأول:
    ذهب الجمهور من الأحناف و المالكية و الحنابلة إلى صحة بيع المعاطاة، و استدلوا لذلك بمايلي:
    1- قول الله تعالى "ياأيها الذين أمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم"، فالعبرة في العقود هي حصول التراضي بغض النظر عن الصيغة.
    2- أن عمل الناس لا زال على اعتبار بيوع المعاطاة والعمل بها منذ القدم دون نكير، قال ابن قدامة ( المغني 4/4): " ولنا ، أن الله أحل البيع ، ولم يبين كيفيته ، فوجب الرجوع فيه إلى العرف ، كما رجع إليه في القبض والإحراز والتفرق ، والمسلمون في أسواقهم وبياعاتهم على ذلك ، ولأن البيع كان موجودا بينهم ، معلوما عندهم ، وإنما علق الشرع عليه أحكاما ، وأبقاه على ما كان ، فلا يجوز تغييره بالرأي والتحكم ، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه ، مع كثرة وقوع البيع بينهم ، استعمال الإيجاب والقبول ، ولو استعملوا ذلك في بياعاتهم لنقل نقلا شائعا ، ولو كان ذلك شرطا ، لوجب نقله ، ولم يتصور منهم إهماله والغفلة عن نقله ، ولأن البيع مما تعم به البلوى ، فلو اشترط له الإيجاب والقبول لبينه صلى الله عليه وسلم بيانا عاما ، ولم يخف حكمه ; لأنه يفضي إلى وقوع العقود الفاسدة كثيرا ، وأكلهم المال بالباطل ، ولم ينقل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه فيما علمناه ، ولأن الناس يتبايعون في أسواقهم بالمعاطاة في كل عصر ، ولم ينقل إنكاره من قبل مخالفينا ، فكان ذلك إجماعا"
    القول الثاني: ذهب الشافعية إلى أن البيع بالمعاطاة لا يصح، واستدلوا على ذلك بضعف دلالة المعاطاة على الرضا فهي دون القول الصريح في الدلالة على الرضا وإرادة العقد لاحتمال إرادة غير العقد في التعاطي، ولا يخفى ما في هذا القول من الضعف، ومخالفة ما جرى عليه عمل الناس.
    ومن ثم أعرض عنه جماعة من متأخري فقهاء الشافعية وذهبوا إلى ترجيح صحية بيع المعاطاة منهم النووي والبغوي.
    القول الثالث: ما ذهب إليه بعض الشافعية كابن سريج والروياني من جواز بيع التعاطي في المحقرات، وما جرى عرف الناس وعادتهم على ببيعه معاطاة دون الأشياء النفيسة.
    -شروط الصيغة:
    1- أن يكون الإيجاب والقبول واضحين في الدلالة على إرادة إنشاء العاقدين العقد.
    2- أن يكون القبول مطابقا للإيجاب بأن ينصبا على شيء واحد فيتفقان في المحل والمقدار فلا يصح بعتك السيارة بعشرة فيقول المشتري قبلتها بخمسة، أو يقول بعتك السيارة فيقول اشتريت الدار.
    3- أن يكون الإيجاب والقبول متصلين عرفا بأن يقعا في مجلس العقد دون أن يتخلل ذلك ما يدل على إعراض أحدهما عن العقد.
    1. 2. 3. 4. 1) 2) 3) 4) 1- 2- 3- 4- 1- 1) 2)

  2. #91
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الدمام
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    337
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 217 مرة في 176 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

    الدرس السابع والثلاثون
    قال المصنف:( وإن استأجر أرضاً لزرع فله زرع ما هو أقل منه ضرراً)

    هذا فرع عما تقدم من جواز أن يقيم مقامه في الإجارة بشرط أن يكون مثله أو دونه، فأشار هنا إلى أن من استأجر أرضا لزرع شيئا فله أن يرزع ما هو أقل منه ضررا، فمثلا من استأجر أرضا لزرع الذرة فله أن يزع بدلا عنها النعناع ونحوه، لكن ليس لمن استأجر أرضا لزارعة النعناع أن يزرع فيها الذرة لأنها أكثر ضررا في الأرض من النعناع.

    قال المصنف: (فإن زرع ما هو أكثر منه ضرراً أو يخالف ضررُه ضررَه فعليه أجرة المثل)

    هذا الذي ذكره المصنف هنا من لزوم أجرة المثل رواية في مذهب الحنابلة، فمثلا لو استأجر الأرض لزراعة النعناع بمبلغ 100 ريال، فزرع فيها الذرة نقول كم أجرة المثل لزراعة هذه الأرض بالذرة فإن قيل إن أجرة زراعة الذرة 200 نلزمه بدفعها ولا نلتفت للمسمى الذي سمي لزراعتها بالنعناع.

    والمذهب أن له المسمى بالإضافة إلى أجرة المثل للزيادة فعلى المثال الأول له 100 ريال وهي المسماه لزراعتها بالنعناع، ثم ينظر القدر الزائد بزراعة الذرة كم أجرة مثله لو زرع ذرة فيكون له أجرة المثل فلو قيل أجرة المثل لهذه الزيادة في الضرر 50 ريالا أعطيها.

    قال المصنف: (وإن استأجر إلى موضع فجاوزه أو لحمل شيء فزاد عليه فعليه أجرة المثل للزائد وضمان العين إن تلفت)

    لو استأجر دابة ونحوها تحمله إلى موضع معين فجاوز ذلك الموضع فعليه أجرة لمثل للقدر الزائد من المسافة كما أنه يضمن الدابة لو تلفت لأنه معتد بالزيادة على ما تم العقد عليه، فتكون يده يد ضمان بتعديه.

    قال المصنف: (وإن تلفت من غير تعد فلا ضمان عليه)

    إن تلفت العين المؤجرة بغير تعد ولا تفريط من المستأجر لم يضمن، لأن يدل المستأجر يد أمانة لا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط وهذا محل اتفاق بين أهل العلم في إجارة الأعيان، أما إجارة الأعمال فهذه يأتي الكلام عليها في المسألة القادمة.

    قال المصنف: ( ولا ضمان على الأجير الذي يؤجر نفسه مدة بعينها فيما يتلف في يده من غير تفريط)

    شرع المصنف هنا في الكلام على الضمان بالنسبة لإجارة الأعمال، وأشار إلى الأجير الخاص وأنه لا يضمن، ولا بد أن تعلم أن إجارة الأعمال الأجير فيه على قسمين:

    الأول: الأجير الخاص، وهو من يُستأجر على مدة معينة، ويستحق الأجر بتسليم نفسه في المدة، فتكون منافعه في مدة عقد الإجارة مستحقة للمستأجر، كالموظفين في الشركات، أو كمن استأجر عاملا في بناء لمدة شهر مثلا، أو الخادمة تستأجر لمدة معينة، وهذا النوع لا بد فيه من تحديد مدة الإجارة، وليس للأجير الخاص أن يعمل لغير مستأجره إلا بإذنه، ولا يمنع الأجير الخاص من أداء المفروض عليه من صلاة وصوم , بدون إذن المستأجر، واختلف في السنن هل له أن يؤديها أو لا.

    والأجير الخاص أمين لا يضمن ما جنت يده خطأ إلا بالتعدي أو التفريط، وهذا محل اتفاق بين أهل العلم.

    الثاني: الأجير المشترك هو الذي يقع العقد معه على عمل معين، فيتقبل العمل من أكثر من شخص في وقت واحد، كالخياط الذي يخيط لكل أحد، والمكنيكي الذي يتقبل السيارات ويصلحها من كل أحد ، فلا بد في هذا النوع من بيان نوع العمل ولا يلزم ذكر المدة، وتضمين الأجير المشترك بالتعدي والتفريط محل اتفاق بين أهل العلم، ولكن محل الخلاف فيما تلف بفعله من غير التعدي أو التفريط هل يضمنه أم لا؟

    القول الأول: ذهب الشافعية، وهو قول لأبي حنيفة إلى أن يد الإجير المشترك يد أمانة فلا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط لأنه أخذ المال بإذن صاحبه فهو مؤتمن عليه، وهو اختيار شيخنا العثيمين، قال رحمه الله (الشرح الممتع 10/83): "الصحيح أنه لا ضمان مطلقاً إذا لم يتعد أو يفرط".

    القول الثاني: ذهب المالكية في قول لهم إلى أن يد الأجير المشترك يد ضمان مطلقا،سواء كان التلف منه أو من غيره ،وسواء تعدى أو فرط أو لم يتعد ولم يفرط ، واستدلوا بعموم قوله صلى الله عليه وسلم في السنن من حديث سمرة رضي الله عنه: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) ضعفه الألباني ، ولأن الأجير المشترك عادة مظنة الإهمال والتفريط فمن المصلحة تضمينه مطلقا.

    القول الثالث: ذهب الحنابلة، وصاحبا أبي حنيفة إلى أن الأجير المشترك يضمن ما تلف بفعله مطلقا، وكذلك ما كان بفعل غيره وأمكنه دفعه ولم يفعل، ولا يضمن ما تلف من حرزه أو من غير فعله ولا يمكنه دفعه، واستدلوا بما روي عن عمر وعلي رضي الله عنهم من أنهم كانوا يضمنون الأجير المشترك، ولأن لأن الأموال والأنفس لا يشترط في ضمانها القصد.

    قال المصنف: (ولا على حجام أو ختان أو طبيب إذا عرف منه حذق في الصنعة ولم تجن أيديهم)

    قال ابن قدامة (المغني 5/312): "وجملته أن هؤلاء إذا فعلوا ما أمروا به , لم يضمنوا بشرطين :

    أحدهما: أن يكونوا ذوي حذق في صناعتهم , ولهم بها بصارة ومعرفة ; لأنه إذا لم يكن كذلك لم يحل له مباشرة القطع , وإذا قطع مع هذا كان فعلا محرما , فيضمن سرايته , كالقطع ابتداء .

    الثاني: أن لا تجني أيديهم , فيتجاوزوا ما ينبغي أن يقطع فإذا وجد هذان الشرطان . لم يضمنوا ; لأنهم قطعوا قطعا مأذونا فيه , فلم يضمنوا ; سرايته , كقطع الإمام يد السارق , أو فعل فعلا مباحا مأذونا في فعله , أشبه ما ذكرنا .

    فأما إن كان حاذقا وجنت يده , مثل أن تجاوز قطع الختان إلى الحشفة , أو إلى بعضها , أو قطع في غير محل القطع , أو يقطع الطبيب سلعة من إنسان , فيتجاوزها , أو يقطع بآلة كالة يكثر ألمها , أو في وقت لا يصلح القطع فيه , وأشباه هذا , ضمن فيه كله ; لأنه إتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ , فأشبه إتلاف المال , ولأن هذا فعل محرم , فيضمن سرايته , كالقطع ابتداء وكذلك الحكم في النزاع , والقاطع في القصاص , وقاطع يد السارق . وهذا مذهب الشافعي , وأصحاب الرأي , ولا نعلم فيه خلافا" .

    قال المصنف: (ولا على الراعي إذا لم يتعد)

    فلا يضمن الراعي ما تلف من الماشية بغير تعد منه أو تفريط، لأنه أمين عليها كالمودع، ولأنها عين قبضها بحكم الإجارة كالعين المستأجرة لا تضمن إلا بالتعدي أو التفريط، قال ابن قدامة (المغني (5/317): "لا نعلم فيه خلافا إلا عن الشعبي".

    قال المصنف: (ويضمن القصار والخياط ونحوهما ممن يستقبل العمل ما تلف بعمله دون ما تلف من حرزه)
    أشار المصنف هنا إلى الأجير المشترك وذكر أنه يضمن ما تلف بعمله دون ما تلف من حرزه، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، وقد تقدم الكلام على الخلاف في تضمينة من عدمه قريبا.

  3. #92
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الدمام
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    337
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 217 مرة في 176 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

    الدرس الثامن والثلاثون
    باب الغصب
    قال المصنف: (وهو استيلاء الإنسان على مال غيره بغير حق)

    الغصب لغة: هو أخذ الشيء ظلما وقهرا.

    واصطلاحا ما ذكره المصنف، والغصب محرم بالكتاب والسنة وإجماع أهل العلم، أما الكتاب ففي قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم)، وأما السنة ففي مثل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث جابر المتفق عليه : (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم ، كحرمة يومكم هذا ، في بلدكم هذا في شهركم هذا)، وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث سعيد بن زيد المتفق عليه: (من أخذ شبرا من الأرض ظلما , طوقه من سبع أرضين)، وما أخرجه الدارقطني من حديث حنيفة الرقاشي رضي الله عنه مرفوعا: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه).

    وأما الإجماع فقد قال ابن قدامة (المغني 5/139): " أجمع المسلمون على تحريم الغصب في الجملة, وإنما اختلفوا في فروع منه"

    قال المصنف: (من غصب شيئاً فعليه رده)

    من غصب شيئا فالواجب عليه رد بعينه إلى صاحبه إن كانت عينه قائمة موجوده، وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل العلم يدل على ذلك ما أخرجه أبو داود من حديث السائب بن يزيد عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يأخذن أحدكم متاع أخيه لاعبا ولا جادا ، ومن أخذ عصا أخيه فليردها) .

    وبما روي عنه صلى الله عليه وسلم عند أبي داود من حديث الحسن ، عن سمرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (على اليد ما أخذت حتى تؤديه)

    قال المصنف: (وأجرة مثله إن كان له أجرة مدة مقامه في يده)

    هذا هو المشهور من مذهب الحنابلة والشافعية من أن الغاصب يضمن منفعة المغصوب مدة بقائه في يده، فعلى هذا إن كان المغصوب مما يؤجَّر وتصح إجارته ضمن الغاصب أجرة مثله مدة بقائه في يده، سواء انتفع الغاصب به أو لم ينتفع، وسواء كان المغصوب منه ينتفع من المغصوب قبل الغصب أو لا.

    قال المصنف: (وإن نقص فعليه أرش نقصه)

    الأرش هو فرق ما بين قيمة العين كاملة وقيمتها ناقصة، فعلى هذا لو كانت قيمة العين المغصوبة قبل غصبها 100 ريال، وبعد غصبها ونقصها تكون قيمتها 50 ريالا، فتتبين أن الغصب أنقصها نصف قيمتها، فحينئذ ننظر كما قيمتها بلا عيب ونقص في السوق يوم ردها فلو كانت قيمتها 200 ريال، نلزمه برد العين وأن يدفع معها 100 ريال.

    وموجب تضمينه ذلك أن يد الغاصب يد ضمان مطلقا، وذلك بسبب تعديه بالغصب، وقد ثبت عند أبي داود وغيره من حديث سعيد بن زيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (ليس لعرق ظالم حق).

    قال المصنف: (وإن جنى فأرش جنايته عليه)

    وهذا محل اتفاق بين المذاهب الأربعة، فلو كان المغصوب عبدا فجنى هذا العبد جناية حال غصبه، فإن أرش الجناية يضمنه الغاصب، لأن يده يد ضمان مطلقا.

    قال المصنف: (سواء جنى على سيده أو أجنبي)

    أي أن الغاصب يضمن ما جنى العبد حال غصبه، سواء كانت جنايته على أجنبي أي على غير سيده، أو كانت على سيده، فلو فرض أن الغاصب سلط العبد المغصوب على سيده المغصوب منه فجنى على سيده، ضمن حينئذ الغاصب هذه الجناية، فلا يلتفت إلى كون الجناية على سيد العبد؛ لأن يد الغاصب يد ضمان.

    قال المصنف: (وإن جنى عليه أجنبي فلسيده تضمين من شاء منهما)

    أي لو جنى غير الغاصب على العبد حال غصبه فلسيده أن يضمن من شاء من الغاصب أو الجاني، فإن ضمن الجاني أرش الجناية لم يرجع الجاني على على الغاصب، وإن ضمن الغاصب أرش الجناية رجع بها على الجاني لأن مستقر الضمان في الجناية على الجاني.

    قال المصنف: (وإن زاد المغصوب رده بزيادته سواء كانت متصلة أو منفصلة)

    إن زاد المغصوب في فترة الغصب رده الغاصب بزيادته سواء كانت الزيادة متصلة أو منفصلة، وهذا محل اتفاق في الجملة بين فقهاء المذاهب الأربعة، لأن الزيادة نماء ملك صاحبها، وأما الغاصب فهو متعد ولا يد له عليها، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ليس لعرق ظالم حق).

    قال المصنف: (وإن زاد ونقص رده بزيادته وضمن نقصه سواء زاد بفعله أو بغير فعله)

    أشار المصنف هنا إلى مسألة ضمان زوائد المغصوب هل يضمنها الغاصب لو تلفت أم لا، مثال ذلك ما لو غصب الغاصب شاة فزادت زيادة متصلة كالسمن أو منفصلة كالولد، ثم هزلت أو هلك الولد هل يضمن الغاصب ذلك هذا النقص أو التلف للزيادة، هذا محل خلاف بين أهل العلم:

    الأول: المشهور من مذهب الشافعية والحنابلة أنه يضمن ذلك، لأنها نماء المغصوب فهي منه، ولأنها حصلت في يده فيضمنها بالتلف والنقص كما يضمن أصلها فيده يد ضمان مطلقا، وهو اختيار شيخنا العثيمين.

    الثاني: ذهب الحنفية إلى أن ن زوائد المغصوب سواء أكانت متصلة أم منفصلة أمانة في يد الغاصب, لا تضمن إلا بالتعدي , أو بالمنع بعد طلب المالك، واستدلوا بأن حقيقة الغصب أنه إزالة ليد المالك بوضع يد الغاصب على المغصوب، وهذه الزوائد لم تثبت يد المالك عليها أصلا.

    أما المالكية فلهم تفصيلات في هذه المسألة وتفاريق أعرضت عنها اختصارا.

    قال المصنف: (فلو نجر الخشبة باباً أو عمل الحديد إبراً ردهما بزيادتهما وضمن نقصهما إن نقصا، ولو غصب قطناً فغزله، أو غزلاً فنسجه، أو ثوبا فقصره، أو فصله وخاطه، أو حباً فصار زرعاً، أو نوى فصار شجراً، أو بيضاً فصار فراخاً فكذلك، وإن غصب عبداً فزاد في بدنه أو بتعليمه ثم ذهبت الزيادة رده وقيمة الزيادة)

    كل هذه المسائل متفرعة عما تقدم من القول بضمان الغاصب لزوائد المغصوب، وقوله: (أو ثوبا فقصره) يعني أو ثوبا غسله، فقصر الثوب هنا معناه غزله، ومنه سمي القصار الذي يغسل الثياب قصاراً.

    قال المصنف: (وإن تلف المغصوب أو تعذر رده فعليه مثله إن كان مكيلاً أو موزوناً وقيمته إن لم يكن كذلك)

    لو تلف المغصوب أو تعذر رده لزم رد مثله إن كان مثليا، أو قيمته إن كان متقوما، وهذا المعنى محل اتفاق في الجملة بين فقهاء المذاهب الأربعة، وإن كانوا يختلفون في تحديد المثلي والمتقوم.

    والمشهور من مذهب الحنابلة أن المثلي هو كل مكيل أو موزون يصح السلم فيه وليس فيه صناعة مباحة، وما عدا ذلك فهو متقوم على المذهب ولو كان له مثيل وشبيه.

    واختار شيخنا العثيمين أن المثلي ماله مثيل أو مشابه، ولم لم يكن مكيلا أو موزونا، ويدل هذ القول ما أخرجه الترمذي من حديث أنس رضي الله عنه قال: أهدت بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إلى النبي صلى الله عليه وسلم طعاما في قصعة فضربت عائشة القصعة بيدها فألقت ما فيها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:( طعام بطعام وإناء بإناء).

    ومعلوم أن الطعام والإناء ليسا من المكيلات ولا من الموزونات.

    قال المصنف: (ثم إن قدر على رده رده وأخذ القيمة)

    أي لو أن الغاصب تعذر عليه المثل فإنه يلزمه القيمة، فإن دفع القيمة للمغصوب منه، ثم بعد ذلك تأتى له المثل فإنه يدفعه إلى المغصوب منه ويأخذ القيمة التي دفعها، لأن المالك أخذ القيمة على سبيل العوض عن ملكه فإذا رجع إليه ملكه، ردها كما لو لم يكن أخذ شيئا.

  4. #93
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الدمام
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    337
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 217 مرة في 176 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

    الدرس التاسع والثلاثون
    قال المصنف: (وإن خلط المغصوب بما لا يتميز منه من جنسه فعليه مثله منه)

    فلو غصب صاع بر وخلطها الغاصب بصاعي بر عنده مماثلة للصاع المغصوب في الجودة فإنه من المعلوم أنه نصيب كل واحد منهما لا يمكن تمييزه فحينئذ يُلزم الغاصب بمثل ما غصب يخرجه من المخلوط، فنقول له أخرج من الثلاثة آصاع صاعا واحدة، ولا يلزمه أن يخرج الصاع من غير المخلوط، قال الفقهاء لأنه قدر على رد بعض ماله إليه مع رد المثل في الباقي , فلم ينقل إلى بدله في الجميع ; كما لو غصب صاعا فتلف بعضه .

    قال المصنف: (وإن خلطه بغير جنسه فعليه مثله من حيث شاء)

    من خلط مغصوبا بغير جنسه على وجه لا يتميز لزمه مثل المغصوب من حيث شاء فلا يلزم أن يخرجه من المخلوط، فلو غصب زيت ذرة وخلطه بزيت سمسم لزمه مثل زيت الذرة من حيث شاء ، وهذا القول رواية في مذهب الحنابلة وهو مذهب الشافعية، لأنه تعذر رد عينه فأشبه ما لو أتلفه.

    والمشهور من مذهب الحنابلة، أنهما يكونان شركاء بقدر ملكيهما، فينظر فيباع الزيت وينظر كم يقدر نصيب صاحب زيت الذرة ويعطاه، والأقرب والعلم عند الله ما ذكر المصنف، لأن الغاصب متعد ويده يد ضمان وهذا الخلط اشبه ما لو أتلف العين فنلزمه بالمثل، ثم إنه قد يكون للمغصوب غرض في العين المغصوبه لا يحصله بالمال الذي سيعطاه.

    مسألة: لو خلط المغصوب بما يتميز كما لو خلط برا مغصوبا بشعير فماذا يلزمه؟

    المشهور من مذهب الحنابلة أن الغاصب يلزمه تخليص البر ولو غرم أضعاف قيمته، لأنه متعد وظالم وليس لعرق ظالم حق، قال شيخنا العثمين (الشرح الممتع 10/171): "لو قال الغاصب: الآن أنا خلطت البر بالشعير، والبر الذي خلطته خمسة أصواع، وأنا أعطيك أيها المالك عشرة أصواع، فهل يجبر المالك أو لا؟ يقولون: لا يجبر، بل يقال: خَلِّص البر ولو دفع أكثر من مثله.

    وهذا في الحقيقة من جهة قد نقول: إنه قول جيد؛ لأن في ذلك ردعاً للغاصبين، فإذا علم الغاصب أنه سوف يضمن إلى هذا الحد فإنه لا يغصب، وإن نظرنا إلى أن فيه إضراراً، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: (لا ضرر ولا ضرار) قلنا: هنا يتوجه القول بأن المغصوب منه يجبر على قبول مثل بره الذي غُصِب، ويعد البر الآن كالتالف، وإذا أتلف شخص براً ضمنه بمثله، فالمسألة فيها تردد، وحينئذٍ ننظر في مسألة القضاء والحكم بين الغاصب والمغصوب منه ـ إلى المصلحة، فإذا رأى القاضي أن من المصلحة أن يُلزِم الغاصِبَ بتخليص مال المغصوب منه فليفعل، وإن رأى العكس فلا حرج؛ لأن المضارة في هذا واضحة".

    قال المصنف: (وإن غصب أرضاً فغرسها أخذَ بقلع غرسه وردها وأرش نقصها وأجرتها)

    فلو غصب الأرض وغرسها لزمه ثلاثة أمور على المشهور من مذهب الحنابلة والشافعية:

    الأول: أن يقلع ما غرس إن طلب صاحب الأرض ذلك.

    ثانيا: أن يرد مع الأرض أرش نقصها وهو فرق ما بين قمتها سليمة من الغرس والحفر الذي أضر بتربتها وقيمتها بعد ذلك.

    ثالثا: أن يدفع أجرة الأرض هذه الفترة، فينظر ما هي أجرة المثل لمن استأجر أرضا مثلها ليغرسها ويدفع ذلك المبلغ.

    وظاهر كلام المصنف أنه يجبر على قلع الغرس ولو لم يكن لصاحب الأرض غرض صحيح في هذا الأمر سوى مضارة الغاصب، قال شيخنا العثيمين (الشرح الممتع 10/152): "إذا علمنا أنه ليس له غرض إلا المضارة، وأن صاحب الأرض يريد أن يبنيها على هذه الصفة، أو يريد أن يغرسها بهذا النوع من الشجر، لكن يريد أن يضار بالغاصب ويكلفه، فهنا نمنعه، ونقول: ليس لك أن تجبر الغاصب على إزالة البناء أو الغراس، والدليل:

    أولاً: قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: (لا ضرر ولا ضرار)، وهذا لا شك أنه أضر صاحبه وأضر بنفسه أيضاً.

    ثانياً: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن إضاعة المال ، وهذا فيه إضاعة مال عليهما جميعاً، أما على الغاصب فواضح، وأما على المالك؛ فلأنه يريد أن ينشئ هذا البناء من جديد، وكان البناء أو الغراس موجوداً، فقد أضاع المال، وسيخسر مرة ثانية بإنشائه".

    قال المصنف: (وإن زرعها وأخذ الغاصب الزرع ردها وأجرتها)

    فلو زرع الغاصب الأرض وحصدها ولم يدر صاحب الأرض الزرع فيها، لزم الغاصب دفع أجرة مثلها، بالإضافة إلى أنه يضمن ما نقص من الأرض بأرشه.

    قال المصنف: (وإن أدرك الزرع مالكها قبل حصاده خير بين ذلك وبين أخذ الزرع بقيمته)

    لو أدرك صاحب الأرض الزرع قبل أن يحصده الغاصب خير بين أن يترك الزرع للغاصب حتى وقت الحصاد مقابل أن يدفع مثل أجرة الأرض وأرش نقصها، وبين أن يأخذ الزرع من الغاصب بقيمته، فينظر كم قيمت الزرع الآن ويدفعه للغاصب، وهذا الذي ذكره المصنف رواية في المذهب.

    والمشهور من مذهب الحنابلة أنه مخير بين أمرين إما أن يترك الزرع للغاصب بأجرته، وإما أن يأخذه بنفقته لا بقيمته، فينظر كم أنفق الغاصب من البذر ومؤنة الغرس والسقي والحرث فيدفع له، وهذا القول هو الأقرب يدل عليه ما ثبت عند أبي داود من حديث رافع بن خديج رضث الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته).

    قال المصنف: (وإن غصب جارية فوطئها وأولدها لزمه الحد وردها ورد ولدها ومهر مثلها وأرش نقصها وأجرة مثلها)

    من غصب جارية وأولدها لزمه ستة أمور:

    الأول: حد الزنا، لأنه وطئها بغير نكاح ولا شبهة نكاح.

    الثاني: رد الجارية لأنها ملك للمغصوب منه.

    الثالث: رد الولد لأنه نماء ملك غيره، وهو السيد، ولأن الولد للفراش وفراش الجارية هنا السيد، أما الغاصب فهو زان.

    الرابع: مهر مثلها سواء كانت مطاوعة له أو كان وطئها مكرهة، قالوا كما لو قطع منها عضوا بإذنها يضمن.

    الخامس: أرش نقصها، فينظر كم نقصت بالجماع فلو كانت بكرا ينظر كم فرق ما بين قيمتها بكرا وقيمتها ثيبا فيدفعه.

    السادس: أجرة مثلها، فينظر كم أجرة مثلها في مدة الغصب فيدفعها.

    قال المصنف: (وإن باعها فوطئها المشتري وهو لا يعلم فعليه مهرها وقيمة ولدها إن أولدها, وأجرة مثلها, ويرجع بذلك كله على الغاصب)

    إذا باع الغاصب الجارية فوطئها المشتري وهو لا يعلم كونه مغصوبة لزم المشتري خمسة أمور:

    الأول: رد الجارية لأنها ملك للمغصوب منه.

    الثاني: مهر مثلها.

    الثالث: أرش نقصها.

    الرابع: قيمة ولدها إن كان أولدها، لأن الوطء هنا كان بشبهة فالولد حر منسوب للمشتري وليس ولد زنا، ولكن يلزمه قيمة مثله لأنه فوت رقه على السيد.

    الخامس: أجرة مثلها مدة بقائها عنده.

    ثم يرجع بذلك كله على الغاصب لأنه غره ببيع ما لا يملك.

  5. #94
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الدمام
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    337
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 217 مرة في 176 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

    الدرس الأربعون
    باب الشفعة
    قال المصنف: (وهو استحقاق الإنسان انتزاع حصة شريكه من يد مشتريها)

    الشفعة في اللغة مُشْتقَّةٌ من الزّيادة لأن الشفيعَ يضم المَبيع إلى ملكه فيشْفَعُه به كأنَّه كان واحداً وِتْرا فصار زَوْجا شَفْعا، والشافعُ هو الجاعلُ الوِتْر شَفعاً.

    وفي الاصطلاح ما ذكره المصنف من كونها استحقاق الإنسان انتزاع حصة شريكه من يد مشتريها.

    والشفعة مشروعة بالسنة والإجماع، أما السنة فما رواه البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم ، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق ، فلا شفعة) وفي رواية أخرى عن مسلم: ( قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل شركة لم تقسم أو حائط ، لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن شاء أخذ وإن شاء ترك ، فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به).

    وأما الإجماع فقال ابن قدامة (المغني 5/178): "قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على إثبات الشفعة للشريك الذي لم يقاسم , فيما بيع من أرض أو دار أو حائط . والمعنى في ذلك أن أحد الشريكين إذا أراد أن يبيع نصيبه , وتمكن من بيعه لشريكه , وتخليصه مما كان بصدده من توقع الخلاص والاستخلاص , فالذي يقتضيه حسن العشرة , أن يبيعه منه , ليصل إلى غرضه من بيع نصيبه , وتخليص شريكه من الضرر , فإذا لم يفعل ذلك , وباعه لأجنبي , سلط الشرع الشريك على صرف ذلك إلى نفسه . ولا نعلم أحدا خالف هذا إلا الأصم , فإنه قال : لا تثبت الشفعة ; لأن في ذلك إضرارا بأرباب الأملاك , فإن المشتري إذا علم أنه يؤخذ منه إذا ابتاعه , لم يبتعه , ويتقاعد الشريك عن الشراء , فيستضر المالك . وهذا ليس بشيء لمخالفته الآثار الثابتة والإجماع المنعقد قبله"

    قال ابن القيم (إعلام الموقعين 2/92): "لما كانت الشركة منشأ الضرر في الغالب فإن الخلطاء يكثر فيهم بغي بعضهم على بعض شرع الله سبحانه رفع هذا الضرر : بالقسمة تارة وانفراد كل من الشريكين بنصيبه , وبالشفعة تارة وانفراد أحد الشريكين بالجملة إذا لم يكن على الآخر ضرر في ذلك ; فإذا أراد بيع نصيبه وأخذ عوضه كان شريكه أحق به من الأجنبي , وهو يصل إلى غرضه من العوض من أيهما كان ; فكان الشريك أحق بدفع العوض من الأجنبي , ويزول عنه ضرر الشركة , ولا يتضرر البائع ; لأنه يصل إلى حقه من الثمن , وكان هذا من أعظم العدل وأحسن الأحكام المطابقة للعقول والفطر ومصالح العباد " .

    أركان الشفعة:

    1- الشفيع وهو الشريك الذي له حق الشفعة.

    2- المشفوع عليه وهو البائع.

    3- المشفوع فيه وهو الشقص .

    قال المصنف: (ولا تجب إلا بشروط سبعة: أحدها: البيع، فلا تجب في موهوب، ولا موقوف)

    اتفق فقهاء المذاهب الأربعة من حيث الجملة على أن يكون الشقص المشفعوع فيه منتقلا بعوض , وأما المنتقل بغير عوض فلا شفعة فيه، سواء كان الانتقال فيه بغير عوض قهريا كالميراث، أو اختياريا كالصدقة , والوصية , والوقف ، والموهوب, فلو وهب نصيبه لشخص، أو وقف نصيبه فلا شفعة فيه، واستدلوا بأن الأخبار الواردة في الشفعة إنما وردت في البيع، ولأن الشفيع يأخذ بمثل الثمن الذي انتقل به إلى المشتري وهذا لا يتأتى إلا بالبيع.

    قال المصنف: (ولا عوض خلع ولا صداق)

    هذا هو المشهور من مذهب الحنابلة والحنفية أنه لا شفعة في عوض الخلع والصداق، فلو خالعت المرأة زوجها بأن دفعت له مقابل الخلع نصيبها من ارض مشتركة بينها وبين غيرها، أو جعل الرجل نصيبه من الشقص صداقا في زواجه لم تثبت الشفعة، لعدم وجود العوض الذي يمكن أن يأخذ الشفيع به لو طالب بالشفعة، فالعوض في الخلع هو الطلاق، وفي الصداق البضع.

    وذهب المالكية والشافعية، وهو رواية عن أحمد إلى ثبوت الشفعة في عوض الخلع والصداق قياسا على البيع بجامع أن في كل منهما معاوضة، وعند الشافعية الشفيع الشقص بمهر مثلها سواء زاد عن قيمته أو نقص لأن البضع متقوم وقيمته مهر المثل.

    وعلى هذه الرواية عند الحنابلة يأخذ الشقص بقيمته، وهو اختيار شيخنا العثيمين، قال رحمه الله (الشرح الممتع 10/234): "الذي نرى أنه كلما خرج الشقص بالاختيار فإن للشريك أن يأخذ بالشفعة، سواء كان العوض مالياً أو غير مالي، فإن كان العوض مالياً فواضح أنه يأخذه بعوضه، وإن كان غير مالي قُدِّر بقيمته في السوق".

    قال المصنف: (الثاني: أن يكون عقاراً أو ما يتصل به من الغراس والبناء)

    اتفقت المذاهب الأربعة في المشهور من مذهبها إلى الشفعة لا تثبت إلا في العقار أو ما يتصل به من توابه كالغراس والبناء فلا تثبت في المنقولات، واستدلو لذلك بما ثبت في الصحيحين من حديث جابر رضي الله عنه قال: (قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم , فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة)، ووقوع الحدود وتصريف الطرق لا يكون في المنقول، وبما أخرجه البيهقي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا شفعة إلا في دار أو عقار) ضعفه الألباني.

    كما استدلوا بأن الشفعة مشروعة لرفع الضرر، وهو متحقق وكثير في العقار.

    وذهب جماعة من أهل العلم إلى ثبوت الشفعة في المنقولات وهذا القول رواية عن مالك وأحمد، اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وهو اختيار شيخنا العثيمين، واستدلوا على ذلك بما رواه البخاري عن جابر - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم: ( قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم) وهذا العموم متناول للعقار والمنقول، ولا يعترض عليه بما استدل به الجمهور، قال ابن القيم (إعلام الموقعين 2/94): " وأما الآثار فقد جاءت بهذا وهذا , ولو قدر عدم صحتها بالشفعة في المنقول فهي لم تنف ذلك , بل نبهت عليه كما ذكرنا"

    ثم إن الضرر اللاحق بالشريك في المنقول أكبر وأشد منه في العقار الذي يقبل القسمه، والشارع إنما شرع الشفعة لدفع الضرر ، قال ابن القيم (إعلام الموقعين 2/94): " الأصل عدم انتزاع ملك الإنسان منه إلا برضاه لما فيه من الظلم له والإضرار به , فأما ما لا يتضمن ظلما ولا إضرارا بل مصلحة له بإعطائه الثمن فلشريكه دفع ضرر الشركة عنه ; فليس الأصل عدمه , بل هو مقتضى أصول الشريعة , فإن أصول الشريعة توجب المعاوضة للحاجة والمصلحة الراجحة , وإن لم يرض صاحب المال , وترك معاوضته ها هنا لشريكه مع كونه قاصدا للبيع ظلم منه وإضرار بشريكه فلا يمكنه الشارع منه , بل من تأمل مصادر الشريعة ومواردها تبين له أن الشارع لا يمكن هذا الشريك من نقل نصيبه إلى غير شريكه وأن يلحق به من الضرر مثل ما كان عليه أو أزيد منه مع أنه لا مصلحة له في ذلك"

  6. #95
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الدمام
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    337
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 217 مرة في 176 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

    الدرس الحادي والأربعون
    قال المصنف: (أن يكون شقصاً مشاعاً فأما المقسوم المحدود فلا شفعة فيه؛ لقول جابر: (قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة))

    اشترط جمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة أن يكون المشفوع فيه شقصا مشاعا غير محدد، مثاله رجلان مشتركان في أرض لكل واحد منهما النصف منها غير محدد ولكنه مشاع في الأرض بدون تحديد لجهة من الأرض لأحدهما والآخرى للآخر، فمثل هذه فيها الشفعة، أما إذا كانت قسمت وحددت بحيث قيل هذه الجهة لفلان وهذه للآخر وحددت معالمها فلا شفعة فيها، وعليه فلا شفعة للجار على جاره لأن القسمة قد حصلت، ومحصل القول في هذه المسألة أن العلماء اختلفوا في الجار هل له أن يشفع في نصيب جاره على أقوال:

    القول الأول: ذهب جمهور أهل العلم من المالكية، والشافعية، والحنابلة إلى أن الشفعة إنما تكون في المشاع الذي لم يقسم فلا شفعة للجار على جاره، واستدلوا بما ذكره المصنف من حديث جابر أنه صلى الله عليه وسلم قالك : (فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة), فإذا كان الشريك لا تثبت له الشفعة عند وقوع الحدود وتصريف الطرق فمن باب أولى الجار الملاصق.

    القول الثاني: ذهب الحنفية إلى أن الشفعة تجب لكل شريك في حق من حقوق المبيع سواء كان الشقص مشاعا أو غير مشاع، وللجار الملاصق، واختار هذا القول ابن حزم، واستدلوا بأدلة منها:

    1- ما اخرجه ابو داود من حديث جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الجار أحق بشفعته ينتظر بها إن كان غائبا, إذا كان طريقهما واحدا) .

    وأجاب الجمهور بأن في سند الحديث عبد الملك بن أبي سليمان وقد تكلم فيه شعبة وأحمد، بل قال أحمد: هذا حديث منكر.

    ومن أهل العلم من صحح الحديث كالترمذي والألباني، وعلى القول بصحته أجيب عنه بأن المراد بالجار في الحديث الشريك، وهو استعمال معروف في لغة العرب، قال ابن القيم (إعلام الموقعين 2/99): «وجه هذا الإطلاق-أي إطلاق الشريك على الجار- المعنى والاستعمال, أما المعنى فإن كل جزء من ملك الشريك مجاور لملك صاحبه , فهما جاران حقيقة, وأما الاستعمال فإنهما خليطان متجاوران , ولذا سميت الزوجة جارة كما قال الأعشى : أجارتنا بيني فإنك طالقة.

    فتسمية الشريك جارا أولى وأحرى. وقال حمل بن مالك : كنت بين جارتين لي»

    2- كما استدلوا بما رواه البخاري عن أبي رافع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الجار أحق بسقبه).

    قال ابن حجر (فتح الباري 4/438): «والسقب بالسين المهملة وبالصاد أيضا ويجوز فتح القاف وإسكانها القرب والملاصقة.... وحديث أبي رافع مصروف الظاهر اتفاقا؛ لأنه يقتضي أن يكون الجار أحق من كل أحد حتى من الشريك، والذين قالوا بشفعة الجار قدموا الشريك مطلقا، ثم المشارك في الطريق، ثم الجار على من ليس بمجاور، فعلى هذا فيتعين تأويل قوله أحق بالحمل على الفضل أو التعهد ونحو ذلك»

    القول الثالث: ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم إلى أن الشفعة تثبت للجار إذا كانت هناك مرافق أو منافع مشترك بينه وبين جاره كالبئر والطريق المغلق ونحو ذلك ، واستدلوا بما تقدم من حديث جابر: (الجار أحق بشفعة جاره ، ينتظر بها ، وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا)، فمفهومه أنه إن لم يكن طريقهما واحد فلا شفعة، وقالوا هذا المفهوم موافق لمنطوق : ( إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة).

    وهذا القول وسط تجتمع به الأقوال.

    قال المصنف: (الرابع: أن يكون مما ينقسم فأما ما لا ينقسم كالبئر والحمام ونحوهما فلا شفعة فيه)

    هذا هو الشرط الرابع من شروط الشفعة وهو أن يكون المشفوع فيه مما يقسم فما لا ينقسم كالبئر ونحوه لا شفعة فيه، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة، لأن إثبات الشفعة فيما لا ينقسم يضر بالبائع لأنه لا يمكنه أن يتخلص من إثبات الشفعة في نصيبه بالقسمة، وقد يمتنع المشتري لأجل الشفيع فيتضرر البائع، وقد يمتنع البيع فتسقط الشفعة فيؤدي إثباتها إلى نفيها .

    ومذهب الحنفية إلى أن الشفعة تثبت في العقار سواء قبل القسمة أم لم يقبلها . واستدلوا على ذلك بعموم حديث جابر قال: (قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم)، ولأن الشفعة إنما شرعت لدفع الضرر اللاحق بالشركة والضرر بالشركة فيما لا ينقسم أبلغ من الضرر بالعقار الذي يقبل القسمة، فالنص على الشفعة في ما لم يقسم في الحديث فيه تنبيه على ثبوت الشفعة فيما هو أبلغ ضررا وهو ما لا يقسم.

    ثم إنه إذا كانا شريكين في عين من الأعيان , لم يكن دفع ضرر أحدهما بأولى من دفع ضرر الآخر فإذا باع نصيبه كان شريكه أحق به من الأجنبي , إذ في ذلك إزالة ضرره مع عدم تضرر صاحبه , فإنه يصل إلى حقه من الثمن ويصل هذا إلى استبداده بالمبيع فيزول الضرر عنهما جميعا.

    قال المصنف: (الخامس: أن يأخذ الشقص كله، فإن طلب بعضه سقطت شفعته)

    هذا هو الشرط الخامس من شروط الشفعة وهو أخذ الشقص كله وإلا بطلت الشفعة فلو قال الشريك سأشفع في نصف شقصك الذي تريد بيعه سقطت شفعته فإما أن يأخذه كله أو يتركه كله، وهذا محل اتفاق بين أرباب المذاهب الأربعة، بل حكي فيه الإجماع ، لأن في أخذ البعض إضرارا بالمشتري بتبعيض الصفقة عليه، والضرر لا يدفع بضرر مثله، كما أن القاعدة " ما لا يقبل التبعيض يكون اختيار بعضه كاختيار كله , وإسقاط بعضه كإسقاط كله ".

    قال المصنف: (ولو كان له شفيعان فالشفعة بينهما على قدر سهامهما)

    فلو كان الشقص بين ثلاثة زيد وخالد وعمرو، لزيد النصف، ولخالد الثلث، ولعمرو السدس. فباع زيد نصيبة فالشعفة تكون على قدر السهام فإذا أراد خالد وعمرو الشفعة دفع خالد قيمة ثلث الشقص وعمرو قيمة السدس.

    وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم من المالكية، والشافعية، والحنابلة؛ لأنه حق يستحق بسبب الملك فيسقط على قدره كالأجرة.

    وذهب الحنفية ورواية عن أحمد إلى أن الشفعة تكون بقدر رؤوسهما ففي المثال السابق تكون الشفعة بين خالد وعمرو نصفين؛ لأن كل واحد منهما يأخذ الكل لو انفرد فإذا اجتمعوا تساووا .

    قال المصنف: (فإن ترك أحدهما شفعته لم يكن للآخر إلا أخذ الكل أو الترك)

    فلو كان للبائع شريكان فترك أحدهما الشفعة لزم الآخر أخذ كل الشقص أو تركه، قال ابن قدامة (المغني 5/211): "

    إذا كان الشقص بين شفعاء , فترك بعضهم , فليس للباقين إلا أخذ الجميع أو ترك الجميع , وليس لهم أخذ البعض . قال ابن المنذر : أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على هذا ....لأن في أخذ البعض إضرارا بالمشتري , بتبعيض الصفقة عليه , والضرر لا يزال بالضرر , لأن الشفعة إنما تثبت على خلاف الأصل دفعا لضرر الشريك الداخل , خوفا من سوء المشاركة ومؤنة القسمة , فإذا أخذ بعض الشقص , لم يندفع عنه الضرر , فلم يتحقق المعنى المجوز لمخالفة الأصل , فلا تثبت"

    قال المصنف: (السادس: إمكان أداء الثمن فإن عجز عنه أو عن بعضه بطلت شفعته)

    الشرط السادس من شروط الشفعة أداء الشفيع ثمن الشقص المبيع كاملا بمثل ما اشتراه المشتري، وهذا محل اتفاق بين فقهاء المذاهب الأربعة، لأن الشفعة إنما ثبتت لدفع الضرر فإذا عجز الشفيع عن الثمن أو بعضه أضر بالبائع، والضرر لا يزال بالضرر .

    قال المصنف: (وإذا كان الثمن مثلياً فعليه مثله وإن لم يكن مثلياً فعليه قيمته)

    وهذا محل اتفاق بين المذاهب الأربعة، على القاعدة عند الفقهاء في الغصب والضمان وغيره من الأبواب من ضمان المثلي بمثله، والقيمي بقيمته، ومتى ما تعذر المثل صرنا للقيمة.

    قال المصنف: (وإن اختلفا في قدره ولا بينة لهما فالقول قول المشتري مع يمينه)

    وبه قالت المذاهب الأربعة في الجملة، فمتى ما اختلف الشفيع والمشتري في قدر الثمن ولا بينة لأحدهما فالقول قول المشتري بيمينة، لأن المشتري هو العاقد فهو أدرى بالثمن، ولأن الشقص في يده وملكه فلا يخرج من يده بمجرد الدعوى بلا بينة، قال ابن قدامة (المغني 5/205): " فإن قيل : فهلا قلتم : القول قول الشفيع ; لأنه غارم ومنكر للزيادة , فهو كالغاصب والمتلف والضامن لنصيب شريكه إذا أعتق ؟ قلنا : الشفيع ليس بغارم ; لأنه لا شيء عليه , وإنما يريد أن يملك الشقص بثمنه , بخلاف الغاصب والمتلف والمعتق".

  7. #96
    :: نـشـيــط ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2010
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    ..
    المؤهل
    ماجستير
    التخصص
    الفقه
    المشاركات
    663
    شكر الله لكم
    652
    تم شكره 398 مرة في 148 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

    عفوا فضيلة الأستاذ : مالمراد بالشقص ؟
    وجزاكم الله خيرا
    قال ابن تيمية (( فالمؤمن إذا كانت له نية أتت على عامة أفعاله وكانت المباحات من صالح أعماله لصلاح قلبه ونيته ))


  8. #97
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الدمام
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    337
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 217 مرة في 176 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

     اقتباس: المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الدرَة مشاهدة المشاركة
    عفوا فضيلة الأستاذ : مالمراد بالشقص ؟
    وجزاكم الله خيرا
    الأخت الفاضلة الدرة:
    الشقص هو الجزء من الشيء، فعندما أقول للشفيع أخذ الشقص المبيع من الأرض، معناه أن له أخذ الجزء المبيع من الأرض، فالشقص هنا يراد به الجزء الذي باعه الشريك .

  9. #98
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الدمام
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    337
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 217 مرة في 176 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

    الدرس الثاني والأربعون
    قال المصنف: (السابع: المطالبة بها على الفور ساعة يعلم فإن أخرها بطلت شفعته)

    ذكر المصنف الشرط السابع من شروط الشفعة وهي أن تكون على الفور فحق المطالبة بالشفعة يكون على الفور فإن تراخى لغير عذر بطلب الشفعة، وهذا هو المشهور من مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة، واستدلوا بما أخرجه ابن ماجة من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الشفعة كحل العقال) ضعفه الألباني .

    كما استدلوا بأنه خيار لدفع الضرر عن المال , فكان على الفور , كخيار الرد بالعيب , ولأن إثباته على التراخي فيه ضرر على المشتري لعدم استقرار ملكه على المبيع، مما يجعله يخشى عمارته ونحوه خشية أخذه منه.

    وذهب المالكية إلى أن حق الشفعة على التراخي ولا يسقط إلا بما يدل على الرضا من عفو أو مطالبة بالقسمة، لأن الأصل أن كل من ثبت له حق فإنه لا يسقط إلا بما يدل على رضاه لأن هذا حق شرعي ، ثم إن هذا الخيار لا ضرر في تراخيه , فلم يسقط بالتأخير، ووجه عدم الضرر أن المشتري وإن أحدث فيه ما أحدث من عمارة ونحوها فله قيمتها إن أخذ الشفيع بالشفعة.

    قال شيخنا العثيمين (الشرح الممتع 10/251): "القول الراجح الذي يتعين الأخذ به أن يقال: هي على التراخي لا تسقط إلا بما يدل على الرضا.

    فإذا قال المشتري: إلى متى أنتظر، ما أدري متى يرضى أو لا يرضى؟ ففي هذه الحال نضرب له أجلاً مناسباً، فيقال للشريك الذي له الشفعة: لك ثلاثة أيام، أو لك يومان، أو لك أربعة أيام، حسب الحال؛ لأننا لو قلنا: لك إلى شهرين أو ثلاثة حتى ترضى، صار في ذلك ضرر على المشتري".

    قال المصنف: (إلا أن يكون عاجزاً عنها لغيبة أو حبس أو مرض أو صغر فيكون على شفعته متى قدر عليها)

    هذا التفريع بناء على القول بأن الشفعة على الفور، وجملة القول أن القائلين بالفور في طلب الشفعة متفقون على أن الشفيع يعذر بتأخير الطلب إن وجد منه العذر الموجب لذلك، وإن كانوا يختلفون في الأعذار الموجبة لذلك.

    قال ابن قدامة (المغني 5/191): "هذا الخيار يثبت لإزالة الضرر عن المال , فتراخي الزمان قبل العلم به لا يسقطه , كالرد بالعيب , ومتى علم فحكمه في المطالبة حكم الحاضر , في أنه إن طالب على الفور استحق , وإلا بطلت شفعته , وحكم المريض والمحبوس وسائر من لم يعلم البيع لعذر حكم الغائب ; لما ذكرنا".

    فالحاصل أن المعذور في طلب الشفعة متى ما زال العذر فله بعد ذلك حق المطالبة بالشفعة، فإن عاد الغائب الذي لا يعلم بالشفعة ، أو خرج المحبوس أو كبر الصبي جاز لهم المطالبة بالشفعة.

    قال المصنف: (إلا أنه إن أمكنه الإشهاد على الطلب بها فلم يشهد بطلت شفعته)

    صورة هذه المسألة أن يكون الشفيع غائبا فبلغه بيع شريكه وهو في مجلس فيه من يمكنه إشهادهم على طلبه الشفعة فإنه يلزمه إشهادهم حينئذ على طلبه الشفعة فيقول: إشهدوا أني شافع، فإن سكت ولم يشهد كان مقصرا وسقطت شفعته كما لو ترك الطلب بالشفعة مع حضوره.

    قال المصنف: (فإن لم يعلم حتى تبايع ثلاثة فأكثر فله مطالبة من شاء منهم)

    الأصل أن تصرف المشتري في المبيع قبل أخذ الشفيع بالشفعة صحيح نافذ، لأنه ملكه ومن ضمانه فصح تصرفه فيه.

    فعلى هذا في المسألة التي ذكرها المصنف لو أن المشتري باع المبيع لثان وباعه الثاني لثالث فللشفيع أخذ المبيع من أيهم شاء فإن شاء أخذه من المشتري الأول فينفسخ العقد الثاني والثالث، أو الثاني فينفسخ العقد الثالث، أو الثالث فلا ينفسخ شيء من العقود.

    قال المصنف: (فإن أخذ من الأول رجع عليه الثاني بما أخذ منه والثالث على الثاني)

    فلو كان المشتري الأول أخذ الأرض بعشرة ثم باعها على الثاني بعشرين، ثم باعها الثاني على الثالث بثلاثين، فإن الشفيع إذا أخذ من الأول دفع إليه عشرة ورجع الثاني على الأول بعشرين، والثالث على الثاني بثلاثين، فإن أخذ بالثاني رجع الثالث على الثاني بثلاثين، فإن أخذ بالثالث دفع إليه الثلاثين ولم يرجع على أحد.

    قال المصنف: (ومتى أخذه وفيه غرس أو بناء للمشتري أعطاه الشفيع قيمته إلا أن يختار المشتري قلعه من غير ضرر فيه)

    متى ما غرس أو بنى المشتري في الشقص المبيع فإن الشفيع إذا أخذ بالشفعة لزمه أن يدفع للمشتري قيمة ما غرس أو بنى إلا أن يختار المشتري أن يقلع الغرس أو يهدم البناء بشرط أن لا يكون في ذلك ضرر على الأرض ، وهذا القول رواية في مذهب الحنابلة اختارها المصنف.

    فعلى هذا لو كان قلعُ الأرض أو هدم البناء يحدث ضررا في الأرض لزم المشتري أخذ القيمة وليس له القلع أو الهدم، لأن في ذلك مفسدة وجلب المصلحة مقدم على درء المفسدة، ثم إن في ذلك مضارة للشفيع لأن المشتري إذا دُفعت له القيمة لا يستفيد شيئا من القلع أو الهدم، واختار هذا القول شيخنا العثيمين.

    وذهب الحنابلة في المشهور من مذهبهم أن للمشتري القلع أو الهدم وإن كان في ذلك ضرر على الشفيع لأن البناء والغراس ملكه وله التصرف فيه.

    قال المصنف: (وإن كان فيه زرع أو ثمر باد فهو للمشتري مبقى إلى الحصاد أو الجذاذ)

    إذا أخذ الشفيع ا لشقص بالشفعة وكان في الأرض زرع أو ثمر قد بدا فهو للمشتري يبقى في الأرض حتى حصاده أو جذاذه، وبهذا قال جمهور أهل العلم؛ لأن ضرر الشفيع ببقاء الثمر والزرع لا يدوم، ولا أجرة على المشتري ; لأنه زرعه في ملكه , ولأن الشفيع اشترى الأرض وفيها زرع للبائع , فكان له مبقى إلى الحصاد بلا أجرة كما لو اشترى أرضا في غير المشفوع .

    قال المصنف: (وإن اشترى شقصاً وسيفاً في عقد واحد فللشفيع أخذ الشقص بحصته)

    صورة المسألة التي ذكرها المصنف هنا هي أن يشتري المشتري من البائع ما فيه الشفعة وما ليس فيه الشفعة بعقد واحد، كما لو اشترى سيفا وشقصا، فإن السيف لا شعفة فيه ، فحينئذ للشفيع أخذ الشقص بحصته من الثمن وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم، قال ابن قدامة (المغني 5/202): " السيف لا شفعة فيه , ولا هو تابع لما فيه الشفعة , فلم يؤخذ بالشفعة , كما لو أفرده , وما يلحق المشتري من الضرر – يقصد ابن قدامة بذلك ضرر تبعيض الصفقة على المشتري- فهو ألحقه بنفسه , بجمعه في العقد بين ما تثبت فيه الشفعة وما لا تثبت , ولأن في أخذ الكل ضررا بالمشتري أيضا ; لأنه ربما كان غرضه في إبقاء السيف له , ففي أخذه منه إضرار به من غير سبب يقتضيه" .

  10. #99
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الدمام
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    337
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 217 مرة في 176 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

    الدرس الثالث والأربعون
    كتاب الوقف
    قال المصنف: (وهو تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة)

    الوقف في اللغة : بمعنى الحبس .

    وفي الشرع : تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة .

    والمراد بالأصل هنا كل ما يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه كالدور والأراضي والمعدات ونحوها، والمراد بالمنفعة : الغلة الناتجة عن ذلك الأصل كالثمرة والأجرة ونحوها.

    حكم الوقف:

    الوقف من حيث الأصل مندوب إليه، يدل على ذلك السنة وإجماع أهل العلم، فأما السنة ففي أدلة كثيرة منها:

    1- ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له). والوقف داخل في الصدقة الجارية.

    2- ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن عمر اصاب أرضا من أرض خيبر فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قط أنفس عندي منه فما تأمرني، فقال: (إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها). قال: فتصدق بها عمر على أن لا تباع ولا توهب ولا تورث في الفقراء وذوي القربى والرقاب والضيف وابن السبيل لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف غير متمول ولا متأثل مالا.

    3- ما ثبت عند الترمذي من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: هل تعلمون أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدم المدينة وليس بها ماء فقال: (من يشتري بئر رومة فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة). فاشتريتها من صلب مالي.

    قال المصنف: (ويجوز في كل عين يجوز بيعها وينتفع بها دائماً مع بقاء عينها كالمزارع والبيوت ونحوها)

    وهذا الذي ذكره المصنف محل اتفاق بين أهل العلم، فكل ما جاز بيعه وكان مما ينتفع به مع بقاء عينه جاز وقفه، يدل على ذلك ما ثبت في حديث وقف عمر رضي الله عنه لأرضه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يحبس أصلها ويتصدق بها أي بما يخرج منها.

    قال المصنف: (ولا يصح في غير ذلك مثل الأثمان والمطعومات والرياحين)

    فعلى هذا لا يجوز وقف ما ينتفع به مع ذهاب عينه كالطعام والدراهم ونحوها، وهذا قول الشافعية، والحنابلة، لأن الوقف هو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة ووقف مثل هذه الأمور لا يدخل في هذا الحد، وذهب جماعة من أهل العلم وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وشيخنا العثيمين إلى جواز وقف مثل ذلك، وكذلك اجاز اللحنفية والمالكية صورا من ذلك كوقف النقود على القرض، ووقف الطعام عند مالك، واستدلوا بقياس ذلك على وقف الماء فإن وقف الماء قد ثبت عن السلف، مع أنه لا ينتفع به إلا مع ذهاب عينه.

    قال المصنف: (ولا يصح إلا على بر أو معروف ، مثل ما روي عن عمر أنه قال: يا رسول الله إني أصبت مالاً بخيبر لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي منه، فما تأمرني فيه ؟ قال: (إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها غير أنها لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث)، قال: فتصدق بها عمر في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، ولا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم صديقاً غير متمول فيه))

    فلا بد في الوقف معنى التقرب لله بأن يكون على جهة بر كالفقراء والمساكين والغزاة والحج وكتب العلم ونحوه أو على معروف كالأقارب والعلماء ونحو ذلك؛ لأن الوقف في أصله قربة وطاعة فلا بد من وجود هذا المعنى في الموقوف عليه.

    قال المصنف: (ويصح الوقف بالقول والفعل الدال عليه ، مثل أن يبني مسجداً ويأذن في الصلاة فيه، أو سقاية ويشرعها للناس)

    ذهب جمهور أ هل العلم في الجملة إلى أن والوقف يحصل بالقول أو بالفعل الدال عليه مع القرائن فلا يشترط في حصول الوقف القول، فعلى هذا من بنى مسجدا وأذن في الصلاة في صار وقفا للفعل والقرينة الدالة على ذلك حيث أذن للناس بالصلاة فيه، ومثله من حوط ارضا وإذن للناس في الدفن فيها صارت مقبرة، وكذلك من جعل سقاية وشرعها وأباحها للناس ونحو ذلك، قال ابن قدامة (المغني 5/351): "فيه دلالة على الوقف, فجاز أن يثبت به , كالقول , وجرى مجرى من قدم إلى ضيفه طعاما , كان إذنا في أكله , ومن ملأ خابية ماء على الطريق , كان تسبيلا له , ومن نثر على الناس نثارا , كان إذنا في التقاطه , وأبيح أخذه . وكذلك دخول الحمام , واستعمال مائه من غير إذن مباح بدلالة الحال . وقد قدمنا في البيع أنه يصح بالمعاطاة من غير لفظ , وكذلك الهبة والهدية , لدلالة الحال , فكذلك هاهنا".

    وذهب الشافعية في الجملة إلى أن الوقف لا يصح إلا باللفظ، على قاعدتهم في سائر التمليكات، وقد تقدم فيما سبق أنه لا يصححون بيع المعاطاة لضعف دلالة المعاطاة عندهم.

    قال المصنف: (ولا يجوز بيعه إلا أن تتعطل منافعه بالكلية فيباع ويشتري به ما يقوم مقامه، والفرس الحبيس إذا لم يصلح للغزو بيع واشترى به ما يصلح للجهاد، والمسجد إذا لم ينتفع به في مكانه بيع ونقل إلى مكان ينتفع به)

    ذهب جمهور أهل العلم من الحنفية والحنابلة، ومثلهم المالكية -وإن كانوا يخصونه بالمنقول دون العقار- إلى أن الوقف إذا تعطلت منافعه بالكلية -كمسجد يرحل عنه أهل الحي بحيث لا يصلي فيه أحد، والفرس يوقف للغزو يضعف بحيث لا يصلح للغزو- جاز بيعه وشراء ما يقوم مقامه فيباع المسجد ويجعل ثمنه في مسجد آخر، ويباع الفرس ويجعل ثمنه في فرس يصلح للجهاد وهكذا، واختار هذا القول شيخنا العثيمين.

    واستدلوا بما روي ما روي أن عمر رضي الله عنه كتب إلى سعد , لما بلغه أنه قد نقب بيت المال الذي بالكوفة , أن انقل المسجد الذي بالتمارين , واجعل بيت المال في قبلة المسجد , فإنه لن يزال في المسجد مصل .

    فنقل عمر لبيت المال بمحضر من الصحابة ودون نكير، فدل على جواز نقل الوقف من مكانه وإبداله بمكان آخر وهذا معنى البيع، ولأنه لا يمكن استبقاء الوقف والحفاظ على غرض الموقف إلا بذلك، قال ابن قدامة (المغني 5/369): " وجمودنا على العين مع تعطلها تضييع للغرض . ويقرب هذا من الهدي إذا عطب في السفر , فإنه يذبح في الحال , وإن كان يختص بموضع , فلما تعذر تحصيل الغرض بالكلية , استوفي منه ما أمكن , وترك مراعاة المحل الخاص عند تعذره ; لأن مراعاته مع تعذره تفضي إلى فوات الانتفاع بالكلية , وهكذا الوقف المعطل المنافع".

    وذهب الشافعية من حيث الجملة إلى أن الوقف لا يباع ولو تعطلت منافعه، استدلوا بما تقدم من حديث عمر مرفوعا: (إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها غير أنها لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث)، وقالوا ما لا يجوز بيعه مع بقاء منافعه من باب أولى لا يجوز بيعه مع تعطل المنافع.

    مسألة: هل يجوز بيع الوقف مع عدم تعطل منافعه ونقله إلى ما هو أفضل منه؟

    الذي عليه جماهير أهل العلم أن الوقف ما دامت منافعه فيه لم تتعطل، فإنه لا يجوز بيعه ونقله لما هو أفضل منه وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى جواز مثل ذلك، واختاره شيخنا العثيمين، واستدلوا بما ثبت في السنن من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رجلا قام يوم الفتح فقال: يا رسول الله إني نذرت لله إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس ركعتين، قال: (صل هاهنا)، ثم أعاد عليه، فقال: (صل هاهنا)، ثم أعاد عليه، فقال: (شأنك إذن). فكما جاز صرف النذر وهو التزام بطاعة إلى ما هو أفضل منه فكذلك الوقف.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية (الفتاوى الكبرى 4/155): " إذا تعطل نفع الوقف فإنه يباع ويشترى بثمنه ما يقوم مقامه في مذهب أحمد وغيره , وهل يجوز مع كونه فعلا أن يبدل بخير منه فيه قولان في مذهبه , والجواز مذهب أبي ثور وغيره , والمقصود أنه حيث جاز البدل هل يشترط أن يكون في الدرب أو البلد الذي فيه الوقف الأول أم يجوز أن يكون بغيره إذا كان ذلك أصلح لأهل الوقف , مثل أن يكونوا مقيمين ببلد غير بلد الوقف وإذا اشترى فيه البدل كان أنفع لهم لكثرة الربع ويسر التناول , فيقول : ما علمت أحدا اشترط أن يكون البدل في بلد الوقف الأول , بل النصوص عند أحمد وأصوله وعموم كلامه وكلام أصحابه وإطلاقه يقتضي أن يفعل في ذلك ما هو مصلحة أهل الوقف . فإن أصله في هذا الباب مراعاة مصلحة الوقف , بل أصله في عامة العقود اعتبار مصلحة الناس , فإن الله أمر بالصلاح ونهى عن الفساد وبعث رسله بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها . وقال موسى لأخيه هارون : (اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين) . وقال شعيب : (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت) . وقال تعالى : (فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون). وقال تعالى: (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون , ألا إنهم هم المفسدون) . وقد جوز أحمد بن حنبل إبدال مسجد بمسجد آخر للمصلحة , كما جوز تغييره للمصلحة , واحتج بأن عمر بن الخطاب أبدل مسجد الكوفة القديم بمسجد آخر ".

    وقال شيخنا العثيمين (الشرح الممتع 11/60): "لكن في هذه الحال يجب أن يمنع من بيعه أو إبداله إلا بإذن الحاكم؛ لأنه قد يتعجل الموقوف عليه، ويقول: أبيعه لأنقله إلى ما هو أفضل، ويكون الأمر على خلاف ظنه، فلا بد من الرجوع إلى الحاكم ـ يعني القاضي ـ في هذه الحال؛ لئلا يتلاعب الناس بالأوقاف ".

    قال المصنف: (ويرجع في الوقف ومصرفه وشروطه وترتيبه وإدخال من شاء بصفة وإخراجه بها إلى لفظ الواقف وكذلك الناظر فيه والنفقة عليه)

    اتفق أهل العلم في الجملة على ما ذكره المصنف فمرد مصرف الوقف وما فيه من شروط وصفات وناظر ونفقة كل ذلك لما شرطه الواقف، ومن القواعد التي ذكرها أهل العلم القاعدة المشهورة: "شرط الواقف كنص الشارع"، والبعض يعبر: "نص الواقف كنص الشارع"، وليس مراد أهل العلم إطلاق ذلك بحيث يعتبر في نص الواقف ما في نص الشارع من جهة وجوب الاتباع وتأثيم من أخل بشيء منه ولو كان باطلا.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية (الفتاوى الكبرى 5/429): "قول الفقهاء نصوص الواقف كنصوص الشارع , يعني في الفهم والدلالة لا في وجوب العمل".

    وبالغ ابن القيم في إنكار هذه اللفظة فقال (إعلام الموقعين 1/238): "من العجب العجاب قول من يقول : إن شروط الواقف كنصوص الشارع , ونحن نبرأ إلى الله من هذا القول , ونعتذر مما جاء به قائله , ولا نعدل بنصوص الشارع غيرها أبدا , وإن أحسن الظن بقائل هذا القول حمل كلامه على أنها كنصوص الشارع في الدلالة , وتخصيص عامها بخاصها , وحمل مطلقها على مقيدها , واعتبار مفهومها كما يعتبر منطوقها , وأما أن تكون كنصوصه في وجوب الاتباع وتأثيم من أخل بشيء منها فلا يظن ذلك بمن له نسبة ما إلى العلم , فإذا كان حكم الحاكم ليس كنص الشارع , بل يرد ما خالف حكم الله ورسوله من ذلك , فشرط الواقف إذا كان كذلك كان أولى بالرد والإبطال".

    قال المصنف: "فلو وقف على ولد فلان ثم على المساكين كان للذكر والأنثى بالسوية إلا أن يفضل بعضهم فإذا لم يبق منهم أحد رجع إلى المساكين"

    صورة المسألة أن يقول هذا الوقف على أولادي أو أولاد فلان ثم على المساكين، فحينئذ يدخل في الأولاد الذكر والأنثى ، لأن هذا هو الأصل، فإن الولد يطلق على الذكر والإنثى لقوله تعالى (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين)،

    كما أنه يستوي في هذه الحالة الذكر والأنثى قال ابن قدامة (المغني 5/329): "لأنه تشريك بينهم , وإطلاق التشريك يقتضي التسوية , كما لو أقر لهم بشيء , وكولد الأم في الميراث حين شرك الله تعالى بينهم فيه , فقال : { فهم شركاء في الثلث } . تساووا فيه , ولم يفضل بعضهم على بعض . وليس كذلك في ميراث ولد الأبوين وولد الأب , فإن الله تعالى قال : { وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين } . ولا أعلم في هذا خلافا" .

    قال المصنف: (ومتى كان الوقف على من يمكن حصرهم لزم استيعابهم به والتسوية بينهم إذا لم يَفْضُل بعضهم)

    وهذا محل اتفاق بين أهل العلم، فلو قال الواقف ريع هذه الدار على طلبة العلم في هذا الجامع ، وكان بالإمكان حصرهم لزم استيعابهم والتسوية بينهم ما لم يفضل بعضهم على بعض، لأن لفظ الواقف يقتضي ذلك وقد أمكن الوفاء به فوجب العمل بمقتضاه .

    قال المصنف: (وإن لم يمكن حصرهم جاز تفضيل بعضهم على بعض)

    وهذا محل اتفاق بين أهل العلم، فلو قال ريع هذا البيت وقف على المساكين، ففي هذه الحاله لا يلزمه تعميمهم لأنه لا يمكن تعميم جميع المساكين، كما أنه في هذه الحال يجوز أن يفضل بعض المساكين على بعض فيعطي بعضهم أكثر من بعض لأنه إذا جاز حرمان بعضهم فمن باب أولى أن يجوز تفضيل بعضهم على بعض.

    قال المصنف: (وتخصيص واحد منهم به)

    فمتى ما لم يكن حصر الموقوف عليهم كما في المثال السابق، جاز الاقتصار على أحدهم ، وهذا مذهب جمهور أهل العلم من الحنفية، والمالكية والحنابلة، واستدلوا بالقياس على الزكاة فإن الله عز وجل قال: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ)، ولم يجب تعميم جميع الفقراء والمساكين بل يجزئ أن نعطي واحدا منهم.

    وذكر الشافعية أنه لو وقف على قبيلة لزمه ثلاثة منهم، وهو وجه عند الحنابلة.

  11. #100
    :: متفاعل ::
    تاريخ التسجيل
    May 2011
    الكنية
    أبو أنس
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الشقيق
    المؤهل
    طالب بكالوريوس
    التخصص
    شريعه
    المشاركات
    380
    شكر الله لكم
    27
    تم شكره 41 مرة في 23 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

    شيخنا الفاضل قولكم (القول الثالث: ذهب الحنابلة، وصاحبا أبي حنيفة إلى أن الأجير المشترك يضمن ما تلف بفعله مطلقا، وكذلك ما كان بفعل غيره وأمكنه دفعه ولم يفعل، ولا يضمن ما تلف من حرزه أو من غير فعله ولا يمكنه دفعه، واستدلوا بما روي عن عمر وعلي رضي الله عنهم من أنهم كانوا يضمنون الأجير المشترك، ولأن لأن الأموال والأنفس لا يشترط في ضمانها القصد، واختار هذا القول شخنا العثيمين.
    لعل اختيار الشيخ كما نقلت ادنه في الزاد انه لا يضمن الا بالتفريط كالاجير الخاص فقد قال الشيخ رحمه الله تعالى (قوله: «ما تلف بفعله» ولو خطأ، لأنه ورد عن بعض الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ أنهم ضمنوه مطلقاً[(34)]، وثانياً: لأن العمل مضمون عليه؛ لأنه قدر نفعه بالعمل، فإذا أخطأ ولم يؤد العمل الذي هو مضمون عليه لزمه الضمان.
    وقال بعض أهل العلم: إنه لا يضمن ما تلف بفعله خطأ؛ لأنه مؤتمن، فلا فرق بينه وبين الأجير الخاص، فكما أن الأجير الخاص لا يضمن ما تلف بفعله خطأ فكذلك هذا؛ إذ لا فرق فكل منهما مؤتمن.
    وقيل: ما تلف بفعله الذي يفعله هو بنفسه اختياراً يضمنه، وأما ما كان بغير إرادته كالزلق وشبهه فلا يضمنه، ولكن الصحيح أنه لا ضمان مطلقاً إذا لم يتعد أو يفرط، والعمل على ما مشى عليه المؤلف.) ولعل المساله تراجع اكثر لتحرير كلام الشيخ نفعنا الله والمسلمين بعلمكم

  12. #101
    :: متفاعل ::
    تاريخ التسجيل
    May 2011
    الكنية
    أبو أنس
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الشقيق
    المؤهل
    طالب بكالوريوس
    التخصص
    شريعه
    المشاركات
    380
    شكر الله لكم
    27
    تم شكره 41 مرة في 23 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

    شيخنا الكريم اذا طولب الغاصب بالمثل لتلف العين وكانت العين التلفة طبقا مستعملا قديم ومثله في السوق الان جديدا اكثر بكثير من ثمن هذا الطبق التالف لو قيم قبل التلف فهل يلزم الغاصب بشرائه وهل يطالب صاحب الطبق بالفرق في السعر جزاكم الله خيرا وغفر لكم

  13. #102
    :: متفاعل ::
    تاريخ التسجيل
    May 2011
    الكنية
    أبو أنس
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الشقيق
    المؤهل
    طالب بكالوريوس
    التخصص
    شريعه
    المشاركات
    380
    شكر الله لكم
    27
    تم شكره 41 مرة في 23 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

    غفر الله لك لو غصب شخص ارضا وحفر فيها بئرا ثم ردها الى صاحبها فهل له ان يهدم البئر اذا رفض صاحب الارض وهل يدفع صاحب الارض تكلفة حفر البئر للغاصب ام ليس للغاصب حق وكذلك لو غرس غرسا نافعا بها . جزاكم الله خير الجزاء واسكنكم الفردوس من الجنه

  14. #103
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الدمام
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    337
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 217 مرة في 176 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

     اقتباس: المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سالم سعيد سعد مشاهدة المشاركة
    شيخنا الفاضل قولكم (القول الثالث: ذهب الحنابلة، وصاحبا أبي حنيفة إلى أن الأجير المشترك يضمن ما تلف بفعله مطلقا، وكذلك ما كان بفعل غيره وأمكنه دفعه ولم يفعل، ولا يضمن ما تلف من حرزه أو من غير فعله ولا يمكنه دفعه، واستدلوا بما روي عن عمر وعلي رضي الله عنهم من أنهم كانوا يضمنون الأجير المشترك، ولأن لأن الأموال والأنفس لا يشترط في ضمانها القصد، واختار هذا القول شيخنا العثيمين.
    لعل اختيار الشيخ كما نقلت ادنه في الزاد انه لا يضمن الا بالتفريط كالاجير الخاص فقد قال الشيخ رحمه الله تعالى (قوله: «ما تلف بفعله» ولو خطأ، لأنه ورد عن بعض الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ أنهم ضمنوه مطلقاً[(34)]، وثانياً: لأن العمل مضمون عليه؛ لأنه قدر نفعه بالعمل، فإذا أخطأ ولم يؤد العمل الذي هو مضمون عليه لزمه الضمان.
    وقال بعض أهل العلم: إنه لا يضمن ما تلف بفعله خطأ؛ لأنه مؤتمن، فلا فرق بينه وبين الأجير الخاص، فكما أن الأجير الخاص لا يضمن ما تلف بفعله خطأ فكذلك هذا؛ إذ لا فرق فكل منهما مؤتمن.
    وقيل: ما تلف بفعله الذي يفعله هو بنفسه اختياراً يضمنه، وأما ما كان بغير إرادته كالزلق وشبهه فلا يضمنه، ولكن الصحيح أنه لا ضمان مطلقاً إذا لم يتعد أو يفرط، والعمل على ما مشى عليه المؤلف.) ولعل المساله تراجع اكثر لتحرير كلام الشيخ نفعنا الله والمسلمين بعلمكم
    بارك الله فيك على التنبيه ما ذكرته بارك الله فيك هو الصحيح بعد المراجعة ، فعلى هذا يكون اختيار شيخنا العثيمين موافقا لمذهب الشافعية، وبإذن الله سيتم تصحيح الخطأ.

  15. #104
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الدمام
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    337
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 217 مرة في 176 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

     اقتباس: المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سالم سعيد سعد مشاهدة المشاركة
    شيخنا الكريم اذا طولب الغاصب بالمثل لتلف العين وكانت العين التلفة طبقا مستعملا قديم ومثله في السوق الان جديدا اكثر بكثير من ثمن هذا الطبق التالف لو قيم قبل التلف فهل يلزم الغاصب بشرائه وهل يطالب صاحب الطبق بالفرق في السعر جزاكم الله خيرا وغفر لكم
    الظاهر والعلم عند الله أنه في هذه الحالة يلزمه القيمة، لأن المثل هنا متعذر، إذ المثلية ليست معتبرة بالإسم فقط وإنما أيضا بالوصف، فنقول ينظر كم قيمة الطبق مستعملا الآن فيضمن قيمته لصاحبه، وإن اصطلاحا على أن يشتري الغاصب الجديد ويدفع له المغصوب منه الفرق فلا بأس به، وطبعا جيمع ما تقدم إنما هو على القول الراجح من أن المثلي هو ما كان له مثل، أما على المذهب فالطبق ليس من المثليات لأن المثلي المذهب كل مكيل أو موزون يصح السلم فيه وليس فيه صناعة مباحة

  16. #105
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الدمام
    المؤهل
    بكالوريوس
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    337
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 217 مرة في 176 مشاركة

    افتراضي رد: مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه

     اقتباس: المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سالم سعيد سعد مشاهدة المشاركة
    غفر الله لك لو غصب شخص ارضا وحفر فيها بئرا ثم ردها الى صاحبها فهل له ان يهدم البئر اذا رفض صاحب الارض وهل يدفع صاحب الارض تكلفة حفر البئر للغاصب ام ليس للغاصب حق وكذلك لو غرس غرسا نافعا بها . جزاكم الله خير الجزاء واسكنكم الفردوس من الجنه
    للغاصب أن يهدم البئر ولكن اشترط جماعة من أهل العلم أن يكون له غرض صحيح في ذلك مثل أن يخاف سقوط أحد فيها فيضمه، أما إن لم يكن له غرض صحيح سوى أن يضار صاحب الأرض فليس له ردمها، ويدفع له صاحب الأرض نفقة الحفر، وكذلك لو غرس الأرض غرسا نافعا قال الفقهاء يلزمه قلعها بطلب صاحب الأرض ولو لم يكن لصاحب الأرض غرض صحيح، والصواب أنه إن لم يكن لصاحب الأرض غرض صحيح لم يلزم الغاصب بالقلع.
    وكذلك قال الفقهاء للغاصب قلع الغرس ولو بذل صاحبه قيمته والصواب أنه إن لم يكن له غرض صحيح في القلع وإنما أراد مضارة صاحب الأرض لزمه قبول القيمة ولا يقلع الغرس.

صفحة 7 من 9 الأولىالأولى 1 2 3 4 5 6 7 8 9 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

جميع الموضوعات والمشاركات التي تطرح في الملتقى لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الملتقى، وإنما تعبر عن رأي كاتبها فقط.
وكل عضو نكل أمانته العلمية إلى رقابته الذاتية!.

﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران:98].