يأتي كتاب شرح الرسالة للقاضي عبد الوهاب بن علي البغدادي، في مقدمة الكتب التي شرحت متن رسالة ابن أبي زيد القيرواني، بل يعد من أول شرَّاح الرسالة كما أشار إلى ذلك الدباغ في معالم الإيمان، وهنا لابد من الإشارة إلى أن الجزء المتعلق بشرح العقائد قد طبع بعنوان: "شرح عقيدة ابن أبي زيد القيرواني في كتابه الرسالة" في جزء واحد، بتحقيق الدكتور أحمد محمد نور سيف، عن دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث بدبي، 2004م، وتوجد قطعة أخرى من شرح الرسالة غير كاملة بالخزانة العامة بالرباط، برقم (625ق)، يبدأ المجلد الأول منها من كتاب الضحايا والذبائح ويشمل الجزء الثالث والرابع، أما المجلد الثاني فيشمل الجزء الخامس، وفي آخره يوجد شرح المقدمة العقدية. والنسخة بخط مغربي رديء لكنه واضح، وفي النسخة تصحيفات وتحريفات. أما الجزء الذي نشره الدمياطي، فلم يذكر مصدر النسخة التي اعتمدها، ولا مكان وجودها.

وتتجلى أهمية هذا الجزء المنشور من خلال الموضوعات الفقهية المهمة التي تناولها، فالكتاب يبتدئ بأبواب من كتاب الصلاة، وهي كالآتي: باب صلاة العيدين، باب في صلاة الخسوف، باب في صلاة الاستسقاء، باب ما يفعل بالمحتضر، وفي غسل الميت، وكفنه، وتحنيطه، وحمله، ودفنه، وباب في الصلاة على الجنائز، والدعاء للميت، ثم باب الدعاء للطفل، وغسله، والصلاة عليه، ثم ينتقل إلى كتاب الزكاة وفرّع له ببابين؛ باب في زكاة الماشية، وباب زكاة الفطر، وينتهي الكتاب عند باب في الحج والعمرة.

وقد سلك الشارح في كتابه منهجاً يميل فيه إلى السلاسة والسهولة، لأنه قصده فيه تيسير فهم أبواب كتاب الرسالة وتقريب معانيها، يبدأ الشارح أولا بذكر قول صاحب الرسالة، باستعمال عبارة: (قال رحمه الله)، أو عبارة: (قال)، ثم بعد ذلك يشرع في بيان المسألة الفقهية ذاكراً أدلة فقهاء المالكية فيها وآراءهم، ثم يورد اعتراضات المخالفين لها من أقوال الأئمة خاصة أبو حنيفة والشافعي وأدلتهم ويجيب عليها، متبعاً في ذلك طريقة الجدليين، كما يستشهد أحياناً ببعض الأبيات الشعرية.

ويؤكد قيمة هذا الشرح قول الدباغ في معالم الإيمان: «وشرحها القاضي أبو محمد هذا في نحو من ألف ورقة، وأول نسخة من هذا الشرح بيعت بمائة مثقال ذهبا». ومما دعا القاضي عبد الوهاب إلى شرح الرسالة القيروانية، مكانة مؤلفها، وكونها من أوائل المصنفات الفقهية المختصرة في المذهب المالكي، مع وضوح عرض مسائلها، وحسن سبك عباراتها وألفاظها، فرغب في تقريب معانيها، لتعم الاستفادة منها، ولعل هذا ما يفسر شدة إعجابه وتعلقه بها، حتى إنه قال فيها:

رسالة علم صاغها العلـم النهـــد *** قد اجتمعت فيها الفرائض والزهـد


أصـول أضـاءت بالهـدى فكـأنــما *** بـدى لعيـون الناظرين بهـا الـرشـد


وفي صدرها علم الديـانة واضـحاً *** وآداب خـير الخـلق لـيس لها نـــد


لقـد أمّ بـانيهـا الســداد فـذكــره *** بها خالد مـا حـج واعتمـر الـوفــد

وهكذا كان علماء المالكية وغيرهم، الذين أتوا بعد القاضي عبد الوهاب، يعتمدون على شرحه هذا قصد الاستفادة منه والنقل عنه، ويستندون إليه في تآليفهم، فقد نقل عنه القرافي (ت684هـ) في الذخيرة، وابن حجر (ت852هـ) في فتح الباري، وأبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن خليل التتائي (ت942هـ)، والحطاب (ت954هـ) في مواهب الجليل، كما اعتمد عليه أيضاً الصنعاني (ت1182هـ) في سبل السلام، والشوكاني (ت1255هـ) في نيل الأوطار، وغيرهم كثير.

صدرت هذه القطعة من شرح الرسالة حديثا بعناية أبي الفضل الدمياطي أحمد بن علي، عن دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى: 1428هـ/2007م، وحققت القطعة الأخرى من الكتاب الموجودة بالمكتبة الوطنية بالرباط في إطار رسائل لنيل الدكتوراه بجامعة القاضي عياض بمراكش.

--------------------------------------------------
تاريخ بغداد (12/292)،
وفيات الأعيان (3/219-222)،
سير أعلام النبلاء (17/429-432).