الذوق الأدبي والنقدي عند ابن بسَّام الشنتريني

مع ترجمة له




ترجمة الأديب الأندلسي "ابن بسَّام الشنتريني "


يقول الزركلي في الأعلام (4 / 266):
ابن بسام (000 - 542 ه = 000 - 1147 م)
علي بن بسام الشنتريني الاندلسي، أبو الحسن: أديب، من الكتاب الوزراء.
نسبته إلى شنترين (المسماة اليوم) Santarem في البرتغال.
اشتهر بكتابه " الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة - ط " ثلاثة أجزاء منه، وبقيته مهيأة للطبع، وهو في ثمانية مجلدات، تشتمل على 154 ترجمة مسهبة لأعيان الادب والسياسة ممن عاصرهم أو تقدموه قليلا.

يقول عمر كحالة في معجم المؤلفين (7 / 43):
علي بن بسام (477 - 542 ه) (1048 - 1147 م)
علي بن بسام الشنتريني، الاندلسي (أبو الحسن) أديب، شاعر، مؤرخ.
من تصانيفه:
- الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة.
- (جزيرة الاندلس) في سبعة أسفار.
- ومقامات (خ)

ويقول المقري في نفح الطيب (3 / 458):
قال أبو الحسن علي بن بسام الشنتريني صاحب الذخيرة وشهرته تغني عن ذكره ونظمه دون نثره يخاطب أبا بكر ابن عبد العزيز:
( أبا بكر المجتبى للأدب ... رفيع العماد قريع الحسب )
( أيلحن فيك الزمان الخؤون ... ويعرب عنك لسان العرب )
( وإن لم يكن أفقنا واحدا ... فينظمنا شمل هذا الأدب )
وقد ذكرنا له في غير هذا المحل قوله:
( ألا بادر فلا ثان سوى ما ... عهدت الكأس والبدر التمام )
الأبيات وتأخرت وفاته إلى سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة وهو منسوب إلى ( شنترين ) من الكور الغربية البحرية من أعمال بطليوس.

ويقول ابن سعيد المغربي في المغرب في حلى المغرب:
الأديب أبو الحسن علي بن بسام التغلبي الشنتريني
من المسهب: العجب أنه لم يكن في حساب الآداب الأندلسية أنه سيبعث من شنترين، قاصية الغرب، ومحل الطعن والضرب، من ينظمها قلائد في جيد الدهر، ويطلعها ضرائر للأنجم الزهر. ولم ينشأ بحضرة قرطبة ولا بحضرة إشبيلية ولا غيرهما من الحواضر العظام من يمتعض امتعاضه لأعلام عصره، ويجهد في جمع حسنات نظمه ونثره. وسل الذخيرة، فإنها تعنون عن محاسنه الغزيرة، وأعلى شعره قوله:
ألا بادر فلا ثان سوى ما ... عهدت: الكأس والبدر التمام
ولا تكسل برويته ضباباً ... تغص به الحديقة والمدام
فإن الروض ملتثم إلى أن ... توافيه فينحط اللثام
وهذا من الطبقة العالية. ونثره في كتاب الذخيرة يدل على علو طبقته، وأما ما أنشده فيها لنفسه من الشعر فنازل.


ويقول إحسان عباس في تاريخ الأدب الأندلسي (عصر الطوائف والمرابطين) (ص 139):
ولكن ابن بسام وهو المؤرخ الأدبي للحقبة التي ندرسها تذمم من ادراج أشعار الهجاء في كتابه،
ويقول إحسان عباس أيضاً في تاريخ النقد الأدبي عند العرب (1 / 501- 507):
ابن بسام الشنتريني والعودة إلى ابن حزم:
ولعل ابن بسام الشنتريني ( - 542) صاحب " الذخيرة " هو أكثر النقاد بالأندلس - في القرن السادس - احتفالاً بقواعد النقد وتطبيقها.
وهذا ما نلمحه في الأساس النقدي الذي يقوم عليه كتاب الذخيرة، لأن ابن بسام لم يكتب في النقد الأدبي شيئاً مستقلاً.
يمكن أن نقول إن مذهب ابن بسام في النقد يقوم على ركيزتين كلتاهما تتصل بأبي محمد ابن حزم:
إحداهما: ركيزة الدفاع عن تراث الأندلس الأدبي عامة.
والثانية: النظرة الأخلاقية في الحكم على بعض الفنون الشعرية؛ وقد شفع ابن بسام هذه الفلسفة بمواقف تطبيقية تناول فيها بعض الشئون الأدبية وخاصة قضية السرقة.
الموقف الدفاعي:
ولقد كانت الغاية الأولى من تأليف " الذخيرة " هي جذب الأندلسيين إلى تخليد تراثهم والاعتزاز به، ولهذا ندد بهم ابن بسام في مقدمته لأنهم يهملون ما لديهم من أدب ويقبلون بالتقليد على أدب المشارقة، ويكبرون كل شيء ورد من جهة المشرق: " إلا أن أهل هذا الأفق أبوا إلا متابعة أهل المشرق، يرجعون إلى أخبارهم المعتادة، رجوع الحديث إلى قتادة، حتى لو نعق بتلك الآفاق غراب، أو طن بأقصى الشام والعراق ذباب، لجثوا على هذا صنماً، وتلوا ذلك كتاباً محكماً. وأخبارهم الباهرة وأشعارهم السائرة مرمى القضية ومناخ الرذية، لا يعمر بها جنان ولا خلد، ولا يصرف فيها لسان ولا يد، فغاظني منهم ذلك وأنفت مما هنالك، وأخذت نفسي بجمع ما وجدت من حسنات دهري وتتبع محاسن أهل بلدي وعصري، غيرة لهذا الأفق الغريب أن تعود بدوره أهلة، وتصبح بحاره ثماداً مضمحلة " ؛ غير أن ابن بسام - رغم هذه الحماسة لوطنه وما فيه من شعر ونثر - كان من أكثر الناس التفاتاً إلى المشرق، فهو يبني كتابه أولاً وفي ذهنه نموذج اليتيمة للثعالبي، وهو إذا وقف عند كثير من أشعار أهل بلده لم يقف عندها إلا ليبين كيف أن معانيها مأخوذة من أشعار المشارقة.
وقد يغتفر هذا الموقف لديه، لأنه كان يريد أن يظهر مبلغ ثقافته، ويربط بين الشعر المشرقي والمغربي على وجه من الدراسة المقبولة في عصره (دراسة السرقة والأخذ) ولكنه لا يعذر في أمر آخر وهو تصديه لتخليد الشعر دون إيمان عميق به، ولا ندري لماذا شاء أن يعلن عن هذه الناحية: أكان حقاً لا يؤمن بالشعر أم كان يداري نظرة سائدة في زمانه إلى الشعر حين قال: " جدة تمويه وتخيل، وهزله تدليه وتضليل، وحقائق العلوم أولى بنا من أباطيل المنثور والمنظوم " .
الوقفة إلى جانب الأخلاق:
أما وقفته إلى جانب الدعوة الأخلاقية التي صرح بها ابن حزم فإنها تتجلى في تجافيه عن فن الهجاء " ولما صنت كتابي هذا عن شين الهجاء وأكبرته أن يكون ميداناً للسفهاء أجريت هاهنا طرفاً من ملح التعريض " .
والهجاء عنده قسمان:
هجو الأشراف، وهو ما لم يبلغ أن يكون سباباً مقذعاً، ولا هجراً مستبشعاً.
والسباب الذي أمعن فيه جرير ومن حذا حذوه.
ولهذا اقتصر ابن بسام على إيراد نماذج من النوع الأول؛ ذلك هو ما قرره ابن بسام من حيث المبدأ.
ولكن الأمر لم يكن كذلك دائماً لأنه كثيراً ما تورط في إيراد حكايات وأشعار هجائية متصلة بها؛ وربما كان ابن بسام خاضعاً للوازع الأخلاقي الديني في رفضه للهجاء، غير أنا يجب أن نضيف إلى هذا العامل عاملاً اجتماعياً، فقد كان ابن بسام يؤرخ العلاقات بين الأحياء - في الغالب - ولذلك كان حريصاً على أن ينفي من كتابه ما قد يؤذي مشاعرهم رعاية للعلاقات الاجتماعية.
نقمة على الفلسفة والإلحاد:
غير أن هذا لا يضعف ما قررناه سابقاً وهو أن العامل الأخلاقي الديني كان قوياً في توجيه النقد لدى ابن بسام، وذلك يتجلى في نفوره من التفلسف في الشعر، ومن إيراد المعاني الإلحادية فيه؛ أورد قصيدة للسميسر يقول فيها:

يا ليتنا لم نك من آدم ... أورطنا في شبه الأسر


إن كان قد أخرجه ذنبه ... فما لنا نشرك في الأمر

فحمل عليه بشدة قائلاً:
" والسميسر في هذا الكلام ممن أخذ الغلو بالتقليد، ونادى الحكمة من مكان بعيد، صرح عن ضيق بصيرته، ونشر مطوي سريرته، في غير معنى بديع، ولا لفظ مطبوع، ولعله أراد أن يتبع أبا العلاء، فيما كان ينظمه من سخيف الآراء، وهبه ساواه في قصر باعه وضيق ذراعه، أين هو من حسن إبداعه ولطف اختراعه " .
وأورد أبياتاً فلسفية لأبي عامر ابن نوار الشنتريني، يقول فيها:
يا لقومي دفنوني ومضوا ... وبنوا في الطين فوقي ما بنوا
ليت شعري إذ رأوني ميتاً ... وبكوني أي جزاي بكوا
ما أراهم ندبوا في سوى ... " فرقة التأليف" إن كانوا دروا
وعلق عليها بقوله:
" وهذا معنى فلسفي قلما عرج عليه عربي، وإنما فزع إليه المحدثون من الشعراء حين ضاق عنهم منهج الصواب، وعدموا رونق كلام الأعراب. فاستراحوا إلى هذا الهذيان استراحة الجبان إلى تنقص أقرانه، واستجادة سيفه وسنانه، وقد قال بعض أهل النقد إنه عيب في الشعر والنثر أن يأتي الشاعر أو الكاتب بكلمة من كلام الأطباء أو بألفاظ الفلاسفة القدماء. وإني لأعجب من أبي الطيب على سعة نفسه وذكاء قبسه، فإنه أطال قرع هذا الباب، والتمرس بهذه الأسباب، وكذلك المعري كثر به انتزاعه. وطال إليه إيضاعه، حتى قال فيه أعداؤه وأشياعه، وحسبك من شر سماعه، وإلى الله مأله، وعليه سؤاله " .
وخلاصة موقف ابن بسام هنا:
كراهيته لإدخال الأفكار والألفاظ الفلسفية في الشعر، وإيمانه أن المعاني ضاقت بالمحدثين، فلهذا لجأوا إلى مثل هذه الأمور، وخرجوا عن " رونق كلام الأعراب " ؛ وهو معجب بأبي الطيب وأبي العلاء وخاصة بما يخترعه أبو العلاء، وبسعة النفس لدى أبي الطيب، ولكنه في الوقت نفسه متعجب من إقدامهما على ألفاظ الفلاسفة وأفكارهم.
ويبدو من هذا الموقف أن أبن بسام الناقد النافذ النظر، وابن بسام المتدين في صراع لا يجد له صاحبه حلاً.
الصدق الواقعي مطلب أخلاقي:
ابن بسام إذن - رغم سمو ذوقه الأدبي - ناقد محافظ، إن صح التعبير، ولهذه الروح يرفض أن يضمن مؤلفه أي موشح، خضوعاً لما جرت به العادة في المؤلفات المخلدات، وإن كانت الموشحات مطربة إلى حد " أن تشق على سماعها مصونات الجيوب بل القلوب "؛ وتمشياً مع هذه الروح ومع حقيقة أندلسية واقعية يمقت الشعر حين يبتعد عن الصدق الواقعي، فإذا سمع أبا بكر الداني يقول لممدوحه ما معناه: إنك تدفع الجزية للروم لأنك تعطيهم نقمة في لبوس نعمة، تعود ضرراً عليهم ثارت ثائرته لهذه الدعوى الفاجرة، وصرخ احتجاجاً على هذا الزور، ولم يعد لديه حلم الناقد الرحب الصدر:" وهذا مدح غرور وشاهد زور، وملق معتف سائل، وخديعة طالب نائل، وهيهات! بل حلت القاهرة بعد بجماعتهم؟ الخ "
وقد عرض ابن بسام هنا لقضية شائكه، طالما تمرس النقد العربي حولها بمثل قول النقاد: عن الشعر يحسن الباطل ويلبسه ثوب الحق ثم لا يضيره ذلك شيئاً؛ وهذا هو ابن بسام يجد الباطل مزوقاً بتسويغات كاذبة فلا تطاوعه نفسه على السكوت؛ عن الناقد - وإن يكن محافظاً في روحه - يقاس بالإخلاص، وقد كان ابن بسام مخلصاً للحقيقة في وطنه، دون أن يستطيع التمويه الشعري مخادعة نظرة عما يحس.
عن هذه الوقفة وحدها من ابن بسام تصحيح لكثير من الأحكام النقدية الخاطئة التي لم تستطع أن تخفي الزيف تحت شعارات " التخييل " .
ثورة على الاستعارات المبتدعة:
ومما يؤكد هذه المحافظة ومبدأ الالتزام بالذوق العربي العام الذي يمثله عمود الشعر ثورته على الاستعارات البعيدة لدى بعض شعراء عصره:
" كقول ابن الطلاء:

بقراط حسنك لا يرثي على عللي "

وقول ابن المصيصي:

إذا كانت جفانك من لجين ... فلا شك فيها ثريد

وقد قدح أهل النقد في المتنبي بخروجه في الاستعارة إلى حيز البعد، كقوله:

مسرة في قلوب الطيب مفرقها ... وحسرة في قلوب البيض واليلب "


حب المألوف من الطريقة الشعرية:
وهو ناقد لا ينفك يذكرنا بحيه للمألوف الذي جرت به العادة، ولهذا فإنه يكره الجمع بين التعزية والمدح الكثير للمعزى، " وليس من عادة أئمة الشعراء المقتدى بهم الإكثار من مدح المعزي في تأبين حميمه المتوفي، وإنما يلمون به إلماماً بعد التوفر على ندبة ميته والإشباع في ذكر ما فقد من خصاله ثم الكر على تسكين جأشه وحضه على التعزي اتقاء لربه - هذه طريقة قدماء الشعراء ".
مؤرخ أدبي ناقد في قراءة الشعر وله منهج نقدي:
ويستشف من تعليقاته على بعض ما يورده من أشعار انه معجب بالاستعارة الموفقة والعبارة الرشيقة، والإتيان بالتشبيه دون أداة وهو ماهر في استكشاف الأخذ والسرقة، يدل بذلك على سعة اطلاع، ولهذا فهو محب للتوليد في المعاني، وله تعليقات على بعض الأشعار تدل على نفاذ بصر بالنقد، كقوله في التعليق على هذين البيتين:

عليك أبا عبد الله خلعتها ... لها البدر طوق والنجوم غلائل


وما هي إلا الدهر في طول عمرها ... وإن لم يكن فيها الضحى والأصائل

" فيا لهذا البيت ما أحسن مذهبه، وأبدع مثواه ومنقلبه، إلا أنه بالدهر مسلوب الضحى والأصائل، فلم يزد على أن جلاه في زي عاطل، وأبرزه في مسوح شوهاء ثاكل، وليت شعري أي شيء أبقى للدهر المظلوم، بعد ضحاه الناصعة الأديم، وآصاله المعتلة النسيم، هل بقي إلا ليله الأسود الجلباب، وهجيره السائل اللعاب، ولو قال لممدوحه وتلك العلى فيها الضحى والأصائل، لأبرز قصيدته رفاقه البرود، شفافة العقود " .
إننا قد نجده تعليقات مثل هذه لدى المتعقبين للشعر بوحي من روح التدقيق، ولكن ابن بسام رغم ذلك يبدو من خير مؤرخي الأدب الذين كان لهم منهج نقدي واضح المعالم، بحيث لا يساميه في هذه المنزلة مؤرخون كثيرون، إلا أنه كان ابن عصره وقطره: يكره الفلسفة كما كرهتها الأندلس، ويعتقد بأن العنصر الأخلاقي لابد أن يكون أساساً في كل نشاط إنساني حتى في الفنون، لأن وجوده من علائم التماسك في البيئة الأندلسية، وهو يعيش في عصر يقبل على الزخرف بقدر - في شتى مجالات الحياة - ولذلك نراه يحب البديع في الشعر.
----------------------
وصف كتابه الذائع الصيت:
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة: أبو الحسن علي بن بسام الشنتريني. ت. إحسان عباس. ط. الدار العربية للكتاب، ليبيا ، تونس 1978- 1981 م.