النتائج 1 إلى 6 من 6

الموضوع: مقصدي الأمن والكفاية بين الشريعة والسياسة" مقال منشور"

  1. #1
    :: متـابـــع ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    المدينة المنورة
    المؤهل
    معد لرسالة الماجستير
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    31

    عدد الترشيحات : 0
    عدد المواضيع المرشحة : 0
    عدد مرات الفوز : 0

    شكر الله لكم
    0
    تم شكره مرة واحدة في مشاركة واحدة

    افتراضي مقصدي الأمن والكفاية بين الشريعة والسياسة" مقال منشور"

    مقصدي الأمن والكفاية بين الشريعة والسياسة



    الكاتب : أ. هدى ابراهيم




    أحمد الله حمد الشاكرين, وأستغفره استغفار المذنبين, وأصلي وأسلم على خير قائد, وأعظم نبي_نبينا محمد صلى الله عليه_, وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد..



    يعد مقصد الأمن والكفاية أحد أهم المقاصد الشرعية الكبرى التي تندرج تحتها أكثر مقاصد الشريعة ,فإذا نُصب لوائهما استقام حال الناس في معاشهم , وتحققت مصالح دنياهم. فالسياسة الشرعية أول ما تُطالب بإعلاء شأن هذين المقصدين العظيمين , وإرساء قواعدهما في المجتمعات وبين الشعوب.



    فالأمن والكفاية ضلعي المثلث الهرمي للحياة المجتمعية الكريمة, فهما شريان الحياة لأي تجمع إنساني _فكري, سياسي, عقدي, تعليمي....إلخ , وهما أيضاً ثمرات ونتائج جليلة للحياة الكريمة التي يَنْعُم بها المجتمع الكريم, فالأمن حاجة نفسية لا يعلو شأن النفس إلا بتأمينها, والكفاية _بجميع صورها_ حاجة جسدية لا غنى للفرد وبالتالي الجماعة عنها؛ لذا كان من المناسب في ظل الظروف والمعطيات المعاصرة طرق هذين البابين العظيمين بمزيد تفصيل ,ومناقشة ,وإيضاح.



    وقبل الولوج في بسطها أود أن نعرف المصطلحات الواردة في العنوان بشكل مختصر حتى يتضح المقال, ويُفهم المراد.



    المقصود بالأمن: وأصل الأمن سكون القلب عن توقع الضر, والأمن وهو عدم توقع مكروه في الزمان الآتي , وأحسن التعريفات : هو عدم الخوف من مغير خارجي.


    المقصود بالكفاية: من القوت ، وهو ما يكفيك من العيش ؛ وقيل : هو أقل من القوت, وأما الكفاف فهو: ما كان مقدار الحاجة من غير زيادة.


    الشريعة: هي ما شرعه الله لعباده من العقائد والعبادات, والأخلاق , والمعاملات , ونظم الحياة المختلفة في شعبها المختلفة؛ لتنظم علاقة الناس بربهم , وعلاقتهم ببعض, لتحقيق سعادتهم في الدنيا والآخرة.

    ولأن ما يهمنا هنا هو تعريف السياسة الشرعية , وليس عموم السياسة سَنُعرف السياسة الشريعة :بأنها السياسة الشرعية كما قال ابْنُ عَقِيلٍ: السِّيَاسَةُ مَا كَانَ فِعْلاً يَكُونُ مَعَهُ النَّاسُ أَقْرَبَ إلَى الصَّلَاحِ، وَأَبْعَدَ عَنْ الْفَسَادِ، وَإِنْ لَمْ يَضَعْهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا نَزَلَ بِهِ وَحْيٌ.
    وعرفها ابن نجيم الحنفي بأنها: "فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها، وإن لم يرد بذلك الفعل دليل جزئي".
    فالسياسة الشرعية بشكل عام هي تطبيق لأحكام الشرع فيما ورد فيه نص، ومراعاة المصالح ودرء المفاسد فيما ليس فيه نص.
    وبعد هذا العرض السريع لمعاني المصطلحات والواردة في العنوان يُقال: أنه لا يمكن تصور مجتمع منتج أو حضارة إنسانية , أو فكر نهضوي بدون أمن أو كفاية عيش ؛ فبغياب الأمن يتساوي الوضيع بالشريف ويعلو شأن الشر, ويضمحل الخير أو يكاد, وتتراجع القيم, وتتصدر الأهواء, وتنتفض شرهات النفوس , ومطامع القلوب,وتضطرب وتتصادم التوجهات,فيغرق المجتمع في وحل من الفوضى العارمة على كافة الأصعدة الإنسانية ,فيتفشى الجهل, وكثر الهرج والمرج, وتنتهك الأعراض, وتسلب الأموال , وتتجرد الإنسانية من ثوبها لتلبس لباس الوحشية البشرية حيث تكون أشد شراسة من وحشية السباع,فالشئ إذا جاء على غير طبيعته وفطرته كان مسخاً مشوهاً فيشط أيما شطط..! فتؤد الإنسانية على صخرة الفوضى, وتتذوق المجتمعات طعاماً ذا غصة وعذاباً أليماً جراء فقدنها ركيزة الأمن في الحياة.
    بل إن الأمن أُس الكليات الخمس التي جاء الشرع للمحافظة عليها(الدين , والنفس, والعرض, والعقل , والمال) ,فإذا غاب الأمن هدمت هذا الدعائم ركناً ركناً, فلا قيامة لشعائر الدين بلا أمن, ولا حرمة للنفس بفقدانه, ولا عرض مصان بدونه, ولا عقل مهاب بغيابه_ فكل يفعل ما يمليه عليه الهوى بلا عقل_ والمال مسلوب منتهب مغتصب,وبإرساء قواعد الأمن في أي مجتمع يكون الحفاظ على هذه الكليات الخمس , فتقام منائر شعائر الأديان, ويُستأمن على النفوس, ويتكاثر الولد بنظام الفطرة الرباني, وتحفظ العقول, وتضبط الأموال.

    وفي مقصد الكفاية من جميع حاجات الجسد الفطرية, والمتطلبات الأساسية لأي كائن حي , المأكل , والمشرب, والمأوى, والرزق الذي يكفي حاجته الملحّة التي تقتضيها مسمى الحياة ,فلا يمكن تصور فرد أو حتى البهيمية بدونها إلا تصوراً متهالكاً, ضعيفاً , خائر القوى , شريداً في متاهات الطرق, أو ميتاً رميماً، فلا مجتمع تتوفر فيه أقل كفايات الحياة, ولا صانعاً , ولا منتجاً, فكيف له أن ينشر خشباً, أو يلين حديداً, أو يبني جداراً وهو لا يستطيع أن يقيم صلبه, أو يتقي بجسده حر المصيف, وبرد الشتاء.
    وبالتالي يستحيل قيام حضارة إنسانية أو فكرية في مجتمع تنقصه أساسيات الحياة, فكلٌ يطارد لقمة عيشه, فهو فاراً هارباً لمطاردة رزقة, فكيف ينتج أو يصنع, أويبني حضارة إنسانية, فغياب موارد الرزق الأساسية للفرد والجماعة تقويض لمفهوم الحياة, وهدم لبنيان الخلافة في الأرض, و تطهير إنساني للوجود في الحياة, وإقصاء للفرد عن ساحات الفكر والنهضة, والرقي ؛لإنشغاله بكسب المال, وطلب الرزق في كهوف الجبال, أو في قيعان البحار, أو في أشواكِ الطرقات.
    وإذا نظرنا من الجانب المقاصدي للكفاية نجد أنه حاضراً حضوراً كلياً في الكليات الخمس_ سابقة الذكر_ فنجده في النفس من حيث المحافظة عليها من جانب الوجود, وفي المال إذ هو مورد أساسي لكثر من حاجات النفس الجسدية, وفي العرض والنسل من حيث الأمر بقيام أسرة فطرية تنشأ في ظل أبوين حياة كريمة , ولا يكون هذا إلا بتوفير حد الكفاف إن لم يكن الكفاية في كيان هذا الأسر التي في مجموعها تألف المجتمع بأي صفة كان.
    وباستقراء جزئي لبعض نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية, نجد فيه اقترانا وجيهاً, وإردافا متكاملاً لمقصدي الأمن والكفاية في الطرح, والأمر, والنهي, والحث, والامتنان نورد بعضها:
    1_ﭧ ﭨ ﭽ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ النحل: ١١٢.
    وهنا عقوبة بعد امتنان, وهدم بعد تشييد, فيُظهر الله منته على عبادة بقوله ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ .فقرن بين الأمن, والكفاية في الرزق ؛بل من كمال فضله على أهل هذه القرية زيادة على الأمن تفضّل عليهم بالطمأنينة وهي:الاستقرار النفسي من الداخل , فكانوا في آمن من عدو خارجي, واستقرار نفسي داخلي, ثم بيّن أن رزقها يأيتها ليس كفافاً أو كفاية ؛بل يأتيها رغداً كثيراً هنيئاً متنوعاً من كل مكان, فقد بلغ أهل القرية غاية الأرب, ومنتهى الطلب في مقصدي الأمن والكفاية ,فلما كفرت بتلك النعم حُرمتْ من الكأس الذي به كان الامتنان, فتبدل الأمن خوفاً, والرزق جوعاً.
    وفي هذه الآية دلالة صريحة على أن أعظم المنة على النفس توفير الآمن وكفاية العيش.
    2_ﭧ ﭨ ﭽ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ قريش: ٤ ووردت هذه الآية في معرض المنة على كفار قريش في جاهليتهم فكانوا أعز العرب منعة وأكثر هم مهابة, وتجلب لها الأرزاق والأنعام من حيث شاءوا.
    3_ﭧ ﭨ ﭽ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩﭪ ﭫ ﭬ ﭭ البقرة: ١٥٥
    فقرن في عقوبة الابتلاء بين الخوف والجوع؛ فبفقدهما تكون أعظم المصائب, وأجل الخطوب.
    4_ﭧ ﭨ ﭽ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ القصص: ٥٧.
    فقرن في الامتنان على كفار قريش بين الأمن والرزق, وهذا التلازم بين هذين المقصدين يقتضى الوقوف عنده كثيراً.
    5_ ﭧ ﭨ ﭽ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰕ البقرة: ١٢٦
    وهنا عندما طلب إبراهيم _عليه السلام _ من ربه الحياة الكريمة لمن سيؤول إليه سكن مكة طلب أعز موجود, وأعظم مفقود وهما الأمن والرزق, وهذا دلالة على أنهما ركيزتين للحياة الإنسانية الكريمة.
    6_ ﭧ ﭨ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ الأنفال: ٢٦.
    وفي هذه الآية الكريمة يُذكّر الله_سبحانه وتعالى_ أصحاب نبيه محمد _صلى الله عليه وسلم_ بأعظم منَّتين امتن الله بهما عليهم وهما:الأمن بعد الخوف, والرزق بعد شظف العيش.
    4_ قال رسول الله_صلى الله عليه وسلم_:( من أصبح منكم آمناً في سربه , معافى في بدنه, عنده قوت يومه ,فكأنما حيزت له الدنيا) رواه البخاري في الأدب المفرد, والترمذي وابن ماجه, وقال عنه الترمذي:" حسن غريب" وحسنه الألباني.
    وهذا الحديث أصل في هذا الباب, فقد ذكر فيه الدعائم الأساسية في حياة الفرد, وهي تنطبق تباعاً على المجتمعات والتكتلات بكل مفرداتها وهي الأسس هي: الأمن, والعافية, والقوت(الرزق), وهنا نلحظ المقصدين الجليلين الذين هما محور الحديث في هذا المقال(الأمن, والكفاية في(الرزق), فمن جوامع الخير, وحقوق الآدمية للفرد والجماعة أن يوفر لهم الأمن بكل أنواعه, والرزق بصنوف حاجاته و علائقه.
    وفي أبواب الفقه ومراعاتها لهذين المقصدين في أحكامه, وتشريعاته ما يعجز القلم عن جمعه في هذه الوريقات, ويكلُّ الحرف عن الإحاطة بجوانبه, ونذكر منها تمثيلاً, لا استقصاءً ما يلي:
    1_ شُرعت الهجرة من بلد الخوف إلى بلد الأمن , وكانت هذه أول هجرة في الإسلام_ الهجرة إلى الحبشة_ فإذا ضاقت البلاد بأهلها, واستعصى العيش بأمن في ربوعها لهم في مفازة الأرض خلاصُ.
    كما هاجر كثير من الأوائل والمعاصرين من بلد إلى بلد طلباً للرزق, ولشح الأرض التي يقطونونها بموارد الحياة الأساسية, فكان في هذه الهجرة والنقلة سعة في الرزق والمال. ﭧ ﭨ ﭽ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥﯦ ﯼ النساء: ١٠٠.
    2_ وشرعت أعظم العقوبات والحدود في الإسلام, كما شُرعت الحقوق والواجبات حفاظاً على مقصدي الأمن والكفاية , فشرع القصاص في النفس ودونها, وحد الحرابة, لأم الناس على أنفسهم, وشرع حد الزنا والقذف لأمن الناس على أعراضهم, وشرع حد السرقة ؛ليأمن الناس على أموالهم, وكل هذا يصب في الحفاظ على الكليات الخمس.
    وشرعت حقوق النفقة على الولد والزوجة وغيرهما, والإمتلاك, والبيع والشراء, وتقسيم الحقوق في الميراث, والهبة والعطية والزكاة والصدقة حفاظاً على حد الكفاية في الرزق والسكن وأبجديات الحياة الكريمة.
    3_ شُرعت الرخص حالتي الخوف والجوع الشديد, فشرعت صلاة الخوف, ورخّص بالنطق بكلمة الكفر فيه, والشريعة مليئة بالأحكام الخاصة بحالات الخوف في جميع أبواب الفقه, كرخصة ترك الماء إذا خيف بسببه الهلاك, أو خاف عدواً, وفي وقوع طلاقه, ورجعته, وأبيح له ارتكاب المحظور إذا خاف على نفسه وولده, كما في حالة المرضع والنفساء,فجاءت الشريعة مراعاة لحالات قلة الأمن في الحال والأحوال المحيطة.
    كما أنه في حالة الجوع الشديد يباح له أكل الميتة , وشرب الخمر إذا خاف الهلاك, ويمنع من القضاء فيها ؛لاضطراب حال النفس فيه وغيرها مما هو مبسوط في موضعه من كلام الفقهاء.
    فاختلال الأمن يفسد المعيشة ويجلب الجوع ويفني الرزق, فمقصد الأمن به يكون الحفاظ على حاجات النفس الإنسانية الأساسية_حد الكفاية_ وفي هذا يقول الصحابي الملك,و السياسي المحنّك, وداهية العرب:" إياكم والفتنة؛ فلا تهمّوا بها ،فإنها تفسد المعيشة, وتكدّر النعمة, وتورث استئصال نهضة المجتمع" , وبالنظر البديهي لحال الشعوب الخائفة تلك التي مزّقتها الحروب, وقطعتهم أسباطاً أمما كيف حال الفقر بها؟! إنه قد أقام بها رايته, وبسط فيها نفوذه ,فهم في فقر مدقع, وعيش مخزي, و جوع ملازم_ أجارنا الله من هذا الحال_.
    وحتى يكون هناك مثال حي لأمة عاشت في كفاية وأمن ,أو أرست دعائمه الأولى, فجاءت القرون بعده تنهل من معين هذا الأمن, وتلك النعم, وتجني ثمرات كان غراسها خير غراس, فأنبتت جنات وحب الحصيد, تلك الفترة النبوية الكريمة التي أقيمت بها أركان, وأعمدة الأمن , وكفاية الرزق ولنلخص تلك الفترة النبوية المحمدية في نقاط كما يلي:
    1_ بعد هجرة النبي للمدينة أو لأمر فعله هو ترسيخ وتثبيت الدعائم الأمنية الأخوية بين المهاجرين والأنصار بما عرف في التاريخ السياسي" بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار" إنها ربط عقود الأمن الداخلي في أبهى صور الإنسانية وهي الأخوية , فتوطد الأمن الداخلي, مع توفير الكفاية لهؤلاء المهاجرين الذين تركوا جنات وعيون, وزروع ومقام كريم في البلد الأمين، فكان الأنصاري يقتسم داره وماله مع أخية المهاجريّ.
    2_ كتابته صحيفة المدينة وهي الميثاق الغليظ بين مسلمي أهل المدينة وأهل الكتاب من اليهود الذين كانوا أعظم متاع وأمنع حصوناً من المسلمين بين الحرتين, فتفطّن النبي الأمي لهذه القوة التي تقطن بجوارهم فأقام عهداً وميثاقاً يحتوي بنود عدة يمكن أن توازي المواثيق الدولية الآنية في الترتيب وحسن المنطق والتدبير بها فقد جاء في الفقرة 47 من صحيفة المدينة" أن من خرج آمن ومن قعد آمن لا يسري على قريش أو من نصرها" فحقق لهم الآمن على نفوسهم وأموالهم فطمأنت أفئدتهم, كما كتب بينهم التناصر على من حارب أهل المدينة أو أرادهم بسوء, وكاتبهم على الزروع وما يملكون من الثمار بعدل نبوي فريد كما في خيبر, وهذا يرد في طريقة المنهج النبوي مع الأرض المفتوحة عنوة , كفتح مكة وخيبر وكل هذا مبحوث في بعض الدراسات في مبحث الأمن والتنمية في السياسة الشرعية.

    3_ النصوص القرآنية, والأحاديث النبوية الكثيرة التي تنهى عن التخويف حتى مع العدو غير المحارب , وتأمر بإيتاء الزكاة, وإنفاق الأموال تحقيقاً لمقصدي الأمن والكفاية, لاسيما أن هذه النصوص أتت لمجتمع قبلي جاهلي سادت في الفوضى, وانسلخ من القلوب معنى الآمان, كما أنهم عاشوا في صحراء قد كفت رزقها وغار في الأرض خيرها، فكانت تلك النصوص مخالفة لما اعتاد عليه الناس _وكانوا في شدة منه_ فلاقت قبولاً وحاجة في النفوس تعبت من تحصيل المطلب منها.

    4_ وعلى المستوى الخارجي ولتحقيق مقصد الأمن لهذه الدولة الوليدة التي كان يُنظر لها بعين الازدراء والاحتقار,لاسيما من كفار قريش ؛لخروجها طريدة وحيدة لا عدة لها ولا متاع ، فكانت غزوة بدر الكبرى والمسلمين لمّا بعد لم ينفضوا عن أنفسهم وعثاء السفر, وترك المال والولد, وما ذاك إلا لتحقيق المنعة والهيبة الخارجية لهذه الأمة الناشئة , فيخشى أعدائها سطوته بدل أن يُخشى عليها سطوتهم.
    5_ حذاقة السياسة الشرعية التي عُلمها المصطفى _صلى الله عليه وسلم_ في استقصاء البحث والتنقيب في أرض المدينة التي يراد إرساء قواعد الحكم بها من حيث النظر للجماعات الإقليمية والفكرية والعقائدية البارزة في المجتمع المدني ,فكما كان المنهج مع اليهود صارماً قوياً يناسب ما عُرف عنهم من المكر والخداع, ناسب أن يكون التعامل مع الطوائف الآخرى التي تختلط مع المسلمين أقل صرامة وأكثر حكمة كما فعل مع المنافقين الذين يعدون في نظر غيرهم من أصحاب النبي_ صلى الله عليه وسلم_ ,فمع علمه بهم لم يسمهم بأسمائهم لأصحابه_رضوان الله عليهم أجمعين_ واستفاد منهم في رد كيد العدو في الغزوات والمعارك فكانوا يخرجون تحت رايته, وهذه هي أعظم الخيوط السياسة حساسية ,فإخفاء هويتهم الحقيقة عن عامة الناس درء للانشقاق الذي قد يصيب هذه الدولة, فيضطرب الأمن فيها ,فيكون الانقسام والتحزب الذي هو أساس الفرقة والسقوط بعد ذلك, فاستغل إمكانياتهم, ووجاهتم عند العرب في استمالتهم.


    ومما سبق يتبين أن أهم المسؤوليات الملاقاة على عاتق السياسة في حدود السياسة الشرعية للشعوب والمجتمعات إرساء قاعدتي الأمن والكفاية , والضرب بيد من حديد على كل من يحاول تقويض دعائمهما وأركانهما, وإذا توطد هذا المقصدان يمكن للفرد أن ينتج وللجماعة أن تنشط , وللأمة أن تتنتهض ويقال أن السياسة استوعبت المعنى السياسي الشرعي المنوط بها.

    فصل الإمام الجويني _رحمه الله _ما يجب على الأئمة الولاة بما يحقق العدل والإعمال فقال:" قيض الله السلاطين وأولوا الأمر وازعين ؛ليوفروا الحقوق على مستحقيها, ويبلغوا الحظوظ ذويها, ويكفوا المعتدين, ويعضدوا المقتصدين, ويشيدوا مباني الرشاد, ويحسموا معاني الغي والفساد,فتنتظم أمور الدنيا, ويستمد منها الدين الذي إليه المنتهى"
    وقال الجويني:" لاتصفوا نعمة الأقذاء,مالم يأمن أهل الإقامة والأسفار من الأخطار والأغرار, فإذا اضطربت الطرق , وانقطعت الرفاق, وانحصر الناس في البلاد, وظهرت دواعي الفساد, ترتبت عليه غلاء الأسعار وخراب الديار, وهواجس الخطوب الكبار, فالأمن والعافية قاعدتا النعم كلها, ولا يهنأ بشي بدونها" , وبعد أن ذكر ما يترتب على انعدام الأمن من الأمور الجسام, من غلاء الأسعار, وظهور الفساد, وانقطاع العباد عن الأرزاق_مقصد الكفاية_ يتداخل مع الأمن وجوداً وعدماً _كما قدمنا_ ذكر أن على الدولة أن تسهر في تحقيق الأمن للناس,فالحاكم كقائد القافلة مطالب بحمايتها وحراستها.
    وفي الجانب الكفائي للسياسة يمكن أن يقال أنه:" استخدام كل إمكانيات الموارد البشرية, والمادية المتاحة بحيث يمكن إنتاج الحد الأقصى الممكن من السلع والخدمات التي تلبي الحاجات, مع وجود درجة معقولة من الاستقرار الاقتصادي, ومعدل نمو قابل للاستمرار" وكما أن السياسة مطالبة بتوفير الحاجات الكفائية لأفرادها فهي مأمورة بالعدالة بينهم ويقصد بها:" إنتاج وتوزيع السلع والخدمات بطريقة تشبع إشباعاً كافياً حاجات جميع الأفراد, وتوفر توزيعاً منصفاً للدخل والثروة دون أن تؤثر ثأثيراً سلبياً على حوافز العمل والادخار, والاستثمار, وروح المبادرة في الأعمال"
    وبنظرة سريعة على حال السياسة مع مقصدي الأمن والكفاية يظهر نوع من التهميش والتلاعب بهما ؛إذا أن تحقق بعض المآرب والمصالح السياسة لا يتعزز إلا بهذا التلاعب المقصود , وذلك إعلاء لشأن المنصب السياسي قوة ونفوذاً, ولأن دهاليز السياسة يتيهُ فيها الكيس الفطن فضلاً عن دهماء الناس فالحديث بصيغة التأكيد عنها يكون من الانحراف المنهجي ؛ لتلونها حسب المصالح والمقتضيات والمعطيات, فما يكون اليوم صواباً, بالأمس كان جريمة شنعاء , وما هو مذمّة في أول النهار يكون ممدوحة في آخره.

    ومن هنا ندرك أن مقصدي الأمن والكفاية هما أدوات سياسة تُستخدم في موضعها المناسب بالقدر المناسب, في التأقيت المناسب, فما تقصير بعض الحكومات على شعوبها في الجانب الكفائي _المأكل, والمشرب, والملبس, والمسكن_ إلا لإشغال الأفراد بكسبها وبتحصيل حاجات الجسد الهالك إبعاداً لهم عن مشاركتهم في إدارة عجلة الحركة السياسة , وإقصاءً لهم عن ميدان الفكر السياسي.

    ويمكن أن يقال كذلك في الجانب الأمني فقد تثار فتنة داخلية بقيادة سياسية عليا الغرض منها إسقاط إحدى العصابتين المتقاتلتين, وبذلكَ يكفون القتال فيها, أو ليكون الهدف منها هو تدخل السياسة كمنقذ للوضع المأساوي ؛لتزيد شوكة السلطة الحاكمة , وتشرئب لهم أعناق الغوغاء بالتصفيق والإعجاب,وأمثلة هذا أكثر من أن تحصر بالنظر للتاريخ السياسي للدول السالفة.

    وبعد هذا العرض لمقصد الأمن والكفاية في الشريعة والسياسة يظهر لنا جلياً أنهما خطان متوازيان يسيران جنباً لجنب مع السياسة والشريعة وجوداً وعدماً, وطلباً وتحقيقاً, وإبعاداً وإقصاءً، فمتى تحقق هذان المقصدان في ظل السياسة الشرعية تكون السلطة قد بلغت أعلى مقامات الشأن السياسي والديني للحفاظ على الأفراد والمجتمعات, وتحققت الغاية الشرعية من الوصاية السياسية.


    المراجع:



    1. القرآن الكريم.


    2. الأحكام السلطانية والولايات الدينية, محمد بن علي أبو الحسن الماوردي, خرّج أحاديثه وعلّق عليه: خالد عبد اللطيف العلي, دار الكتاب العربي, بيروت, الطبعة: الثانية, 1415هـ.


    3. الإسلام والتحدي الاقتصادي, د, محمد عمر شابرا, د. محمد زهير السمهودي, مطبوعات المعهد العالي للفكر الإسلامي, عمان, 1416هـ.


    4. أنيس الفقهاء في تعريفات الألفاظ المتداولة بين الفقهاء, قاسم ين عبد الله القونوي, تحقيق: د.أحمد عبا الرزاق الكبيسي, دار الوفاء,جدة, الطبعة: الأولى, 1406هـ.


    5. البحر الرائق شرح كنز الدقائق , عبد الله أحمد النسفي,والشرح لزين الدين العابدين إبراهيم بن نجيم. طبعة دار الفكر, بيروت.


    6. تاريخ التشريع الإسلامي_التشريع والفقه_, منّاع القطان, مكتبة المعارف للنشر والتوزيع,الرياض, الطبعة: الثانية, 1417هـ.


    7. دور التنمية في ضوء الإقتصاد الإسلامي, د. شوقي دنيا, مجلة البحوث الفقهية المعاصرة, العدد19, السنة الخامسة, 1414هـ.


    8. السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية, شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية , تحقيق: محمد إبراهيم البنا, محمد عاشور, مطبعة الشعب, مصر, 1971م.


    9. السياسة الشرعية في إطار مقاصد الشريعة, د. محمد عبد المنعم عفر, معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي, مكة المكرمة, 1415هـ.


    10. السياسة الشرعية وعلاقتها بالتنمية الإقتصادية وتطبيقاتها المعاصرة, د. فؤاد عبد المنعم أحمد, مكتبة الملك فهد الوطنية, الرياض, الطبعة: الثانية, 1422هـ.


    11. الطرق الحكمية في السياسة الشرعية, محمد بن أبي بكر أبي عبد الله ابن قيم الجوزية, تحقيق: بشر عيون, مكتبة المؤيد, 1410هـ.


    12. علم المقاصد الشرعية, د. نور الدين بن مختار الخادمي,مكتبة العبيكان, الرياض, الطبعة: الأولى, 1427هـ.


    13. غياث الأمم في التيارات الظلم( الغياثي), إمام الحرمين عبد الملك محمد الجويني, تحقيق: د.فؤاد عبد المنعم, د. مصطفى حلمي,دار الدعوة , الإسكندرية, الطبعة: الثالثة, 1413هـ.


    14. القاموس الفقهي, سعدي أبو جيب, دار الفكر, دمشق, الطبعة: الثانية, 1408هـ.


    15. قواعد الأحكام في مصالح الأنام. للإمام العز بن عبد السلام , تحقيق: عبد الغني الدقر, دار الطباع, دمشق, 1413هـ.


    16. قواعد نظام الحكم في الإسلام, د. محمود عبد المجيد الخالدي, دار البحوث العلمية, الكويت, 1400هـ.


    17. لسان العرب , محمد بن مكرم ابن منظور الأفريقي,دار صادر, بيروت, 1388هـ.


    18. معجم لغة الفقهاء, د. محمد روّاس قلعه جي, دار النفائس,بيروت الطبعة: الثانية, 1427هـ.




    أ.هدى بنت إبراهيم


    يوم الجمعة الموافق: 28/11/1431هـ.



  2. #2
    :: فريق طالبات العلم ::
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    0000
    المؤهل
    معد لرسالة الدكتوراه
    التخصص
    أصول الفقه
    المشاركات
    1,116

    عدد الترشيحات : 3
    عدد المواضيع المرشحة : 3
    رشح عدد مرات الفوز : 2

    شكر الله لكم
    164
    تم شكره 171 مرة في 85 مشاركة

    افتراضي رد: مقصدي الأمن والكفاية بين الشريعة والسياسة" مقال منشور"

    بارك الله فيكِ أختي الكريمة ونفع بكِ.
    ملاحظة: الآيات غير واضحة؛ فلو تعدلينها جزاكِ الله خيراً..

  3. #3
    :: متخصص ::
    تاريخ التسجيل
    Jan 2010
    الكنية
    أبو محمد
    الدولة
    المغرب
    المدينة
    الدار البيضاء
    المؤهل
    طالب بكالوريوس
    التخصص
    الشريعة و القانون-دراسات إسلامية (الفقه المالكي و أصوله)
    المشاركات
    553

    عدد الترشيحات : 10
    عدد المواضيع المرشحة : 7
    رشح عدد مرات الفوز : 3

    شكر الله لكم
    0
    تم شكره 74 مرة في 47 مشاركة

    افتراضي رد: مقصدي الأمن والكفاية بين الشريعة والسياسة" مقال منشور"

    بارك الله فيك
    قال شيخ الإسلام سراج الدين البلقينـي رحمه الله في "محاسن الاصطلاح" :
    "لكن الانتهاض لمجرد الاعتراض من جملة الأمراض
    "

  4. #4
    :: المشرف العام ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    الكنية
    أبو أسامة
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    مكة المكرمة
    المؤهل
    معد لرسالة الدكتوراه
    التخصص
    فقـــه
    المشاركات
    7,395

    عدد الترشيحات : 72
    عدد المواضيع المرشحة : 44
    رشح عدد مرات الفوز : 17

    شكر الله لكم
    8,881
    تم شكره 4,000 مرة في 1,371 مشاركة

    افتراضي رد: مقصدي الأمن والكفاية بين الشريعة والسياسة" مقال منشور"

     اقتباس: المشاركة الأصلية كتبت بواسطة المتخصصة مشاهدة المشاركة
    بارك الله فيكِ أختي الكريمة ونفع بكِ.
    آمين
     اقتباس: المشاركة الأصلية كتبت بواسطة المتخصصة مشاهدة المشاركة
    بارك الله فيكِ أختي الكريمة ونفع بكِ.
    ملاحظة: الآيات غير واضحة؛ فلو تعدلينها جزاكِ الله خيراً..
    الآيات من مصحف المدينة.
    حمليه من موقع مجمع الملك فهد لطباعة المصحف.

  5. #5
    :: متـابـــع ::
    تاريخ التسجيل
    Oct 2009
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    المدينة المنورة
    المؤهل
    معد لرسالة الماجستير
    التخصص
    فقه
    المشاركات
    31

    عدد الترشيحات : 0
    عدد المواضيع المرشحة : 0
    عدد مرات الفوز : 0

    شكر الله لكم
    0
    تم شكره مرة واحدة في مشاركة واحدة

    افتراضي رد: مقصدي الأمن والكفاية بين الشريعة والسياسة" مقال منشور"

    وفيكم باركَ الله..

    المتخصصة: وفيكِ بارك الله يافاضلة, وكما أجاب الشيخ عبد الحميد الكراني تحتاجين لظهور الآيات لتثبيت برنامج مصحف المدينة المنورة من موقع المصحف الشريف.

  6. #6
    :: فريق طالبات العلم ::
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    الدولة
    السعودية
    المدينة
    0000
    المؤهل
    معد لرسالة الدكتوراه
    التخصص
    أصول الفقه
    المشاركات
    1,116

    عدد الترشيحات : 3
    عدد المواضيع المرشحة : 3
    رشح عدد مرات الفوز : 2

    شكر الله لكم
    164
    تم شكره 171 مرة في 85 مشاركة

    افتراضي رد: مقصدي الأمن والكفاية بين الشريعة والسياسة" مقال منشور"

     اقتباس: المشاركة الأصلية كتبت بواسطة هدى إبراهيم مشاهدة المشاركة
    وفيكم باركَ الله..

    المتخصصة: وفيكِ بارك الله يافاضلة, وكما أجاب الشيخ عبد الحميد الكراني تحتاجين لظهور الآيات لتثبيت برنامج مصحف المدينة المنورة من موقع المصحف الشريف.
    بوركتِ أخية
    نعم نعم الآن ظهر؛ لأني أتنقل من جهاز لجهاز فالجهاز الذي كنت عليه البرنامج غير محمل عليه..
    جزاك الله خيراً.

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  

جميع الموضوعات والمشاركات التي تطرح في الملتقى لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الملتقى، وإنما تعبر عن رأي كاتبها فقط.
وكل عضو نكل أمانته العلمية إلى رقابته الذاتية!.

﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران:98].