اقتباس: المشاركة الأصلية كتبت بواسطة سيف بن علي العصري
[align=justify]أين يضع المصلي يديه في القيام، وهل وضع اليدين على الصدر مذهب معتمد، وهل صح بذلك حديثٌ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟


الجواب:

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فإن المعتمد عند أئمة الإسلام من المذاهب الأربعة وغيرها أن وضع اليدين لا يكون على الصدر، ثم اختلفوا بعد ذلك في محله،
فذهب الجمهور إلى أن اليدين توضعان فوق السرة وتحت الصدر، وذهب الحنفية والحنابلة إلى أنهما توضعان تحت السرة، وذهب المالكية في المشهور إلى الإرسال،

وقد حكى هذا الخلاف جماعات من العلماء، ومن أولئك الإمام القاضي ابن هبيرة الحنبلي رحمه الله (499-560هـ) في كتابه اختلاف الأئمة العلماء فقال: (واختلفوا في محل وضع اليمين على الشمال:
فقال أبو حنيفة: يضعهما تحت السرة.
وقال مالك والشافعي: يضعهما تحت صدره وفوق سرته.
وعن أحمد ثلاث روايات أشهرها كمذهب أبي حنيفة وهي التي اختارها الخرقي، والثانية كمذهب مالك والشافعي . والثالثة التخيير بينهما وأنهما في الفضيلة سواء).


وقال العلامة السهارنفوري رحمه الله في بذل المجهود شرح سنن أبي داود: (فانحصر مذاهب المسلمين في ثلاثة: أحدها: الوضع تحت السرة. وثانيها: فوق السرة تحت الصدر. وثالثها: الإرسال.
بل انحصر الوضع في هيئتين: تحت الصدر، وتحت السرة. ولم يوجد مذهب من مذاهب المسلمين أن يكون الوضع على الصدر، فقول الوضع على الصدر قول خارج عن مذاهب المسلمين، وخارق لإجماعهم المركَّب).


وقال الإمام سليمان بن خلف الباجي المالكي في المنتقى شرح الموطأ: (وَفِي أَيِّ مَوْضِعٍ تُوضَعُ الْيَدَانِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَيْسَ لِذَلِكَ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: الْمَذْهَبُ وَضْعُهُمَا تَحْتَ الصَّدْرِ وَفَوْقَ السُّرَّةِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ السُّنَّةُ وَضْعُهُمَا تَحْتَ السُّرَّةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ مَا تَحْتَ السُّرَّةِ مَحْكُومٌ بِأَنَّهُ مِنْ الْعَوْرَةِ فَلَمْ يَكُنْ مَحَلًّا لِوَضْعِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى كَالْعَجْزِ).

ونذكر نقلاً من كل مذهب يفي بالغرض:

قال الإمام الكاساني الحنفي في بدائع الصنائع: (َأَمَّا مَحَلُّ الْوَضْعِ فَمَا تَحْتَ السُّرَّةِ فِي حَقِّ الرِّجْلِ وَالصَّدْرُ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ).

وقال الإمام ابن القاسم كما في المدونة: (وَقَالَ مَالِكٌ: فِي وَضْعِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ؟
قَالَ: لَا أَعْرِفُ ذَلِكَ فِي الْفَرِيضَةِ وَكَانَ يَكْرَهُهُ، وَلَكِنْ فِي النَّوَافِلِ إذَا طَالَ الْقِيَامُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ يُعِينُ بِهِ نَفْسَهُ, قَالَ سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم, أَنَّهُمْ رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَاضِعًا يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ) .

وقال الإمام النووي الشافعي في المجموع: (مَذْهَبَنَا أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ جَعْلُهُمَا تَحْتَ صَدْرِهِ فَوْقَ سُرَّتِهِ وَبِهَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَدَاوُد).

وقال الإمام المرداوي الحنبلي في الإنصاف: (ثُمَّ يَضَعُ كَفَّ يَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى كُوعِ الْيُسْرَى ... وَيَجْعَلُهُمَا تَحْتَ سُرَّتِهِ، هَذَا الْمَذْهَبُ, وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ, وَعَنْهُ – أي: الإمام أحمد - يَجْعَلُهُمَا تَحْتَ صَدْرِهِ, وَعَنْهُ يُخَيَّرُ).

وقال الإمام ابن حزم الظاهري في المحلى: (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَضَعَ الْمُصَلِّي يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى كُوعِ يَدِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ ... وَرُوِّينَا عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه " أَنَّهُ كَانَ إذَا طَوَّلَ قِيَامَهُ فِي الصَّلَاةِ يُمْسِكُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى ذِرَاعَهُ الْيُسْرَى فِي أَصْلِ الْكَفِّ إلَّا أَنْ يُسَوِّيَ ثَوْبًا أَوْ يَحُكَّ جِلْدًا ؟ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: وَضْعُ الْكَفِّ عَلَى الْكَفِّ فِي الصَّلَاةِ تَحْتَ السُّرَّةِ. وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ: ثَلَاثٌ مِنْ النُّبُوَّةِ: تَعْجِيلُ الْإِفْطَارِ, وَتَأْخِيرُ السُّحُورِ, وَوَضْعُ الْيَدِ الْيُمْنَى عَلَى الْيَدِ الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ، وَعَنْ أَنَسٍ مِثْلُ هَذَا أَيْضًا, إلَّا أَنَّهُ قَالَ: مِنْ أَخْلَاقِ النُّبُوَّةِ, وَزَادَ: تَحْتَ السُّرَّةِ).
ولم يذكر ابن حزم قولاً بالوضع على الصدر.

وأما هل صح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وضع يديه على صدره؟

فالجواب: أنه لم يصح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وضع يديه على صدره في الصلاة، وأما حديث وائل بن حجر قال: «صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره» ، فإن زيادة (على صدره) لا تصح.

وهذا الحديث قد رُوي من طرق كثيرة ليس فيها هذه الزيادة، فقد رواه عن عاصم بن كليب بشر بن المفضل وزائدة وعبد الواحد وسفيان وزهير بن معاوية وإدريس وقيس بن الربيع وعنبسة وسلام بن سليم وغيرهم، ولم يذكر أحدٌ منهم هذه الزيادة، وإنما انفرد بها مؤمل عن سفيان الثوري عن عاصم بن كليب.
ومؤمل يَهِمُ، بل قال البخاري منكر الحديث، فكيف والرواة، قد خالفوه فلم يذكروا هذه الزيادة، قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة مؤمل: (وَثَّقَهُ: يَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: صَدُوْقٌ، شَدِيْدٌ فِي السُّنَّةِ، كَثِيْرُ الخَطَأِ. وَقَالَ البُخَارِيُّ: مُنْكَرُ الحَدِيْثِ. وَأَمَّا أَبُو دَاوُدَ، فَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَعَظَّمَهُ، وَرَفَعَ مِنْ شَأْنِهِ، ثُمَّ قَالَ: إِلاَّ أَنَّهُ يَهِمُ فِي الشَّيْءِ).
قال العلامة ابن القيم في إعلام الموقعين: (عن سفيان الثوري عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر، قال: صليت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فوضع يده اليمنى على اليسرى، ولم يقل: على صدره غير مؤمل بن إسماعيل).

ثم إن الإمام سفيان الثوري الذي روى عنه مؤمل هذا الحديث مذهبه وضع اليدين تحت السرة كما ذكر ذلك عنه ابن قدامة المقدسي في المغني والنووي في المجموع، ولو كانت الرواية – على صدره - ثابته لما ترك الإمام سفيان الثوري العمل بها.
ثم على افتراض ثبوت زيادة (على صدره) فهي محمولة عند الشافعية وطائفة من العلماء على أسفل الصدر وهو المحل الذي فوق السرة، بحيث يصح أن يقول الناظر إلى من قبض على هذا الوصف إنه وضع يده على صدره أو فوق سرته وتحت صدره.


فائدة :

يكره عند الحنابلة وضع اليدين على الصدر، وقد نص على ذلك جماعة منهم:
الإمام ابن مفلح الحنبلي في الفروع: (وَيُكْرَهُ وَضْعُهُمَا عَلَى صَدْرِهِ نَصَّ عَلَيْهِ – أحمد -).

وقال العلامة ابن القيم رحمه الله في بدائع الفوائد: (ويكره أن يجعلهما على الصدر وذلك لما روى عن النبي أنه نهى عن التكفير وهو وضع اليد على الصدر).

وقال الإمام منصور بن يونس البهوتي الحنبلي: (ويكره جعل يديه على صدره، نصَّ عليه مع أنه رواه). والله أعلم

كتبه الفقير إلى عفو ربه سيف بن علي العصري
بتاريخ 8/شعبان/1429هـ الموافق 9/8/2008م
أبو ظبي

[/align]
للفائدة