الموضوعات المميزة النشرات الشهرية احصائيات وأرقام تواصل معنا

بنرات متحركة

آخر مواضيع الملتقى

النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: (مدلول السياسة الشرعية1+2)؛ للدكتور: سعد بن مطر العتيبي

  1. #1
    :: المشرف العام ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    الكنية
    أبو أسامة
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    مكة المكرمة
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    فقـــه
    المشاركات
    7,913
    شكر الله لكم
    14,367
    تم شكره 5,811 مرة في 2,030 مشاركة

    افتراضي (مدلول السياسة الشرعية1+2)؛ للدكتور: سعد بن مطر العتيبي

    مدلول السياسة الشرعية (1)
    للدكتور: سعد بن مطر العتيبي


    29/7/1427


    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله، أما بعد ..

    فقد اقترح عدد من الأفاضل في موقع المسلم وغيره ، وضع مقالات في السياسة الشرعية : مدلولاً ومضموناً ، مع شواهد شرعية وتطبيقات عصرية ، للإفادة منها علماً وعملاً بعون الله وتوفيقه ؛ وذلك لما لفقه السياسة الشرعية من أهميَّة علميّة في صحة الاستنباط ، وضمان وسطيَّة المنهج ، والقدرة على استشراف مستقبل العمل الإسلامي ، حكومياً كان أو أهلياً ، وما يترتب على الإفادة من كل ذلك في مصلحة الإسلام والأمة الإسلامية ..

    وتحقيقُ هذا الاقتراح ، أمرٌ كان يتردّد في نفسي ، لما لا يَخفى من نقصٍ في إظهار هذا العلم ونشره ، مع أهميته وخطورةِ آثار استبعاده في الحياة الإسلامية العلميّة ثم العملية ، وكنت أطمح أن يكفيني خطورة الحديث فيه – على نحو ميسر - بعض أساتذة السياسة الشرعية الكبار ، ولكن يبدو أن لكل جيلٍ وسيلته ، كما أنَّ على كلٍ واجبه ..

    وقد استأذنت بعض مشايخي في هذا الفن في تنفيذ هذا المقترح ( وضعمقالات تعريفية بالسياسة الشرعية ونشرها تباعاً _إن شاء الله تعالى_ فوجدت تأكيداًعلى أهمية الفكرة ، و ترحيباً بتنفيذها ، مما شجّعني وجرّأني على عدم التَّأخر فيه .
    ومن هنا رأيت أن أبدأ هذه المقالات مستعينا بالله تعالى ، وأن يكون الحديث فيذلك – إن شاء الله تعالى – على نحو موجزٍ ، يفيد طالب العلم المتطلِّع نحو أُفقعلميٍّ عمليٍّ وسطيّ المنهج ، يستنهضُ الهمّة ، ويدفع نحو مواصلة المهمَّة ، يستنيربالدليل ، ويدع شاذّ الأقاويل ، ويقوي الإيمان بالحقائق ، ولا ينسى تهذيب الرَّوحبالرقائق ، يستعين بالله ، ويقصد رضاه ..
    وإنِّي لأرجو أن لا يدّخر مُطّلعٌ علىهذه المقالات ، يجد فيها ما يستوجب تصحيحاً أو ملاحظة أو نصحاً – جهداً في إيصالذلك إليَّ ، عبر موقع المسلم ضمن نافذة التعليقات على هذه المقالات ، أو بواسطةالبريد الرقمي الخاص ، أو غيره من وسائل الاتصال ، وليحتسب في ذلك أجر النصح والتصحيح إن وجد ما يتطلبه.
    ولمَّا كان كتاب الله _تعالى_ أصل علوم الدين وعماد علوم الشريعة الأول ، فلنبدأ الأضواء بآية من آياته ، نستلهم منها إرشاداً إلى الاهتمام بهذا العلم والعناية به .. قال الله _تعالى_ لنبيه محمد _صلى الله عليه وآله وسلم_ : "قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ "(يوسف108) .. ومن يتأمَّل هذه الآية يجدها قد شملت – فيما شملت - جوانب السياسة الإسلامية التي تندرج في أصل العلائق الإسلامية - التي مدارها على الدعوة بشمولها ، قولاً وعملاً - في كلمة ( بصيرة ) !

    فالسياسة الشرعية جزء من البصيرة التي نجدها حيَّة في سنّة النبي _صلى الله عليه وسلم_ وسيرته المباركة في الدّعوة وتصرفاته في الولاية بجميع مجالاتها الرئيسة ..

    فما هي السياسة الشرعية ، وكيف كانت جزءاً من البصيرة النبوية ، التي يسير عليها أتباعه النبي _صلى الله عليه وآله وسلم_ ؟

    هذا ما سيكون جوابه في المقالات التالية _إن شاء الله تعالى_ .
    أولاً : مدلول السياسة الشرعية
    مدخل : قبل بضع سنوات .. في يوم عرفة وعلىأرض عرفات ، سألني أحد الإخوة الأمريكيين ممن دخلوا في الإسلام ، ولم يكن من قبل منالمسلمين قائلاً : سمعت عن السياسة الشرعية ! فهل في الإسلام سياسة ؟
    قلت له : أنت مسلم حاج ، فلا ينبغي أن يخفى عليك أنَّ الإسلام عقيدة وشريعة ، أي : عقيدةوقانون ! أليس هذا هو واقع الإسلام كما عرفته ؟!
    ثم أخذت أكشف شبهته بأمثلةيعلمها ، لكنه لا يدرك انتماءها العلمي لمفردات هذا الفن ، كما ذكرت له عدداً منمؤلفات بعض أعلام أمتنا القدماء - منذ القرن الأول الهجري - في السياسة الشرعية .
    أولاً : المعنى اللغوي للسياسة :تستعمل السياسة في اللغة بمعنى : الفساد ،أو الجبلة ، أو التدبير .
    والسياسة بمعنى : التدبير ؛ هي الاستعمال المقصود هنا .
    ومن شواهده قول النبي_صلى الله عليه وسلم_: (( كانت بنو إسرائيل تسوسهمالأنبياء ، كلّما هلك نبيّ ، خَلَفَه نبيّ ، وإنَّه لا نبيَّ بعدي )) رواه البخاريح (3455) ، ومسلم ح (1842) ، قال النووي أي : " يتولون أمورهم كما تفعل الأمراءوالولاة بالرعية " .

    وقول عمر بن الخطاب_رضي الله عنه_: ( قد علمت ورب الكعبة متى تهلك العرب ؟ إذا ساس أمرهم مَنْ لم يصحب الرسول ، ولم يعالج أمر الجاهلية ) رواه ابن سعد في : الطبقات ، ورجاله ثقات .

    ومنه قول عمرو بن العاص يصف معاوية - رضي الله عنهما - : ( إني وجدته … الحسن السياسة الحسن التدبير ) ذكره الطبري في تاريخه .
    وقول هند الصغرى بنت النعمان بن المنذر المعروفة بحُرَقة :
    فبينا نسوس الناس والأمر أمْرُنَـا إذا نحـن فيهم سوقـة نتنصف


    والعرب تقول : سُوِّس فلان أمْر بني فلان ، أي : كلِّف سياستهم ، وملك أمرهم .
    ومن هنا يتبين أنَّه لا عبرة بما قيل من أنها كلمة غير عربية الأصل (خلاصة هذا القول : أنَّ كلمة ( سياسة ) معرب ( سه يسا ) ، فـ ( سه ) بالفارسية تعني : ثلاثة و ( يسا ) بالمغولية تعني : التراتيب ، فكأنه قال : التراتيب الثلاثة ) ؛ ولهذا وصف شهاب الدِّين الخفاجي (975-1069) - القول بأنَّها مُعَرَّبة بقوله : " وهذا غلط فاحش ؛ فإنَّها لفظة عربيَّة مُتَصَرِّفة … وعليه جميع أهل اللغة " .


    والحديث في المعنى اللغوي لكلمة ( السياسة ) لا يخلو من فوائد وطرائف ولطائف ؛ لكنني حاولت الاكتفاء بما يكفي في بيان المراد .. وربما أضفت ما قد يُحتاج إليه منها عند وجود مناسبة له _إن شاء الله تعالى_ .


    ========================= =====
    مدلول السياسة الشرعية 2

    للدكتور: سعد بن مطر العتيبي

    9/8/1427

    ثانياً : المعنى الاصطلاحي للسياسة الشرعية :
    مصطلح السياسة الشرعية من المصطلحات التي لم تستعمل للدَّلالة على أمر واحد ، بل مرّ بمدلولات عدَّة ؛ نتيجة تَطّوُّر مفهومه عند الفقهاء ، تبعاً لمعاناة نقله من التطبيق العملي إلى التنظير العلمي ، التي استغرقت زمناً لا بأس به ، كما هو الشأن في العلوم التي تملي البحثَ فيها الحاجاتُ المُتجدِّدَة ، وتراخي المسائل المستجدَّة من حيث الزمن ، في القرون الماضية ، ونتيجة إطلاقه على أنواع من العلوم عند من كتبوا في غير الأحكام الفقهية ؛ فلفظ " السياسة " قد استعمل للدلالة على أكثر من معنى .


    وقد عرّف الفقهاء - المتقدمون والمتأخِّرون - السياسة الشرعية بتعريفات كثيرة منها العام ، ومنها الخاص ، وأضاف إليها عدد من الباحثين صياغات جديدة حاولوا فيها ضبط المفهوم .

    وسأكتفي بإيراد تعريفين منهما :
    الأول : تعريف ابن عقيل الحنبلي - رحمه الله - للسياسة الشرعية بأنَّها : " ما كان من الأفعال ، بحيث يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح ، وأبعد عن الفساد ، وإن لم يشـرعه الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولا نزل به وحي " .


    والثاني : تعريف ابن نجيم الحنفي - رحمه الله - للسياسة الشرعيةبأنَّها " فعل شيء من الحاكم ؛ لمصلحة يراها ، وإن لم يرد بذلك الفعل دليل جزئي " .
    وحتى لا يُستطرد بالدخول في شروح التعريفات وبيان ما لها وما عليها ؛ فإنهيُكتفى بذكر ما خلصت إليه الدراسة الاستقرائية من تعريف للسياسة الشرعية ، وذلك منبالنظر المستفاد من واقعِ التدوين السياسي الذي ألفه حَمَلَة العلوم الشرعية ، ومنطبيعةِ المسائل التي أفردها بالتدوين فقهاء الشريعة ؛ إذْ يتضح أنَّ ثمَّة منهجينفي التدوين السياسي الشرعي :
    أحدهما : منهج يغلب عليه الجانب الخُلقي والاجتماعي .
    وثانيهما : منهج فقهي شرعي ؛ ينير للحكّام وأولي الأمر ، أحكام التدابير ،وآلياتها ، و ضوابط شرعيتها .
    ويمكن الخلوص بمدلول السياسة الشرعية من خلالاستقراء مضامين المؤلفات الفقهية في السياسة الشرعية إلى معنيين :
    الأول : معنىعام ، مرادفـ لـ( الأحكام السلطانية ) ، التي هي : اسم للأحكام والتصرفات التي تدبربها شؤون الدولة الإسلامية ، في الداخل والخارج ، وفق الشريعة الإسلامية ، سواء كانمستند ذلك نصاً خاصاً ، أو إجماعاً أو قياساً ، أو كان مستنده قاعدة شرعية عامة ؛وعليه:

    فالسياسة الشرعية بالمعنى العام : تشمل الأحكام والتصرفات التي تدبّر بها شؤون الأمة في حكومتها ، وتنظيماتها ، وقضائها ، وسلطتها التنفيذية والإدارية ، وعلاقتها بغيرها من الأمم في دار الإسلام وخارجها ، سواء كانت هذه الأحكام مما ورد به نص تفصيلي جزئي خاص ، أو مما لم يرد به نص تفصيلي جزئي خاص ، أو كان من شأنه التبدل والتغير ، تبعاً لتغير مناط الحكم في صور مستجدة 1
    ومعنى خاص ، مندرج في السياسة الشرعية بالمعنى العام ( الأحكام السلطانية ) ؛ واندراجه فيها ، من جهة طبيعة الأحكام ، وأصول تشريعها 2 ؛ إذْ يلْمَحُ في إفراد مسائلها ، عدمُ ثبات الحكم ، تبعا لاختلاف مناطه 3
    فالسياسة الشرعية بالمعنى الخاص هي :
    ( كل ما صدر عن أولي الأمر، من أحكام وإجراءات ، منوطة بالمصلحة ، فيما لم يرد بشأنه دليل خاصّ ، متعيّن ، دون مخالفة للشريعة ) .


    وهذا تعريف يحتاج إلى شرح ، وبيان لمحترزاته ، وذلك على النحو التالي :

    - قوله : ( ما صدر عن أولي الأمر ) : تعريف للسياسة الشرعية ببيان جهة الاختصاص بالنظر في مسائلها ، والحكم بها ؛ وهم ( أولو الأمر ) : العلماء والأمراء ؛ قال العلامة ابن القيم رحمه الله : "… والتحقيق أنَّ الأمراء إنَّما يُطاعون إذا أمروا بمقتضى العلم ؛ فطاعتهم تبع لطاعة العلماء ؛ فإنّ الطاعـة إنما تكون في المعـروف وما أوجبه العلم ؛ فكما أنّ طاعة العلمـاء تبع لطاعـة الرسول ، فطاعة الأمراء تبع لطاعة العلماء " ؛ فذكْرُهم هنا لبيان جانب السلطة في السياسة الشرعية ، وعلى فرض بلوغ الأمير درجة الاجتهاد تبقى السياسة في جانب الشورى وما يتفرع عنها من أحكام .

    وعليه ؛ فالسياسة الشرعية ليست محصورة فيما يصدر من حاكم ، بل تشمل بعض فتاوى المفتين من غير أهل الولاية المنصوبين ، فإنها قد تكون من باب السياسة الشرعية ، كما أشار إلى ذلك بعض العلماء ، ومن ذلك قول عبد الواحد بن الحسين الصيمري رحمه الله (ت/386) : " إذا رأى المفتي المصلحة أن يفتي العامي بما فيه تغليظ ، وهو مما لا يعتقد ظاهره ، وله فيه تأويل ، جاز ذلك زجراً له " ( ذكره النووي في مقدمة المجموع ) ، وهذا من لبّ السياسة بمعناها الخاص كما سيأتي إن شاء الله تعالى .

    - وقوله : ( من أحكام وإجراءات ) تعريف للسياسة ببيان شمولها لناحيتين : نظرية ، و تطبيقية .

    فالأولى : ما يلزم سياسةً من فِعْلٍ أو تَرْكٍ ، سواء كانت في شكل أنظمة وقوانين ، أو فتوى ، أو غيرها ؛ وهي المعبّر عنها بالـ( الأحكام ) .

    والثانية : ما كان محل فعل وتنفيذ ، وحركة وتدبير ؛ وهي المعبّر عنها بـ (الإجراءات) أو الآليات .
    - وقوله : ( منوطة بالمصلحة ) ، بيان لارتباط السياسة الشرعية بمراعاة المصلحة ، على اختلاف مستنداتها شرعاً ؛ وأنَّ مجالها : الأحكام المُعَلَّلَة ، ومن ثمَّ فلا بد أن تصدر عن اجتهاد شرعي ؛ وعليه ، فهو قيد يخرج به ما يلي :


    1) أحكام العبادات والمُقَدَّرات ومن باب أولى مسائل الاعتقاد ؛ فليست مجالاً للسياسة الشرعية ، من حيث هي .
    2) الأحكام والإجراءات الصادرة عن جهل وهوى ؛ فليست من أحكام السياسة الشرعية ، لكنها لو وافقت أحكام السياسة الشرعية ، جازت نسبتها إليها ، مع إثم مصدرهـا ؛ لتصرفه عن جهـل وهوى . ( ينظر : مجموع فتاوى ابن تيمية : 29/43 وما بعدها ) .


    - وقوله : ( فيما لم يرد بشأنه دليل خاص مُتَعَيِّن ) ، قيد يُخرج الأحكام التي ورد بشأنها دليل خاص مُتَعَيِّن ؛ فكلمة ( دليل ) تشمل النص ، والإجماع ، والقياس ؛ فالدليل هنا يقابل ( الاستدلال بطرائق الاستنباط أو ما يعرف بالأدلة المختلف فيها ) .

    وكلمة ( خـاص ) أي : بحكم المسألة محلَّ النظر ؛ بأن يثبت في حكمها دليل جزئي تفصيلي ؛ فما كان شأنه كذلك ، فليس من مسائل السياسة الشرعية .

    وكلمة ( مُتَعَيِّن ) تُخرج المسائل الثابتة اللازمة ، التي لا تتغير أحكامها بحال ؛ إذ إنَّها مُتَعَيِّنة الحكم ، ليس أمام أولي الأمر سوى تنفيذها . كما يدخل بهذه نوعان من المسائل هما :

    1) المسائل التي ثبت في حكمها أكثر من وجه ، لوجود دليل خاص لكل وجه ؛ بحيث يُخَيَّر أولوا الأمر بينها ، تبعاً للأصلح ؛ كالقتل والمنّ والفداء ، في مسألة الأسرى .
    2) المسائل التي ورد في حكمها دليل خاص ، لكنَّ مناط الحكم فيها قد يتغيَّر ، ومن ثم تتغيّر الأحكام تبعاً لذلك ؛ كالمسألة التي يجيء حكمها موافقاً لعرف موجود وقت تَنَزّل التَّشريع ، أو مرتبطاً بمصلحة مُعَيَّنة ؛ فيتغيّر العرف ، أو تنتفي المصلحة ؛ ومن ثم يتغيّر الحكم تبعاً لذلك ، لا تغيُّراً في أصل التشريع .


    - وقوله : ( دون مخالفة للشريعة ) قيد مهم ، يُخرج جميع أنواع السياسات المنافية للشريعة ؛ فليست من السياسة الشرعية في شيء .

    وعُبِّرَ بنفي المخالفة ؛ لأنَّه المعنى الصحيح لموافقة الشريعة ؛ فإنَّ ما جاءت به الشريعة ، وما ثبت عدم مخالفته لها ، هو في الحقيقة موافق لها : الأول من جهة النصوص ، والثاني من جهة القواعد والأصول ؛ فعدم مناقضة روح التشريع العامَّة والمقاصد الأساسية ، والأصول الكليَّة - ولو لم يرد بها نص خاص بعينه - هو ضابط السياسة الشرعية ، الذي يميزها عن غيرها من السياسات .

    بهذا تمَّ الحديث عن المعنى الاصطلاحي للسياسة الشرعية ، الذي دعت إلى إيضاحه وبيانه ، نظرة الاشتباه تجاهه ، حتى لدى بعض من لهم إليه انتماء ، فضلاً عن عامَّة طلاب العلم الشرعي ، بَلْه دارسي القوانين الوضعية ، ممن قلَّت بضاعتهم في علوم الشريعة الأساسية .


    ------------------------------
    الهوامش
    1) وهذا المدلول مأخوذ من استقراء مؤلفات السياسة الشرعية ذات المنهج الفقهي الشرعي الشامل ، التي يمكن تقسيمها على النحو التالي :
    أ - الأحكام السلطانية الشاملة . ( التي تشمل أحكام الإمامة العظمى وما يتفرع عنها من ولايات داخل دولة الإسلام أو خارجها ) . والسياسة عند مؤلفي هذا الفنّ لها إطلاقات ، يمكن حصرها في ثلاثة معان :
    الأول : إطلاق السياسة على : ولاية شؤون الرعية ، وتدبيرها أمراً ونهياً ، سواء صدر ذلك من الإمام ، أو ممن دونه من الأمراء والوزراء والقضاة ، ونحوهم .
    الثاني : إطلاقها على : أحكام الإمامة العظمى أو الخلافة ؛ من حيث أهلية الحاكم ، وما يجب عليه ، وما يجب على الرعية نحوه ، والأحكام التي منحها الشارع الحكيم للوالي ليتمكن من رعاية من تحته .
    الثالث : إطلاقها على : التعزيرات الشرعية . فالأحكام السلطانية الشاملة ، تعالج السياسة الشرعية بهذا المفهوم الواسع .

    ومن المؤلفات في هذا المعنى كتاب : الأحكام السلطانية والولايات الدينية لأبي الحسن علي بن محمد الماوردي ؛ ومثله : الأحكام السلطانية ، للقاضي أبي يعلى الحنبلي .
    ب - الأحكام السلطانية التي تحكم السياسة الداخلية . وقد يجيء فيها شيء من أحكام السياسة الخارجية ، غير أنَّه يكون مقتضباً . ومن المؤلفات في هذا المعنى كتاب : السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية ، لأبي العبَّاس ابن تيمية ، وإن كان لا يقتصر على هذا المدلول من جهة المضمون .
    ج - الأحكام المتعلقة بطرق القضاء ، ووسائل تحقيق العدالة . ويكاد ينصبّ الحديث فيها على الأحكام التي لم يرد بشأنها نصوص خاصّة ، غيرَ أن البحث فيها لا ينحصر في ذلك .ومن المؤلفات في هذا المعنى كتاب : الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن قيم الجوزية . ويسمى هذا الكتاب أيضاً : الفراسة المرضية في أحكام السياسة الشرعية .

    2) وهذا مأخوذ من استقراء مؤلفات السياسة الشرعية ذات المنهج الفقهي الشرعي الخاص ، ويمكن التعبير عنه بالأحكام الفقهية للمسائل التي لم يرد بشأنها نص تفصيلي خاص يمكن إدراجها تحته ، أو التي من شأنها التَّغّيُر والتبدُّل في المناط . والأحكام في هذا القسم توجد ضمن الأقسام السابقة ، إضافة إلى كتب الفقه العامة لشمول موضوعاتها وتناثر تلك الأحكام بينها ، أو حتى الكتب السياسية المتقدمة المعنونة بما لا يوحي بالشمول ؛ فكتاب : ( الخراج ) ، لأبي يوسف – مثلا - من الكتب التي لا يجد الباحث عناء في استخراج كثير من هذه الأحكام منها .

    ولكن لعل من أشهر موضوعات السياسة الشرعية بهذا المعنى : أحكام التعزير ، ومن المؤلفات المفردة فيه : السياسة الشرعية ، لإبراهيم بن يحيى خليفة المشهور بـ"ددة أفندي"(ت/973) ؛ وكذلك طرق القضاء ، ومن المؤلفات فيها : الطرق الحكمية ، لابن قيم الجوزية ، المذكور آنفا .
    وقد ظهر في العصور المتأخرة الاعتناء بهذا القسم ، وظهرت دعوات بإفراد أحكامه ، وجمع تطبيقاته من المدونات الفقهية ، و ما يُظن وجودها فيه من مصنفات ، وصارت السياسة الشرعية في هذا العصر مقرر تخصص في عدد من المدارس العلمية النظامية من كليات ومعاهد ، بل خصصت له أقسام علمية في عدد منها تحت مسميات مختلفة .

    3) سيأتي بيان ذلك في شرح تعريف السياسة الشرعية بمدلولها الخاص وفي ذكر الشواهد والأمثلة إن شاء الله تعالى



    المصدر: موقع المسلم

  2. #2
    :: مخالف لميثاق التسجيل ::
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    المشاركات
    9
    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 0 مرة في 0 مشاركة

    افتراضي

    بارك الله فيكم
    وشكر سعيكم
    وتقبل عملكم

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. الأزمة المالية: أفكار لحلول طويلة الأجل: خطوط عريضة، للدكتور منذر قحف
    بواسطة محمد بن فائد السعيدي في الملتقى خزانة الرسائل الفقهية
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 09-09-30 ||, 12:48 AM
  2. موقع الدكتور سعد بن مطر المرشدي العتيبي
    بواسطة أبو الحارث البقمي في الملتقى ملتقى فقه السياسة الشرعية
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 09-07-22 ||, 02:07 AM
  3. أسس السياسة الشرعية (13) اتباع سنة الخلفاء الراشدين لـ د. سعد بن مطر العتيبي
    بواسطة د. فؤاد بن يحيى الهاشمي في الملتقى ملتقى فقه السياسة الشرعية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 09-06-12 ||, 06:48 PM
  4. (هل ثم اختلاف في اعتبار العمل بالسياسة الشرعية ؟)؛ للدكتور: سعد بن مطر العتيبي
    بواسطة د. عبدالحميد بن صالح الكراني في الملتقى ملتقى فقه السياسة الشرعية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 07-12-02 ||, 05:17 PM
  5. (حجية العمل بالسياسة الشرعية)؛ للدكتور: سعد بن مطر العتيبي
    بواسطة د. عبدالحميد بن صالح الكراني في الملتقى ملتقى فقه السياسة الشرعية
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 07-12-02 ||, 04:43 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

جميع الموضوعات والمشاركات التي تطرح في الملتقى لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الملتقى، وإنما تعبر عن رأي كاتبها فقط.
وكل عضو نكل أمانته العلمية إلى رقابته الذاتية!.

﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران:98].