تقديم
بقلم: عمر عبيد حسنة
الحمد لله الذي خاطب المؤمنين بقوله: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)[آل عمران:137 -140].
وجعل السير في الأرض، واستقراء تاريخ الأمم السابقة، والنظر في الكيفيات، والاهتداء إلى السنن والقوانين التي تحكم حركة المجتمعات وتحولاتها، والاتعاظ والاعتبار بها، تكليفًا شرعيًّا، يثمر الوقاية والمناعة الثقافية، كما جعل الاستعلاء بالإيمان حائلاً دون السقوط الحضاري، وشرطًا لمعاودة النهوض والتجاوز، وحسن التعامل مع سنة التداول الحضاري، للإقلاع من جديد.
والصلاة والسلام على الرسول القدوة، الذي حذرنا من الانتهاء إلى الحالة الغثائية، حالة الوهن والضياع التي تنتهي إليها الأمة، بسبب من التقليد الجماعي، والمحاكاة الحضارية، بقوله: "يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها.. قالوا: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكن غثاء كغثاء السيل، ولينزعنَّ الله المهابة من قلوب أعدائكم، وليقذفنَّ في قلوبكم الوهن. قيل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت".
وغثاء السيل يعني: افتقاد الأمة المسلمة القوة والإرادة، الذي يعني غلبة الأعداء، والسقوط الحضاري.. وبعد:
فهذا كتاب الأمة الحادي والثلاثون: (الصحوة الإسلامية في الأندلس اليوم) للدكتور علي المنتصر الكتاني، في سلسلة "كتاب الأمة" التي يصدرها مركز البحوث والمعلومات برئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية في دولة قطر، مساهمة في التحصين الثقافي، والوعي الحضاري، وإعادة تشكيل شخصية المسلم المعاصر، في محاولة لبعث الأمة، وإحياء مواتها، واسترداد دورها في الشهادة والقيادة (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً)[البقرة:143]، وإعادة بناء "الأمة المعيار"، وتخليصها من حالة الوهن والغثاء، والتخاذل الفكري، التي تستحوذ عليها، فتعطل فيها القدرة على الاعتبار بتاريخها الخاص، علاوة عن امتلاك القدرة على السير في الأرض، والاطلاع على التاريخ العام، والنظر إلى سنن الله في الأنفس والآفاق، واكتشاف القوانين والأقدار التي تنتظم الحركة التاريخية، وتتحكم بسقوط الأمم ونهوضها في نطاق التاريخ العام.
ولعل من أقدار الله سبحانه وتعالى، أن يترافق إصدار هذا الكتاب الذي يرصد محاولات الصحوة الإسلامية في الأندلس اليوم، للعودة إلى الجذور، في هذه السنة بالذات، مع مناسبة مرور خمسمائة سنة على سقوط غرناطة التي سقطت عام 1492م، كما يترافق مع الحقبة التي يعيشها العالم العربي والإسلامي اليوم من التخاذل والتمزق والاستسلام، الأمر الذي لم يخرج بعمومه وملامحه عن حقبة ملوك الطوائف، التي كانت المقدمة والنتيجة الطبيعية للسقوط الإسلامي في الأندلس، بعد ثمانية قرون من العطاء الحضاري والثقافي، الذي يمثل فعلاً الفصل المشرق من تاريخ أسبانيا وشبه جزيرة أيبريا، بل الأساس العلمي والمعرفي للحضارة الأوروبية عامة.
لقد كان المفروض أن يكون سقوط الأندلس بيانًا للناس، واهتداءً إلى أسباب السقوط، وعبرة للأمة المسلمة، حتى تتقي السقوط (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ)[آل عمران: 138]. بعد أن حقّت عليها سنة الله في الهلاك، والتداول الحضاري، ودالت دولة المسلمين وحضارتهم، حيث كانت الرفاهية والبطر والترف، طريق الفسوق الموصل إلى الدمار.. فقد كانت غرناطة حصن المسلمين الأخير الذي لم يسقط بسهولة، ولكن ا لمقدمات كلها توحي بأنه كان لابد من سقوطها في سلسلة السقوط للمدن والدويلات الأندلسية، التي أصبحت جسمًا ينخره الخلاف على السلطة، والغرق في الفساد، وتأكله العنصرية والإقليمية، والطمع في الحكم، إلى درجة أصبح فيها الابن ينازع أباه، والأخ يقاتل أخاه، حتى لقد أصبح في الأندلس أكثر من عشرين دولة تتنازع، ففي كل مدينة دولة، إضافة لاتساع الهوة الرهيبة بين الحكام وأهل الفكر والعلم، مما اضطر الكثير من العلماء والمفكرين والعباد إلى الهجرة إلى بلاد الشام وأفريقيا، فأصبح الحكام يحكمون بلا عقل مفكر، ورأيٍ ناضج ناصح، وأصبح العلماء والمفكرون في خارج نطاق الواقع،والحس بهمومه، واستيعاب مشكلاته، ووضع الأوعية والحلول الفكرية والشرعية لمسيرة الأمة. فاختلفت معادلة الحكم والعلم على حد سواء، وحدث الشرخ الحضاري بانفصال السلطان عن القرآن، والسياسة عن الثقافة، والحكم عن العلم، فكان استدعاء الآخر، والاحتماء به، ثمرة طبيعية لهذا الواقع البئيس.
ونستطيع أن نقول: إن السبب الكامن وراء هزائمنا وتخلفنا وسقوطنا السياسي والحضاري وتخاذلنا الثقافي، يرتكز تاريخيًّا حلول نقطتين أساسيتين: أولاهما: الارتداء إلى روح التَّعرُب وسيطرة الروح العنصرية القبلية، الأمر الذي يفتت الأمة، ويبعثرها، ويمزق رقعة تفكيرها، ويذهب ريحها، حيث يمتد التمزق ويمتد، ولا يتوفق عند حدِّ، حتى يصل إلى أفراد الأسرة الواحدة.وما أظن أن واقعنا اليوم يحتاج إلى شواهد وإسقاطات تاريخية.
والنقطة الثانية التي كانت وراء تمزقنا وتآكلنا وسقوطنا الحضاري: قضية الغنيمة، وتغليب المصالح القريبة العاجلة والموهومة، على المبادئ والقيم الإسلامية التي هي محض المصلحة.. ويمكن لنا أن نعيد قراءة إصاباتنا التاريخية والمعاصرة، ابتداء من غزوة بني المصطلق في عصر النبوة، والنداء الشاذ النتن، الذي كاد يثير الفتنة بين المهاجرين والأنصار، بسبب الأسبقية على الماء، ومعالجة الرسول صلى الله عليه وسلم لتلك الظاهرة الشاذة؛ بقوله: "أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟! دعوها فإنها منتنة"، لتبقى شاهد إدانة لكل العنصريين، والمتعصبين والمنحرفين على التاريخ الطويل؛ ومرورًا بالاختلاف على قسمة غنائم بدر، التي وصفها بعض الصحابة بقوله: اختلفنا حتى كادت تسوء أخلاقنا، ومن ثم الدرس القاسي في هزيمة أحد الذي بيَّن سببه الله تعالى بقوله: (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا)[آل عمران:152]، وبقي قرآنًا خالدًا يتلى على الزمن؛ ووصولاً إلى معركة بلاط الشهداء في الإطار الأندلسي، حيث كانت الغنيمة والحرص عليها، سببًا في هزيمة المسلمين، وتوقف المد الإسلامي عند أسوار أوروبا.
ولا تزال الروح القبلية الجاهلية والحمية العنصرية، والإقليمية المغلقة، والتطلع والنزوع إلى الغنيمة، تسري في حياة المسلمين المعاصرة، وتشتد كلما تراجعت المعاني الإيمانية.. ولا تزال خيام القبائل منصوبة في نفوسنا، واقتتالها وغزوها واحتلالها لبعضها، هو الشائع في عالمنا الإسلامي، على الرغم من الإعلانات والشعارات وأطر التحديث، واستبدال أسماء الدويلات بأسماء الإقليميات، التي باتت لا تخدع حتى أصحابها.. إنه مناخ النتانة السلوكية والفكرية والسياسية، الذي حذر منه الرسول صلى الله عليه وسلم في بدء بناء الدولة، وجعل التعرّب بعد الهجرة – وهو العودة إلى استبدال رابطة العنصرية، والقبلية الجاهلية، برابطة الرسالة الإسلامية – من الكبائر الموصلة إلى السقوط الحضاري في الدنيا، والسعير في الآخرة.
لذلك بإمكاننا القول، دون أية مجازفة أو تجاوز: إن قابليات السقوط الحضاري والسياسي ومقدماته التي عاشتها الأندلس، ما تزال تحكم بعض العقليات العربية، على مستوى الفرد ومستوى المؤسسات، على حدٍ سواء، فتاريخ الأندلس في النفس المسلمة، سوف يبقى شاهد إدانة لا يغيب، وجرحًا غير قابل للنيسان بمرور الزمن؛ لأن حوادثه ومجرياته تجدد الذاكرة، وتعمق الآلام، على الرغم من المحاولات الكثيرة التي تصر على وضعه مع غيره في ساحات النسيان، أو على الأقل تحول دون مناقشة عبره، والإفادة منها لحاضر الأمة ومستقبلها، حتى ليكاد الإنسان يظن أن تغييب دراسة التاريخ الأندلسي، مقصود لحماية الحاضر العربي والواقع الإسلامي، الذي لا يخرج عن أن يكون أحد فصوله.. ذلك أن أية قراءة صحيحة للتاريخ الأندلسي سوف تمكن من قراءة الحاضر وإدانته، وتحقق الوعي الحضاري بمصائب الأمة وأزماتها ومشكلاتها، في محاولة لاستئناف دورها من جديد، الأمر المحظور سياسيًّا وحضاريًّا اليوم في ظل الهيمنة السياسية والتحكم الثقافي.. لذلك نجد أن دراسة التاريخ كما يجب أصبحت وكأنها من الأمور المحرمة على العقل المسلم اليوم تحت شتى الفلسفات.
إن عزوفنا عن قراءة تاريخنا بشكل عام، وتاريخ الأندلس بشكل خاص، يعني فيما يعني: الإصرار على الضياع والضلال، وإلغاء ذاكرة الأمة، وإضاعة الاعتبار بالتاريخ لحاضر الأمة ومستقبلها، فنحن لم نُضع الأندلس فقط، وإنما نصر على إضاعة غيرها، لتستمر حالة الضياع لعالمنا، وتستمر الهيمنة الخفية على مقدراتنا ومؤسساتنا.
لذلك نرى أن من أخطر مظاهر السقوط الحضاري، والانكسار العسكري والتخاذل الثقافي، ليس متمثلاً فقط في عجز الأمة عن تمثل تاريخها لبناء حاضرها، واستشراف مستقبلها، وإنما في عجزها أيضًا عن حماية تاريخها من النهب الفكري، والاستلاب الحضاري، وهو ما نعيشه اليوم من عناية الآخرين بتاريخنا وتحليله ودراسته وفق أغراضهم وأهدافهم؛ لأنه يشكل المدخل الصحيح للتعامل معنا والهيمنة علينا، واكتشاف مواطن الضعف والثغرات، التي أوتينا من قبلها ولا نزال.
وقد لا نستغرب أن تفرز إسرائيل الكثير من علمائها ودارسيها، للتخصص بدراسة الحروب الصليبية، في مقدماتها ونتائجها في العالم الإسلامي، لتفيد من تجربتها، وتتجنب عثارها، وتقيم الندوات والمؤتمرات التخصصية، وتستدعي الكثير من المتخصصين في الجامعات ومراكز البحوث لدراسة موقعة حطين، والاحتفال بذكراها، وترسل كثيرًا من مبتعثيها لدراسة التاريخ الإسلامي والتخصص به.. فعلى سبيل المثال: تخصص "موشى ليفي" - الرئيس الأسبق لأركان جيشها - في التاريخ الإسلامي، وحصوله على دبلوم فيه: "حصلت على دبلوم في التاريخ الإسلامي لأعرف كيف أحارب المسلمين، وأقضي عليهم".
وإحياء ذكرى "موسى بن ميمون" القرطبي الأندلسي، حيث أطلق يهود على عام 1985م عام "ابن ميمون"، وذلك بمناسبة مرور 850 عامًا على ميلاده، ووظفوا للمناسبة عددًا من المؤتمرات والندوات كاللقاء الفلسفي السادس الذي عقد بمدينة القدس، والمؤتمر السنوي السادس والعشرين للمثقفين اليهود بفرنسا (30/11/1985م).. كما وظفوا لها كبريات الصحف العالمية مثل صحيفة "لوموند" الفرنسية، التي أفردت صفحة كاملة بعددها الصادر بتاريخ 27/12/1985م لمقالين أحدهما بعنوان "عام ابن ميمون"، والآخر بعنوان "تأملات حول الدولة اليهودية وتراثها"، وكانت الصفحة نفسها تحت عنوان "تسعة قرون من اليهودية"!
وقد لا نستغرب أيضًا أن تاريخنا الإسلامي في الأندلس، الذي طويناه بقصيدة بكائية: "لكل شيء إذا ما تم نقصان..."، استسلمنا فيها للواقع وفلسفناه، ما تزال شاهدة معلقة على قبر الحضارة الإسلامية هناك، على الرغم من عبره وعطائه الثقافي، الذي كان وراء انبعاث حضارة أوروبا.. وقد لا نستغرب أنه يُهوَّد اليوم، أو تعاد قراءته بأبجدية يهودية، حيث يثب اليهود على التاريخ الأندلسي كاملاً، ويجعلون من أنفسهم شركاء في بناء الحضارة.. وليس هذا فقط، وإنما يحاولون سرقة الحضارة الإسلامية كلها، واعتبارها جزءًا مهمًا من تاريخ اليهود في الشتات، ويخطفون علماءها وأحداثها، ويضيفونها إلى تاريخ الحضارة العبرية.
فابن رشد عندهم من أصول يهودية، ودليلهم في ذلك: أنه بعد غضب الخليفة عليه، لاشتغاله بالفلسفة نفاه إلى قريته الأصلية، والقرية كان فيها أقلية من يهود، فهو إذن يهودي! وانطلاقًا من هذا، أنشأوا في الجامعة العبرية بالقدس، مركزًا للدراسات الرشدية، طبعوا فيه كتب ابن رشد بالعربية، وترجموها إلى العبرية والإنجليزية.
ولم يقتصر الأمر على انتهاب ابن رشد وتزويره، فقد امتد التزوير إلى التاريخ الأندلسي كله، حيث يحاول اليهود أن يثبتوا أنهم كانوا وراء التألق الحضاري والثقافي، بما قدموه للحكام من علماء ومستشارين وخبراء، كابن ميمون، وابن جيبرول وسواهما. وأنهم شركاء في الحكم، والسياسة، والثقافة، فالتاريخ إذن هو تاريخ يهودي عربي في الوقت نفسه، وقد يكون ذلك مرحلة، ليصير تاريخًا يهوديًّا بالكامل!
إن قضم التاريخ الإسلامي وإعادة قراءته وفق أبجديات من الخارج الإسلامي، مستمرة في وقت الذهول العربي والإسلامي، ومحاصرة العقل المسلم وتهجيره، واستنزاف طاقاته، بإشغاله بأمنه وطعامه، وتحويل المؤسسات العلمية والبحثية لتكون في خدمة مصالح أفراد.
وعلى أحسن الأحوال، فكثيرًا ما تتحكم بنا ردود أفعال، ونأتي في الزمن الأخير، بعد فوات الأوان، لنجعل من الذكريات التاريخية مواسم للابتزاز السياسي والاحتفال الرسمي، حيث لا نضيف جديدًا لواقعنا المتردي.. ففي الوقت الذي تمر فيه ذكرى خمسة قرون على سقوط غرناطة، وانتهاء الحكم الإسلامي في الأندلس، وهي ذكرى يتوقف عندها الكثيرون في العالم اليوم، ومنهم بعض الأسبان من الرسميين والمتعصبين، حيث ما يزالون يقيمون الاحتفالات الشعبية، ويزيفون صورة العرب والمسلمين، ويحاولون إضفاء البطولات الأسطورية على عمليات "الإنقاذ" للاسترداد من قبل الكاثوليك.
في الوقت ذاته، نجد الكثير من المؤتمرات الثقافية والفكرية، على مستوى أسبانيا والعالم اليوم، تحاول استرداد الحقبة الإسلامية، التي تمثل التاريخ الحقيقي للأندلس، واعتمادها لتصبح جزءًا من تاريخ أسبانيا بثقافتها وحضارتها وعلمائها، في محاولة للعودة إلى الجذور على المستوى الفكري والثقافي، بما في ذلك محاولات يهود.
بينما نجد الاهتمام العربي والإسلامي يكاد يكون معدومًا على المستوى الجماهيري والأكاديمي على حدٍّ سواء، على الرغم مما تمثله الأندلس في تاريخ الإسلام وتاريخ الحضارة العالمية.
ومما لا شك فيه، أنه بعد خمسة قرون من سقوط غرناطة، وانتهاء الوجود الإسلامي الظاهر في الأندلس، وإفراغ الكثير من الحقد الكاثولكي، بدأت موجات التعصب تتراجع بأقدار متفاوتة، أو تتراجع بأشكالها القديمة، على الرغم من عمليات الشحن التي تمارسها بعض الفئات، وتجددها بمناسبة سقوط غرناطة؛ لأن طبيعة العصر، وما تكشف من حقائق، وما تحقق من انفتاح، واتصال وتواصل، أدى إلى إعادة النظر بالمعادلات الاجتماعية والعلاقات الإنسانية والإنجازات الحضارية، لذلك بدأت بعض الأصوات الخافتة تعلو شيئًا فشيئًا، سواء في ذلك من يحاولون البحث عن الجذور ومحاولة العودة للاتصال بها، أو من يحاولون استرداد الحقبة الإسلامية بعطائها الحضاري والثقافي على مستوى أسبانيا والعالم؛ لأنها تشكل المرحلة المضيئة من التاريخ الأسباني نفسه، وعدم اعتبار الوجود الإسلامي مرحلة طارئة وغريبة.
أو بمعنى آخر: هناك محاولة اليوم تدعو إلى اعتبار الحقبة الإسلامية في الأندلس جزءًا من التاريخ القومي الأسباني (أسبنة الحقبة الإسلامية)؛ لأن ما عداها من تاريخ تلك البلاد هو تاريخ فقير في الإنجاز الحضاري والثقافي، وغني بالممارسات الهمجية التعصبية التي يصعب محوها من ذاكرة البشرية والتاريخ العام، فضلاً عن تاريخ أسبانيا.
لذلك بدأنا نلاحظ كيف يرد الاعتبار اليوم لأعلام الأندلس المسلمين، من أمثال ابن رشد، والقرطبي، وابن حزم، والشاطبي، وغيرهم، على أنهم جزء من أعلام التاريخ الأسباني، وذلك يعني فيما يعني: بدء مرحلة التصالح مع الذات، والتوجه صوب الموضوعية، وتصويب ذاكرة الأمة الأسبانية.. كما يعني من وجه آخر: أن الإسلام ليس أمرًا طارئًا على الأندلس، ولا أجنبيًّا، ولا احتلالاً من الخارج، أو موجة عسكرية أمكن حسمها بجند الغالب، وإنما هو خيار أندلسي، ونبات من تربة الأرض نفسها.. لذلك فالعودة إليه عودة إلى الأصل، إضافة إلى أن تجديد الاعتبار للحقبة الإسلامية في الأندلس، واعتمادها كجزء من التاريخ القومي الأسباني، سوف يبدد عقدة الخوف عند الكثيرين، ويسمح بإماطة وجوده؛ لأن التاريخ الباقي في نهاية المطاف هو التاريخ الثقافي، وليس التاريخ السياسي البائد، بصراعاته وأشخاصه، ويؤكد مرة أخرى أن قيم وحضارة المغلوب، كانت أقوى من عسكر الغالب على مدى القرون الطويلة التي لم تستطع أن تطويها.
لذلك نقول: إن أسبنة التاريخ الإسلامي في الأندلس، سوف يفتح الباب من جديد للإسلام بعطائه الثقافي والحضاري، فليس الإسلام عربيًّا ولا آسيويًّا ولا أفريقيًّا، وإنما هو خطاب الله للبشرية، للناس جميعًا.
وقد يكون من المخجل، أن مرور خمسمائة سنة على سقوط غرناطة، لم يسجل حضورًا في أي موقع من مواقعنا الفكرية، أو الثقافية، أو الأكاديمية، ولو حتى على مستوى التقليد والمحاكاة ورد الفعل، للمؤسسات ومراكز البحث العالمية، كما أنه لم يستنفر أو يهز حتى باحثًا واحدًا على المستوى الفردي ممن يتصدون للتحليل، والدراسة، والتفسير التاريخي، من المشارقة والمغاربة على حدٍّ سواء. فالجامعة العربية ومنظمات الثقافة والتربية والعلوم، مثل "الأسيسكو" و"الأليسكو" ووزارات الثقافة، ومراكز البحوث والدراسات التاريخية والإنسانية، والجامعات، في حالة ذهول وفقدان ذاكرة، وكأن الذكرى لا تعني سوى اليهود الذين يحاولون تزييف التاريخ، وانتهابه بغفلة من أهله، وبعض الأسبان سواءً الذين يحتفلون بالذكرى في الساحات العامة، أو الذين يحاولون جعل الحقبة الإسلامية جزءًا من تاريخ أسبانيا المتألق، بعيدًا عن دور الإسلام في بناء الحس الحضاري، أو المستشرقين الذين ينظرون إلى الموضوع – إذا تجاوزنا النوايا – من خلال بيئة ثقافية وحضارية مناقضة، أو مختلفة عن البيئة الحضارية والثقافية التي يحاولون التأريخ لها.
وقد يتوهم بعض أصحاب النوايا الساذجة، أو التشكيل المنهجي الخطأ، أن الأحداث التاريخية- وعلى الأخص ذكرى سقوط الأندلس- إنما تعني علميًّا فتح الجراح، والاحتفال بالهزيمة، ويغيب عنهم أنه استدعاء وإحياء لعبرة ماضٍ غني بالعبر، لتصويب الحاضر وإبصار المستقبل، لا يستغنى عنها في صيرورة الأمة التاريخية، ومشروعها في النهوض الحضاري، فالذكرى استصحاب للماضي، ورؤية للحاضر، وإطلالة على المستقبل، خاصة وأن الأندلس لم تكن أرضًا فقط احتلها العسكر المسلم، وقضوا فيها زمنًا، وإنما هي مرادفة للحضارة، والمعرفة، والقيم الإنسانية، والكسب العلمي، الذي يشكل الأرضية التي تقف عليها الحضارة الأوروبية اليوم، كما أن الأندلس لا تزال تعني فيما تعني: الحيز الهام من المكتبة الإسلامية في الفقه، والتفسير، والحديث، والقضاء والأدب، ولا يزال أعلام الأندلس من المعالم الكبرى في التراث الإسلامي، والميراث العلمي، والتشكيل الثقافي، حتى أننا نستطيع القول: إن ثقافة وحضارة المغلوب لا تزال حتى اليوم، أقوى من سلطة وقوة الغالب، ولا تزال الفترة الإسلامية هي مرحلة التنوير والحضارة في التاريخ الأسباني كله.. وإذا حذفنا حضارة المسلمين من تاريخ أسبانيا، فماذا يبقى لها غير الممارسات الوحشية التي يندى لها الجبين؟! الأمر الذي دعا الكثير من الأسبان اليوم للعودة إلى الجذور، والبحث عن هويتهم وحضارتهم الحقيقية، التي لابد أن يرتكزوا إليها.
يقول "أمريكو كاستروا" -وهو أكبر مؤرخي أسبانيا المعاصرين، والذي توفي قبل سنوات قليلة- في كتابه "الحقيقة التاريخية لأسبانيا": إن الأندلسيين هم الذين خلقوا أول شعور وطني في أسبانيا، وأنه لولاهم لما أصبح لأسبانيا أي تميز أو خصوصية، يعليان من شأنها بين الأمم، ليس من تاريخها الوسيط فحسب، بل في تاريخها الحديث أيضًا.
كما يسجل المستشرق الأسباني "الدكتور بدرومارتينيز مونتابث" شهادته قائلاً: إن أسبانيا ما كان لها أن تدخل التاريخ الحضاري، لولا القرون الثمانية التي عاشتها في ظل الإسلام وحضارته، وكانت بذلك باعثة النور والثقافة إلى أوروبا المجاورة المتخبطة آنذاك في ظلمات الجهل والتخلف.
لذلك يمكن القول: إن العقلاء في أسبانيا اليوم، يعملون لمصالحة أسبانيا مع نفسها، أو لانتصارها على نفسها، ولتجاوز عقدة التعصب، ومن ثم الإذعان للحقيقة؛ لأن الإسلام لا يزال يعيش في وجدانها، وذاكرتها وتقاليدها، وتراثها الشعبي ولغتها، على الرغم من كل الممارسات ضد الإسلام والمسلمين، ومحاكم التفتيش، ومعاناة المورسكيين، التي وصفها "جوستاف لوبون" في كتابه "حضارة العرب" بقوله: يستحيل علينا أن نقرأ دون أن ترتعد فرائصنا، من قصص التعذيب والاضطهاد، والتي قام بها المسيحيون المنتصرون على المسلمين المنهزمين، إنهم عمدّوهم عنوة، وسلموهم لدواوين التفتيش، التي أحرقت منهم ما استطاعت من الجموع.. وهكذا تم قتل وطرد ثلاثة ملايين عربي كانوا يشكلون النخبة الفكرية والصناعية في أسبانيا، وهكذا انطفأت حضارتهم الوهاجة التي ظلت تشع على أوروبا منذ ثمانية قرون.
ولعل المشكلة الحقيقية التي يعاني منها العقل المسلم المعاصر، في هذا الإطار، هي في افتقاد منهج النظر، أو ما يمكن أن نسميه: منهج الثقافة التاريخية وإدراك الآلية، أو السنن التي تخضع لها الحركة البشرية، والقوانين التي تحكمها وتتحكم فيها، أو بمعنى آخر: غياب الفقه التاريخي، ذلك أن سرد النصوص التاريخية، وتسجيل الحديث التاريخي، دون القدرة على الفقه للقوانين المحركة، أو قوانين الحركة التاريخية، وسننها الماضية في الأمم، لا يغني عن صاحبه شيئًا.. فعلى الرغم من الدعوة الملحة في القرآن الكريم للسير في الأرض، وأهمية التعرف على السنن التي تتحكم بسقوط ونهوض الأمم، وجعل ذلك مسؤولية وتكليفًا شرعيًّا: (فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)[آل عمران:137]، ولفت نظر الإنسان المسلم إلى أن هذا السير يجب أن يترافق مع البصارة، والنظر النافذ، الموصل إلى اكتشاف السنن وإدراك قوانين الحركة الاجتماعية، التي مضت وحكمت حركة الأمم، التي خلت والتي سوف تحكم وتتحكم بالأمة المسلمة إذا توفرت مقدماتها وأسبابها، وجعل الغاية في القراءة التاريخية والسير في الأرض هي اكتشاف السنن: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)، أي: انظروا في الكيفيات،في المقدمات التي انتهت بالأمم السابقة إلى المآلات والعواقب التي صارت إليها، حيث لم يرض الله سبحانه وتعالى للمسلمين، أصحاب الرسالة الخاتمة، أن يقتصروا على التجربة الذاتية، أو التاريخ الخاص، إن صح التعبير، وهو التاريخ الإسلامي، وإنما أراد لهم، بل كلفهم بتجاوز ذلك إلى إدراك التاريخ العام للأمم الأخرى، والتعرف على سنن الله الماضية في الخلق، التي كان التاريخ وحركته مخبرها وشاهدها، والتي قد يغيب إدراكها عن الحاضر المشاهد.. تلك ا لسنن التي لا تحابي أحدًا، وإلاَّ كان مجرد الإيمان، بمفهومه السلبي، كافٍ للنصر على الأعداء.. فأمة الرسالة الخاتمة الخالدة، هي الوريث الفكري والحضاري والمعياري للأمم السابقة، لذلك لا تستطيع القيام بهذه المهمة دون أن تتمكن من الحصول على رصيد التجربة البشرية كاملة، لتكون قادرة على القيام بمسؤوليتها، فالتاريخ ليس تراكم حوادث وحركة عشوائية عبثية لركام من البشر، وإنما هو استجابة لقناعات فكرية، وموجهات قيمية وتقاليد اجتماعية، وحركة تكمن وراءها سنن وقوانين، هي أشبه بالساعة التي قد لا نرى منها غير حركة عقاربها دون إدراك منا للآلة التي تختفي وراءها، وتضبط حركة الزمن فيما نراه من حركة عقاربها.
ونستطيع أن نقول بدون أدنى تحفظ: إنه على الرغم من الدعوة للسير في الأرض، وأهمية اكتشاف السنن الفاعلة في الحركة التاريخية، ودور هذا الاكتشاف في البناء الحضاري، وحسن القيام بأعباء الاستخلاف الإنساني، والمسؤولية الشرعية، أو الأمر الشرعي في ذلك الذي يمكن أن يصنف في إطار الفروض الكفائية الغائبة عن حياة المسلمين اليوم، مع هذا كله لم تأخذ الحادثة التاريخية، لا على مستوى التاريخ الخاص بالأمة المسلمة- الاعتبار بتجربتها- ولا على مستوى التاريخ العام- الاعتبار برصيد التجارب العالمية- الفقه، والتفسير، والتحليل المطلوب للذهنية الإسلامية المعاصرة، وغالبًا ما اقتصر علم التاريخ عند المسلمين على حفظ الحوادث، والأمانة في نقلها، وتسجيلها، وضوابط منهج النقل وأدواته. وهذا العمل على أهميته وضرورته، يبقى في إطار تشكيل مقدمة العلم، والظواهر التي لا بد من النظر فيها للخلوص إلى العلم الذي ينتظم حوادثها، ويربط بين متفرقاتها، حيث أن الأهم هو القدرة على استقراء الحوادث، واكتشاف القانون والسنن التي تحكمها، ليتمكن بذلك الإنسان من إدراك سيرورة الاجتماع البشري، واستشراف المآلات المستقبلية للمقدمات الموجودة، بعيدًا عن التكهن والتخمين والظن، ويدرك المدى الممكن من المداخلة وتحويل المسار والتعديل بالمقدمات في الوقت المناسب، في محاولة للتحكم بالنتائج، والتبصر بالعواقب، وعدم تكرار الخطأ في تجارب مماثلة.
إن البحث في البواعث والمقاصد، والكيفيات التي تحكم السقوط والنهوض، وسنن التدافع البشري الموصلة إلى التحولات التاريخية والتداول الحضاري، ما يزال بعيدًا عن الذهنية المسلمة، إلا من بعض المحاولات الفردية غير المتأصلة هنا وهناك، والتي غالبًا ما تأتي نتيجة ردودٍ لفعل الآخرين، وصدى لمحاولاتهم، وعلى أحسن الأحوال تأتي محكومة بمناهجهم ووسائلهم في النظر والبحث، الأمر الذي لا يخرج في النهاية عن أن يكون ثمرة لثقافاتهم، أو لتشكيلهم الثقافي، بعيدًا عن النسق المعرفي والفلسفي الإسلامي، أي: ثمرة لشاكلتهم التي يعملون عليها.
فالتاريخ بدون إدراك السنن والقوانين التي حكمت حركته، يبقى فعلاً ماضيًّا لا يمكن استعادته، وإعادة التحكم في تركيبته وترتيبه من جديد، لكن تتحدد أهميته بامتلاك القدرة على نقل عبرته للحاضر الذي يمكِّن من رؤية المستقبل، أو بمعنى آخر: إن الشهود التاريخي لا قيمة له إذا لم يمكِّن من شهود الحاضر (الشهود الحضاري)، وإبصار المستقبل (الشهود المستقبلي)، وتلك لوازم يترتب بعضها على بعض.
وهذا الواقع الثقافي المحزن،إذا انطبق على تاريخنا بشكل عام، فإنه أشد ما يكون وضوحًا في تاريخنا في الأندلس بشكل خاص، حيث لا تزال الأندلسيات المأساوية تتكرر هنا وهناك، ويتحدد نصيبنا من ذلك في امتلاك العَبْرَة وفوات العِبْرَة.
فالتاريخ هو المختبر الحقيقي للعقائد والأفكار والشعارات والأفراد والأمم، وبيان قدرتها على التعامل مع تلك العقائد والأفكار، وترجمتها إلى واقع، وتمكينها من التفسير والتحليل التاريخي، وهو الذي يمكنها من قراءة واقعها ووضعه في موضعه المقارب له من المسيرة التاريخية، كما يمكنها من التطلع إلى صناعة مستقبلها.
وفي اعتقادنا أن المحاولات التي سُبقنا إليها في مجال الدراسات التاريخية- والتاريخ يعتبر الأب الشرعي لعلم الاجتماع- واكتشاف السنن والقوانين التي تحكم وتتحكم بحركة المجتمع البشري، هي التي أوصلت الآخرين إلى تأسيس وتأصيل علم الاجتماع وبلورته كعلم أصبح اليوم من أهم العلوم وأخطرها في دراسة أحوال الأمم، وعوامل تغييرها وتغيرها، ورسم المداخل الصحيحة للتعامل معها، سواءً كان ذلك في إطار الغزو الفكري والاستلاب الحضاري، أو في مجال التبادل المعرفي، وإيجاد القواسم والصيغ المشتركة للتعامل.. وقد تكون المشكلة الكبيرة في الذهول عن هذا المنحى، وتوقفه في العقل المسلم المعاصر، على الرغم من التكليف الشرعي بالسير في الأرض، واستقراء أحوال الأمم السابقة، وتحقيق المعرفة التي تمكن من اكتشاف آلية السقوط والنهوض، والقوانين التي تحكم الاجتماع البشري، وجعل ذلك من فروض الكفاية كما أسلفنا.
وبالإمكان القول: إننا لم نفقه بعد المغزى فيما عرض له القرآن الكريم من القصص، التي تسع التجربة البشرية من لدن آدم عليه السلام حتى محمد صلى الله عليه وسلم، وما طرحه من أسباب وسنن مادية، وفكرية، ونفسية، وإيمانية للنهوض، والسقوط، والانقراض، والتقطيع في الأرض، وشروط استعادة العافية في دورات التداول الحضاري، مما يمكن أن يشكل القوانين اليقينية للحركة الاجتماعية، ويضع الأصول الأساسية لعلم الاجتماع.. إنَّ هذا الفقه التاريخي، أو الفقه القرآني، لم يأخذ البعد المطلوب، ولم يحملنا إلى الإفادة من تلك المختبرات الإنسانية في القصص القرآني التي تتساوى في نتائجها اليقينية مع النتائج المختبرية في العلوم التطبيقية.. تلك القوانين التي يستحيل تحصيلها من قراءة الحاضر، الذي يبدو متقلبًا ومتناقضًا من خلال حركته السطحية السريعة.. إن غياب هذا الفقه، كان وراء تخلفنا في سائر العلوم الاجتماعية التي تمثل في الحقيقة الجسر الذي تعبر من خلاله الغلبة الحضارية.
وقد يكون من أسباب العزوف عن التحليل والتفسير التاريخي، وتحقيق الاعتبار المطلوب: الانحياز العاطفي للتاريخ الإسلامي، والشعور بقدسيته (اختلاط قدسية النص ببشرية الاجتهاد والتطبيق)، والتوهم أن البحث في الأخطاء، وتحديد الإصابات، وكشف أسبابها، يحط من قدر الإسلام نفسه، وينال من الحضارة الإسلامية.
وقد يكون من الأسباب أيضًا: الرغبة في التستر على الحاضر، والحيلولة دون تحديد موقعه بدقة من خلال المسيرة التاريخية للأمة، وبيان الخلل الذي يحكمه، الأمر الذي لا يروق لكثير من أصحاب النفوذ والسلطان السياسي.. فإذا تتبعنا الثقافة التاريخية لمعظم مراحل التاريخ الإسلامي، ومنها الحقبة الأندلسية، نجد أنها لا تخرج عن الإعجاب ببعض الإنجازات والمشخصات المادية، التي غالبًا ما تستهوي السيِّاح، بعيدًا عن النظر في العمق الحضاري والثقافي، الذي وصل بالأمور إلى ما وصلت إليه، والوقوف أمام التاريخ وجهًا لوجه، واكتشاف السنن، التي عملت عملها في المسلمين هناك من التناحر، والصراع على السلطة، وأدت إلى هجرة العقول، وإقامة الكيانات، والدويلات والطائفيات الصغيرة، والاستعانة بالأعداء وموالاتهم، ودفع الجزية لهم من الأموال الطائلة، ليقوموا بحماية تلك الكيانات الهزيلة، التي لا تستحق البقاء في الحكم، والتي لم تغنها الحماية الأجنبية شيئًا، حتى انتهت متسارعة إلى الاستسلام قبل الموعد المتفق عليه للاستسلام، خوفًا من غضبة جماهير المسلمين.. وكأن بعض فترات التاريخ الإسلامي أقدس وأكرم عند الله من فترة السيرة والنبوة والوحي، حيث حدد القرآن المسؤولية عن الفعل التاريخي بقوله: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)[آل عمران:165].
ولم يقتصر القرآن على رصد الظاهر المادي وتحديد المسؤولية الذاتية، وإنما تجاوزه إلى بيان السبب والعامل النفسي الذي يبدأ من داخل النفس: (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا)[آل عمران:152]: (الغنيمة).. ونحن هنا لسنا ضد إرادة الدنيا في الفعل التاريخي، فإرادتها منزع بشري طبيعي، في منشئه، لكن المشكلة في السقوط، وعجز وسائل التربية الإيمانية عن تشكيل المناعة الحضارية المطلوبة، وضبط التوازن بين المبادئ والمصالح، أو تحصيل القناعة بأن المبادئ هي المصالح.
ولعل التوهم بأن التستر على الخطأ في التاريخ والواقع، وأن ذلك أدعى للسلامة، كان وراء الكثير من التراجعات والارتكسات، وتكريس وتكرار الخطأ، وتعطيل أدوات النقد والتقويم، والقدرة على الاعتبار، الأمر الذي أدى إلى الاستنقاع الحضاري.. لذلك نعود إلى القول: إن الإشكالية الثقافية التاريخية لا تزال تتحكم بعقلية المسلم اليوم، وتتسرب إلى حكم بعض مؤسسات ومنظمات العمل الإسلامي التي تؤثر إخفاء الخطأ، والتستر عليه، وعدم طرحه ومناقشة أسبابه، خوفًا من الانكشاف وتبصير العدو بنقاط الضعف، وبذلك تستمر الأخطاء وتتراكم، وتصبح أشبه بالألغام الموقوتة التي تنفجر بين حين وآخر، وقد تقضي على كل شيء عندما تتعاظم وتحيط بالإنسان (بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)[البقرة:81]، وكأن الإسلام بدأ فينا وبنا ينتهي، وكأن تصرفاتنا واجتهاداتنا هي الإسلام، بحيث نصبح نحن الإسلام.. والإسلام نحن! لذلك نتوهم أن أي تقويم لفعلنا ومسالكنا، هو تقويم للإسلام، وأي خطأ في حركتنا هو خطأ في الإسلام، وأي نقد لتاريخنا هو نقد لقيمنا المعصومة! فيكف يصح النقد لأعمالنا الإسلامية، والإسلام معصوم ونحن مسلمون!؟
وقضية أخرى لا بد من فك الالتباس حولها في الذهن المسلم أيضًا وهي: اكتساب القدرة على التفريق بين جلد الذات (السب واللعن) المنهي عنه شرعًا، وبين نقد المسالك وتقويم الأعمال، ومناقشة الفعل التاريخي، وتحقيق الاعتبار، وتسديد المسيرة الإسلامية في ضوء ضوابط القيم الإسلامية وأخلاق المعرفة المطلوبة شرعًا، ومن ثم القدرة على تشكيل النظر، والتقويم الإيجابي، لاجتهاد وفعل المخطئ، وأنه أحد الأدلة الموصلة إلى الصواب، لذلك جاءت معظم الكتابات الإسلامية متجهة صوب العامل والتآمر الخارجي، الذي أدى إلى سقوط الأندلس، إلا ما ندر من رصد مظاهر الصراع وأسبابه، والتنازع على المغانم والمصالح بين ملوك الطوائف- الأمر الذي ما يزال يعمل عمله فينا حتى اليوم- والنكوص عن الدراسة والتحليل، ومعرفة السبب الذي سمح بتسلل هذا الخلل إلى الواقع الإسلامي، والقابليات التي استدعته وسمحت بنموه وتفاقمه.. ومن ذا الذي يقول: إن المطلوب من أعدائنا أن يسهموا بنهوضنا، وأن توقف كيدهم وعدوانهم، شرط لانتصارنا؟!
فالعدول عن تقويم الذات وكشف الخلل، والتوجه صوب العامل الخارجي، يعني تكريس القابلية للتخلف والسقوط، وتمكين العامل الخارجي من أداء دوره المرسوم.
إن الغفلة عن بناء الذات، وإكسابها المناعة الثقافية والحضارية والعسكرية، هي التي تستدعي السقوط، وتستدعي الأعداء ليأخذوا نصيبهم من اقتسامنا، والله سبحانه وتعالى يقول: (وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً)[النساء:102].. والسلاح هنا لا يقتصر على الشوكة العسكرية، وإنما ينضم له بناء الشوكة الفكرية والثقافية، التي تمثل ميدان الصراع الحقيقي، لكن الغفلة وإعفاء الذات، تحتلنا على كل الأصعدة.
نعود إلى القول: إن التاريخ الإسلامي في الأندلس، ما يزال هو الذي يشكل الفترة المتألقة في تاريخ أسبانيا المعاصرة، على الرغم من كل أحقاد التعصب ومحاولات الطمس المستمرة.. ولئن أمكن طمس التاريخ السياسي بأشخاصه ومؤسساته، فإن التاريخ العلمي والثقافي الذي يشكل الضمير الحي للإنسان في أسبانيا، لا يمكن طمسه، والقفز من فوقه، لذلك بدأت العودة إلى الجذور، والتصالح مع التاريخ والاعتراف بالحقيقة على المستويات المتعددة، على الرغم من موجات التعصب المتتالية، والتي ما تزال تعتبر ذكرى سقوط غرناطة فرصة لشحن العواطف ضد الإسلام والمسلمين، على المستوى الشعبي والرسمي، وملء النفس الأسبانية المعاصرة بالحقد.
لذلك، فقد يكون من الطبيعي جدًّا اليوم أن يتراجع التعصب الديني بعقمه وعجزه تاريخيًّا، عن أن يقدم شيئًا مذكورًا للتاريخ الأسباني، إلا ذكرى الصور المخزية لمحاكم التفتيش، بعد أن تقدمت وسائل الاتصال اللغوي والفكري، وأتيحت فرصة لإظهار الوثائق، والتمتع بأقدار من حرية الاختيار. فليس الحقبة الإسلامية هي قصر الحمراء، ومسجد قرطبة، وجنات العريف، ونزاعات ملوك الطوائف المهزلة التي ساهمت بالسقوط الحضاري، والانكسار العسكري، وإنما العطاءات الثقافية والعلمية التي لا تزال غذاء فكريًّا لاستمرار الحياة الإسلامية.
وقد نكون اليوم أحوج من أي وقت مضى للعودة إلى عطاء القرآن، واستشعار التكليف والمسؤولية، وإعادة التدبر، فقوله تعالى: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا) يعني فيما يعني: تكليفًا بالنظر في السنن، أي القوانين المطردة، التي تحكم حركة الحياة والأحياء.. تحكم الحركة الاجتماعية، وتتحكم بسقوط ونهوض الأمم، وأن اكتشاف هذه السنن "القوانين" لا يتأتى من النظر في الحاضر، أو الاقتصار على التاريخ الخاص، وإنما لا بد له من العمق التاريخي، والعمر التاريخي معًا.. لابد له من السير في الأرض، وتجاوز الحاضر إلى الأيام التي خلت، حيث لا يتسع عمر الإنسان للإحاطة بفعل السنن الاجتماعية، واكتشاف حركتها واطرادها، من قراءة الحاضر.. وحتى السير في الأرض والإبحار في التاريخ، دون النظر القادر على التفسير والتحليل والتبصر في الكيفيات والعواقب، وفي المقدمات والنتائج، لا يغني عن صاحبه شيئًا، لذلك قال تعالى: (فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ).
إن شواهد التاريخ العام هي بيَّنات للناس، وبيان لا بد من تفهمه، وتبيّنه (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ) وإدراك كنهه و(وَهُدىً): أي وسيلة اهتداء إلى تلك السنن، التي تحكم الحياة والأحياء (السنن الاجتماعية)، ذلك الاهتداء الذي يقود إلى الاتعاظ والاعتبار (وَمَوْعِظَةٌ)، ويحول دون السقوط في علل الأمم السابقة التي استحقت تلك العواقب، ويقي الأمة المسلمة مما أصاب الأمم المنقرضة بسبب فعلها، وإنكارها للسنن (وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ).
ولو عدنا إلى تدبر الآية: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ) لأدركنا التباعد بيننا وبين التدبر وعطاء القرآن في المسألة الاجتماعية.
لذلك نقول: إن غياب الدارسة التاريخية التي تمكن من كشف السنن الاجتماعية، والعوامل المادية والنفسية الفاعلة في المسيرة البشرية، والاقتصار على التسجيل لحوادث التاريخ، الأمر الذي يحقق البيان فقط، وعدم تجاوز ذلك إلى التحليل التاريخي الذي يحقق الاهتداء إلى السنن، ومن ثم الاعتبار بها، والوقاية من السقوط، كان سرًّا من أسرار تردي المسلمين وتخلفهم وعجزهم عن الإفادة من العلوم الاجتماعية التي تتحكم بالعالم اليوم، والذي يعتبر التاريخ مخبرها ومنجمها الأول، والتي تبلورت على يد غيرهم.
ولابد من الاعتراف: بأن الصحوة الإسلامية في الأندلس التي تحاول اليوم تلمس طريقها، سوف تمر بمخاض طويل، وصعوبات متعددة، وترسبات عنصرية، وتوجيهات خارجية شتى، وسوف تقوم محاولات لاختراقها، وإجهاضها من الداخل، وذلك بأن يقذف في داخلها بأشخاص يسيئون إليها، ويحاولون الانحراف بها، وتفريغها من أهدافها، وهذا قد يكون شيئًا طبيعيًّا إلى حدٍّ بعيد، يمكن تجاوزه إذا استطعنا الاستمساك بالمعيار الإسلامي في التعامل مع الأشخاص، فمن أساء فإنما يسيء لنفسه.
ويبقى المطلوب من الباحثين والمفكرين والعاملين في الإطار الإسلامي، دراسة الظاهرة ورسم المداخل الصحيحة، والأولويات المطلوبة، ومواصفات الخطاب الحكيم للتعامل معها.
وتأتي هنا أهمية الكتاب الذي نقدمه اليوم للدكتور على المنتصر الكتاني- وهو يمثل وجهة نظر قد لا يتفق مع بعض جوانبها كثير من المهتمين بالمسألة الأندلسية- من أنه استطاع أن يرصد ظاهرة الصحوة الإسلامية، ويلتقط الكثير من الإشارات لاستيقاظ الضمير الإسلامي في أسبانيا، ولم يكتف بالرصد من بعيد، وإنما انخرط بالمشاركة أيضًا، مدللاً على ذلك بالوثائق والأسانيد العلمية، والتجارب والمشاهدات الميدانية، في الوقت الذي غاب عنا التاريخ الإسلامي الأندلسي، أو كاد يغيب، لكثرة مآسينا التي تنسلك في إطاره، حيث تحاول جهات كثيرة وعلى رأسها يهود اليوم، سرقة تاريخنا الحضاري والثقافي، وإضافته إلى حضارتهم، بحيث لا يبقى إلا صور الصراعات السياسية والطائفية المخجلة.. كما تأتي أهمية الكتاب بتوافق صدوره مع مناسبة مرور خمسة قرون على سقوط غرناطة، والمحاولات العالمية للدراسة والاحتفال، كلٌّ على طريقته، والذهول العربي الإسلامي الذي تعيشه جامعاتنا ومؤسساتنا العلمية والثقافية، والعجز عن الإفادة والاعتبار بالتاريخ، الأمر الذي يجعل حاضرنا متعثرًا ومستقبلنا غامضًا، ويجعلنا عبرة لغيرنا.. والعاقل من اعتبر بنفسه وغيره، والأحمق من كان عبرة لغيره، أو كما يقول ابن دريد:
مَنْ لم تَفِدْهُ عِبَرًا أَيَّامُـــهُ *** كان العَمى أوْلى بِه مِنَ الهُدى
مَنْ قَاس مَا لم يَرَهُ بما يَرَى**أراهُ ما يَدنُو إليـــهِ ما نَأى
والله من وراء القصد.










رد مع اقتباس
