النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: عضل الولي وحرية المرأة في الاختيار

  1. #1
    :: مشرف ملتقى صناعة البحث العلمي :: الصورة الرمزية د.محمود محمود النجيري
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الكنية
    أبو مازن
    الدولة
    مصر
    المدينة
    مصر
    المؤهل
    دكتوراه
    التخصص
    الفقه الإسلامي
    العمر
    50
    المشاركات
    1,146

    عدد الترشيحات : 18
    عدد المواضيع المرشحة : 9
    رشح عدد مرات الفوز : 4

    شكر الله لكم
    233
    تم شكره 365 مرة في 125 مشاركة

    افتراضي عضل الولي وحرية المرأة في الاختيار

    عضل الولي
    وحرية المرأة في الاختيار



    العضل هو منع ولي المرأة لها من التزويج بكفئها إذا طلبت ذلك، ورغبَ كلٌّ واحد من الزوجين في صاحبه.
    وإذا كانت الحكمة تتجلى في اتباع الأصل الشرعي، الذي يُعطي المرأة الحقَّ في اختيار زوجها، فالأكيد أن يؤدي عضلها إلى صراعات كبيرة بين المرأة وأوليائها، على زوج تريده البنت، ولا يريده الأهل. وقد اجتهد الفقهاء في بيان الحل الشرعي لهذا المأزق الاجتماعي، فذهبوا في طريقين:
    الأول: إن عضل الولي الأقرب، انتقلت الولاية إلى الولي الأبعد. كما لو حدث أن جُنَّ الأقرب، تنتقل للأبعد؛ ولأن الولي يفسق بالعضل، فتنتقل الولاية عنه، كما لو أنه شرب الخمر. فإن عضَلَ الأولياء كلهم، زوَّجها الحاكم.
    وحجة ذلك قول النبي : "أيما امرأة نُكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل. فإن دخل بها، فلها المهر بما استحلَّ من فرْجها. فإن اشتجروا، فالسلطان ولي من لا ولي له" .
    والمرأة صارت لا ولي لها عملياً في حالنا هذه، بعد أن تشاجرَ أولياؤها وعضلوها. وهذا قوله للإمام أحمد، يرحمه الله .
    الثاني: إن عضل الولي الأقرب، انتقلت الولاية إلى السلطان؛ لأن الولاية حقٌّ عليه، امتنع عن أدائه، فقام الحاكم مقامه، كما لو كان عليه دَيْن، فامتنع عن أدائه.
    وذُكِر ذلك عن عثمان بن عفان، وشريح القاضي. وبه قال أحمد في رواية، والشافعية والمالكية والحنفية . ولذلك قال ابن المنذر: "أجمعوا على أن للسلطان أن يزوج المرأة إذا أرادت النكاح، ودعتْ إلى كفء، وامتنع الولي أن يزوجها" .
    فإذا رفعت المرأة أمرها إلى السطان، وهو القاضي الشرعي غالباً، فإنه يسأل الولي عن سبب امتناعه، فإن أظهر سببًا مقبولا، جعل أمرها إليه، وإلا أمره بتزويجها. فإن أصرَّ الولي على الامتناع، زوج عليه الحاكم. ودليل هذا في حديث معقل بن يسار، في سبب نزول قول الله تعالى: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف} (البقرة: 232).
    قال معقل: زوجت أختاً لي برجل فطلقها، حتى إذا انقضت عدتها، جاء يخطبها. فقلت له: زوجتك، وأفرشتك، وأكرمتك، فطلقتها، ثم جئت تخطبها، لا والله! لا تعود إليك أبداً. وكان رجلا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنزل الله هذه الآية، فقلت: الآن أفعل يا رسول الله. قال: فزوجها إياه" .
    وليتنا ننشئ هيئات شعبية للإصلاح في حال العضل، كما جعل الشرع لنا أن نرسل حَكَمًا من أهل الزوج، وحَكَمًا من أهل الزوجة عند الشقاق بينهما، بقوله سبحانه: {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحَكَمًا من أهلها إن يُريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما إن الله كان عليماً خبيراً} (النساء: 35).
    ويمكننا أن نجزم بأن اشتراط الولي في النكاح، يتفق مع الفطرة والذوق السليم. وعليه أكثر زواج الناس اليوم، وبخاصة البيوت الشريفة. ولا يمكن أن يكون هناك امرأة كريمة، ترضى لنفسها أن تهين أسرتها، بالخروج عليها، وتزويج نفسها، إذ لا يكون هذا الأمر إلا مراغمة لأسرتها، وتحدياً لهم. وليس وراء ذلك عقوق ونكران للجميل!
    وكم تكون المفاجأة رهيبة للولي، إذا دخلت عليه ابنته أو قريبته، ومعها ما يُسمَّى زوجها، الذي لم يعلم به، ولا وضع يده في يده- كما يقولون في عباراتنا الدارجة!
    وأما إن كان الزواج غير معلن، كما يجرى في معظم المجتمعات، التي تأثرت بطريقة الحياة الغربية. فهذا يعني أن المرأة قد جمعت شراً إلى شر، بتركها الولي الشرعي، وتركها الإعلان الشرعي، وصار زواجها باطلا على جميع مذاهب المسلمين.
    وإذا نظرنا إلى حِكَم وأسرار الشريعة، في نصْب الولي في النكاح، نجدها كثيرة، فنقول: إن الحكمة من نصْب الولي في الزواج، هي الحكمة من نصب الإمام. وهي النظر في مصالح مَن يليه، وصيانة دينه ونفسه، وعقله وماله، وعرضه. لذلك يُشترط في الولي شروط، منها أن يكون عليماً أميناً، عاقلاً حليماً، رءوفًا رحيمًا.
    والمرأة أقرب أن يُغرر بها وتخدع. والولي لا يُغرر به عادة. والحياة بوقائعها، تُظهر أن الإنسان عمومًا، يعوزه في أحيان كثيرة حسن الاختيار، وبخاصة المرأة، إذ إن خبرتها بالحياة، تقل عن خبرة الرجل. وإن حسن التقدير هو محصلة خبرات، لا تجتمع للإنسان إلا بعد أن يخوض في غمار الحياة، ويتقلب في مدارجها. وهذا يتيسر قدر كبير منه للأولياء، الذين هم رجال خبروا الزواج، وغيره من حلو الحياة ومرها، فيكون لهم- مع شفقتهم، وحسن نظرهم ومودتهم- ما يضمن إلى حد كبير نجاح الزواج بإذن الله تعالى.
    إن الولاية ما شرعت إلا من أجل أن تتوافر الحماية للمرأة، وحفظها من مغبة الاختيار الخطأ قبل نضجها، ولذلك فرقت الشريعة بين البكر والثيب في الاختيار، وليس المراد المصادرة على اختيارها. وإن التفريق بين الصغيرة والكبيرة يُشعر بذلك أيضًا. وهذا واضح في قول الرسول : "لاتُنكح الأيم حتى تُستأمر، ولا تُنكح البكر حتى تُستأذن". قالوا: يارسول الله! وكيف إذنها؟ قال: "أن تسكتْ" .
    وتخصيص الولي بمباشرة العقد، هو صيانة للمرأة عمَّا في مباشرتها له ما يشعر بوقاحتها ورعونتها وميلها للرجال، وأن تكون طالبة مبتذلة، بدلاً من أن تكون مطلوبة معززة. وهذا ينافي حال أهل الصيانة والمروءة.
    والولي مشيرٌ للمرأة، يُراد ليَختار كفئًا لدفع العار عن النسب، ولذلك في الولاية يقدم العصبات: الأقرب، فالأقرب. كتقديم الميراث؛ ولأن الأقرب أكثر شفقة، وهو أدرى بمهر المثل وبالكفء، وغير ذلك من جوانب عقد النكاح وشروطه، وأحوال الخاطب وأهله. وفي هذا حديث فاطمة بنت قيس، أن معاوية وأبا الجهم خطباها، فقال لها رسول الله : "أما معاوية، فرجل تَرِبٌ، لا مال له. وأما أبو الجهْم، فرجلٌ ضرَّاب النساء. ولكن أسامة. قالت: فتزوجتهُُ فاغتطبتُ" .
    والولي له حق على المرأة؛ لأنه في الغالب من عصبتها،: أب، أو جد، أو أخ، أو عم- رباها وأدَّبها عمرًا. فله لذلك حق، كما أنه سيقوم بكثير من كلفة زواجها وتجهيزها، فله بذلك حق أيضًا. فإذا أرادت فتاة طائشة العقل أن تأتي زواجاً مشينًا، كان لوليها الاعتراض؛ حتى لا تُهتك حرمتها وحرمة أوليائها. وكم من فتاة! ألقت بنفسها في أحضان مَن لا يخاف الله، ولا يرحمها، فأحرجت نفسها وأسرتها، ووقعت في مأزق، لم تستطع الخروج منه، إلا بالخراب المبين، والفضائح المدوية!
    ويتساءل الشيخ حسين يوسف محقًّا، ومقارناً بين الترتيب الشرعي للولي، والترتيب غير الشرعي. فيقول: "أين هذا المقام الكريم، الذي وفَّره الإسلام للمرأة؛ حفاظاً عليها؛ وصيانة لكرامتها، مِن ذلكم الوضع الرخيص، الذي انتهت إليه المرأة في المجتمعات الإفرنجية العصرية، حيث تضطر إلى البحث بنفسها عن الزوج المنشود، وتقتحم خلال ذلك الكثير من المغامرات، وتمر بالخطير من التجارب، وتفقد غالباً أعز ما تملك الفتاة الكريمة من عفة وشرف، قبل أن تُوفق إلى الخطيب المطلوب، أو الزوج المرغوب، حتى إن بعض كبار الباحثين الاجتماعيين في أميركا، قرر أن أكثر من 85 في المئة من المتزوجات هناك، قد مارسن الاتصالات الجنسية قبل الزواج" .
    ولما تقدم، فنحن قد اخترنا مذهب جمهور الفقهاء، في اشتراط الولي في النكاح؛ لأنه الموافق للمصلحة المعتبرة شرعاً. وحيثما كانت المصلحة، فَثَمَّ شرعُ الله تعالى. ولو كان اشتراط الولي في النكاح مذهب غير الجمهور، لاخترناه أيضًا؛ لأن صلاح المجتمع به، فكيف وهو مذهب جماهير أهل العلم؟!


    صحيح أخرجه أبو داود، كتاب النكاح، باب في الولي، (2083). والترمذي، كتاب النكاح، باب ما جاء لا نكاح إلا بولي (1102). وابن ماجه، كتاب النكاح، باب لا نكاح إلا بولي (1879).
    المغني: ابن قدامة المقدسي، دار الحديث، القاهرة، 476/6 -477.
    بداية المجتهد: ابن رشد، دار السلام، القاهرة، 1416هـ/1995م، 13/2-14. الشرح الكبير: أبو البركات الدردير، دار الفكر، بيروت، 1419هـ/1998م، 190/4. الفقه على المذاهب الأربعة: عبد الرحمن الجزيري: دار الإرشاد، 4/35.
    الإجماع: ابن المنذر، دار الدعوة، الإسكندرية، 1402هـ، ص 76.
    أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب من قال لا نكاح إلا بولي، (4837). وانظر فتح الباري (9/94). الفقه على المذاهب الأربعة (4/30).
    أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب لا ينكح الأب وعيره البكر والثيب إلا برضاها، (4843). ومسلم، كتاب النكاح، باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق والبكر بالسكوت (1419).
    أخرجه مسلم، كتاب الطلاق، باب المطلقة ثلاثا لا نفقة لها (1480).
    آداب العقد والزفاف: حسين محمد يوسف، دار الاعتصام، القاهرة، ص 71.


    دكتور محمود النجيري

  2. #2
    :: المشرف العام ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    الكنية
    أبو أسامة
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    مكة المكرمة
    المؤهل
    معد لرسالة الدكتوراه
    التخصص
    فقـــه
    المشاركات
    7,340

    عدد الترشيحات : 72
    عدد المواضيع المرشحة : 44
    رشح عدد مرات الفوز : 17

    شكر الله لكم
    8,247
    تم شكره 3,777 مرة في 1,311 مشاركة

    افتراضي

    جزاك الله خيراً؛ وأثابك الله
    وتنسيق الموضوع بالمرفق ممتاز؛ فالمرجو من فضيلتكم ملاحظة ذلك على صفحة الملتقى؛ حتى لا تعوق عن قراءة مواضيعك المتميزة ...

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. (ملخص) الاختيار الفقهي
    بواسطة د.محمود محمود النجيري في الملتقى ملتقى فقه الأصول
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 12-12-24 ||, 06:51 PM
  2. بحث: اشتراط الولي في عقد النكاح
    بواسطة ليلى بنت علي أحمد في الملتقى ملتقى فقه الأسرة
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 10-07-07 ||, 08:48 PM
  3. بيع أم الولد ومناظرة البردعي الحنفي للإمام داود الظاهري .. !
    بواسطة السيد محمد السيد الطنطاوى في الملتقى ملتقى فقه أهل الظاهر
    مشاركات: 11
    آخر مشاركة: 10-04-19 ||, 04:38 PM
  4. حمل رسالة: أيها الولد للغزالي
    بواسطة د.محمود محمود النجيري في الملتقى ملتقى فقه الأسرة
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 10-02-05 ||, 01:44 PM
  5. بين الاختيار والترجيح
    بواسطة د.محمود محمود النجيري في الملتقى ملتقى فقه الأصول
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 09-06-03 ||, 05:55 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

جميع الموضوعات والمشاركات التي تطرح في الملتقى لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الملتقى، وإنما تعبر عن رأي كاتبها فقط.
وكل عضو نكل أمانته العلمية إلى رقابته الذاتية!.

﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران:98].