الموضوعات المميزة النشرات الشهرية احصائيات وأرقام تواصل معنا

بنرات متحركة

آخر مواضيع الملتقى

صفحة 1 من 2 1 2 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 15 من 28

الموضوع: دروس في فقه الجنايات والحدود 2

  1. #1
    :: رئيسة فريق طالبات العلم ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    الكنية
    أم طارق
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الرياض
    المؤهل
    ماجستير
    التخصص
    دراسات إسلامية
    المشاركات
    7,440
    شكر الله لكم
    11,511
    تم شكره 9,467 مرة في 3,494 مشاركة

    افتراضي دروس في فقه الجنايات والحدود 2

    بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
    هذه المجموعة الثانية من سلسة الدروس الخاصة بفقه الجريمة والعقوبة في الإسلام بعنوان
    "فقه الجنايات والحدود"
    والتي استخلصتها من كتاب
    (التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي)
    لعبد القادر عودة
    ومن مذكرات الدكتور يوسف الشبيلي
    (فقه الحدود)
    المنشورة على موقع فضيلته على الانترنت

    وقد قمت بتخصيص المجموعة الأولى للحديث عن (فقه الجنايات)
    وهذه الدروس سوف تخصص للجزء الثاني وهو (فقه الحدود) .

    وكما سبق وذكرت في الجزء السابق فلن أخوض في دقائق المسائل ولا في الخلافات الفقهية، وإنما سأكتفي بأصول المسائل المتفق عليها بين أهل العلم قدر الإمكان.

    أسال الله العلي العظيم أن تكون هذه الدروس واضحة وميسرة لمن يقرأها أو يطلع عليها.
    وأن ينفع بها طلاب العلم والدارسين من أبناء المسلمين.

    رابط الجزء الأول:
    دروس في فقه الجنايات والحدود (1)

  2. #2
    :: المشرف العام ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    الكنية
    أبو أسامة
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    مكة المكرمة
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    فقـــه
    المشاركات
    7,914
    شكر الله لكم
    14,430
    تم شكره 5,820 مرة في 2,032 مشاركة

    افتراضي رد: دروس في فقه الجنايات والحدود2

    بارك الله فيك
    ونفع بهذه السلسلة كأختها من قبل.
    وجزاك الله خيراً.

  3. #3
    :: رئيسة فريق طالبات العلم ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    الكنية
    أم طارق
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الرياض
    المؤهل
    ماجستير
    التخصص
    دراسات إسلامية
    المشاركات
    7,440
    شكر الله لكم
    11,511
    تم شكره 9,467 مرة في 3,494 مشاركة

    افتراضي رد: دروس في فقه الجنايات والحدود (2)

    وفيكم بارك الرحمن مشرفنا الفاضل
    أسأل الله التيسير
    والقبول

  4. #4
    :: رئيسة فريق طالبات العلم ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    الكنية
    أم طارق
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الرياض
    المؤهل
    ماجستير
    التخصص
    دراسات إسلامية
    المشاركات
    7,440
    شكر الله لكم
    11,511
    تم شكره 9,467 مرة في 3,494 مشاركة

    افتراضي رد: دروس في فقه الجنايات والحدود (2)

    الفصل الأول: مدخل في التعريف بالحدود ، وحكمها ، ومراتبها :
    أولاً : تعريف الحدود :
    تعريفها في اللغة :
    الحدود : جمع حد وهو لغة المنع ، ومنه سمي الحاجز بين الشيئين حدًا لأنه يمنع من اختلاط أحدهما بالآخر ، وحدود الله محارمه ، لقوله تعالى "تلك حدود الله فلا تقربوها " وهي ما حده وقدره فلا يجوز أن يتعدى ، والحدود العقوبات المقدرة سميت بذلك من المنع لأنها تمنع من الوقوع في مثل ذلك الذنب.
    تعريفها في الشرع :
    من أحسن ما قيل في تعريف الحد في الاصطلاح الفقهي أنه :
    (عقوبة مقدرة شرعا في معصية لتمنع من الوقوع في مثلها ، يُغلَّب فيها حق الله ويقيمها الإمام أو نائبه ).
    شرح التعريف :
    عقوبة : جنس في التعريف ، يشمل العقوبة المقدرة وغير المقدرة ، فمن العقوبات المقدرة : حد الزنا وشرب الخمر ، والقصاص ، والديات ، والكفارات مثل كفارة اليمين والظهار وغيرها ، أما العقوبات غير المقدرة : فهي العقوبات التعزيرية .
    وخرج بقولنا : عقوبة : الجزاءات الشرعية المقدرة التي لاتعد عقوبة مثل كفارة اليمين .
    مقدرة : قيد في التعريف يخرج العقوبات غير المقدرة وهي التعزير ، فإنها لا تسمى حدودًا بالمعنى الاصطلاحي ، وإن كانت تسمى حدودًا بالمعنى الشرعي العام .

    شرعًا : المقصود أن أصل تقديرها من قبل الشارع إما بكتاب أو سنة أو إجماع ، فخرج بذلك العقوبات التي يقدرها الإمام من باب السياسة الشرعية ، وهذا القيد يبين أن العقوبة في الإسلام – ولو كانت تعزيرية – لابد أن يكون لها أصل في الشرع ، وأن تحقق مقصود الشارع من حفظ الدين والنفس والنسل والعقل والمال.
    في معصية : قيد خرج به الجزاءات المقدرة شرعًا في غير معصية ، مثل كفارة اليمين ، والفدية في الحج ، وكفارة القتل الخطأ ، ونحوها .
    لتمنع من الوقوع في مثلها : قيد لبيان الحكمة من مشروعية الحدود في الشريعة ، فإنها لردع اﻟﻤﺠرم وغيره من العود في الجريمه .
    يغلب فيها حق الله : أي يجتمع في هذه العقوبات حق الله وحق الآدمي لكن الأغلب هو حق الله ، فلا تسقط بالعفو ، وخرج ﺑﻬذا القيد العقوبات المقدرة على الجنايات كالقصاص والديات ، إذ المغلب فيها هو حق الآدمي .
    وقد يشكل على هذا القيد حد القذف عند الجمهور حيث يرون أنه اجتمع فيه الحقان حق الله وحق الآدمي ، وحق الآدمي أغلب ، ولذا فإن من شروطه عندهم مطالبة المقذوف ، فلو لم يطالب المقذوف فلا حد على القاذف ، فيكون التعريف بناءً على رأي الجمهور غير جامع .
    وهذا الإشكال غير وارد عند الأحناف الذين يرون أن حق الله أغلب في القذف .
    وسيأتي بحث هذه المسألة في باب القذف إن شاء الله .
    ويقيمها الإمام أو نائبه : قيد خرج به العقوبات المقدرة شرعًا على معاصٍ ولايشترط لتنفيذها إذن الإمام : كفارة الظهار ، وكفارة الجماع في نهار رمضان .

    ========================= ===
    ثانياً: أنواع الحدود :
    الحدود سبعة أنواع ، وهي تشمل المقاصد الضرورية الخمسة ، وهذه الحدود هي :
    1. حد الزنا : لحفظ النسل
    2. حد القذف : لحفظ العرض
    3. حد الخمر : لحفظ العقل
    4. حد السرقة : لحفظ المال
    5. حد الحرابة : لحفظ النفس والمال والعرض
    6. حد البغي : لحفظ الدين والنفس
    7. حد الردة : لحفظ الدين

    =========================
    ثالثاً: الفروق بين الحدود وعقوبات الجنايات (القصاص / الدية ):
    1- الأغلب في الحدود هو حق الله ، بينما الأغلب في القصاص والديات هو حق الآدمي.
    2- لا تصح الشفاعة في الحدود بعد بلوغها الإمام ، بينما القصاص والدية تجوز فيهما الشفاعة مطلقًا .
    3- الحدود لا تقبل العفو لأنها حق لله ، بينما يشرع العفو عن القصاص والدية.
    4- لا تصح المصالحة عن الحدود ، بينما تصح المصالحة عن القصاص والدية.
    5- الحدود لا تورث لأنها حق لله ، وحق القصاص والدية يورث لأنه حق آدمي .
    6- في الحدود إذا تاب الفاعل قبل القدرة عليه فله أن يستر على نفسه ولا ينفذ عليه الحد ، ويجب عليه فقط أن يؤدي ما معه من حقوق الآدميين ،
    أما في الجنايات فلا تبرأ ذمته حتى يسلم نفسه للحاكم حتى يقتص منه .
    7- يشرع للحاكم في الحدود أن يعرض على المذنب الرجوع عن إقراره إذا سلم نفسه للحاكم اختياراً وظهرت منه بوادر التوبه ، ولا يشرع مثل ذلك في القصاص.

  5. #5
    :: فريق طالبات العلم ::
    تاريخ التسجيل
    Jul 2009
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    ...........
    المؤهل
    ماجستير
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    542
    شكر الله لكم
    337
    تم شكره 395 مرة في 124 مشاركة

    افتراضي رد: دروس في فقه الجنايات والحدود (2)

    جزاكم الله خيرا على هذه الدروس الممتعة والنافعة.

  6. #6
    :: رئيسة فريق طالبات العلم ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    الكنية
    أم طارق
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الرياض
    المؤهل
    ماجستير
    التخصص
    دراسات إسلامية
    المشاركات
    7,440
    شكر الله لكم
    11,511
    تم شكره 9,467 مرة في 3,494 مشاركة

    افتراضي رد: دروس في فقه الجنايات والحدود (2)

     اقتباس: المشاركة الأصلية كتبت بواسطة طالبة ماجستير مشاهدة المشاركة
    جزاكم الله خيرا على هذه الدروس الممتعة والنافعة.
    وجزاك أخيتي ،، ونفعك بما علمك

  7. #7
    :: رئيسة فريق طالبات العلم ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    الكنية
    أم طارق
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الرياض
    المؤهل
    ماجستير
    التخصص
    دراسات إسلامية
    المشاركات
    7,440
    شكر الله لكم
    11,511
    تم شكره 9,467 مرة في 3,494 مشاركة

    افتراضي رد: دروس في فقه الجنايات والحدود (2)

    رابعاً : الحِكَم من مشروعية الحدود :

    شرعت الحدود لمصالح عظيمة ، وأهداف سامية ، ولعل من أهم هذه الحكم ما يلي:
    أولاً: التنكيل باﻟﻤﺠرم وردعه : فإذا شعر بألم العقوبة وما يترتب عليها من إهانة وفضيحة ، فإن ذلك يردعه عن العودة إلى مقارفة المعصية مرة أخرى ، ويحمله على المحافظة والاستقامة على طاعة الله ، والالتزام بشرعه ، وقد نص الله تعالى على هذه الحكمة في حد السرقة فقال سبحانه : " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالاً من الله والله عزيز حكيم ".

    ثانياً: ردع الناس وزجرهم عن الوقوع في المعاصي : فإن الناس إذا رأوا ما حل باﻟﻤﺠرم من النكال والإهانة والعذاب اعتبروا بحاله وأيقنوا أن هذا هو جزاؤهم إن هم فعلوا مثل ما فعل ، فيكون ذلك رادعًا لكل من تحثه نفسه في الوقوع بالمعصية ، ولهذا أمر الله تعالى بإعلان الحد وإقامته أمام الناس حتى يتحقق الردع ، فقال سبحانه في عقوبة الزنى : "وليشهد عذاﺑﻬما طائفة من المؤمنين ".

    ثالثًا : تكفير ذنب اﻟﻤﺠرم وتطهيره من دنس جريمته : فالحدود كما أنها تزجر المذنب ، فإنها تكفر خطيئته ، فتزكو نفسه ، ويلقى الله تعالى نقيًا من ذنبه ، قد طهر من خطيئته ، والله تعالى أكرم من أن يثني عليه العقوبة في الآخرة . يدل على ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت أنه عليه السلام قال لأصحابه { تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تسرقوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ، فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب منكم شيئا من ذلك فعوقب به فهو كفارته ، ومن أصاب شيئا من ذلك فستره الله عز وجل عليه فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له } قال فبايعناه على ذلك. وعن عمران بن حصين: { أن امرأة من جهينة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنا ، فقالت : يا رسول الله أصبت حدا فأقمه علي ، فدعا نبي الله صلى الله عليه وسلم وليها ، فقال : أحسن إليها ، فإذا وضعت فأتني ففعل فأمر ﺑﻬا رسول الله صلى الله عليه وسلم فشدت عليها ثياﺑﻬا ثم أمر ﺑﻬا فرجمت ثم صلى عليها ، فقال له عمر : نصلي عليها يا رسول الله وقد زنت ؟ قال : لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم ، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله ؟ } رواه مسلم

    رابعاً : تحقيق الأمن في اﻟﻤﺠتمع وحمايته : إذ لو لم تشرع العقوبات لفسد نظام العالم ولاعتدى الناس بعضهم على بعض ، ولأكل القوي منهم الضعيف ، فشرع الله تلك العقوبات رحمة بالعباد ليحفظ للناس حقوقهم وليقيم العدل بينهم ، فإن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن .

    خامساً : دفع الشرور والآثام والأسقام عن الأمة : فإن المعاصي إذا فشت في الأمة انتشر فيها البلاء والفساد ، وارتفعت عنها النعم والرخاء ، فما وقع بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة ، وخير سبيل لحماية الأمة من الفساد هو إقامة الحدود. ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أبو داود: " لحد يقام في الأرض أحب إلى أهلها من أن يمطروا أربعين صباحا ".
    قال ابن كثير رحمه الله : " والسبب في هذا أن الحدود إذا أقيمت انكف الناس أو أكثرهم أو كثير منهم عن تعاطي المحرمات وإذا تركت المعاصي كان سببا في حصول البركات من السماء والأرض "
    وفي مستدرك الحاكم وسنن البيهقي والمعجم الكبير للطبراني : عن بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خمس بخمس قالوا يا رسول الله وما خمس بخمس قال : ما نقض قوم العهد إلا سلط عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، ولا ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت ( وفي رواية إلا ظهرت فيهم الأوجاع والأمراض التي لم تكن مضت في أسلافهم )، ولا طففوا المكيال إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر ولولا البهائم لم يمطروا " حديث صحيح.
    ========================
    خامساً: شروط إقامة الحدود :

    لا يجب الحد إلا بثلاثة شروط :
    الشرط الأول : العقل :
    لما روت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم وعن اﻟﻤﺠنون حتى يعقل" رواه أحمد ، ومثله من رواية علي له ، ولأبي داود والترمذي وقال حديث حسن.

    الشرط الثاني : الالتزام:
    أي أن يكون الفاعل ملتزماً أحكام المسلمين مسلماً كان أو ذمياً بخلاف الحربي والمستأمن.

    الشرط الثالث : العلم بالتحريم :
    لقول عمر وعثمان وعلي : " لا حد إلا على من علمه "
    والمقصود بالعلم هنا هو العلم بالتحريم ، ولا يلزم العلم بالعقوبة ، فمن علم تحريم شيء وجهل ما يترتب عليه لم يدرأ عنه العقوبة جهله ﺑﻬا ، كمن علم تحريم الزنى والخمر وجهل وجوب الحد يحد بالاتفاق، وكذا لو علم تحريم القتل وجهل وجوب القصاص يجب القصاص ، أو علم تحريم الكلام في الصلاة ، وجهل كونه مبطلا
    يبطل ، أو علم تحريم الطيب على المحرم وجهل وجوب الفدية تجب.

  8. #8
    :: رئيسة فريق طالبات العلم ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    الكنية
    أم طارق
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الرياض
    المؤهل
    ماجستير
    التخصص
    دراسات إسلامية
    المشاركات
    7,440
    شكر الله لكم
    11,511
    تم شكره 9,467 مرة في 3,494 مشاركة

    افتراضي رد: دروس في فقه الجنايات والحدود (2)

    سادساً: ضوابط في تنفيذ الحد:
    أولاً: من الذي يقيمه :
    الذي يقيمه هو الإمام أو نائبه مطلقا سواء كان الحد لله كحد الزنا أو لآدمي كحد القذف لأنه يفتقر إلى اجتهاد ولا يؤمن من استيفائه الحيف فوجب تفويضه إلى نائب الله تعالى في خلقه.

    ثانياً: حكم إقامته في المسجد :
    يحرم أن يقيمه في مسجد لحديث حكيم بن حزام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " نهى أن يقاد في المسجد وأن تنشد فيه الأشعار وأن تقام فيه الحدود " ولأنه لايؤمن من تلويث المسجد ومن حدوث اللغط فيه .

    ثالثاً : حكم الشفاعة فيه :
    تحرم الشفاعة وقبولها في حد الله تعالى بعد أن يبلغ الإمام .
    والأدلة على ذلك ما يلي :
    1- عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : " من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فهو مضاد الله في أمره " رواه أحمد وأبو داود
    2- وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مخاطبا لأسامة لما أراد أن يشفع في المرأة المخزومية : " أتشفع في حد من حدود الله " ثم قام فخطب فقال: " أيها الناس إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد". متفق عليه واللفظ لمسلم.
    3- وعن عروة بن الزبير قال لقي الزبير سارقا فشفع فيه فقيل له حتى يبلغ الامام فقال: إذا بلغ الامام فلعن الله الشافع والمشفع رواه مالك في الموطأ.
    ولكن ينبغي أن يقيد المنع من الشفاعة بما إذا كان بعد الرفع إلى الإمام ، أما قبل بلوغ الحد للإمام فله أن يشفع إذا رأى في ذلك مصلحة للجاني بدرء الحد عنه لكونه من ذوي المروءات الذين يحسن الستر عليهم.
    والأدلة على ذلك :
    1- حديث صفوان بن أمية عند أحمد والأربعة وصححه الحاكم وابن الجارود أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له لما أراد أن يقطع الذي سرق رداءه فشفع فيه : " هلا كان قبل أن تأتيني به".
    2- وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا : "تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب". أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم وصححه.
    ====================

    سابعاً: حكم تأخير الحد لسبب :
    في مذهب الإمام أحمد : لا يؤخر حد لحر أو برد ونحوه ولا لمرض ولو رجي زواله لأن عمر أقام الحد على قدامة بن مظعون في مرضه ولم يؤخره ، ولأن الحد واجب على الفور ولا يؤخر ما أوجبه الله بغير حجة.
    وقال القاضي وغيره من فقهاء الحنابلة : له تأخيره لحديث علي في التي هي حديثة عهد بنفاس، ولأن في تأخيره إقامة الحد على الكمال بلا إتلاف فكان أولى ، ومرض قدامة يحتمل أنه كان خفيفا لا يمنع من إقامة الحد على الكمال
    ، ثم إن فعل النبي صلى الله عليه وسلم مقدم على فعل عمر، مع أنه اختيار علي وفعله وكذا الحكم في تأخيره لحر أو برد مفرط .
    ======================

    ثامناً: حكم من مات في الحد :
    من مات في حد فهدر ولاشيء على من حده، لأنه أتى به على الوجه المشروع بأمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم ، والقاعدة عند أهل العلم :
    (أن ما ترتب على المأذون فهو غير مضمون ومن زاد ولو جلدة أو في السوط بسوط لا يحتمله فتلف المحدود ضمنه بديته).

    ======================




    تاسعاً: من يجب حضوره :
    قال أهل العلم : يجب في إقامة حد الزنا حضور إمام أو نائبه ، وسن حضور من شهد وبداءﺗﻬم برجم ويجب إعلان الحد وأن يحضره طائفة من المؤمنين ، والحكمة في ذلك :
    1- النكاية باﻟﻤﺠرم والتنكيل به ، فإن فضيحته امام الملأ قد يكون أبلغ في نفسه من العقوبة البدنية .
    2- حصول الردع والزجر لمن تسول له نفسه مثل فعله.
    ========================

    عاشراً: اجتماع الحدود :

    اجتماع الحدود له حالات :
    الحال الأولى : إن اجتمعت حدود لله تعالى من جنس واحد بأن زنى أو سرق أو شرب الخمر مرارا تداخلت فلا يحد سوى مرة حكاه ابن المنذر إجماع من يحفظ عنه من أهل العلم لأن الغرض الزجر عن إتيان مثل ذلك في المستقبل وهو حاصل بحد واحد ، وكالكفارات من جنس واحد .

    الحال الثانية : وإن كانت من أجناس متعددة وليس فيها قتل فلا تتداخل بل تستوفى جميعاً بغير خلاف بين أهل العلم ، كبكر زنى وسرق وشرب الخمر ، ويبدأ بالأخف فالأخف فيحد أولا لشرب ثم لزنى ثم لقطع .

    الحال الثالثة : وإن تعددت وكان فيها قتل بأن كان الزاني في المثال السابق محصنا استوفى القتل وحده وسقط سائرها لقول ابن مسعود رضي الله عنه : إذا اجتمع حدان أحدهما القتل أحاط بذلك رواه سعيد ولا يعرف له مخالف من الصحابة ، ولأن الغرض الزجر ومع القتل لا حاجة له .

    الحال الرابعة : وإن كان فيها حقوق الآدميين مثل حد القذف ، والقطع قصاصًا ، فتستوفى كلها سواء كان فيها قتل أو لم يكن لأنها حقوق آدميين أمكن استيفاؤها فوجب كسائر حقوقهم، ولا يقال يكتفى بالقتل في حقوق الله تعالى لأنها مبنية على السهولة بخلاف حق الآدمي فإنه مبني على الشح والضيق ، ويبدأ بغير القتل لأن البداءة به يفوت استيفاء باقي الحقوق ، فلو قذف شخصاً وزنى وهو محصن فيجلد أولاً ثم يرجم ، ومثله لو كسر سن شخص وزنى فيقتص منه أولاً ثم يرجم ، وإن اجتمعت مع حدود الله تعالى مثل أن يفقأ عينه ويسرق ماله بدئ ﺑﻬا، أي إذا اجتمعت حقوق الله وحقوق الآدميين يبدأ بحقوق الآدميين.

  9. #9
    :: رئيسة فريق طالبات العلم ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    الكنية
    أم طارق
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الرياض
    المؤهل
    ماجستير
    التخصص
    دراسات إسلامية
    المشاركات
    7,440
    شكر الله لكم
    11,511
    تم شكره 9,467 مرة في 3,494 مشاركة

    افتراضي رد: دروس في فقه الجنايات والحدود (2)

    مسألة: كيفية الجلد :
    قال أهل العلم :
    يضرب الرجل في الحد قائماً لأنه وسيلة إلى إعطاء كل عضو حظه من الضرب وتجلد المرأة جالسة لقول علي رضي الله عنه تجلد المرأة جالسة والرجل قائما ، وتشد عليها ثياﺑﻬا ، وتمسك يداها لئلا تنكشف لأن المرأة عورة وفعل ذلك ﺑﻬا أستر لها
    ويكون الجلد بسوط وسط لا جديد ولا خَلق بفتح الخاء واللام لأن الجديد يجرحه والخلق لا يؤلمه ، وإن رأى الإمام أو نائبه الضرب في حد الخمر بالجريد والنعال فله ذلك لأنه عليه السلام أتي بشارب فقال اضربوه بالأيدي والنعال وأطراف الثياب.
    فإن كان جلدا وخشي عليه من السوط لكبره أو لمرضه مرضًا لا يرجى زواله لم يتعين على الأصح فيقيمه بأطراف الثياب والعثكول لما روى أبو أمامة بن سهل عن سعد بن عبادة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يأخذوا شمراخا فيضربوه ﺑﻬا رواه أحمد وابن ماجة وأبو داود والنسائي بإسناد حسن ، ولأنه لا يجوز تركه بالكلية لأنه يخالف الكتاب والسنة ولا جلده تاما لأنه يفضي إلى إتلافه فتعين ، أما إن كان مرضه يرجى زواله فيؤخر الحد كما سيأتي .
    ولا يمد ولا يربط ولا يجرد اﻟﻤﺠلود من ثيابه عند جلده لقول ابن مسعود ليس في ديننا مد ولا قيد ولا تجريد بل يكون عليه قميص أو قميصان وإن كان عليه فرو أو جبة محشوة نزعت
    ولا يبالغ بضربه الجلد لأن المقصود تأديبهلا إهلاكه
    ولا يرفع ضارب يده بحيث يبدو إبطه
    و يسن أن يفرق الضرب على بدنه ليأخذ كل عضو منه حظه ، ولأن توالي الضرب على عضو واحد يؤدي إلى القتل. ويكثر منه في مواضع اللحم كالأليتين والفخذين ويضرب من جالس ظهره وما قاربه
    ويتقي وجوبا الرأس والوجه والفرج والمقاتل كالفؤاد والخصيتين لأنه ربما أدى ضربه على شيء من هذه إلى قتله أو ذهاب منفعته
    وتعتبر لإقامة الحد نية لا موالاة
    ===================

    مسألة: أشد الجلد :
    أشد الجلد في الحدود :
    1- جلد الزنا لأن الله تعالى خص الزنا بمزيد تأكيد بقوله ولا تأخذكم ﺑﻬما رأفة في دين الله وما دونه أخف منه في العدد فلا يجوز أن يزيد عليه في الصفة
    2- ثم جلد القذف ، لأنه أكثر الحدود عددًا في الجلدات بعد الزنا ، وما زاد في عدده زاد في صفته .
    3- ثم جلد الشرب ، لأن ما خف في عدده كان أخف في صفته وحد القذف حق آدمي .
    4- ثم جلد التعزير ، لأن حد الشرب محض حق الله والتعزير لا يبلغ به الحد .

  10. #10
    :: رئيسة فريق طالبات العلم ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    الكنية
    أم طارق
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الرياض
    المؤهل
    ماجستير
    التخصص
    دراسات إسلامية
    المشاركات
    7,440
    شكر الله لكم
    11,511
    تم شكره 9,467 مرة في 3,494 مشاركة

    افتراضي رد: دروس في فقه الجنايات والحدود 2

    الفصل الثاني: حد الزنا

    أولاً: تعريف الزنا :
    الزنا في اللغة : مصدر من الفعل الثلاثي زنا يزني .
    والزنا فيه ثلاث لغات :
    1- اسم مقصور : الزنى
    2- اسم ممدود : الزنا
    3- اسم ممدود مهموز : الزناء ، وهذه لغة أهل تميم خاصة .
    ومعنى الزنا في اللغة : الوطء في غير نكاح ولا ملك يمين، كما يطلق في اللغة على مقدمات الوطء ، كالتقبيل واللمس والنظر ، ونحو ذلك ، ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال : " كتب على ابن آدم حظه من الزنا فهو مدرك ذلك لا محالة ، فالعين تزني وزناها النظر ، والأذن تزني وزناها الاستماع ، واللسان يزني وزناه الكلام ، واليد تزني وزناها البطش ، والرجل تزني وزناها الخطى ، والقلب يهوى ويتمنى ، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه " .
    وسمى ذلك زنا لأن هذه وسائل وذرائع إليه .
    والزنا في الاصطلاح الشرعي هو : الوطء في القبل من غير نكاح صحيح ولاملك ولا شبهة .
    شرح التعريف :
    الوطء : جنس في التعريف ، خرج به ما دون الوطء من التقبيل والمباشرة ونحوه ، فهذا لا يوجب الحد وإنما فيه التعزير .
    في القبل : قيد خرج به اللواط فإن عقوبته غير عقوبة الزنا ، فحده القتل مطلقًا كما سيأتي .
    من غير نكاح صحيح : خرج به الوطء في النكاح فإنه مشروع ولاحرج فيه ، أما الوطء في النكاح الباطل فهو زنا ، كما لوعقد على امرأة وهي في العدة أو عقد على خامسة ، فالعقد باطل ، ولو وطئها فهما زانيان يقام عليهما الحد إذا لم يكونا جاهلين جهلاً يعذران فيه مثل أن يكونا حديثي عهد في الإسلام ونحو ذلك.
    فائدة :
    النكاح على ثلاثة أنواع :
    1- نكاح صحيح: وهو ما توفرت شروطه .
    2- ونكاح فاسد: وهو ما اختل فيه شرط من الشروط المختلف فيها بين أهل العلم المعتبرين ، أو هو ما اختلف أهل العلم في فساده ، مثل النكاح بلا ولي ، أو بلا شهود ، والنكاح بنية الطلاق ، ونحو ذلك ، فالوطء في مثل هذا العقد لايوجب الحد لوجود الشبهة ، ولكن للقاضي – إذا كان يرى فساد هذا العقد –
    أن يعزرهما بما يراه مناسبًا .
    3- ونكاح باطل: وهو ما اختل فيه شرط من الشروط اﻟﻤﺠمع عليها ، أو هو ما اتفق أهل العلم على بطلانه، مثل نكاح المسلمة للكافر ، ونكاح المعتدة ، ونكاح المتعة ، ونكاح الخامسة ، ونكاح المحرمات كالعمة وزوجة الابن وأخته من الرضاعة ، والجمع بين الأختين ونحو ذلك ، فالوطء في مثل هذا العقد يوجب الحد لعدم الشبهة.
    ولاملك : أي ملك اليمين لأن الله أباحه بنص القرآن ، قال تعالى : " والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين "
    ولاشبهة : خرج ﺑﻬذا القيد أمران :
    الأول : الوطء بشبهة مثل أن يطأ أجنبية يظنها زوجته ، فهذا لايحد ، ولو قدر بينهما ولد فإنه ينسب لأبيه كولد النكاح .
    الثاني : النكاح الفاسد : وقد سبق بيانه .
    --------------------
    ثانياً: حد الزنا :
    يختلف حد الزنا بحسب حال الجاني من حيث البكارة والثيوبة :
    1- حد الزاني المحصن ( الثيب ) :
    وفيه مسائل :
    المسألة الأولى : ما هو حد الزاني المحصن :
    حد الزاني المحصن هو الرجم بالحجارة حتى يموت بإجماع أهل السنة .
    وقد دل على ذلك السنة المتواترة القطعية من قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله ، وإجماع الأمة .
    أولاً :الأدلة من السنة :
    1- عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:" خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة والثيب بالثيب جلد مائة والرجم ". رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي.
    وقوله : البكر بالبكر : ليس بشرط بل إنه خرج مخرج الغالب فلو زنى البكر بالثيب فهذا هو حده بإجماع أهل العلم .
    وقوله :والثيب بالثيب : مثله كذلك ، فلو زنى الثيب بالبكر فيرجم الثيب ويجلد البكر ، وهذا الوصف خرج مخرج الغالب إذ الغالب أن البكر يزني بالبكر ، والثيب يزني بالثيب .
    يدل على ذلك حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الآتي :
    2- وعن أبي هريرة وزيد بن خالد أنهما قالا: إن رجلا من الأعراب أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال يا رسول الله: أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله وقال الخصم الآخر( وهو أفقه منه): نعم فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قل، قال: إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى
    بامرأته وإني أخبرت أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة ووليدة فسألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام وأن على امرأة هذا الرجم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله الوليدة والغنم رد عليك وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام واغد يا أنيس لرجل من أسلم إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها قال فغدا عليها فاعترفت فأمر ﺑﻬا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرجمت". رواه الجماعة
    3- وعن الشعبي أن عليا رضي الله عنه: "حين رجم المرأة ضرﺑﻬا يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة وقال جلدﺗﻬا بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم". رواهما أحمد والبخاري
    4- وعن ابن عمر أن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم برجل وامرأة منهم قد زنيا فقال: ما تجدون في كتابكم فقالوا تسخم وجوههما ويخزيان قال كذبتم إن فيها الرجم فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين فجاؤوا بالتوراة وجاؤوا بقارىء لهم فقرأ حتى إذا انتهى إلى موضع منها وضع يده عليه فقيل له ارفع يدك فرفع يده فإذا هي تلوح فقال أو قالوا يا محمد إن فيها الرجم ولكنا كنا نتكاتمه بيننا فأمر ﺑﻬما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرجما قال فلقد رأيته يجنأ عليها يقيها الحجارة بنفسه. وفي رواية أحمد بقارىء لهم أعور يقال له ابن صوريا.
    ويستفاد من هذا الحديث أن الإسلام ليس شرطًا في إقامة حد الزنا ، فيقام حتى على أهل الكتاب .
    5- حديث ماعز الأسلمي وقد رواه جمع من الصحابة :
    فعن أبي هريرة قال أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في المسجد فناداه فقال يا رسول الله إني زنيت فأعرض عنه حتى ردد عليه أربع مرات فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال أبك جنون قال لا قال فهل أحصنت قال نعم فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم اذهبوا به فارجموه قال ابن شهاب فأخبرني من سمع جابر بن عبد الله قال كنت فيمن رجمه فرجمناه بالمصلى فلما أذلقته الحجارة هرب فأدركناه بالحرة فرجمناه متفق عليه.
    وعن ابن عباس قال: "لما أتى ماعز بن مالك النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت قال لا يا رسول الله قال أفنكتها لا يكني قال نعم فعند ذلك أمر برجمه". رواه أحمد والبخاري وأبو داود.
    6- حديث الغامدية ( الجهنية ) :
    فعن سليمان بن بريدة عن أبيه:" أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاءته امرأة من غامد من الأزد فقالت يا رسول الله طهرني فقال ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه فقالت أراك تريد أن ترددني كما رددت ماعز بن مالك قال وما ذاك قالت إنها حبلى من الزنا قال أنت قالت نعم فقال لها حتى تضعي ما في بطنك قال فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت قال فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال قد وضعت الغامدية فقال إذن لا نرجمها وندع ولدها صغيرا ليس له من يرضعه فقام رجل من الأنصار فقال إلي رضاعه يا نبي الله قال فرجمها". رواه مسلم والدارقطني وقال هذا حديث صحيح

    ثانياً : الإجماع :
    فقد أجمعت الأمة على أن حد الزاني المحصن هو الرجم حتى الموت ، لم يخالف في ذلك سوى الخوارج ، وبعض المعتزلة ، ولاعبرة بخلافهم ، فإنه لايمنع الإجماع .
    -------------------
    المسألة الثانية : هل يجلد الزاني قبل رجمه :
    اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين :
    القول الأول :
    أن حد المحصن هو الجلد مائة جلدة والرجم . وهذا هو قول الظاهرية ورواية عند الحنابلة .
    استدل أصحاب هذا القول بما يلي :
    1- قوله تعالى : " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة "
    نوقش هذا الاستدلال :
    بأن الآية محمولة على الزاني البكر للأدلة الآتية في القول الثاني .
    2- حديث عبادة بن الصامت المتقدم .
    3- عن علي رضي الله عنه: أنه جلد شراحه يوم الخميس ثم رجمها يوم الجمعة ثم قال جلدﺗﻬا بكتاب الله تعالى ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . رواه البخاري
    القول الثاني :
    أن حده هو الرجم فقط . وهذا هو قول جمهور أهل العلم من الحنفية والمالكية والشافعية ورواية عند الحنابلة .
    استدل أصحاب هذا القول بما يلي :
    1- فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع ماعز والغامدية ، واليهوديين ، فلم ينقل أنه عليه الصلاة والسلام جلدهم قبل الرجم ، مع أن الصحابة رضوان الله عليهم نقلوا تفاصيل تلك القصص ، فدل ذلك على أنه لم يجلدهم .
    2- قوله عليه الصلاة والسلام في حديث العسيف المتقدم : " واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها " فاعترفت فرجمها ، فلم يأمره بجلدها .
    قال أصحاب هذا القول : إن هذه النصوص دلت على أن جلد المحصن منسوخ ، إذ كان ذلك في أول الأمر ثم نسخ واستقر الأمر على أن حد المحصن هو الرجم فقط .
    3- ولأنه لافائدة من جلده لأن روحه سوف تزهق والغرض الزجر ومع القتل لا حاجة له .
    وهذا القول هو الصحيح .
    -------------------
    المسألة الثالثة : في كيفية الرجم :
    يفرق في كيفية الرجم بين رجم الرجل ورجم المرأة :
    فإذا كان الزاني رجلا : أقيم قائما ولم يوثق بشيء ويكون في وسط الناس ثم يرمونه من كل جانب .
    وإن كان امرأة : فإنها تشد عليها ثياﺑﻬا كيلا تنكشف ، وقد روى أبو داود بإسناده عن عمران بن حصين قال فأمر ﺑﻬا النبي صلى الله عليه وسلم فشدت عليها ثياﺑﻬا ولأن ذلك أستر لها .
    ----------------
    المسألة الرابعة : الحفر للمرجوم :
    اختلفت الروايات هل حفر النبي صلى الله عليه وسلم للمرجوم أم لا :
    • ففي حديث أبي سعيد قال لما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نرجم ماعز بن مالك خرجنا به إلى البقيع فوالله ما حفرنا له ولا أوثقناه ولكن قام لنا فرميناه بالعظام والخزف فاشتكى فخرج يشتد حتى انتصب لنا في عرض الحرة فرميناه بجلاميد الجندل حتى سكت .
    • وفي حديث الغامدية: "... ثم أمر ﺑﻬا فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها فيقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فنضخ الدم على وجه خالد فسبها فسمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم سبه إياها فقال مهلا يا خالد فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تاﺑﻬا صاحب مكس لغفر له ثم أمر ﺑﻬا فصلي عليها ودفنت". رواهما أحمد ومسلم وأبو داود
    • وفي حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه أن ماعز بن مالك الأسلمي: "أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال يا رسول الله إني زنيت - الحديث وفيه - فلما كان الرابعة حفر له حفرة ثم أمر به فرجم". رواه مسلم وأحمد
    فحديث أبي سعيد المذكور فيه أنهم لم يحفروا لماعز وحديث عبدالله بن بريدة فيه أنهم حفروا له إلى صدره.
    وقد جمع بين الروايتين :
    1- بأنهم لم يحفروا له أول الأمر ثم لما فر فأدركوه حفروا له حفيرة فانتصب لهم فيها حتى فرغوا منه .
    2- أو أنهم حفروا له في أول الأمر ثم لما وجد مس الحجارة خرج من الحفرة فتبعوه فرموه وهو قائم .
    -------------------
    المسألة الخامسة : من هو المحصن ؟
    قال أهل العلم :
    المحصن : من وطئ امرأته المسلمة أو الذمية في نكاح صحيح ، وهما بالغان عاقلان حران ، فإن اختل شرط منها في أحد الزوجين فلا إحصان لواحد منهما .
    فتلخص أن شروط الإحصان ستة:
    1- الوطء في القبل : فلو عقد على امرأة ولم يطأها فليس بمحصن .
    2- أن يكون الوطء في نكاح : فلو وطئ امرأة في سفاح (زنا) فليس بمحصن ، ومثله لو وطئ امرأة بملك اليمين .
    3- أن يكون النكاح صحيحاً : فلو وطئ امرأة في نكاح فاسد أو باطل فليس بمحصن .
    4- أن يكون الزوجان بالغين : فلو كانت زوجته صغيرة وهو بالغ ، فليس بمحصن ، فلو زنى بامرأة فإنه لا يرجم .
    5- أن يكونا عاقلين : فلو كان أحدهما عاقلاً والآخر مجنونًا فلا إحصان لأي منهما .
    6- أن يكونا حرين : فلو كانا رقيقين أو أحدهما حر والآخر عبد فلا إحصان لواحد منهما .
    ----------------
    2- حد الزاني غير المحصن ( البكر ) :
    إذا زنى الحر البكر جلد مائة وغرب عامًا ، ولا خلاف في وجوب الجلد على الزاني إذا لم يكن محصنا ، وقد جاء بيان ذلك في كتاب الله بقوله سبحانه " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة " وجاءت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم موافقة لما جاء به الكتاب ، كما في حديث عبادة المتقدم ، وقصة العسيف .
    واختلف أهل العلم هل يجب مع الجلد تغريبه عاما ، ولهم في ذلك ثلاثة أقوال:
    القول الأول : أنه يجب الجلد والتغريب على الرجل والمرأة .
    وهذا قول الشافعية والحنابلة .
    استدل أصحاب هذا القول بما يلي :
    1- قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة المتقدم : " البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام "
    2- وفي حديث العسيف المتقدم : قال النبي صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله عز وجل على ابنك جلد مائة وتغريب عام وجلد ابنه مائة وغربه عاما وأمر أنيسا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر فإن اعترفت رجمها فاعترفت فرجمها متفق عليه ، وفي الحديث أنه قال سألت رجالا من أهل العلم فقالوا إنما على ابنك جلد مائة وتغريب عام وهذا يدل على أن هذا كان مشهورا عندهم من حكم الله تعالى وقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قيل إن الذي قال له هذا هو أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.
    القول الثاني :
    يغرب الرجل دون المرأة، وهذا قول مالك .
    استدل أصحاب هذا القول بما يلي :
    -1 لأن المرأة تحتاج إلى حفظ وصيانة
    -2 ولأنها لا تخلو من التغريب إما بمحرم أو بغير محرم ، ولا يجوز التغريب بغير محرم لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم " ولأن تغريبها بغير محرم إغراء لها وتضييع لها ، وهذا يؤدي إلى فوات حكمة الحد لأن الحد وجب زجرا عن الزنا وفي تغريبها إغراء به وتمكين منه .
    وإن غربت بمحرم أفضى إلى تغريب من ليس بزان ونفي من لا ذنب له ، وإن كلفت أجرته ففي ذلك زيادة على عقوبتها بما لم يرد الشرع به .
    3- قالوا : إن عموم الخبر الوارد في التغريب مخصوص بخبر النهي عن سفر المرأة بغير محرم .
    القول الثالث :
    لا يجب التغريب لا على الرجل ولا على المرأة .
    وهذا هو قول الحنفية .
    استدل أصحاب هذا القول :
    1- بأن عليا رضي الله عنه قال حسبهما من الفتنة أن ينفيا.
    2- وعن ابن المسيب أن عمر غرب ربيعة بن أمية بن خلف في الخمر إلى خيبر فلحق ﺑﻬرقل فتنصر فقال عمر لا أغرب مسلما بعد هذا أبدا.
    3- ولأن الله تعالى أمر بالجلد دون التغريب فإيجاب التغريب زيادة على النص
    نوقشت أدلة الأحناف :
    بأن ما رووه عن علي لا يثبت لضعف رواته وإرساله .
    وقول عمر لا أغرب بعده مسلما فيحتمل أنه يقصد تغريبه في الخمر الذي أصابت الفتنة ربيعة فيه ، وهذا من باب التعزير .
    والراجح والله أعلم هو قول المالكية .
    ---------------
    مسألة : إذا غرب فإنه لا يحبس في البلد الذي نفي إليه على الصحيح ، لأن الحبس زيادة لم يرد ﺑﻬا الشرع فلا تشرع كالزيادة على العام .
    --------------------
    فائدة: إذا زنى الرقيق جلد خمسين جلدة ، لقوله تعالى : " فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب " ، وهذه الآية في الإماء، ويقاس عليها العبيد الذكور بجامع الرق ، ولا يغرب لأن التغريب إضرار بسيده ، ولا يرجم لأن الرجم لا يتنصف .

  11. #11
    :: رئيسة فريق طالبات العلم ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    الكنية
    أم طارق
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الرياض
    المؤهل
    ماجستير
    التخصص
    دراسات إسلامية
    المشاركات
    7,440
    شكر الله لكم
    11,511
    تم شكره 9,467 مرة في 3,494 مشاركة

    افتراضي رد: دروس في فقه الجنايات والحدود 2

    ثالثاً: شروط إقامة حد الزنا :
    يشترط لإقامة حد الزنا ثلاثة شروط :
    الشرط الأول : تغييب حشفته الأصلية كلها في قُبُلها من آدمي حي .
    فلا يحد من قبّل أو باشر دون الفرج .
    ولا من غيب بعض الحشفة .
    ولا في وطء امرأة ميتة .
    ولا في إتيان البهيمة ، وسيأتي حكمه .
    ويجب التعزير في كل ما تقدم .
    الشرط الثاني : انتفاء الشبهة :
    والدليل على ذلك أمران :
    الأول : الأحاديث الواردة عنه عليه الصلاة والسلام في الأمر بدرء الحدود بالشبهات ، ومن ذلك :
    - حديث علي عنه صلى الله عليه وسلم : " ادرأوا الحدود بالشبهات " وهو حديث ضعيف .
    - وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعا " رواه ابن ماجة.
    - وعن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله فإن الإمام أن يخطىء في العفو خير من أن يخطىء في العقوبة " رواه الترمذي
    وذكر أنه قد روي موقوفا وأن الوقف أصح قال وقد روي واحد من الصحابة رضي الله عنهم أنهم قالوا مثل ذلك .
    وهذه الأحاديث وإن كانت أسانيدها ضعيفة إلا أنه يقوي بعضها بعضًا فتقوى للاحتجاج ، ولاسيما أنه جاء نحو ذلك موقوفًا عن جمع من الصحابة .
    الثاني : ولأن الأصل في المسلم الاستقامة وبراءة الذمة فلا يرتفع حكم الأصل إلا بيقين أو ظن غالب ، ومع وجود الشبهة لا يتحقق اليقين .
    وبناء على هذا الشرط :
    فلا حد في وطء شبهة ، أو نكاح مختلف في فساده ، ( لانكاح باطل ) ولا في إكراه ، ولا مع الجهل بتحريمه .
    الشرط الثالث :ثبوت الزنا .
    ولا يثبت الزنى إلا بأحد ثلاثة أمور :
    الأول : الإقرار :
    ويشترط فيمن يقر بالزنا أن 1) يكون بالغًا عاقلاً، لأن ماعزًا لما أقر عند النبي صلى الله عليه وسلم دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " أبك جنون " قال لا . متفق عليه ، 2) وألا يكون مكرهًا ، فلا يصح الإقرار من المكره فلو ضرب الرجل ليقر بالزنا لم يجب عليه الحد ولم يثبت عليه الزنا ولا خلاف بين أهل العلم في أن إقرار المكره لا يجب به حد وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال : " ليس الرجل بأمين على نفسه إذا جوعته أو ضربته أو أوثقته " ، ولأنه مع الإكراه يغلب على الظن أنه قصد بإقراره دفع ضرر الإكراه فانتفى ظن الصدق عنه فلم يقبل .
    3) ولا بد أن يصرح بذكر حقيقة الوطء ، فلا تكفي الكناية ، لأنها تحتمل ما لايوجب الحد وفي حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لماعز: "لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت" قال: لا، قال: أفنكحتها ، لا يكني قال نعم قال فعند ذلك أمر برجمه. رواه البخاري .
    وفي رواية عن أبي هريرة قال : أفنكحتها ؟
    قال : نعم ،
    قال : حتى غاب ذاك منك في ذاك منها ؟
    قال : نعم
    قال : كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر ؟
    قال : نعم
    قال : فهل تدري ما الزنا ؟
    قال : نعم أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته حلالا " وذكر الحديث رواه أبو داود.
    وفي الإقرار بالزنا اختلف أهل العلم في ثلاث مسائل :
    المسألة الأولى : هل يشترط في الإقرار بالزنا أن يقر به أربع مرات ؟
    والمسألة الثانية : وهل يشترط أيضًا ألا يرجع عن إقراره حتى يتم عليه الحد ؟
    والمسالة الثالثة : وهل يشرع للقاضي أن يعرض على المقر الرجوع عن إقراره ، ويلقنه الرجوع ؟
    - فذهب جمهور أهل العلم إلى أن من شرط ثبوت حد الزنا :
    1- أن يقر به أربع مرات ، فلو أقر به أقل من ذلك لم يحد .
    2- وأن يبقى على إقراره إلى تمام الحد فإن رجع عن إقراره أو هرب كف عنه ، ولو كان هروبه بعد البدء بتنفيذ الحد .
    قالوا : ويشرع للقاضي أن يلقنه الرجوع عن إقراره .
    - وذهب بعض العلماء إلى خلاف ذلك في المسائل الثلاث ، فقالوا : يكفي إقراره ولو مرة ، ولو رجع بعد إقراره لم يدرأ عنه الحد ، ولا يشرع للحاكم أن يلقنه .
    والسبب في الخلاف في المسألة هو اختلاف الأحاديث الواردة في ذلك :
    فروايات حديث ماعز تؤيد القول الأول ( قول الجمهور ) فإن فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم لقنه الرجوع ، وأنه أقر على نفسه أربعًا ، وأنه لو رجع لترك :
    ففي حديث ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لماعز : "لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت " قال: لا . رواه البخاري
    وفي رواية أبي هريرة قال : فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أبك جنون؟ قال: لا قال: فهل أحصنت؟ قال: نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارجموه. متفق عليه
    وروى أبو برزة الأسلمي أن أبا بكر الصديق قال له عند النبي صلى الله عليه وسلم إن أقررت أربعا رجمك رسول الله صلى الله عليه وسلم .
    وفيه أيضًا :أن ماعزا هرب فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه". قال ابن عبد البر ثبت من حديث أبي هريرة وجابر ونعيم بن هزال ونصر بن داهر وغيرهم أن ماعزا لما هرب فقال لهم ردوني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : "هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه" .
    وعن بريدة قال كنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نتحدث أن الغامدية وماعز بن مالك لو رجعا بعد اعترافهما أو قال لو لم يرجعا بعد اعترافهما لم يطلبهما وإنما رجمهما بعد الرابعة رواه أبو داود.
    وأما أصحاب القول الآخر فاستدلوا بالأحاديث الأخرى : قصة العسيف ، واليهوديين ، فليس فيها إلا إقرارهم مرة واحدة ، ولم يلقنهم النبي صلى الله عليه وسلم .
    ففي حديث العسيف قال النبي صلى الله عليه وسلم : " واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها " .ولو كان إقرارها أربعًا واجب لبينه له النبي صلى الله عليه وسلم ، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لايجوز .
    وقال عمر : "إن الرجم حق واجب على من زنى وقد أحصن إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف " وكان هذا القول منه بمحضر من الصحابة فلم ينكر .
    وأصح الأقوال في الجمع بين هذه النصوص:
    أن يفرق بين ما إذا جاء المذنب بنفسه إلى الحاكم تائبًا وطالبًا إقامة الحد عليه، فهذا يعامل بمثل ما عامل النبي ماعزًا ، فيلقنه ، ويطلب منه الإقرار أربع مرات، ومتى رجع عن إقراره ولو بعد الرابعة ، فيدرأ عنه الحد ، لأن المقصود من الحد ردعه وتطهيره ، وظاهر حال مثل هذا الشخص أنه ليس بحاجة إلى ذلك لأن الغالب هو صدقه في توبته وندمه على ما حصل منه .
    أما إذا قبض على الشخص أو وجدت قرائن على فعله ، فأخذ فاعترف ، فهنا لايلقن ويكفي إقراره مرة واحدة ، ولايقبل رجوعه عن إقراره مالم يذكر شبهة ، عملاً بحديث العسيف ، والله أعلم .

    وعلى هذا فمن تاب من الذنب قبل القدرة عليه فلا يقام عليه الحد ، وهذا شامل لكل الحدود .
    -------------------------------------
    يقول ابن القيم رحمه الله :
    " نص الشارع على اعتبار توبة المحارب قبل القدرة عليه ( يقصد في قوله تعالى في المحاربين : إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم ) . إما من باب التنبيه على اعتبار توبة غيره بطريق الأولى فإنه إذا دفعت توبته عنه حد حرابه مع شدة ضررها وتعديه فلأن تدفع التوبة ما دون حد الحرابة بطريق الأولى والأحرى وقد قال الله تعالى: " قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف". وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له". والله تعالى جعل الحدود عقوبة لأرباب الجرائم ورفع العقوبة عن التائب شرعا وقدرا فليس في شرع الله ولا قدره عقوبة تائب البتة).
    - وفي الصحيحين من حديث أنس قال: نت مع النبي صلى الله عليه وسلم فجاء رجل فقال يا رسول الله إني أصبت حدا فأقمه علي قال ولم يسأله عنه فحضرت الصلاة فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة قام إليه الرجل فأعاد قوله قال أليس قد صليت معنا قال نعم قال فإن الله عز وجل قد غفر لك ذنبك".
    فهذا لما جاء تائبا بنفسه من غير أن يطلب غفر الله له ولم يقم عليه الحد الذي اعترف به وهو أحد القولين في المسألة وهو إحدى الروايتين عن أحمد وهو الصواب.
    فإن قيل : فماعز جاء تائبا والغامدية جاءت تائبة وأقام عليهما الحد ؟
    قيل: لا ريب أنهما جاءا تائبين ولا ريب أن الحد أقيم عليهما ، وسألت شيخنا (يقصد ابن تيمية ) عن ذلك فأجاب بما مضمونه بأن الحد مطهر وأن التوبة مطهره وهما اختارا التطهير بالحد على التطهير بمجرد التوبة وأبيا إلا أن يطهرا بالحد فأجاﺑﻬما النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك وأرشد إلى اختيار التطهير بالتوبة على التطهير بالحد فقال في حق ما عز هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه .
    ولو تعين الحد بعد التوبة لما جاز تركه بل الإمام مخير بين أن يتركه كما قال لصاحب الحد الذي اعترف به اذهب فقد غفر الله لك وبين أن يقيمه كما أقامه على ماعز والغامدية لما اختارا إقامته وأبيا إلا التطهير به ولذلك رددهما النبي صلى الله عليه وسلم مرارا وهما يأبيان إلا إقامته عليهما وهذا المسلك وسط بين مسلك من يقول لا تجوز إقامته بعد التوبة البتة وبين مسلك من يقول لا أثر للتوبة في إسقاطه البتة وإذا تأملت السنة رأيتها لا تدل إلا على هذا القول الوسط " اهـ .
    --------------
    الأمر الثاني مما يثبت به الزنا: شهادة أربعة رجال :
    ويشترط أن يكونوا عدولاً، وأن يصفوا الزنا ، فلا يكفي أن يقولوا : رأيناه فوقها ، بل لابد أن يقولوا : رأينا ذكره في فرجها لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لماعز : " أفنكتها ؟ قال : نعم قال : حتى غاب ذاك منك في ذاك منها ؟قال : نعم قال : كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر ؟ قال : نعم " . وإذا اعتبر التصريح
    في الإقرار فالشهادة أولى .
    والدليل على الشهادة : قوله تعالى : "والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة –الآية-".
    ----------------
    الأمر الثالث مما يثبت به الزنى : الحَبَل:
    إذا وجدت المرأة حبلى ولم يكن لها زوج ولاسيد ولم تدع شبهة فى الحبل ففيها قولان فى مذهب أحمد وغيره .
    قيل : لا حد عليها لأنه يجوز ان تكون حبلت مكرهة او بتحمل او بوطء شبهة .
    وقيل : بل تحد ما لم تدع شبهة ، وهذا القول هو الصحيح ، قال ابن تيمية : وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين وهو الأشبه بأصول الشريعة وهو مذهب أهل المدينة فإن الاحتمالات النادرة لا يلتفت اليها كاحتمال كذﺑﻬا وكذب الشهود .
    يدل على ذلك قول عمر رضي الله عنه : " فالرجم حق على ما زنا إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف "

  12. #12
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    May 2010
    الدولة
    سوريا
    المدينة
    حلب
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    مقاصد الشريعة
    المشاركات
    160
    شكر الله لكم
    14
    تم شكره 34 مرة في 18 مشاركة

    افتراضي رد: دروس في فقه الجنايات والحدود 2

    في حال اعترفت امراة بالزنى فهل يجوز الاعتماد على المعطى العلمي في اثبات من زنى بها حال وجود حمل ؟؟

    حتى لا يكون الموضوع مجرد نقل بدون الاسقاط العصري والاستفادة من معطيات العلم التي اصبحت حقائق قطعية وليست ظنون
    الشريعة رحمة كلها .... مصلحة كلها .... عدل كلها

  13. #13
    :: رئيسة فريق طالبات العلم ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    الكنية
    أم طارق
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الرياض
    المؤهل
    ماجستير
    التخصص
    دراسات إسلامية
    المشاركات
    7,440
    شكر الله لكم
    11,511
    تم شكره 9,467 مرة في 3,494 مشاركة

    افتراضي رد: دروس في فقه الجنايات والحدود 2

     اقتباس: المشاركة الأصلية كتبت بواسطة طارق يوسف المحيميد مشاهدة المشاركة
    في حال اعترفت امراة بالزنى فهل يجوز الاعتماد على المعطى العلمي في اثبات من زنى بها حال وجود حمل ؟؟

    حتى لا يكون الموضوع مجرد نقل بدون الاسقاط العصري والاستفادة من معطيات العلم التي اصبحت حقائق قطعية وليست ظنون

    أستاذ طارق بارك الله فيكم على مروركم،،
    هذه مذكرة علمية تأصيلية في أحكام فقه الجنايات والحدود لطلاب العلم والمبتدئين تشمل مبادئ هذا الباب وقواعده وأحكامه كما جاءت في كتب الفقه.
    أما بالنسبة لقضايا النوازل والمستجدات العلمية أو الطبية المعاصرة وحكم الشارع فيها فلها ملتقى آخر هو (ملتقى فقه النوازل) ، ولعلكم تفتتحون موضوعا جديداً بعنوان : (البصمة الوراثية ومدى الاحتجاج بها في
    القضايا المستجدة التي اختلف فيها فقهاء العصر) ، ويمكننا مناقشة هذه القضية هناك ، وبيان آراء الفقهاء المعاصرين، وإن كانت المجمعات الفقهية توصلت حيالها إلى إجماع أو رأي أغلبي.
    إن الموضوع مهم جدا ويحتاج إلى دراسة وتأصيل شرعي مبني على الدليل العقلي والنقلي، مع تطبيق للقواعد الفقهية والقواعد الأصولية، وعلم المقاصد وغيرها.

    فهذا أحد أهداف هذا الملتقى ،،
    والله ولي التوفيق،،

  14. #14
    :: رئيسة فريق طالبات العلم ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    الكنية
    أم طارق
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الرياض
    المؤهل
    ماجستير
    التخصص
    دراسات إسلامية
    المشاركات
    7,440
    شكر الله لكم
    11,511
    تم شكره 9,467 مرة في 3,494 مشاركة

    افتراضي رد: دروس في فقه الجنايات والحدود 2

    حكم اللواط

    أجمع أهل العلم على تحريم اللواط ، وقد ذمه الله تعالى في كتابه وعاب من فعله ، وذمه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
    فقال الله تعالى : " ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم ﺑﻬا من أحد من العالمين أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون ".
    ولم يثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قضى في اللواط بشيء لأن هذا لم تكن تعرفه العرب ولم يرفع إليه ، ولكن ثبت عنه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عنه أنه قال :"من رأيتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به ". رواه أهل السنن الأربعة وقال الترمذي حديث حسن.
    واختلف أهل العلم في حد اللواط :
    1- فقيل : إن حده القتل مطلقًا بكرا كان أو ثيبا. وهذا قول علي وابن عباس وجابر بن زيد وعبد الله بن معمر والزهري وأبي حبيب وربيعة ومالك وإسحاق وأحد قولي الشافعي.
    2- وقيل : إن حده كالزنا تمامًا ، وهذا هو المشهور من قولي الشافعي ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان " ، ولأنه إيلاج فرج آدمي في فرج آدمي لا ملك له فيه ولا شبهة ملك فكان زنا كالإيلاج في فرج المرأة .
    3- وقيل : لا حد عليه ، وهذا هو قول أبي حنيفة ، لأنه ليس بمحل الوطء الفرج.
    والقول الأول هو الأصح بلا شك ، لحديث ابن عباس المتقدم وهو حديث صحيح ، ولأن هذا هو إجماع الصحابة رضوان الله عليهم ، فإنهم أجمعوا على قتله وإنما اختلفوا في صفته ، فقد روى صفوان بن سليم عن خالد بن الوليد أنه وجد في بعض ضواحي العرب رجلا ينكح كما تنكح المرأة فكتب إلى أبي بكر فاستشار أبو بكر رضي الله عنه الصحابة فيه فكان علي أشدهم قولا فيه فقال ما فعل هذا إلا أمة من الأمم واحدة وقد علمتم ما فعل الله ﺑﻬا أرى أن يحرق بالنار وقال بعضهم : يرمى من جدار ، وقال بعضهم : يرمى بالحجارة ، فكتب أبو بكر إلى خالد بذلك فحرقه .
    وهذا الحكم على وفق حكم الشارع فإن المحرمات كلما تغلظت ، تغلظت عقوباﺗﻬا ووطء من لا يحل بحال أعظم جرما من وطء من يباح في بعض الأحوال فيكون حده أقل .

    مسألة :
    حكم من عقد على ذات محرم كحكم اللوطي على الصحيح من أقوال أهل العلم ، لما روى الإمام أحمد والنسائي وغيرهما عن البراء رضي الله عنه قال لقيت خالي أبا بردة معه الراية فقال أرسلني رسول الله إلى رجل تزوج امرأة أبيه أن أقتله وآخذ ماله .
    --------------------

    حكم من أتى بهيمة

    اختلفت أهل العلم في حكم من أتى بهيمة:
    فقيل : إنه يعزر ولا حد عليه
    وقيل : حده حد الزاني
    وقيل : يقتل هو والبهيمة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أتى ﺑﻬيمة فاقتلوه واقتلوها معه " رواه أبو داود وهو حديث يرويه عمرو بن أبي عمرو ولم يثبته أحمد ، وقال الطحاوي هو ضعيف
    والأقرب هو القول الأول ، ويمكن الجواب عن الحديث من وجهين :
    الأول : أن قتله من باب التعزير وليس حدًا .
    الثاني : وبأن فيه ضعفًا ، فهو لا ينهض للاحتجاج به في إقامة الحد ، لأن الحدود تدرأ بالشبهات ، وغاية ما يمكن أن يستدل به هو جواز تعزير من أتى ﺑﻬيمة ولو كان التعزير بالقتل .
    ويستفاد من الحديث مشروعية قتل البهيمة .


    • فإن قيل : الحديث ضعيف ولم يعمل به في قتل الفاعل الجاني ففي حق حيوان لا جناية منه أولى ؟
    فالجواب : إنما لم يعمل به في قتل الفاعل لوجهين :
    أحدهما : أنه حد والحدود تدرأ بالشبهات وهذا إتلاف مال فلا تؤثر الشبهة فيه
    والثاني : أنه إتلاف آدمي وهو أعظم المخلوقات حرمة فلم يجز التهجم على إتلافه إلا بدليل في غاية القوة ولا يلزم مثل هذا في إتلاف مال ولا حيوان سواه .
    إذا ثبت هذا فإن الحيوان إن كان للفاعل ذهب هدرا وإن كان لغيره فعلى الفاعل غرامته لأنه سبب إتلافه فيضمنه .

    • ثم إن كانت مأكولة فهل يباح أكلها ؟
    لأهل العلم في ذلك قولان .
    واختلف في علة قتلها :
    1- فقيل : إنما قتلت لئلا يعير فاعلها ويذكر برؤيتها ، وقد روى ابن بطة بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من وجدتموه على ﺑﻬيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة قالوا يا رسول الله ما بال البهيمة قال لا يقال هذه وهذه
    2- وقيل : لئلا تلد خلقا مشوها
    3- وقيل : لئلا تؤكل ، وإليها أشار ابن عباس في تعليله .
    ---------------------
    حكم السحاق

    إذا تدالكت امرأتان فهما زانيتان ملعونتان لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان ".
    ولا حد عليهما لأنه لا يتضمن إيلاجا فأشبه المباشرة دون الفرج ، وعليهما التعزير لأنه زنا لا حد فيه فأشبه مباشرة الرجل المرأة بغير جماع .
    قال ابن القيم رحمه الله : (سحاق المرأتين نظير مباشرة الرجل الرجل من غير إيلاج ، على أنه قد جاء في بعض الاحاديث المرفوعة إذا أتت المرأة المرأة فهم زانيتان ، ولكن لا يجب الحد بذلك لعدم الايلاج ، وإن اطلق عليهما اسم الزنا العام كزنا العين واليد والرجل والفم ) .
    ---------------
    مسألة : إذا باشر الرجل المرأة فاستمتع ﺑﻬا فيما دون الفرج:
    فلا حد عليه، لما روي أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني لقيت المرأة فأصبت منها كل شيء إلا الجماع فأنزل الله تعالى أقم الصلاة هود الآية فقال الرجل ألي هذه الآية فقال : " لمن عمل ﺑﻬا من أمتي ".رواه النسائي .
    وللحاكم أن يعزرهما بما يراه مناسبًا .
    -------------------
    في بعض المقاصد الشرعية في حد الزنا

    الزنا يتعارض مع قصد الشارع في حفظ النسل والنسب ، وهو من أمهات الجرائم وكبائر المعاصي لما فيه من اختلاف الأنساب الذي يبطل معه التعارف والتناصر على إحياء الدين ، وفي هذا هلاك الحرث والنسل فشاكل في معانيه أو في أكثرها القتل الذي فيه هلاك ذلك ، فهو في الحقيقة قتل للمجتمع ، فزجر عنه بالعقوبة ارادعة
    التي تشبه القصاص ، ليرتدع عن مثل فعله من يهم به ، فيعود ذلك بعمارة الدنيا وصلاح العالم الموصل إلى إقامة العبادات الموصلة إلى نعيم الآخرة .
    يقول ابن القيم رحمه الله مبينًا الحكمة في حد الزنا :" وأما الزاني فإنه يزني بجميع بدنه ، والتلذذ بقضاء شهوته يعم البدن ، فعوقب بما يعم بدنه من الجلد مرة والقتل بالحجارة مرة "

    • فإن قيل : ماالحكمة في كون العقوبة على المحصن أغلظ مما هي على البكر؟
    فالجواب من أوجه :
    1- أن دواعي الشهوة في البكر أقوى منها في المحصن ، إذ إن المحصن قد تزوج ، فعلم ما يقع به من العفاف عن الفروج المحرمة ، واستغنى به عنها ، وأحرز نفسه عن التعرض لحد الزنا ، فزال عذره من جميع الوجوه في تخطي ذلك إلى مواقعة الحرام ، أما البكر ، فإنه لم يعلم ما علمه المحصن ولا عمل ما عمله ، فحمل له من العذر
    بعض ما أوجب له التخفيف ، فحقن دمه ، وزجر بإيلام جميع بدنه بأعلى أنواع الجلد ردعا عن المعاودة للاستمتاع بالحرام .
    2- ولأن زنى المحصن أبشع من البكر ، إذ إن فيه خيانة للعلاقة الزوجية ، وهدمًا للأسرة ، واختلاطًا في الأنساب ، لاسيما في حق المرأة إذ إنه يؤدي إلى أن تدخل المرأة في فراش زوجها ما ليس منه .

    • فإن قيل ما الحكمة في عدم معاقبة الزني بقطع العضو الذي باشر الجريمة كما هو الحال في السرقة ؟
    فالجواب من أوجه :
    أحدها : أنه عضو خفي مستور لا تراه العيون ، فلا يحصل الاعتبار المقصود من الحد بقطعه .
    الثاني : أن ذلك يفضي إلى إبطال آلات التناسل وانقطاع النوع الإنساني ، وهو خلاف مقصود الشرع .
    الثالث : أن لذة البدن جميعه بالزنا كلذة العضو المخصوص ، فالذي نال البدن من اللذة المحرمة مثل ما نال الفرج ، ولهذا كان حد الخمر على جميع البدن .
    الرابع : أن قطع هذا العضو مفض إلى الهلاك ، وغير المحصن لا تستوجب جريمته الهلاك.

    • فإن قيل :ما الحكمة من تشديد العقوبة في الزنا بتشريع الرجم مع أن فيه إزهاقًا للنفس ؟وكيف نرد على من يتهم الإسلام بالرجعية والتخلف بهذا الحكم ؟
    والجواب: أن مشروعية الرجم من أهم الوسائل لحفظ المجتمعات من فاحشة الزنا، وقد شرع الإسلام الرجم وجعل له من الضوابط ما يتم به تحقيق الغاية التي شرع من أجلها ، ويظهر ذلك في الأوجه الآتية :
    أولاً: أن هذه العقوبة تتناسب مع قبح جريمة الزنا : فإن في الزنا من البشاعة والمفاسد ما يناسب تشديد العقوبة فيه ، ولهذا سمى الله هذه الجريمة فاجشة فقال : "ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا" لأنها جريمة تستبشعها كل الشرائع والفطر السوية واﻟﻤﺠتمعات .

    • فمن مفاسد تلك الجريمة :
    اختلاط الأنساب الذي يبطل معه التعارف والتناصر على إحياء الدين ،
    وتفكك الأسر، وضياع الأولاد ، إذ يعيش ابن الزنا طيلة عمره لقيطًا مهملا ،
    وانتشار الأمراض في المجتمع، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام :" وما ظهرت الفاحشة في قوم قط إلا ابتلاهم الله بالأمراض والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم "،
    والقضاء على النكاح الذي هو من أهم مقاصد الشريعة ،
    وإدخال العار على الأسرة بل والقبيلة برمتها ، فهو في الحقيقة جريمة قتل ، ولهذا يقول سيد قطب :" كثيرًا ما يقرن الله تعالى في كتابه بين الشرك وقتل النفس والزنا ذلك أنها كلها جرائم قتل في الحقيقة : الجريمة الأولى قتل للفطرة ، والثانية جريمة قتل للجماعة ، والثالثة جريمة قتل للنفس المفردة "
    ثانياً: ثم إن هذه العقوبة مقررة في الكتب السماوية الأخرى :
    فعن ابن عمر أن { اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم برجل وامرأة منهم قد زنيا ، - الحديث وقد سبق ذكره - } . متفق عليه
    ثالثاً : وكذلك فإن الشريعة جعلت لتنفيذ الرجم قيودًا لضمان تنفيذ الرجم في أضيق نطاق :
    فمن ذلك وجوب ثبوت البينة لإقامة الحد ، وإذا تأملنا البينة في الزنا فهي :
    - إما شهادة أربعة رجال يشهدون أنهم رأوا الزنا بأعينهم حقيقة، ولا يكفي أن يشهدوا أنهم رأوا الرجل يعلو المرأة، وإلا حدوا حد القذف ، وهذا أشبه بالمستحيل ، ولهذا ذكر ابن تيمية أنه لم يرجم أحد بشهادة أربعة عليه مذ عصر النبي صلى الله عليه وسلم وحتى عصره .
    - وإما إقراره على نفسه بالزنا أربع مرات ، ويشترط في هذه الحال أن لا يكون الإقرار تحت التهديد أو الضغط أو الضرب .
    والمتأمل في النصوص الواردة في مثل قصة ماعز والغامدية يلحظ أن الشرع يميل إلى الستر على الزاني ، والتروي في إقامة الحد ، وأنه متى ما رجع عن اعترافه فإن الحد يدرأ عنه ، ولا مانع في مثل هذه الحال من التعزير إذا قامت عند القاضي قرائن لاتصل إلى درجة البينة لتنفيذ حد الزنى ، ومما يؤكد ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يطلب المرأة التي زنى ﺑﻬا ماعز ، ولم يسأله من هي ؟ بل ستر عليها درأ الحد عنها تغليبًا لجانب الستر .
    رابعًا : ثم إن الغاية من إقامة الحد هي تطهير الزاني من جريمته :
    وهذا في الحقيقة هو الفارق الجوهري بين المقصود من الحدود في الإسلام ، والمقصود منها في النظم الرعية ، فالخلاف حقيقة من أصل النظرة ، ولهذا فإن الجاني في الإسلام يأتي بنفسه إلى الإمام طالبًا تنفيذ حكم الله فيه حتى يطهر من ذنبه ، وهذا ما لا يمكن أن يدركه أي نظاٍم آخر .
    فعن سليمان بن بريدة عن أبيه { أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءته امرأة من غامد من الأزد ، فقالت : يا رسول الله طهرني ، فقال : ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه ، فقالت : أراك تريد أن تردني كما رددت ماعز بن مالك ، قال : وما ذاك قالت إنما أنا حبلى من الزنا ، قال : أنت ؟ قالت : نعم ، فقال لها : حتى تضعي ما في بطنك ..الحديث } . رواه مسلم
    وعن عمران بن حصين { أن امرأة من جهينة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنا ، فقالت : يا رسول الله أصبت حدا فأقمه علي - الحديث – وفيه : ثم أمر ﺑﻬا فرجمت ثم صلى عليها ، فقال له عمر : نصلي عليها يا رسول الله وقد زنت ؟ قال : لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم ، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله ؟ } رواه مسلم .

  15. #15
    :: رئيسة فريق طالبات العلم ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    الكنية
    أم طارق
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    الرياض
    المؤهل
    ماجستير
    التخصص
    دراسات إسلامية
    المشاركات
    7,440
    شكر الله لكم
    11,511
    تم شكره 9,467 مرة في 3,494 مشاركة

    افتراضي رد: دروس في فقه الجنايات والحدود 2

    الفصل الثالث
    حد القذف

    أولاً: تعريف القذف:
    القذف في اللغة : بمعنى الرمي .
    وفي الشرع : هو الرمي بزنا أو لواط .
    فلو رماه بما دون ذلك ، كالتقبيل ، والمباشرة ، وشرب الخمر ، والسرقة ، والكفر ، فليس بقذف ، وإنما فيه التعزير ، وكذلك لو قال: يا فاسق ياحمار يا كافر ونحو ذلك.
    ----------------------
    ثانياً: حكم القذف :
    القذف من كبائر الذنوب ، وقد جاء الوعيد الشديد عليه في الكتاب والسنة :
    أما الكتاب : فقال تعالى : " إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم ، يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ، يومئذِ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين ".
    وأما السنة : ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم:" اجتنبوا السبع الموبقات ، قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات". متفق عليه
    والمحصنات في هذه الآية بمعنى العفائف
    فائدة :
    المحصنات في القرآن جاءت بأربعة معان :
    أحدها : هذا ، أي العفيفات .
    والثاني : بمعنى المزوجات كقوله تعالى : "والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم "
    والثالث : بمعنى الحرائر كقوله تعالى: " ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات "
    وقوله سبحانه: " والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم "
    وقوله : " فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب "
    والرابع : بمعنى الإسلام كقوله : " فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة – الآية –" قال ابن مسعود إحصانها إسلامها .
    -----------------------
    ثالثاً: حد القذف :
    حد القذف : ثمانون جلدة إذا كان القاذف حرًا ، بالغًا ، عاقلاً، غير مكره .
    والدليل على ذلك من الكتاب والسنة والإجماع :
    أما الكتاب : فقوله تعالى : " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولاتقبلوا لهم شهادة أبدًا وأولئك هم الفاسقون ، إلا الذين تابوا من بعذ ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم "
    فرتب الله في هذه الآيات ثلاثة أحكام على القاذف :
    الأول : الجلد ثمانين جلدة .
    الثاني : أن ترد شهادته .
    الثالث : أنه من الفاسقين .
    فإذا تاب من ذنبه ، فإن توبته ترفع حكم الفسق باتفاق الفقهاء ، ولا ترفع عنه حكم الجلد بالاتفاق أيضًا ، فلو تاب قبل جلده فإنه يحد إذا طلب المقذوف لأنه حق آدمي فلا يسقط بالتوبة .
    وأما رد شهادته ، ففيها خلاف بين العلماء : فذهب الحنفية إلى أنه مردود الشهادة ولو تاب ، وذهب الجمهور إلى قبول شهادته بعد التوبة ، وسبب اختلافهم هو اختلافهم في الاستثناء المذكور في الآية هل هو عائد على جميع ما ذكر في الآية الأولى أم على الجملة الأخيرة منه ، فالأحناف يرون أنه عائد على الجملة الأخيرة فقط ، والجمهور يرون أنه عائد على جميع ما ذكر ، وإنما خرج الجلد بالإجماع .
    وأما السنة : فعن عائشة رضي الله عنها – في قصة الإفك- ، قالت : "لما نزل عذري ، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فذكر ذلك ، وتلا القرآن ، فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا حدهم " أخرجه الخمسة
    وقد أجمعت الأمة على أن حد القذف ثمانون جلدة للحر .
    فإن كان القاذف عبدًا فحده أربعون جلدة ، لقوله تعالى - في الإماء- : " فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب " وحكم الرجال الأرقاء كالإماء .
    --------------------
    رابعاً: من هو المحصن في باب القذف :
    من شروط حد القذف أن يكون المقذوف محصنًا ، فلو قذف غير محصن فلا يحد وإنما فيه التعزير .
    فمن هو المحصن في باب القذف ؟
    ينبغي أن يعلم أولاً أن المحصن في باب القذف غير المحصن في باب الزنا .
    فالمحصن في باب القذف هو : الحر ،المسلم ، العاقل ، العفيف ، الذي يجامع مثله.
    فهذه ستة شروط :
    أن يكون
    1- مسلمًا : فلا حد على من رمى غير المسلم لقوله تعالى : " إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات " .
    2- حراً : فلا حد على من رمى عبدًا .
    3- عاقلاً : فلو قذف مجنونًا فلا حد لأنه لايلحقه عار بذلك .
    4- عفيفًا : أي من الزنا في الظاهر ، ولو تائبًا منه ، فلو رمى فاجرًا فلا حد ، لقوله تعالى في الآية السابقة : " الغافلات " أي عن الزنا.
    5- يجامع مثله : وهو يختلف بحسب حال المقذوف ، ولدًا كان أو بنتاً ، وضبطه الحنابلة بابن عشر سنين ، وبنت تسع ، والأولى عدم التحديد لأن هذا يختلف بحسب حال المقذوف وجسمه .
    فلو قذف من لا يجامع مثله ، كابن خمس سنين فلا حد لأنه لا يلحقه العار بذلك.
    -------------------
    خامساً : هل الأغلب في حد القذف حق الله أم حق الآدمي ؟ :
    اختلف أهل العلم في ذلك :
    فذهب الأحناف إلى أن الأغلب هو حق الله .
    وذهب الجمهور إلى أن الأغلب هو حق الآدمي .
    ويترتب على هذا الخلاف مسألتان ، وهما :

    1. هل يشترط لإقامة الحد مطالبة المقذوف ؟
    2. وهل يسقص الحد بعفوه ؟
    فمن غلب حق الآدمي وهم الحمهور قالوا : يشترط لإقامة الحد مطالبة المقذوف ، كما قالوا : يسقط الحد بعفوه ، كالقصاص .
    أما الأحناف فقالوا : يجب إقامة الحد ولو لم يطلب المقذوف ، ولايسقط بعفوه لأنه حق الله ، فلا يسقط بالعفو كسائر الحدود .
    وسبب الخلاف في هذه المسالة : أن حد القذف فيه شبه بالقصاص ، كما أن فيه شبهًا بالحدود ، فهو من جهة يشبه القصاص لأنه مشروع جزاءً لاعتداء القاذف على عرض المقذوف ، كما أن القصاص مشروع جزاءً لاعتداء الجاني على نفس اﻟﻤﺠني عليه ، ومن جهة أخرى فإن قاعدة الشريعة في الجوابر والتعويضات أن تكون بالمثل ، ولكن في هذه الحال تتعذر المعاقبة بالمثل ، فشرع الحد جلدًا فمن هذه الجهة أشبه الحدود .
    والأقرب والله أعلم هو قول الجمهور ، فالأغلب فيه هو حق الآدمي فلا يستوفى إلا بطلب المقذوف ، ويسقط بعفوه ، والله أعلم.
    ------------------
    سادساً: ألفاظ القذف :
    ألفاظ القذف على ثلاثة أنواع :
    1. صريح القذف : هو اللفظ الذي لايحتمل غير القذف .
    مثل : يا زاني ، يا لوطي ، أو قد زنيت ، أو يا منيوك ويا منيوكة إن لم يفسره بفعل زوج أو سيد ، فإن فسر بفعل زوج أو سيد فليس بقذف .
    ومن قال : يابن الزانية فهو قذف لأمه .
    ومن صريح القذف كذلك : نفي نسبه ، مثل أن يقول : لست ولد فلان ، فهذا قذف قذف لأمه أي المقول له ، وكذا لو نفاه عن قبيلته لحديث الأشعث بن قيس مرفوعا : " لا أوتى برجل يقول : إن كنانة ليست من قريش إلا جلدته " ، ولأنه لايكون لغير أبيه إلا بزنى أمه .
    فمثل هذه الألفاظ يحد قائلها مطلقًا سواء ادعى أنه لم يقصد القذف أم لم يدع ذلك ، وسواء كان هناك قرينة ظاهرة على أنه قصد القذف أم لم يكن .
    2. وكناية القذف : هو اللفظ الذي يحتمل القذف وغيره .
    مثل : يا قحبة ، يا فاجرة ،يا خبيث ، يا خبيثة ، فضحت زوجك ، نكست رأسه ، جعلت له قرونًا ، زنت يداك ،ونحو ذلك .
    فهذا ينظر فيه إلى ظاهر الحال : فإن كان ظاهر الحال يدل على أنه قصد القذف فإنه يحد به ، حتى ولو ادعى أنه لم يقصد القذف ، أما إن كان ظاهر الحال لا يدل على أنه قصد القذف ، وفسره هو بغير القذف فيقبل تفسيره ولا يحد ، بل يعزر ، كأن أراد بالمخنث المتطبع بطبائع التأنيث ، وبالقحبة المتعرضة للزنى وإن لم تفعله ، وبالفاجرة الكاذبة ونحو ذلك .
    3. والتعريض بالقذف : مثل أن يقول لمن يخاصمه : ما أنت بزان ، ما يعرفك الناس بالزنا ، يا حلال ابن الحلال ، أو يقول : ما أنا بزان ولا أمي بزانية إن يقصد بذلك التعريض بالآخر .
    فاختلف أهل العلم في ذلك فيما إذا كان هناك قرينة تدل على قصده القذف :فذهب بعضهم إلى أنه ليس بقذف ولو وجدت قرينة ، لما يلي :
    1- لما في الصحيحين أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم إن امرأتي ولدت غلاما أسود يعرض بنفيه فلم يلزمه بذلك حد ولا غيره .
    2- ولأن الله فرق بين التعريض بالخطبة والتصريح ﺑﻬا فأباح التعريض في العدة وحرم التصريح فكذلك في القذف.
    وقال بعضهم : عليه الحد ، لما يلي :
    1- لأن عمر حين شاورهم في الذي قال لصاحبه ما أنا بزان ولا أمي بزانية فقالوا قد مدح أباه وأمه فقال عمر : قد عرض بصاحبه ، فجلده الحد .
    2- وروى أن عثمان جلد رجلا قال لآخر يا ابن شامة الوذر يعرض له بزنا أمه والوذر قدر اللحم يعرض له بكمر الرجال.
    3- ولأن الكناية مع القرينة الصارفة إلى أحد محتملاﺗﻬا كالصريح الذي لا يحتمل إلا ذلك المعنى ولذلك وقع الطلاق بالكناية.
    4- ولأن هذه الألفاظ يراد ﺑﻬا القذف عرفا فجرت مجرى الصريح .
    وهذا القول هو الصحيح ، وهو أن التعريض يعد قذفًا إذا وجدت قرينة تدل على أنه قصد القذف ، فإن لم يكن في حال الخصومة ولا وجدت قرينة تصرف إلى القذف فالأقرب أنه ليس بقذف .
    وأما الجواب عن الحديث الذي استدل به أصحاب القول الأول فنقول : إن الرجل جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم مستفتيًا ، ولم يقصد القذف .
    وبهذا يتبين أن حكم التعريض بالقذف كحكم الكناية .
    فائدة هامة : المرجع في تحديد ألفاظ القذف وكونها صريحة أم كناية أم تعريضًا إلى العرف ، فما عده الناس صريحًا في القذف أو كناية فيه أو تعريضًا به فهو كذلك ، وما لا فلا .
    -------------------
    سابعاً: حكم من قذف جماعة :
    من قذف أهل بلد ، أو جماعة لا يتصور منهم الزنا عادة ، فلا حد عليه ، لأنه لاعار عليهم بذلك ، للقطع بكذبه ، وإنما يعزر .
    وإن كان يتصور الزنى منهم عادة وقذف كل واحدة بكلمة فعليه لكل واحد حد لتعدد القذف وتعدد محله كما لو قذف كلا منهم دون أن يقذف الآخر ، وإن كان إجمالا كقوله هم زناة فحد واحد لقوله تعالى : " والذين يرمون المحصنات الآية " ولم يفرق بين قذف واحد وجماعة ، ولأنه قذف واحد فلا يجب به أكثر من حد .
    -----------------
    ثامناً: شروط إقامة حد القذف :
    يشترط لإقامة حد القذف ما يلي :
    الشرط الأول : ثبوته :
    ويثبت حد القذف بإقراره أي القاذف ، أو بشهادة عدلين على أنه نطق به .
    الشرط الثاني : مطالبة المقذوف :
    وهذه المسالة محل خلاف بين أهل العلم ، وتبين أن القول الصحيح أن حد القذف لا يقام إلا بطلب من المقذوف .
    ولو مات المقذوف ولم يطالب به سقط .
    ومن قذف ميتًا فلوارثه المطالبة بإقامة الحد عليه .
    فائدة : قال أهل العلم : من قذف نبيًا كفر ، وقتل ، ولو تاب .
    ----------------
    تاسعاً: مسقطات حد القذف :
    يسقط حد القذف بمايلي :
    1- عفو المقذوف :
    فلو طالب بالحد ثم عفا سقط الحد عن القاذف ، على الصحيح من أقوال أهل العلم .
    2- ثبوت الزنا على المقذوف :
    إما بإكتمال أربعة شهداء ، أو بإقرار المقذوف به .
    وعلى هذا فو شهد ثلاثة على شخص بالزنا فإنهم يحدون حد الفرية أي القذف .
    3- اللعان :
    وذلك بالنسبة للزوج في قذفه لامرأته ، فيدرأ حد القذف عن نفسه بملاعنته .
    -------------------
    عاشراً : إن قيل : ما الحكمة في إيجاب حد الفرية على من قذف غيره بالزنا دون الكفر ؟
    الجواب من وجهين :
    الأول : ما أشار إليه ابن القيم رحمه الله بقوله :" إن القاذف غيره بالزنا لا سبيل للناس إلى العلم بكذبه ، فجعل حد الفرية تكذيبا له ، وتبرئة لعرض المقذوف ، وتعظيما لشأن هذه الفاحشة التي يجلد من رمى ﺑﻬا مسلما ، وأما من رمى غيره بالكفر فإن شاهد حال المسلم واطلاع المسلمين عليها كاف في تكذيبه ، ولا
    يلحقه من العار بكذبه عليه في ذلك ما يلحقه بكذبه عليه في الرمي بالفاحشة ، ولا سيما إن كان المقذوف امرأة ، فإن العار والمعرة التي تلحقها بقذفه بين أهلها وتشعب ظنون الناس وكونهم بين مصدق ومكذب لا يلحق مثله بالرمي بالكفر ".
    والثاني : ولأن القذف لا يقتصر ضرره على المقذوف وحده ، بل يلحقه وزوجه وأولاده وعشيرته ، بخلاف الكفر .

صفحة 1 من 2 1 2 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

جميع الموضوعات والمشاركات التي تطرح في الملتقى لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الملتقى، وإنما تعبر عن رأي كاتبها فقط.
وكل عضو نكل أمانته العلمية إلى رقابته الذاتية!.

﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران:98].