مسائل
اختلف فيها قول ابن القيم

ليس من أحد من الفضلاء وأهل العلم، إلا وله ترددُ نظرٍ، واختلاف في القول، من حال إلى حال، ومن وقت لآخر. وليس إلا كتاب الله وحده الذي حَكَمَ الله بخلوه من التناقض والاختلاف. كما قال الله تعالى: ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً ﴾ [النساء: 82].
وهذه بعض المسائل الفقهية، التي تردد فيها نظر الإمام ابن القيم- رحمه الله، واختلف قوله من موضع لآخر في كتبه:
أولا- الشروط في النكاح:
1) يصح اشتراط الزوجة: أن كل امرأة يتزوجها عليها فهي طالق.
واختار أيضًا: أنه لا يصح.
ثانيًا- عقد النكاح:
2) يصح تعليق انعقاد النكاح على شرط.
واختار أيضًا: أنه لا يصح.
3) لا تُشترط العدالة في شهود النكاح، وتجوز شهادة الفسَّاق عمومًا، إذا لم يوجد غيرهم.
واختار أيضًا: أنها تُشترط.
ثالثًا- المهور:
4) يجب المهر المسمى في النكاح الفاسد.
واختار أيضًا أنه يجب مهر المثل.
رابعًًا- الأنكحة المنهي عنها:
5) نكاح المتعة: اليقين أن المتعة حرام، والقائلون بها معهم سنة منسوخة.
واختار أيضًا أنها تجوز رخصة عند الضرورة.
خامسًا- عِشْرَة النساء:
6) يصح إسقاط المرأة لبعض حقوقها، كالقسم. وليس لها المطالبة بعد الرضا.
واختار أيضًا أنها يجوز لها المطالبة.
7) الحكمان في الشقاق بين الزوجين- حاكمان، لا وكيلان. يلزم حكمهُما الزوجين دون اعتبار لرضاهما.
بعد أن قال في موضع آخر: إنهما وكيلان.
سادسًا- الفسخ:
8) ليس للزوجة الفسخ بإعسار زوجها بنفقتها.
واختار أيضًا أنه يجوز لها ذلك.
9) ليس للزوجة الفسخ بالإعسار بالصداق.
واختار أيضًا أن لها الفسخ.
سابعًًا- الخلع:
10) للزوج أن يأخذ من مختلعته أكثر مما أعطاها.
واختار أيضًا أنه ليس له ذلك.
11) يجوز خلع اليمين تخَلُّصًا من وقوع الفرقة بين الزوجين، فيفعل الزوج المحلوف عليه بعد الخلع، ثم يعود الزوجان على ما كان من نكاح.
واختار أيضًا بطلان الحيلة بالخلع لفعل المحلوف عليه في حال البينونة، ثم يعود إلى النكاح. فإذا قال: إنْ كلمتِ أباك فأنتِ طالق، ثم أبانها بخلع، فكلمتْ أباها، ثم تزوجها، ثم كلمتْ أباها مرة أخرى، فإنها تطلق.
ثامنًا- العِدد:
12) لا عدة على المختلعة، وإنما تستبرئ بحيضة.
مع ميل ابن القيم لاعتداد المختلعة بثلاث حيض؛ تعليلا بالمصلحة والقياس.
وهذا ينقض قوله: إنه فسخ، لا طلاق.
وهذه المسائل يمكن قسمتها نوعين:
أحدهما: مسائل تردد فيها نظره ترددًا واضحًا، ولا يمكن ترجيح أحد القولين الذيْن تردد فيهما نظره على الآخر، ولا القول بأنها اختياره بآخرة. وهي ثلاثة: المسألة الرابعة، والسادسة، والعاشرة، من المسائل المذكورة.
والآخر: مسائل اختلف فيها قوله، إلا أنه يمكن ترجيح أحد القولين الذين تردد فيهما نظره على الآخر، بحيث يمكن القول: بأنه هو اختياره بآخرة. وهي المسائل التسعة الباقية.
وأسباب هذا الترجيح يمكن إجمالها فيما يلي:
1. أن القول الذي رجحناه، هو الذي نصره ابنُ القيم أكثر، ودلل عليه تدليلا واسعًا.
2. أن القول الآخر أتى في الغالب عارضًا، ولا دليل يسنده في كلام ابن القيم نفسه.
3. أن ما رجحناه هو المتوافق مع اختيارات ابن القيم الأخرى والقواعد التي بنى عليها فقهه. ومثاله:
• في المسألة الأولى، يترجح أن اختيار ابن القيم، هو صحة اشتراط الزوجة: أن كل امرأة يتزوجها عليها فهي طالق؛ وذلك لموافقته لقاعدة ابن القيم المطَّردة بصحة الشروط في النكاح.
• في المسألة الثانية، يترجح أن اختيار ابن القيم، هو صحة تعليق عقد النكاح بشرط؛ وذلك لأنَّه طرده في الطلاق، والعتاق، والرجعة، والإبراء، والولاية، والفسوخ.
• في المسألة الثالثة، يترجح أن اختيار ابن القيم، هو عدم اشتراط العدالة في شهود النكاح؛ وذلك لأنه طرده في الحضانة، والوصاية، وولاية النكاح. كما أنه قدم أدلة كثيرة على ذلك.
• في المسألة الثامنة، يترجح أن اختيار ابن القيم، هو أنه ليس للزوجة الفسخ لإعسار زوجها بنفقتها؛ وذلك لأنه القول الذي دلل عليه أكثر مخالفًا الجمهور.
وطرده: أن اختيار ابن القيم في المسألة التاسعة، هو أنه ليس للزوجة الفسخ بالإعسار بالصداق.
• في المسألة الحادية عشرة، يترجح أن القول بصحة خلع اليمين هو اختيار ابن القيم؛ لأنه آخر ما نصره في آخر كتابه "إعلام الموقعين". و"إعلام الموقعين" مِن آخر ما كَتب .
• في المسألة الثانية عشرة، يترجح أن اختيار ابن القيم، هو أن عدة المختلعة حيضة واحدة، لا ثلاث؛ وذلك لأنه المتوافق مع اختياره أن الخلع فسخ، لا طلاق.
ومن هنا، يمكن أن ندرج هذه الاختيارات التسعة ضمن الاختيارات الأخرى، التي لم يتردد فيها نظره.
وهذا الاختلاف في عين المسألة، أو نوعها من العلم، قد يسمى تناقضًا؛ لأن التناقض: اختلاف مقالتين بالنفي والإثبات. فإذا كان الفقيه في وقت قد قال: إن هذا حرام. وقال في وقت آخر فيه، أو في مثله: إنه ليس حرام، أو قال ما يستلزم أنه ليس بحرام- فقد تناقضَ قولاه.
فإذا اعتقد العالم اعتقادين متناقضين في قضية أو قضيتين؛ مع قصده للحق، واتباعه لما أمر باتباعه من الكتاب والحكمة- عُذِر بما لم يعلمه، وهو الخطأ المرفوع عنا. بخلاف أصحاب الأهواء.
وسبب الفرْق بين أهل العلم، وأهل الأهواء- مع وجود الاختلاف في قول كل منهما: أن العالم قد فعل ما أُمر به مِن حسن القصد والاجتهاد، وهو مأمور في الظاهر باعتقاد ما قام عنده دليله، فالمجتهد الاجتهاد العلمي المحض ليس له غرض سوى الحق. وقد سلكَ طريقه. وأما متبع الهوى المحض: فهو من يعلم الحق ويعاند عنه .

_________________________ ______________
  1. وهي اثنتا عشرة مسألة.
  2. ويوضحه قول المرداوي في الإنصاف عن صحة خلع اليمين: "واختاره ابن القيم في "إعلام الموقعين"، ونصره من عشرة أوجه" (الإنصاف 8/426).
    وكان تأليف "إعلام الموقعين" بعد موت ابن تيمية، كما ذكر ابن القيم في هذا الكتاب (1/471)، ووفاة ابن تيمية كانت سنة 728هـ.
  3. القواعد النورانية الفقهية: ابن تيمية، ص127- 130.