السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إليكم جزء من بحث كنت أعددته لرسالة الماجستير حول بداية المجتهد، تجدون فيه ضالتكم إن شاء الله.
التعريف بالكتاب :
بداية المجتهد ونهاية المقتصد من أنفس ما ألف المالكية في الخلاف العالي وبيان أسبابه مع مقارنة للمذاهب وتخريج للأقوال، وهو يختلف عن نظائره مما ألف أئمة المذهب "كالإشراف على نكت مسائل الخلاف" للقاضي عبد الوهاب البغدادي، وكتاب "القوانين الفقهية" لابن جزي بكونه أوسع وأشمل للمسائل الفروعية وأكثر عرضا للأقوال والمذاهب، علاوة على طريقته الفريدة في مناقشتها وكيفية عرضها، دون أن ننسى أن الإمام ابن رشد من أصحاب الاختيارات الفقهية .
موضوعه :
موضوع الكتاب هو الخلاف الفرعي الواقع بين المذاهب الأربعة وغيرها مما هو غير معتمد كالمذهب الظاهري أو المنقرضة غير المدونة كمذهب الليث بن سعد وأبي ثور والطبري، وأهميته الكبيرة تتجلى في بيان أسباب هذا الخلاف ومناقشتها وتعليلها وتوجيهها بعيدا عن التعصب المذهبي المعهود في أرباب المذاهب الفقهية.
دواعي تأليفه :
ذكر الإمام ابن رشد ذلك بنفسه فقال في مقدمة كتابه : [فإن غرضي في هذا الكتاب أن أثبت فيه لنفسي على جهة التذكرة من مسائل الأحكام المتفق عليها والمختلف فيها بأدلتها، والتنبيه على نكت الخلاف فيها ما يجري مجرى الأصول والقواعد لما عسى أن يرد على المسائل المنطوق بها في الشرع أو تتعلق بالمنطوق به تعلقا قريبا، وهي المسائل التي وقع الاتفاق عليها أو اشتهر الخلاف فيها بين الفقهاء الإسلاميين من لدن الصحابة رضي الله عنهم إلى أن فشا التقليد].
بقراءة متأملة لكلام ابن رشد خاصة آخر جملة منه يتضح بجلاء أن غرضه الأول هو الترويج للمذاهب الأخرى غير المذهب المالكي خاصة مذهب أهل الرأي في مواجهة بيئة عرفت تقليدا و تعصبا مذهبيا لم يسلم منهما وهذه جرأة منه، رحمه الله تعالى. وبقراءة أخرى لعنوان الكتاب نجد أن الكتاب لا يستغني عنه دارس الفقه الذي ضبط فروع مذهبه ويسعى لمعرفة الخلاف العالي ويضع نصب عينيه ولوج عالم الاجتهاد فهو بداية له، وفي نفس الآن هو نهاية لقاصر الهمة المقتصد في دراسة الفقه الذي لا نية له في التوغل في المذاهب والخلاف الواقع بينها فالكتاب نهاية له كأن الإمام ابن رشد لا يعتبر الفقيه إلا من علم الخلاف في أدنى درجاته، وكما قيل ، من لم يعرف الخلاف لم يشم الفقه أنفه.
منهج الإمام ابن رشد في كتابه :
يظهر بوضوح تأثر الإمام ابن رشد بفلسفته وثقافته المنطقية ومرانه على الجدل في مقارنته للمذاهب وتخريجه للأقوال، ولعل هذا ما منعه أن يكون متعصبا لمذهب إمامه، فهو يناقش كل خلاف بنزاهة وهدوء، وإذا رجح قولا أو رأيا فبلا تعصب كما هي عادة بعض فقهاء المذاهب، وهو يرى أن الخلاف الفرعي المذهبي ناشئ عن يسر الشريعة السمحة ومرونة قواعدها فيجعل القارئ لكتابه يشعر بالاطمئنان لكل المذاهب.
وهو مع هذا كله لا يتنازل عن مالكيته وعدم قيامه بفقه المذهب كما هو مطلوب منه باعتباره قطبا له وإماما للمدرسة الأندلسية الفريدة، إذ أول ما يذكر هو مذهب إمامه ويزيد بذكر أقوال أعلامه المشهورين التي خالفوا فيها الإمام ومداركها، وأحيانا يؤاخذ على المذهب مخالفته للأصول في بعض المسائل (1) وربما يعلل ذلك بعدم بلوغ النص للإمام أو عدم صحته عنده.وانتقد المذاهب الأخرى في عدة مسائل وألزم أصحابها بمخالفة القواعد المعتمدة عندهم، وتارة يستحسن أقوال أهل الرأي من الأحناف (2) ويحتج لهم على مالك (3) بل وطريقة ابن حزم الظاهر في بعض الاستدلالات (4) وينتفع أيما انتفاع بعلمه بالطب والطبيعة والفلك في ترجيح الأقوال والاختيار (5) لها وهي طريقة طريفة في الترجيح.
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 – كتاب الصيام، القسم الثاني من الصوم المفروض، المسألة السادسة (1/301) في إيجاب مالك القضاء على المجنون، قال : [فيه ضعف لقوله عليه الصلاة والسلام (.... وعن المجنون حتى يفيق)]
2 – كتاب الطهارة من النجس، الباب الثاني في معرفة أنواع النجاسات، المسألة السادسة في قليل النجاسات 1/84، قال : [وتقسيمهم – أي الأحناف – إياها إلى مغلظة ومخففة حسن جدا]
3 – كتاب الصلاة، الباب الأول في معرفة الأوقات، الفصل الثاني في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها، المسألة الثانية في الصلاة في الوقت المحظور (1/107) : احتجاجه للأحناف على المالكية في استثناء الصلوات المفروضة من سائر الصلوات التي تعلق النهي بها.
4 – كتاب الطهارة، الباب السادس في آداب الاستنجاء، مسألة استقبال القبلة للغائط والبول واستدبارها، عند كلامه في الترجيح بين الأحاديث بوضع الشرع قال : [وهذه الطريقة التي قلناها هي طريقة أبي محمد بن حزم الأندلسي، وهي طريقة جيدة مبنية على أصول أهل الكلام الفقهي] (1/90 – 91)
5 – كتاب الصلاة، الباب الأول في معرفة الأوقات، الفصل الأول في معرفة المأمور بها، المسألة الرابعة في وقت العشاء الآخرة، رد على الخليل بن أحمد الفراهيدي في الشفق أنه لا يثبت بالقياس والتجربة. (1/99)
كتاب أحكام الميت، الباب الأول فيما يستجب أن يفعل به عند الاحتضار وبعده كلامه عند استجاب تعجيل دفن الميت وتعليله سبب استحباب تأخير دفن الميت غرقا وغيره كالمصاب بانطباق العروق. (1/229)
تابــــــع
ويمكن تلخيص منهج الإمام ابن رشد في كتابه بداية المجتهد فيما يأتي :
أولا : يورد المسألة الفقهية بدليلها، وإذا كان متفقا عليها ساق هذا الاتفاق بقوله : [اتفقوا] أو [اتفق علماء الأمصار] وغيرها من الصيغ.
ثانيا : إذا كان هناك خلاف أورده مع إيضاح وجهة كل واحد مع الدليل، وهو رحمه الله يسوق الخلاف على عادة الأئمة الكبار كمالك والشافعي ثم يذكر بقية الأنظار سواء داخل المذاهب أو في غيرها وإن كانت غير مشهورة أو منقرضة كما أسلفت، وهو كثيرا كما يكرر أسماء الأئمة المجتهدين كابن عبد الحكم والطبري وأبي ثور وابن القاسم والقاضي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة وداود الظاهري وأشهب وسفيان بن نافع المزني صاحب الشافعي وابن الماجشون وغيرهم، والغاية عنده رحمه توسيع مجال الاجتهاد ومقابلة المذهبي المالكي بغيره من المذاهب.
ثالثا : يستعرض أوجه الأنظار المختلفة في المسألة مع مستند كل صاحب رأي فيها من دليل أو طريقة في فهم الدليل الشرعي، وهو رحمه الله يسلك في هذه المرحلة عدة طرق :
أ – ترجيح أحد الأدلة على أساس المنهج العقلي في الاستدلال، كالخلاف الحاصل في طهارة الرجلين هل تكون بالغسل أو المسح. (1)
ب – إسقاط كل المذاهب واعتبار الخلاف لا محل له في المسألة ما دام أن الشارع سكت عنها، كمسألة المسح على الخف المخروق. (2)
ج – توجيه المسألة إلى الأصل فيها، كغسل اليدين قبل إدخال لهما في الإناء عند بدء الوضوء حيث يذهب رحمه الله إلى أن المراد في الأصل طهارة الماء لا طهارة اليدين. (3)
د – التوقف بعد ذكر أوجه الخلاف، كالنزاع في الواجب مسحه من الرأس عند الوضوء. (4)
هـ – تكافؤ الأدلة دون ترجيح بينها، كالخلاف في غسل اليدين إلى المرفقين. (5)
و – رفض البحث في المسألة على معنى أن ذلك لا داعي له، كالخلاف في مسح الأذنين. (6).
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
1 – كتاب الوضوء، الباب الثاني في معرفة صفة الوضوء، المسألة العاشرة من الصفات، (1/18)
2 – كتاب الوضوء، الكلام على مسح الخفين، المسألة الرابعة من صفة الخف، (1/23)
3 – كتاب الوضوء، الباب الثاني، المسألة الثانية في غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء (1/12 – 13)
4 – نفس الكتاب والباب، المسألة السادسة، (1/15)
5 – نفس الكتاب والباب، المسألة الرابعة، (1/14)
6 – نفس الكتاب والباب، المسألة التاسعة، (1/17)
